من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
المقامات (٢)
وَكَانَ الْمبيت بدشار البوير من أحوازها، دشار نشعت الطَّرِيق بلالة أَهله، وأعدم الله الْمُرُوءَة من فتاه وكهله، وَمن الْغَد قَطعنَا للرحلة الآهلة، وَالطَّرِيق الطاعمة الناهلة، حَيْثُ السهل الْمَمْدُود، وَالْمَاء المورود، والجسور المحنية، والدشر السّنيَّة، والْآثَار المدينية إِلَى مَدِينَة مكناسة، وَمِنْهَا بعد كثير، حَتَّى إِذا الشَّمْس هَمت بتسلق الجدرات، وقادت أَهلهَا من وَرَاء الحجرات، وطفق عسجدها يذهب لجين الضحا، وَمرْسَاهَا الموشية تجلو خد الأَرْض بَعْدَمَا التحا، قمنا نستشعر التجلد للبين، وَهُوَ يفصح، ويجمل حكم الوجد، والدمع يشْرَح، فودعنا الخليط المصاحب، وسلكنا الطَّرِيق غير اللاحب. وَقد طبق ضباب لَهُ على الأَرْض، أكباب حجب الْجِهَات، ولابس بَين الْأُمَّهَات، وضللنا لَوْلَا أَن هدَانَا، وسرنا، والحفنا السَّحَاب وردانا، والنبت قد أطلع ولدانا، ونواحل الطلول قد عَادَتْ بدانا، ثمَّ إِن مرْآة الْأُفق جلت الغزالة صداها، وَأَتَتْ كل نفس هداها، فحمدت السراة مغداها. واقتحمنا الرمل الذى أقدح الله مرعاه، وَحشر غليهم فَحَضَرت مدعاه، مَا بَين خيام، ورعاة غير ليام، وبيوت شعر ومعاطن، وبقر وغنم، تملت بهَا الأَرْض، وبقر ضَاقَ بهَا الطول وَالْعرض، وعجائز يئسن من المحيص، مهدية قرب الْمَحِيض، وَقد اضْطَرَبَتْ فِي الفحص الأفيح محلّة السَّاعِي، ناجحة مِنْهُ المساعي، والأذواد تعد، والنطايع تمد، والعاملون عَلَيْهَا حجتهم لَا ترد، وَلم تكن الشَّمْس تقتعد سَنَام خطّ الزَّوَال، وتسدل من رُؤُوس القوائم ذوائب الظلال، حَتَّى نزلنَا بِعَين الشعرا، وانتبذنا عَن حصنه إِلَى العرا، حصن مثلوم مهدوم، مَوْجُود الْأنس بِهِ مَعْدُوم، إِلَّا أَنه كثير الْوُفُود، ومناخ مَقْصُود، ومعدن الْحَدِيد، وَبَاب الوطن العريض المديد، خيمنا بِظَاهِرِهِ خيفة برغوته، وَلم تخف من سباعه الَّتِي تزأر حولنا وليوثه، فَكَانَت للوقاية النادرة، وَأمنت والمن لله، البادرة
وبلونا من وَإِلَيْهِ مبرة، وَمَا فَقدنَا من اللطف مِثْقَال ذرة: وَعند الصَّباح شرعنا فِي الارتحال، وَعين الشَّمْس بَحر الضباب، مفتقرة إِلَى الاكتمال، فسلكنا خندقها خَنْدَق هَارُون وفحص خواز ماز بن برَاز ومظان احْتِرَاز، إِلَى دشار مكول، وَهُوَ إِلَى الفنا موكول، وبرحل الخراب من الْأَعْرَاب موكول. وَلما رَأينَا جنابه غير مأنوس، وَقد امتاز بلبوس البوس، جزناه إِلَى ماغوس، دشار الزاوية، ومركز الحظوظ المتساوية، ومناخ الرِّفْق السارية، وحاضرة تامسنا، حَيْثُ مجْلِس قاضيها، وتشاجر ساخطها وراضيها، وحمام متوضيها، دشار كَبِير، يَأْكُل من هوى وَيشْرب من بير، فقد النضارة، وَعدم مرافق الحضارة، إِلَّا أَنه على الاختزان أَمِين، ولحفظ الْحُبُوب ضمين، مَا لم تعث شمال للْفَسَاد وَيَمِين، قد اتخذ بِهِ مَسْجِد، شان النَّقْص من مناره، لقُصُور درهمه ودنيره، فمنظره شنيع، وحماه غير منيع، بتنا بِهِ فِي كنف شَاهده الْعدْل، فَصم عَن العذل، وترفع عَن خلق الْبَدَل، وأنشدته من الْغَد:
مَاذَا لَقينَا بماغوس من اللَّفْظلَيْلًا من خرس الْأَجْرَاس وَالشّرط
وَمن رداة مَاء لَا يسوغ لناشراب جرعته إِلَّا على الشطط
وَمن لُغَات حوالينا مبربرةكأننا بِبِلَاد الزنج والنبط
جرد إِلَّا شجرات نستظل بهَاوَلَا أنس يربح النَّفس من قنط
منارها قعد الْبَانِي لنصبتهفَلَا تُشِير إِلَيْهِ كف مغتبط
كَأَنَّهُ قيشة جَاءُوا لفلقهابخاتن قطّ مِنْهَا النّصْف عَن غلط
لَكِن فَاضل كتاب الشُّرُوط بهَابحي أبر فَتى للفضل مشترط
أَحْيَا بهَا الْأنس يحيى بعد وحشتهاوناب عَن حلَّة من ذَلِك النمط
ورحلنا من الْغَد عَن شكر لقراه، وَصرف الركب إِلَى محلّة سُفْيَان سراه،
فسرنا نَؤُم حلَّة سُفْيَان وملاعب الرعيان بَين خيام قد استدارت كالرذائل، واشتملت على الولائد والعقائل، ودثر ركبت الهضاب بأخصاصها، ومالت الوهاد بنهمها وخلاصها، يسمح أَهلهَا بِاللَّبنِ الحامض بعد مَا نزع جبنه وزبده، وترجح للراغب فِيهِ زهده، وَوجدنَا الطَّاعُون فِي بُيُوتهم، قد نزل واحتجز مِنْهُم الْكثير إِلَى الْقُبُور وَاعْتَزل، وبقر وبزل، واحتجن واختزل، فَلَا تبصر إِلَّا مَيتا يخرج، وصراخا يرفع، وعويلا بِحَيْثُ لَا ينفع، فعفنا الهجوم، وألفنا الوجوم، وتراوغنا عَن الْعمرَان، وَسَأَلنَا الله السَّلامَة من معرة ذَلِك الْقرَان، وركضنا نبغي اللحاق بالفرج، حَيْثُ مخيم شيخ الْقَبِيلَة، ونروم الْمبيت بالمنزلة غير الوبيلة وَقلت:
ترى لهَذَا السّير من مُنْتَهىبِنَاء أَعْضَاء من بِهِ قدوها
قَالُوا نُرِيد البرح قلت ارْجعُواعَن سهوكم قد جرت براح السها
فَزَالَتْ الشَّمْس ومالت ثمَّ سَالَتْ، وانهارت فِي حجر الْمغرب وانهالت، وَبعد لأي مَا بلغنَا، وَمن الكد فَرغْنَا، ومنحة الرَّاحَة تسوغنا. ونزلنا بِإِزَاءِ خيام استدارت فِي سَنَام، قد اشتبكت حبالها، وتراصت جبالها، مَدَائِن دورها شعر، ووقودها بعر، وسورها سدر، وبقلها لَا تَخْلُو مِنْهُ قدر، قد جَاوَزت بركا ريانة، ومنازل بالأمم ملآنة، ومروجا مرقومة الطرر وبطاحا معضوضة الكور، وبادر الشَّيْخ فَرَحَّبَ، وتبسط وتسحب، رجل قد اكتمل، وعَلى الوخط اشْتَمَل، تدل مِنْهُ المنابشة على نبل تَحت جمامه، وتنشق مِنْهُ كمامه الفهامة عَن فهامة، وَلم يقصر عَن طَعَام نظيف، واحتفال مضيف. وَركب لوداعنا فِي مركب لجب، غير محجز وَلَا محتجب، وَسَأَلَ عَن الطية، ومناخ المطية، قُلْنَا الْمنزل الْأَثِير، من حلَّة أبي كثير، فَهُوَ محركات الرحلة، وأوضح مَذَاهِب تِلْكَ النحلة،
فَوكل بلحظنا عينه، وَقسم المرحلة بَيْننَا وَبَينه، وأنزلنا مرحلة مهْدي بن مُوسَى، وَقد امتدت إِلَيْهَا أنامل البوسي، فانتبذنا عَن جوارها، وأصحرنا عَن قورة دوارها، وَلم يجد صاحبنا فِيهَا مرغبا لجوده الَّذِي بذله، وَلَا قبولا لقراه الَّذِي عجله، واجتنبناه اجتنابا أخجله، وبتنا فِي وقاية ضفى جناحها، إِلَى، إِلَى أَن اشتعل فِي نجمه اللَّيْل صباحها، فركضنا تَحت رواق ضباب سَاتِر، ورذاذة متناثر، لم تزل الشَّمْس ترشقه، والرياح تستكشفه، حَتَّى تقشع، وَبَان الْأَهْل من البلقع، فتعرفنا فِي بعض طريقنا، أَن أَبَا مثوانا، وَحَام قرانا، يجمع بَيْننَا وَبَينه الطَّرِيق، ويلتقي الْفَرِيق بالفريق، لمجمع بَين الْعَرَب مَعْقُود، وَرَأى مشهود، فَقُلْنَا تَعْجِيل اجْتِمَاع، وحظ إبصار بعد حَظّ إسماع، ومزيد استكثار بِأبي كثير واستمتاع، وعَلى بريد تراءت الْخَيل تسل الأباطح بأعرافها وَتَأْخُذ الإجراء بأطرافها، وخالفت بَيْننَا بنيات الطَّرِيق باشتباهها. فنزلنا بِبَعْض الْجِهَات على مياهها، وخاطبته بِمَا نَصه:
مبارك مَا قدمت سُفْيَان رَغْبَةوَلَا خوف تَقْصِير وَلَا سوء سيرة
وَمَا نظرة مني إِلَيْك أعدهَاسوى منَّة لله فِي ... كَثِيرَة
وَإِن كَانَ مَا لاقيت قبلك الجمافَأَنت على التَّحْقِيق شمس منيرة
وَرب صَلَاة قدم النَّفْل قبلهَاوتشرب من قبل الثَّرِيد حريرة
ثمَّ كَانَ النُّزُول بالزاوية قبر زِمَام وَأبي ذمام، ورعى اهتمام دشار وَجَدْنَاهُ، وَالْحَمْد لله محتويا على صِحَة، محجوبا عَن خطوب حواليه ملحة، رحب بِنَا أَهله، واسهل إِلَيْنَا رحبه وسهله، واقتدى فِينَا بِمذهب الشَّيْخ، فتاه وكهله، وَلما اصبح بكرنا محلته الآهلة، وَذكرنَا، وَالشَّيْء يذكر بضده بأَهْله، ونظرنا إِلَى خيام وحلل، وجديد وطلل، ومبارك ومعاطن، ومسكن يعرف بأصالة قاطن
تيط أقوران، وَمَا أَدْرَاك مَا تيط، حَيْثُ الجناب الغبيط الْبشر والبسيط، وَالْبَحْر الْمُحِيط، تَفَجَّرَتْ بهَا للزلازل عين كَمَا سَالَ لجين، أَو صقل صفحة السَّيْف قين، وتسنم ذرْوَة الْبيُوت مِنْهَا قصر مشيد، أثلع مِنْهُ جيد، وأغرى بِهِ تحكيم وتنجيد، ودارت الْبيُوت، كَمَا نسج العنكبوت، واتجهت إِلَيْهِ الطّرق والسموت، ونجح بإزائه السُّوق، وَبَان من فجر ساكنها البسوق. وَقلت:
نزلنَا حلَّة الْخَلْط الْكِرَامبأخت الرُّكْن والبلد الْحَرَام
وَمن يَك من ضيوف أبي كَبِيرغَنِي بالفعال عَن الْكَلَام
وَإِن بيوته لَكمَا سمعنَابيُوت الْخَيل وَالنعَم الجسام
تظللها الفوارس بالعواليوتفرشها الولائد بِالطَّعَامِ
إِلَى غير هَذَا من الشّعْر، وَينظر فِي مَوْضِعه.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني من المقامات فِي هَذَا الْغَرَض
حدث من ينظم فرائد الْأَخْبَار فِي سلك قصصه، ويدوس حبات الطّرق بأخمصه، ويطارد شوارد الْكَلَام، حَتَّى يصبح من قنصه، قَالَ: بَيْنَمَا أَنا فِي بعض الطّرق، وَقد وصلت الهاجرة، وتبرجت الْمَفَازَة الْفَاجِرَة، وَسورَة القيظ تكَاد تميز من الغيظ، وَشهر ناجر، قد أَخذ بالحناجر، وَالشَّمْس قد ركبت سَنَام خطّ الزَّوَال، ومدرجة الصِّبَا قد ضنت النوال، وصمتت عَن السُّؤَال، وَقد تشاجرت الجنادب، وَاخْتلفت لقيانها الولائم والمآدب، وَتَبَاعَدَتْ من الفضا الْأُخَر والمناكب، ومدت نَسِيج الْآل العناكب، والطية تطفف فِي الْمسير، والمطية قد سميت الذرع والتكسير، والظل مرامه من العسير، وَالْمَاء بِمَنْزِلَة الإكسير، إِذْ رفعت لي على الْبعد سرحه فِي فريدة عَن اللَّذَّات، والوشائج المولدات، فَهِيَ فِي الْمُجْمل
علم، وللركائب ركن مستلم، نستامه كَأَنَّهَا فِي جلد اليباب شامة، فملت إِلَى سمتها وانحرفت، وثنيت الْعَنَان نَحْوهَا وصرفت، فَمَا كَانَ إِلَّا فوَاق حرف، لَا بل ارتداد طرف حَتَّى عشيت مِنْهَا عقيلة فلاة، وخدر سعلاة، ذَات عَمُود سَام، وطنب يكتنف ببني حام وسام، ظللت من الأَرْض حجرا مدحوا، ومهرقا من حُرُوف الْمهْر ممحوا، ودمثا سهلا، ورحبا وَأهلا، وشيخا وكهلا، وعلما وجهلا، يَتَخَلَّل سَمَّاهَا الخضراء شهبان أهلة، وَتثبت بأهدابها أَسْنَان وأعنة، وتموج فِي ظلها إنس وجنة، كَأَنَّمَا ضربت الصَّخْرَة الصما بعصاها، فأطاعها العذب الْفُرَات وَمَا عصاها، وانساب بَين يَديهَا ثعبان تراع لَهُ وهاد وكثبان ينشب حصاه عَن حَصى تغلط الْعَارِف من الصيارف، وتوهم الأملياء انتهاب عقودها، لَا تَسْتَطِيع الْجَوَارِح مصابرة خصره وَلَا يماثله الشهد بمجاج معتصره، فحييت الْجمع بِأَحْسَن تحياته، واتحفت الرّوح من ذَلِك العذب البرود تحياته، وتلوت كَذَلِك، يحيى الله الْمَوْتَى ويريكم آيَاته، وَقلت حياك الله من خميلة، وفاتنة جميلَة، وتمثلت بقول ابْن قَاضِي مَيْلَة:
وقانا وقدة الرمضاء روضوَقَاه فضاعف الظل العميم
فصرنا نَحوه فحنا عليناحنو الوالدات على الْيَتِيم
يُرَاعى الشَّمْس أَنا قابلتنافيحجبها وَيَأْذَن للنسيم
وَسَقَانَا على ظمإ زلالاألذ من الشَّرَاب مَعَ الْكَرِيم
تردع حَصَاة حَالية الغوانيفتلمس جَانب العقد النظيم
وَكَانَ فِي جملَة من اغتنم المقيل، واستنصر على عَدو الظمإ ذَلِك العضب الصَّقِيل، وألم بِالنَّوْمِ الْخَفِيف على الرحل الثقيل، لايث عمَّة على همة، ومستظهر بوفر وَذمَّة، ورعى أذمة، قد عَبث الوخط مِنْهُ بلمة، بَين يَدَيْهِ عتاق قَود، وَعبيد
تحسبهم أيقاظا وهم رقود، فاشرأب عِنْد سَماع إنشادي كَمَا يشرئب للريم، وهزت حميا الْأَدَب مِنْهُ عطف كريم، وَصَاح بِصَوْت جهير، يَنْبَنِي عَن منصب شهير، من هَذَا الطارق، وَمَتى أومض هَذَا البارق، وَإِنِّي لأنس مخيلة غير مخيلة، وَأنْظر إِلَى مَظَنَّة غير ذَات ظنة، ليدن مني جوارك، ويرع إِن شِئْت حوارك، ويتفتح نوارك، وتتألق أنوارك، وَلم يزل يحاجي ويسمل، ويرعى فَلَا يهمل، فَلَمَّا دَنَوْت من مهاده، وركضت فِي رَبًّا الحَدِيث ووهاده، وأصبت من زَاد طَرِيقه، وانخرطت فِي فريقه، وأطهر بني بِأَحَادِيث الغريبة وتشريقه، سفر مِنْهُ الِاخْتِيَار عَن نجار هاشمي، وكرم حاتمي، وَدَار فاسي، ومنصب رياسي، وأصل عراقي، وَفرع بَين، نَفِيس ونفيسه راقي. وَلما انخفض قرن الغزالة، ولان طبع الهوا من بعد الجزالة، وَلم يبْق من عمر الْيَوْم إِلَّا الْقَلِيل، ورقية النسيم تَتَرَدَّد على الْأَصِيل العليل، وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، ويسلك مَسْلَك أمسه، وَالْمغْرب يبتلع قرصة شمسه، قمنا نقضي الدّين، ونقلد رقيم العذار كل أسيل الْخَدين، كريم الجدين، ونشيد المناطق على جميل كل ماضي الحدين، ونغتنم ثَانِي الأبردين، فَرفعت الرّحال من فَوق الظُّهُور، وسرنا بِنَصّ السّير على الْمَذْهَب الْمَشْهُور، وَتَركنَا البنيات إِلَى جادة الْجُمْهُور - وَقلت أَيهَا الرفيق الْبر الصَّحَابَة الْأَغَر السحابة، إِن الشقة بعيدَة، وَالْمَشَقَّة مبدية معيدة، وَلَا يستعان على المراحل إِذا اشتطت واستطالت، وليالي السرى إِذا قمطت وطالت، إِلَّا بتناوب الْأَخْبَار المنقولة، والآداب المهذبة المعقولة، فَقَالَ أثر الكامن، وأزجر الميامن، وابغ الْفلك الثَّامِن، واطلب غَرِيم الغرائب وَأَنا الضَّامِن: قلت افسح لي مجَال غرضك واشرح لي معنى جوهرك وعرضك، وطية سفرك وعودك بظفرك. فَقَالَ أَنا كَالشَّمْسِ أجوب هَذِه الْمنَازل مرّة فِي كل سنة، وأحصى كل سَيِّئَة وحسنة، وأطوى الغلاة، وأبهرج الْوُلَاة، فهم يرقبون تِلْكَ النّوبَة، ويتوقعون الأوبة، ويستعدون لخُرُوج الدَّابَّة الَّتِي
تكلمهم بالإقلاع وَالتَّوْبَة، فأسعط الأنوف، وأنتزع حَتَّى الشنوف، وَأحكم لساني فِيمَن ينساني، وأجود بِظِل ينساني، من بسر إنساني، وأداول بَين إساءتي، وإحساني وأتصدى للهدية الودية، وآنف من الْعَطِيَّة غير البطية. وأوسع الْبَخِيل هجرا، وأقرط من كرم نجرا، ووضح فجرا، قَالَ لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا:
يَا أهل بَيت رَسُول الله حبكمفرض من الله فِي الْقُرْآن أنزلهُ
يكفيكم من عَظِيم الْفَخر أَنكُمْمن لم يصل عَلَيْكُم لَا صَلَاة لَهُ
فَلَا أَزَال أطلق عنان الصولة فِي جو الجولة، مستظهرا بوسيلة الْبَيْت ومنشور الدولة، فأسلق الخامل فِي مرقة النبية، وَأحكم للشبيه بِحكم الشبيه، وَلَا أقبل عذر الْبَغي، وَلَو شغلته جَنَازَة أَبِيه، أهجم هجوم السَّيْل بالنيل، وَأجر على الْبيُوت فضول الذيل، وأتقلب تقلب الْفلك بَين الاسْتقَامَة والميل، وأزن كل بضَاعَة فأبخس فِي الْوَزْن أَو أطففه فِي الْكَيْل، وأغرر غرَّة الصَّباح بغزر الْخَيل، وَلَو على حَيّ عَامر بن طفيل، وأرحل عَن الْحلَّة وَقد همدت بعد ارتجاجها وسكنت قساطل عجاجها، وَصحت أذين دجاجها، وفليت عَن الخزين روس مجاجها، وأعود والصرة لَا يجْتَمع مغلاقها، والبدرة لَا يقلها معلاقها، والعياب يصعب مَعهَا الإياب، وتبرز من خلال أستارها الثِّيَاب، وَالْخَيْل تموج فِي الأرسان، وتختال فِي السُّرُوج المحلاة والجلال الحسان، قلت لعمري لقد اتَّسع نطاق الْكَلَام، وَطَالَ مدى التِّلَاوَة بَين الْإِمَامَة وَالسَّلَام، فَأَعْرض لي الْقَوْم عرضا، وصف لي الْمَوَارِد غمرا وبرضا، وميز الهمم سما وأرضا، وأخبط الْعضَاة بعصاك حَتَّى ترْضى، فقهقه قهقهة الشقشاق، وتأوه تأوه العشاق، وَكَأَنَّهَا كَانَت حَاجَة فِي نَفسه قَضَاهَا، وعزيمة يتجاذبها الكسل أمضاها، فسام نصاله وانتضاها، وَقَالَ خذهم بالكلاليب، وأجنبهم بِحجر الجلاليب، وعث عيث الغزالة وشبيب،
فِي كل غرفَة وسبيب، وابدأ بِمن تُرِيدُ، وَأرْسل شهَاب فكرك خلف كل شَيْطَان مُرِيد، وَمن غَابَ عَنْك فخيل الْبَرِيد. قلت الحضرة وجملتها، والمزرعة الْعُظْمَى ونباتها، وافتتح المراسم بِمُحَمد بن الْقَاسِم. فَقَالَ شيخ موقر والمنصب مَا لم يصنه مخظر، مُدع على رتب الْخدمَة، قديم الاصطناع وَالنعْمَة، مؤتمن على الْحساب، منتسب إِلَى الْأَمَانَة أتم الانتساب، نبيه الْعقار والاكتساب، مكرم لِذَوي الأحساب، قلت، ففلان، قَالَ فَارس زِمَام، ومتمسك بذمام، ومصل خلف إِمَام، يناقش ويدقق، ويعاود ويحقق، وَهُوَ عَن الصبوح يرفق، فغريمه مُتْعب مهمى عسر وصعب، واستوعب: كعصفورة فِي كف طِفْل يسومها ترود حِيَاض الْمَوْت، والطفل يلْعَب، وعَلى الرُّتْبَة الشماء، والخلق اللطيفة كَالْمَاءِ. فبينه وَبَين رَيْحَانَة الكرما، وشهاب الظلما، مَا بَين الْحُرُوف والأسما، لَا بل الأَرْض والسما:
وَقد يُسمى سما كل مُرْتَفعوَإِنَّمَا الْفضل حَيْثُ الشَّمْس وَالْقَمَر
قلت: قَالَ خدوم، وقاضي سدوم، مَوْجُود مَعْدُوم، يخيل بِالنَّبلِ، ويحيد عَن السبل، ويخلط أَرضًا وسما، ومسميات وَأَسْمَاء، وَنَارًا وَمَا، ويحسبه الظمآن مَا. قلت، قَالَ شختور يسبح، وَفصل يذبح، وتاجر فِي كل نفس يربح: انسحب عَلَيْهِ الْقبُول من لدن صباه، وَصَاح بِهِ الجو فلباه، شَأْنه الدَّهْر غمز وإيثاره، ونداوة وَبشَارَة، محظوظ مجدود، وَعقد حرصه مشدود، وَهُوَ فِي الْكَفَاءَة مَعْدُود، قلت، فَقَالَ، فارة، وَقَضَاء وَكَفَّارَة، وَبَقِيَّة مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هرون تَحت غفاره، بعوضة فِي الْأَذَان، تغني عَن الاستيذان، ويطرق حَتَّى بهنات الْإِقَامَة وَالْأَذَان، قَادر على تلفيق الثُّبُوت، وَحمل الْيَهُود على نِسْيَان
السبوت، يرى الْحِكْمَة خبيئة جيبه، ويشتغل بعيوب النَّاس عَن عَيبه، قلت: قَالَ أُلُوف ودود، أنوف عَن الْخبث والمكيدة صدود، مَحْسُوب من الأسرياء مَعْدُود كثير [الشنشنة] والأريحية، مبذول الْمُشَاركَة شَائِع التَّحِيَّة، بَادِي النبل والطرب، ينظم الأبيات، ويوضح من الْفضل الْغرَر والشيات.
عَلَيْك بكاتب لبق ذكيأديب فِي شمائله حرارة
تُشِير لَهُ بلحظك من بعيدفيفهم طرفه عَنْك الْإِشَارَة
قلت، فالوالي ابْن الربيب، فَشد خيشومه، واستدفع بيمن الله شومة، ثمَّ قَالَ الرَّوْض وَالْأنف، تحْتَاج إِلَى الكنف. إعلم أَنِّي على طول تجريبي، وتشريقي وتغريبي، لم أعثر لَهُ على شَبيه، فلعنة الله عَلَيْهِ وعَلى أَبِيه، الْجَهْل والرعونة، والطلعة الملعونة، والحيا المسلوب، وَالصَّبْر الْمَهْزُوم عِنْد الشَّهَوَات المغلوب، والخيانة الَّتِي يعرفهَا الْوُجُود، وَالْيَد الَّتِي فِي غير الْخَنَا لَا تجود، نَار الجباية، الَّتِي تَأْكُل فِي اللحظة الْوَاحِدَة جبالها، وخنجر الْأَمَانَة الَّتِي يقد جبالها المارق على النكال وَالْعِقَاب، المخل بِالْأَلْقَابِ، الخامل الْبَيْت والهمة، الْكثير الذَّم، الْقَلِيل الذِّمَّة، وَالله در أبي مُحَمَّد العلكوم، ذِي الْعَارِض المركوم، حَيْثُ يَقُول:
لأبي الْفضل ابْن الربيب خِصَالشهِدت بالوفا وَالْفضل فِيهِ
سَاقِط الأَصْل عاهر الْفرج مذكَانَ سَفِيه قد بذ سَفِيه
ذِي محيا من الْحيَاء عديموَقفا مختل وشكل كريه
سلحفاة قد عَمت وأجرانفِي رِدَاء موشع يلويه
مُجمل السرج مِنْهُ ذُو رجيعيعرف النَّاس ذوقه من فِيهِ
حجر الله جوده وندا كفيهإِلَّا عَن أسود يشفيه
فَهُوَ لَا يستكفه من بلَاءومجابي الْبِلَاد لَا تكفيه
قلت للنَّاس وَالسُّؤَال شفاوَهُوَ قدما شَأْن النَّبِيل النبيه
لم يدعى بِابْن الربيب فَقَالُواكَانَ يَزْنِي بِأُمِّهِ ابْن أَبِيه
أبعد الله ذَلِك الْوَجْه منكل مقَام بر وَقدر نبيه
وَكَأَنِّي بِهِ وَقد بشرت مِنْهُيَد الذل غلظة التنويه
تترع الْعِزّ مِنْهُ سخطَة ربلم يدنه يَوْمًا يرضيه
وأهالت مِنْهُ السِّيَاط كثيباواكمت رمله ريَاح التيه
ورست مِنْهُ فِي الأداهم رجلودعتها نضارة الترفيه
كَانَ عارا على الْوُجُود وَمنيبْلى بِعَارٍ كَيفَ لَا يخفيه
عَادَة الله كلما اعتز بَاغبضلال فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ
قلت، ففلان، فَقَالَ شعلة من ضرام، ودمل من أورام، وَلَا بُد لكل شَيْء من انصرام.
سعيد الدّين خير من أَبِيه، وَطرح الْكَلْب خير من سعيد.
قلت، ففلان. قَالَ صَاحب هدي وسمت، وَطَرِيقَة غير ذِي عوج وَلَا أمت، واشتمال من الطَّهَارَة والتفات، متقلد من مَحل ولَايَته فِي جنَّات ألفاف، مَعَ مهيب عدل وإنصاف، معتدل الْجُود، وَاضع إِيَّاه فِي ضرورات الْوُجُود، كثير الضَّيْف، مطعم فِي الشتا والصيف، أَمن جَاره من الحيف، يرْعَى الْوَسِيلَة، فَلَا ينساها، ويصل مغدى الصنيعة بممساها، فَإِذا ذكرت الْخِيَار فاذكره فِيهَا، أَو حسب الْولَايَة بِهِ فخرا ويكفيها: لَا يسمع الهجر فِي مجالسه، وَلَا تضم الْخَنَا سقائفه.
قلت، وَهُوَ لعمري سَلس القياد، وحقيبة جباد، فَلم يفه ببنت شفه، لَا أدرى أم أَنفه.
قلت، فمشربه، قَالَ أنهد، وَفِي غير الْكفَّار لَا تجهد، وَدعنَا من الحضيض الأوهد، فَالْأَمْر أزهد، وَلَا تعد إِلَى مثلهَا، وَالله يشْهد. قلت، مُقيم رسم، وممتاز من الشُّهْرَة بوسم، وَرجل عَاقل، وجال صفحات الْبر وصاقل، ومتماسك عَن الْغَايَة متثاقل، لَا بفصاحة سحبان، وَلَا بعي بَاقِل، يروقك لقاؤه، ويعجبك خوانه وسقاإه (؟)، ويثنى على صلته أصدقاؤه. قلت فأخوه، قَالَ درة بَيتهمْ، وغرة كميتهم، ومصباح زيتهم، منزلَة منزع جفان، ومحط ضيفان، يركب المطية، ويمهد الأريكة ي الوطية، وَيتبع بالعذر أثر الْعَطِيَّة غير البطية، ويجدد الْعَمَل بِالْعِصَابَةِ البرمكية، وأخبارهم المحكية. قلت، قَالَ كَوْكَب سحر، وكريم قرى وَنحر، وأبهت وسحر، ماشيت من تَرْتِيب وَتَقْدِير، خليق بِالْبرِّ جدير، وَروض وغدير، وخورنق وسدير، هذب الْأَدَب خُدَّامه، وأطاب الاحتفال خبزه وإدامه، إِلَى عطا يحْسب الأمل، ويثقل النَّاقة والجمل، عضه الدَّهْر فَمَا عض من طباعه، واستأثر بِمَالِه ورباعه، وَتَركه فريسة بَين سباعه، فَمَا حط من همته، وَلَا قصر من طباعه: ... وطالما أصلى الْيَاقُوت جمر غضا، ثمَّ انطفأ الْجَمْر، والياقوت ياقوت.
قلت، قَالَ، أَمِين وَذخر ثمين، وشمال للنصيحة وَيَمِين، إِلَى صدر سليم، وتعويض وَتَسْلِيم، وسرو عميم، ومرعى للفضل حميم، يقنع بالمصاصة، ويؤثر على الْخَصَاصَة، ويحافظ على القلامة والقصاصة. قلت، قَالَ بر وَفِي [يذوب حَيَاء، ويتهالك إبلاغا فِي الْبر وإعياء]. قلت، قَالَ لفظ بِلَا معنى، وَشَجر بِلَا مجنى، مروته سقيمة، وسراوته عقيمة، مَدين الحرمان لَهُ خدين، لَا يحمد قراه، وَلَا يمسك البلالة ثراه، وَإِن تسمع بالمعيدي لَا أَن ترَاهُ. قلت، قَالَ، حمول للكلفة كثير الألفة حمَار قَلِيل العلفة وطيه، وَهُوَ قعُود ذَلُول ومطية. قلت
فَقَالَ سُورَة الْفضل والكمال، وَصُورَة الْحَلَال وَالْجمال، وَسيف الجباية وَالْمَال. وَحج العفاة وكعبة الآمال، العف الْإِزَار، ذُو الْمَوَاهِب الغزار. مَا شيت من حَيا ووقار، واهتضام للعرض الْأَدْنَى واحتقار، يهب الجزيل، وَيكرم النزيل، وَيحكم التَّنْزِيل، أقسم لَو سبق الزَّمن زَمَانه، وانتظم فِي سلك العقد المتقادم حمانه، لما كَانَ لكعب من علو كَعْب، وَلَا ساعد ابْن سعدي ذكر، وَلَا أعمل فِي مدح هرم بن سِنَان فكر، ولطوى حَاتِم طي وَلم تَأْخُذهُ يَد النشر إِلَى الْحَشْر، وَلَا أعملت فِي أخباره يَد الإضراب والبشر، فَهُوَ الْعَامِل الْعَالم، والعادل الَّذِي تكف بِهِ الْمَظَالِم، وَالْبَحْر الَّذِي من دونه بلالة والكفاية مَا سواهَا علالة.
مدحت الورى قبله كَاذِبًاوَمَا صدق الْفجْر حَتَّى كذب
إِن طرقت منزله هش ورحب، وتبسط جالبا للأنس وتسحب، وَحكم كَمَاله، وَألقى قبل الوسادة مَاله، فَهُوَ حَسَنَة الدولة الغرا، وطراز حلتها الشيرا: وحديثها الْمَنْقُول، وصفيحها المصقول، وَللَّه در الَّذِي يَقُول:
سلني عَن النّدب وَإِلَى الْوُلَاةفَإِنِّي على مدحه قَادر
مخدرة فِي سَبِيل الحيا وَيَوْمالوغى أَسد خادر
وَلما بلغ إِلَى هَذَا الْحَد، كَأَنَّمَا كَانَ الحَدِيث ثوبا على جَسَد المرحلة مقدودا، وعددا مَعَ لياليها المحسوبة معدودا، أَتَى للسير مِنْهُ الْقَوَاعِد والبروق، وانتهب عمر اللَّيْل إِلَى الشروق، وَكَانَ آخِره بِبَاب المحروق، وَجعل كل وَجهه إِلَى ذره، وَعَاد إِلَى مركزه عقب مَدَاره، وعلق بقلبي كَلَامه، فاستقر فِي احتزانه، وَأَنا أزن الْقَوْم بميزانه، وَالله يتغمد مَا يُوَافقهُ العَبْد من هفوة لِسَانه، ويغطى الْإِسَاءَة بإحسانه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع