من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
وَإِن شَاءَ قَالَ بعد الْخطْبَة
إخْوَانِي مَا هَذَا التواني، والكلف بالوجود الفاني، عَن الدَّائِم الثَّانِي، والدهر يقطع بالأماني، وهادم اللَّذَّات قد شرع فِي نقض المباني إِلَّا مُعْتَبر فِي معالم هَذِه الْمعَانِي [الْأَمر تحل عَن مَقَابِر هَذِه الْمعَانِي]:
أَلا أذن تصغي إِلَى سميعةأحدثها بِالصّدقِ مَا صنع الْمَوْت
مددت لكم صوتي بأواه حسرةعلى مَا بدا مِنْكُم فَلم يسمع الصَّوْت
هُوَ الْغَرِيب الْآتِي على كل دمنةفتولوا سرَاعًا قبل أَن يَقع الْفَوْت
يَا كلفا بِمَا لَا يَدُوم، يَا مفتونا بغرور الْمَوْجُود الْمَعْدُوم، يَا صريع جِدَار الْأَجَل المهدوم، يَا مشتغلا ببنيات الطَّرِيق، قد ظهر المناخ، وَقرب الْقدوم، يَا غريقا فِي بحار الأمل مَا عساك تقوم، يَا مُعَلل الطَّعَام وَالشرَاب، ولمع السراب لابد أَن يهجر المشروب، وَيتْرك المطعوم، دخل سَارِق الْأَجَل بَيت عمرك، فسلب النشاط، وَأَنت تنظر، وطوى الْبسَاط وَأَنت تكذب. واقتلع جَوَاهِر الْجَوَارِح، وَقد وَقع بك البهت، وَلم يبْق إِلَّا أَن يَجْعَل الوسادة على أَنْفك وَيفْعل:
لَو خفف الوجد عَنى دَعَوْت طَالب ثارىكلا إِنَّهَا كلمة هُوَ قَائِلهَا كَيفَ التَّرَاخِي
والفوت مَعَ الأنفاس يرتقب وينتظر، كَيفَ الْأمان، وهادم اللَّذَّات لَا يبْقى وَلَا يذر، كَيفَ الركون إِلَى الطمع الفاضح، وَقد صَحَّ الْخَبَر من فكر فِي كرب الْخمار،
تنغصت عِنْده لَذَّة النَّبِيذ من أحس بلغط الحرس فَوق جِدَاره لم يصغ بسمعه إِلَى نَغمَة الْعود، من تَيَقّن نذل الغزلة هان عِنْده عز الْولَايَة.
مَا قَامَ خيرك يَا زمَان بشرهأولى لنا مَا قل مِنْك وَمَا كفا
أوحى الله إِلَى مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ، أَن ضع يدك على متن ثَوْر، فبقدر مَا حازته من شعره تعيش سِنِين، فَقَالَ يَا رب وَبعد ذَلِك، قَالَ تَمُوت، وَقَالَ يَا رب فَالْآن.
رأى الْأَمر يُفْضِي إِلَى آخرفصير آخِره أَولا
إِذا شَعرت نَفسك آلي بالميل إِلَى شَيْء مَا عرض عَلَيْهَا غُصَّة فِرَاقه ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة. وَيحيى من حيى عَن بَيِّنَة، فالمفروح بِهِ، هُوَ المحزون عَلَيْهِ، أَيْن الأحباب مروا، فيالت شعري أَيْن استقروا، واستكانوا لله واضطروا، واستغاثوا بأوليائهم فَفرُّوا، وليتهم إِذْ لم ينفعوا مَا ضروا، فالمنازل من بعدهمْ خَالِيَة خاوية، والفروس ذابلة ذاوية، وَالْعِظَام من بعد التَّفَاضُل متشابهة مُتَسَاوِيَة، والمساكن تندب فِي أطلالها الذناب العادية:
صحت بِالربعِ فَلم يَسْتَجِيبُوالَيْت شعري أَيْن يمْضِي الْغَرِيب
وبجنب الدَّار قبر جَدِيدمِنْهُ يستسقى الْمَكَان الجديب
غاص قلبِي فِيهِ عِنْد التماحيقلت هَذَا الْقَبْر فِيهِ الحبيب
لَا تسل عَن رجعتي كَيفَ كَانَتإِن يَوْم الْبَين يَوْم عصيب
باقتراب الْمَوْت عللت نَفسِيبعد الغي وكل آتٍ قريب
أَيْن المعمر الخالد، أَيْن الْوَلَد أَيْن الْوَالِد، أَيْن الطارف أَيْن التالد، أَيْن المجادل أَيْن المجالد، هَل تحس مِنْهُم من أحد أَو تسمع لَهُم ركزا، وُجُوه
علاها الثرى، وصحائف تقض وأعمال على الله تعرض، تحث الزهاد والعباد والعارفون والأوتاد، والأنبياء الَّذين هدى لَهُم الْعباد، عَن سَبَب الشَّقَاء الَّذِي لَا سَعَادَة بعده، فَلم يَجدوا إِلَّا الْبعد عَن الله، وَسَببه حب الدُّنْيَا، لن تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة:
هجرت حبايبي من أجل ليلىفَمَالِي بعد ليلى من حبيب
وماذا أرتجي من حب ليلىسيجزي بالقطيعة عَن قريب
وَقَالُوا مَا أورد النَّفس الْمَوَارِد، وَفتح لَهَا بَاب الحتف إِلَّا الأمل، كلما قومتها مثاقف الْحُدُود فسح لَهَا أَرْكَان الرُّخص، كلما عقدت صَوْم الْعَزِيمَة، أهداها طرف الْغرُور فِي أطباق، حَتَّى إِذا وَلَكِن، وَرُبمَا، فأفرط الْقلب فِي تقليبها حَتَّى أبطر:
مَا أوبق الْأَنْفس إِلَّا الأملوَهُوَ غرر مَا عَلَيْهِ عمل
يفْرض مِنْهُ الشَّخْص وهما مَالهحَال وَلَا مَاض وَلَا مُسْتَقْبل
مَا فَوق وَجه الأَرْض نفس حَيَّةإِلَّا قد انقض عَلَيْهَا الْأَجَل
لَو أَنهم من غَيرهَا قد كونُوالامتلاء السهل بهم والجبل
(مَا تمّ إِلَّا لقم قد هيئت للْمَوْت وَهُوَ الْآكِل المستعجل ...)
والوعد حق والورى فِي غَفلَةقد خدعوا بعاجل وضلل
أَيْن الَّذين شيدوا واغترسواومهدوا وافترشوا وظلل
أَيْن ذَوُو الراحات راحت حرَّةإِذْ جَنبُوا إِلَى الثرى وانتقل
لم تدفع الأحباب عَنْهُم غير أَنبكوا على فراقهم وأعول
الله فِي نَفسك أولى من لَهُذخرت نصحا وعتابا يقبل
لَا تتركها فِي عمى وحيرةعَن هول مَا بَين يَديهَا تغفل
(حقر لَهَا الفاني وحاول زهدها فِيهِ وشوقها لما يسْتَقْبل ...)
وَقد الى الله بهَا مضطرةحَتَّى ترى السّير عَلَيْهَا يسهل
هُوَ الفنا والبقاء بعدهوَالله عَن حكمته لَا يسْأَل
يَا قُرَّة الْعين وَيَا حسرتهايَوْم يُوفى النَّاس مَا قد عمل
يَا طرداء الْمُخَالفَة إِنَّكُم مدركون، فاستبقوا بَاب التَّوْبَة، فَإِن رب تِلْكَ الدَّار يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ، فَإِذا أمنتم فاذكروا الله كَمَا هدَاكُمْ، يَا طفيلية الهمة دسوا أَنفسكُم فِي زمر التائبين. وَقد دعوا إِلَى دَعْوَة الحبيب فَإِن لم يكن أكل، فَلَا أقل من طيب الْوَلِيمَة. قَالَ بعض العارفين، إِذا عقد التائبون الصُّلْح مَعَ الله انتشرت رعايا الطَّاعَة فِي عمالة الْأَعْمَال، وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا، وَوضع الْكتاب، مَعَاني هَذَا الْمجْلس وَالْحَمْد لله نسيم سحر، إِذا انتشفه مخمور الْغَفْلَة أَفَاق بسعوط هَذَا الْوَعْظ يتفض إِن شَاءَ الله زكمة البطالة. أَن الَّذِي أنزل الدَّاء، أنزل الدَّوَاء، إكسير هَذَا العتاب، يغلب بحكمة جَابر الْقُلُوب المنكسرة. عَمَّن كَانَ لَهُ قلب، إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ، والموتى يَبْعَثهُم الله. أَلا هِيَ دلها من حيرة يضل فِيهَا إِلَّا أَن هديت الدَّلِيل، وأجلها من غمره، وَكَيف أَلا بإعانتك السَّبِيل. نفوس صَدْرِي على مر الْأَيَّام، مِنْهَا الصَّقِيل، وبنا بجنوبها باعانتك السَّبِيل. نفوس صدى على مر الْأَيَّام، مِنْهَا الصَّقِيل ونبا بجنوبها عَن الْحق المقيل، وأذان أبهظها القَوْل الثقيل، وعثرات لَا يقبلهَا إِلَّا أَنْت يَا مقيل، حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع