من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)
يوم الصرائم (٣)
ويروى هذي البهائم.
فمَا مِنْهُمُ إلاَّ يُقادُ بأَنفِهِإلى ملكٍ مِنْ خندِفٍ بالخزائِمِ
عجبتُ إلى قيسٍ وما قَدْ تكلَّفَتْمِنَ الشِّقْوَةِ الحمقاءِ ذاتِ النَّقائِمِ
يلُوذُونَ مِني بالمراغةِ وابنهاوما مِنهُما مِنيِّ لقيسٍ بعاصِمِ
فأجابه جرير فقال:
ألاَ حيِّ رَبْع المنزِل المُتقادِمِومَا حَلَّ مُذْ حلَّتْ بِهِ أُمُّ سالِمِ
تميميَّةٌ حلَّتْ بحومانتي قسىًحِمَى الخيلِ ذادتْ عَنْ قسى فالصَّرائِمِ
حومانة، أرض فيها غلظ منقادة. والصرائم، رمال تنقطع من معظم، الرمل الواحد صريمة.
أبيتِ فلاَ تقضِينَ ديناً وطَالمَابخِلْتِ بحاجاتِ الصَّديقِ المُكارِمِ
بِنَا كالجَوَى مِمَّا يُخافُ وقدْ نَرَىشِفاءَ القُلوبِ الصَّادِياتِ الحوائِمِ
الجوى: فساد الجوف، يقال من ذلك جويت المعدة فهي تجوى، جوى مقصور، قال: وذلك إذا فسدت.
أعاذلَ هيجينيِ لبينٍ مصارِمٍغداً أَوْ ذَرِيني مِنْ عِتَابِ المُلاومِ
أَغَرَّكِ مِنَّي أنَّما قادني الهَوَىإليكَ ومَا عهدٌ لكنَّ بِدائِمِ
ألاَ رُبَّما هاجَ التَّذدُّرُ والهَوىبتلعةَ إرشاشَ الدُّمُوعِ السَّواجِمِ
تلعة موضع ذكرها به فسالت دموعه.
عَفتْ قَرقرى والوشمُ حَّى تنكَّرتْأَواذِيُّها والخيمُ مثلُ الدَّعائِمِ
قرقرى موضع. قال أبو عثمان: زعم الجرمازي أن الوشم ثمانون قرية.
وأقفرَ وادِي ثرمداءَ ورُبَّماتَدانَى بِذِي نَهْدا حُلُولُ الأصارِمِ
الأصارم: بيوت متفرقة، واحدها صرم، ثم يجمع أصرام وأصاريم وأصارم.
لقدْ ولدتْ أُمُّ الفرزدقِ فاجِراًوجاءتْ بِوزُوازٍ قصيرِ القوائِمِ
قوله بوزواز،، قال: هو الخفيف على الأرض.
ومَا كانَ جارٌ للفرزدق مسلمٌليأمَنَ قِرداً ليلُهُ غيرٌ نائِمِ
قوله ليأمن قرداً، يرميه بالزناء، والعرب تقول هو أزنى من قرد. فرماه بالفجور.
يُوصِّلُ حبليْهِ إذا جَنَّ ليلُهُليرقَى إلى جاراتهِ بالسَّلالِمِ
أتيتَ حُدُودَ اللهِ مُذْ أنتَ يافِعٌوشِبْتَ فَما ينهاكَ شِيبُ اللَّهازِمِ
ويروى مذ كنت يافعاً.
تتبَّعُ في الماخُورِ كُلَّ مُريبةٍولستَ بأهلِ المحصناتِ الكرائِمِ
رأيتُكَ لا تُوفي بِجارٍ أجرتَهُوَلا مُستعِفاً عَنْ لِئامِ المطاعِمِ
ويروى فإنك لا موف لجار. ولا مستعف.
هُو الرِّجْسُ يا أهلَ المدينةِ فأحذروامُداخلَ رِجسٍ بالخبِيثاتِ عالم
لقَدْ كانَ إخراجُ الفرزدق عنكُمُطهُوراً لِما بينَ المُصلَّى وواقِمِ
قال سعدان، قال أبو عبيدة: قال جرير هذا البيت، لقد كان إخراج الفرزدق عنكم طهورا، وذلك أن
الفرزدق كان قدم على عمر بن عبد العزيز، وهو على المدينة واليها، من قبل الوليد بن عبد الملك،
فأنزله عمر منزلاً قريباً منه، وأكرمه وأحسن ضيافته، ثم إنه بلغه عنه أنه صاحب فجور. قال: فبعث
اليه عمر بألطاف مع جارية له، وقال: اغسلي رأسه، وألطفيه جهدك. قال: وإنما يريد أن يختبره
بذلك، ليعلم حاله، فأتته الجارية، وفعلت ما أمرها به مولاها، ثم قالت له الجارية: أما تريد أن تغسل
رأسك؟ قال: بلى فقربت اليه الغسل، ثم ذهبت لتغسل رأسه، فوثب الشيخ عليها، وامتنعت منه. ثم
عادت، فعاد بمثل ذلك، وذلك بعين عمر، وهو يتطلع عليه من خوخة له. قال: فخرجت الجارية إلى
عمر، قال: فبعث إليه أن اخرج عن المدينة، ولئن أخذتك فيها، ما دام لي سلطان، لأعاقبنك، قال:
فنفاه عمر عن المدينة، فذلك قول جرير حيث يقول:
نفاك الأغرُّ ابنُ عبدِ العزيزبحقكَ تُنْفَى عن المسجد
قال: فلما خرج الفرزدق، فصار على راحلته، قال: قاتل الله ابن المراغة، كأنه كان ينظر إليَّ حيث
يقول:
وكنتَ إذا نزلتَ بدارِ قومرحلت بخزيةٍ وتركتَ عاراً
قال: ثم قدم جرير على عمر، فأنزله في منزل الفرزدق، وبعث إليه بتلك الجارية بعينها، وأمرها أن
تفعل بجرير ما فعلت بالفرزدق، فألطفته، وفعلت به مثلما فعلت بالفرزدق، وقالت له: قم أيها الشيخ
فاغسل رأسك فقام، فقال للجارية: تنحي عني، قالت له الجارية: سبحان الله، إنما بعثني سيدي
لأخدمك. فقال: لا حاجة لي في خدمتك. قال: ثم أخرجها من الحجرة، وأغلق الباب عليه، وائتزر،
فغسل رأسه. قال: وعمر ينظر إليه، من حيث بعث بالجارية، إلى أن خرجت من عنده. فلما راح
أهل المدينة من منازلهم إلى عمر، قال: فحدثهم عمر بفعل الفرزدق وجرير، وما كان من أمرهما، ثم
قال عمر: عجبت لقوم يفضلون الفرزدق على جرير، مع عفة بطن جرير وفرجه، وفجور الفرزدق
وخبثه وقلة ورعه وخوفه لله ﷿!!
تَدَلَّيتَ تزْنِي مِنْ ثَمانِينَ قامَةًوقصَّرتَ عنْ باعِ العُلا والمَكارِمِ
ويروى تجري، قوله تدليت تجري من ثمانين قامة. وذلك أنه عير الفرزدق بقوله:
هما دلتاني من ثمانين قامةكما انقضَّ بازِ أقتمُ الريشِ كاسره
أتمدحَ يَا ابْنَ القَيْنِ سَعداً وقَدْ جرَتْلِجَعثِنَ فِيهمْ طَيْرها بِالأشائِمِ
قال: يعني جعثن أخت الفرزدق لأبيه وأمه. قال، وقال اليربوعي: كذب عليها جرير. قال، وكان
جرير يقول كثيراً: استغفر الله مما قلت لجعثن، وكانت إحدى الصالحات.
وتمدح يا ابْنَ القينِ سَعْداً وقَدْ تَرَىأديَمَكَ مِنْها واهِياً غيرَ سالمٍ
تُبرئُهُمْ مِنْ عِقْرِ جِعْثِنَ بَعْدَماأتَتكَ بِمَسْلُوخِ البَظارَةِ وارِمِ
تُنادي بِنْصفِ اللَّيلِ يالَ مُجاشِعٍوقَدْ قشَرُوا جِلْد اسْتِها بالعُجارِمِ
فإن مَجَر جِعثِنَ ابَنةِ غالِبٍوكيرَيْ جُبيْرِ كانَ ضَرْبَةَ لازِم
قال: وذلك أن جبيراً كان قينا لصعصعة جد الفرزدق، فنسب أباه غالباً إلى القين، قال وذلك قول
جرير:
وجدنا جبيراً أبا غالببعيد القرابة من معبد
أتجعل ذا الكير من دارموأين سهيل من الفرقد
تلاقي بنات القين من خُبثِ مائِهِومِنْ وهجان الكِير سُودَ المعاصِمِ
وإنَّكَ يا ابْنَ القَيْنِ لَسْتَ بِنافِخِبكيرك إلاَّ قاعداً غيرَ قائِمِ
فَمَا وَجَدَ الجِيرانُ حَبْلَ مُجاشِعِوفيَّاً ولاَ ذَامِرَّةٍ في العَزائِمِ
ولامت قُريشٌ في الزُّبيرِ مُجاشِعاًولَمْ يعذِرُوا مَنْ كَانَ أهلَ المَلاوِمِ
وقالتْ قُريشٌ ليتَ جارَ مُجاشِعٍدَعَا شَبثاً أَوْ كانَ جارَ ابنَ خَازِمِ
قال: يعني شبث بن ربعي الرياحي. وعبد الله بن خازم السلمي. الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
بن عبد العزى بن قصي، قتله عمرو ابن جرموز، أخو بني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة
بن تميم. وشبث بن ربعي بن الحصين بن عيثم بن ربيعة بن زيد بن رياح ابن يربوع. وابن خازم
هو صاحب خراسان وهو عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن
حرام بن السمال ابن عوف بن امريء القيس بن بهثة بن سليم بن منصور.
وَلَوْ حبلَ تَيميٍّ تَناوَلَ جارُكُمْلَما كانَ عَاراً ذِكرُهُ في المواسِمِ
فغيرُكَ أدَّى للخليفةِ عهدهُوغيرُكَ جلَّى عَنْ وُجُوهِ الأهاتِم
قوله فغيرك أدى للخليفة عهده، يعني وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود. قال: وذلك أنه قتل قتيبة
بن مسلم فتكا، وبعث برأسه إلى
سليمان بن عبد الملك، وبعث بطاعته مع الرأس، وذلك أن قتيبة بن
مسلم كان قد خلع سليمان بن عبد الملك.
فإن وَكيعاً حينَ خارَتْ مُجاشِعٌكَفَى شَعْب صَدْعِ الفِتنَةِ المُتفاقِمِ
لَقَدْ كُنتَ فِيها يا فرزدقُ تابَعاًورَيشُ الذُّنابىَ تابِعٌ للِقُوادِمِ
قال: والقوادم هن الريشات العشر اللواتي في أول الجناح، وبعدها الخوافي.
نُدافِعُ عنْكُم كُلَّ يَومِ عظيمةٍوأنْتَ قُراحِيٌّ بِسيفِ الكَواظِمِ
القراحي صاحب القرية، ملازم لها ليس ببدوي، وقراح موضع على شاطئ البحر.
أجُبْناً وفخراً يا بَنِي زُّبداستِهاونحنُ نشُبُّ الحربِ شيبَ المقَادِمِ
أباهِلَ ما أحببتُ قتلَ ابنِ مُسلِمٍوَلا أَنْ ترُوعُوا قَوْمَكُمْ بِالمَظالِمِ
أباهِلَ قَدْ أوفيتُمُ مِنْ دِمائِكُمإذا ما قتلتُمْ رَهطَ قيسِ بنِ عاصِمِ
ويروى قد أوفيتم. قوله أباهل، يريد أباهلة، لأن قتيبة بن مسلم كان باهليا.
تُحضِّضُ يا ابْنَ القَيْنِ قَيْساً ليجعلُوالِقَوْمِكَ يَوْماً مِثْلَ يَوْمِ الأرَاقمِ
قوله مثل يوم الأراقم، يعني بني تغلب على قيس، حين قتلوا عمير بن الحباب بسنجار من الجزيرة.
إذا رَكِبتْ قيسٌ خُيُولاً مُغيرَةًعَلى القَينِ يَقرَعْ سِنَّ خزيانَ نادِمِ
ويروى بخيل مغيرة.
وقَبْلَكَ مَا أَخْزى الأخيطِلُ قومَهُوأسلمهم للِمْأزِقِ المُتلاحِمِ
ويروى في المأزق. قال المأزق يعني المضيق. قال: وهو موضع ملتقى الحرب. قال: وجعله
متلاحماً لشدته وضيقه عليهم. قال: وعنى بقوله وقبلك ما أخزى الأخيطل قومه، أراد به قول
الأخطل، حين دخل على عبد الملك بن مروان، وعنده الجحاف بن حكيم السلمي، وقد كان الجحاف
اعتزل حربهم تحرجا، ولم يدخل منها في شيء، فلما رآه الأخطل عند عبد الملك قال:
ألا أبلغ الجَحَّافَ هل هو ثائرٌبقتلَى أصيبت من سُليمٍ وعامرِ
ويروى ألا سائل الجحاف. فلما سمع الجحاف ذلك من الأخطل، غضب وجعل يجر مطرفه حمية
وجزعا وغضبا، فقال عبد الملك للأخطل: ما أراك إلا قد جررت على قومك شراً طويلاً. قال ومضى
الجحاف حتى أتى قومه وافتعل كتبا على لسان عبد الملك بالولاية، ثم أنه حشى جربا ترابا، وقال إن
عبد الملك قد ولاَّني بلاد بني تغلب، وهذه الحرب فيها الأموال، فتأهبوا وامضوا معي، فلما أشرف
على بلاد بني تغلب، نثر التراب وخرَّق الكتب، ثم قال لهم: ما من ولاية ولكني غضبت لكم -
وأخبرهم بقول الأخطل له عند عبد الملك - فاثأروا بقومكم. قال فشد على بني تغلب بالبشر ليلا وهم
غارون آمنون. فقتل منهم مقتلة عظيمة، قال: وهرب الأخطل من ليلته مستغيثاً بعبد الملك، فلما دخل
عليه الأخطل أنشأ يقول:
لقد أوقع الجحافُ بالبشرِ وقعةًإلى الله منها المشتكىَ والمعوَّلُ
فإلا تغيِّرها قريشٌ بمُلكهايكن عن قريشٍ مستماز ومزحل
فقال عبد الملك: إلى أين يا ابن اللخناء؟ قال: إلى النار يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: لو قلت
غيرها، لقطعت لسانك، أو الذي فيه عيناك. ثم إن الجحاف لقي بعد ذلك الأخطل فقال:
أبا مالك هل لمتني إذ حَضَضتنيعلى الحربِ أم هل لامني لك لائمُ
متى تدعني يوماً أُجبك بمثلهاوأنت امرؤٌ بالحقِ ليس بعالم
لقد أوقدت نار الشمردى بأرؤسعظامِ اللِّحى مُعرنزمات اللهازم
الشمردى رئيس من تغلب، قال أبو عمرو، فحدثني أو مخنف، لوط ابن يحيى، قال: قتل الجحاف#
منهم ثلاثة وعشرين ألفاً.
رُوَيْدَكُمُ مسْحَ الصَّلِيبِ إذا دَناهِلالُ الجِزىَ واستعجلُوا بِالدراهمِ
قوله الجزى يعني الجزية. يريد خراج رءوسهم، يقول يؤدونه وهم صاغرون لقول الله تعالى ﴿حَتَّى
يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾
وما زالَ في قَيْسٍ فَوارِسُ مَصدَقحُماةٌ وحمَّالُونَ ثِقلَ المَغارِمِ
وقيسٌ هُمُ الفضْلُ الذي نستعِدُّهُلِفَضْلِ المَساعِي وابتناءِ المَكارِمِ
ويروى الكهف. ويروى لدفع الأعادي.
إذا حَدَبتْ قيسٌ عليَّ وخِندفٌأخذتُ بِفضلِ الأكثرِينَ الأكارِمِ
أَنا ابنُ فُرُوعِ المجدَ قيسٍ وخندِفٍبَنوْا ليِ عاديَّا رَفيعَ الدَّعائِمِ
فإن شِئْتَ منْ قيسٍ ذُرى مُتَمنِّعٍوإنْ شِئْتَ طَوْداً خندفيَّ المخَارِمِ
ألَمْ تَرَنِي أَرِدْي بأَرْكانِ خنْدِفٍوانْ كان قيسٌ نَعمَ كهفُ المُراجِمِ
وقيسٌ هُمُ الكهفُ الَّذي نستَعِدُّهُلدَفْعِ الأعادِيَ أَوْ لحملِ العظائِمِ
بنُو المَجْدِ قيسٌ والعَواتِكُ مِنْهُمُولدْنَ بُحُوراً لِلْبُحورِ الخْضَارِمِ
قال سعدان، قال أبو عبيده: العواتك من بني سليم، نقله إلينا العلماء من المحدثين، أن رسول الله
ﷺ، كذا، قال في يوم حنين أنا ابن العواتك من سليم. قال فمنهن أم هاشم والمطلب
وعبد شمس بني عبد مناف، وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن
سليم بن منصور. وعاتكة بنت فالج بن ذكوان أم جده هاشم ابن عبد مناف وعاتكة بنت الأوقص بن
مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان. أم وهب بن عبد مناف بن زهرة، جد رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، من قبل أمه، آمنة بنت وهب بن عبد مناف. وسائر العواتك أمهات رسول الله صلى الله عليه
وسلم، من غير بني سليم، فهن تسع. قال أبو عبد الله، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الواسطي،
قال حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله، قال حدثني أبي، عن سعيد، عن قتادة أن النبي صلى الله عليه
وسلم، شد على المشركين يوم حنين، وهو يقول:
أنا النبيُّ لا كذبأنا ابنُ عبد المطلب
أنا ابن العواتك.
لَقدْ حدبتْ قيسٌ وأفناءُ خنْدَفٍعَلى مُرهبٍ حامٍ ذِمارَ المخارِمِ
ويروى لقد خاطرت. ويروى حامي ذمار. والمخارم بالخاء معجمة، مواضع.
فَما زادَنِي بُعْدُ المَدَى نقضَ مرَّةٍولا رقَّ هظمِي للضُّرُوسِ العَواجِمِ
تعجم تعض.
تَرانِي إذا ما النَّاسُ عَدُّوا قدِيمهُمْوفضْلَ المَساعي مسفراًغيرَ واجمِ
بأيَّامِ قومِي ما لقْومِكَ مِثلُهابِها سهَّلوا عنَّي خبارَ الجراثِمِ
إذا ألْجمت قيسٌ عَناجيجَ كالقَنامَججنَ دَماً مِنْ طُولِ علكِ الشَّكائِمِ
عناجيج طوال الأعناق. والشكيمة حديدة اللجام.
سَبَوْا نِسْوةَ النُّعمانَ وابنيْ مُحَرِّقٍوعمرانَ قادُوا عنوةً بالخزائِمِ
قال سعدان، قال لنا أبو عبيدة: معنى البيت أن هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة
بن عامر بن صعصعة، أغار على النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو على سفوان ماء من البصرة،
على رأس أربعة فراسخ منها، قال: فأخذ امرأته المتجردة في نسوة من نساء المنذر. قال: وأصاب
أموالا كثيرة وهرب النعمان منه، فلحق بالحيرة، قال: ففي ذلك اليوم يقول نابغة بني جعده:
وظلَّ لنسوةِ النعمانِ منَّاعلى سفوانِ يومَ أرْوَناني
فأردفنا حليلته وجئنابما قد كان جمعٌ من هجان
فظِلتُ كأنني نادمتُ كسرىله قاقُزَّةٌ ولىَ اثنتان
ويروى قاقوزة، وهي نبطية. قال: وابنا محرق، هما ابن عمرو بن هند، وهو عمُّ عمِّ النعمان بن
المنذر بن ماء السماء. وعمران بن مرة بن ذهل بن شيبان، قتله قرة بن هبيرة يوم قارة أهوى، وهو
يوم القويرة، وكان بدء ذلك، أن عمران بن مرة أخا بني شيبان، جمع جمعاً من بني شيبان، فانطلق
بهم، حتى ورد أرض بني نمير بن عامر فلما دنا منهم أرسل ربيئة من بني شيبان فانطلق حتى أتى
أرض بني نمير، يعتان، - أي يكون لهم عينا - فلم يجد بها أحدا من بني نمير. قال: وكان عظمهم
في الغزو. قال: فأخبره ربيئة بالخبر، وقال الناس: متفرقون يطلبون الكلأ، وليسوا بجميع، قال
عمران لبني شيبان: أغيروا. فأغاروا، فاستاقوا النعم، وأصابوا نساء من بني نمير، فانطلقوا راجعين،
قال: وأفلت رجل من بني نمير، فأخبر أصحابه بالخبر، قال: وكان الذي أصاب من بني عمرو بن
الحارث بن نمير، فركب عروة بن شريح، أحد بني عبد الله بن الحارث بن نمير، فلما مرَّ عمران
بسبايا بني نمير، أخذ على سواج، فمر بناس من بني قشير، فأخبروا أن عمران أخا بني شيبان، معه
سبايا من بني نمير، فنادى قرة بن هبيرة: يا بني قشير. قال: فجاء من كان منهم بحضرته، فتبعوا
عمران بن مرة وجيشه، فأرادت بنو قشير أن تقع بهم، حتى إذا ورودا قارة أهوى، إذا نواصي خيل
بني نمير قد حفت بهم، فلحقوا، واجتمعت بنو نمير وقشير، وإذا بنت شريح خلف عمران، فلما رأت
أخاها عروة بن شريح، وثبت عن البعير، وحمل قرة بن هبيرة على عمران فطعنه، وهو يوم طعن
أبو سحيمة بن قرة، الردفين فصرعهما، وحمل قرة بن هبيرة على رجل من بني شيبان على ناقة له،
فنظمه بمؤخر الرحل. قال: وانهزمت
بنو شيبان، وارتدت بنو عامر ما كان مع جيش عمران من السبايا، فقال الجعدي في ذلك:
جزى الله عنَّا رهطَ قرةَ نصرةًوقرةً إذ بعضُ الفعالِ مزلَّجُ
جلا الخزيَ عن جُلِّ الوجوه فاسفرتوكانت عليها هبوةٌ ما تبلَّج
هم اليومُ إذ بادَ الملوكُ ملوكُنافعالاً ومجداً غيرَ أن لم يُتَوَّجوا
تدارك عمرانَ بنَ مرةَ ركضُهمبقارَةَ أهوَى والجوافح تخلج
بأرعنَ مثلِ الطودِ تحسب أنهموقوفٌ لحاج والركابُ تهملج
تبيت إذا جاء الصباح نساؤُهمتشدِّدُ خلاَّتِ الدروع وتُشرِج
على نارِ حيَّ يصطلون كأنهمجمالٌ طلاها بالعلية مهرج
وقال الجعدي أيضاً:
إن قومي عزِّ نصرُهُمقد شَفُوني من بني عَنمه
تركوا عمرانَ منجدلاللضباعِ حوله رزَمه
في صلاه ألَّةٌ حُشُرٌوقناةُ الرمح منقسمة
كلَّ قومٌ كان سعيهُمدون ما يسعى بنو سلمه
سيِّد الأملاكِ سيِّدُهموعِداه الخانةُ الأثمة
وقال عياض بن كلثوم:
وعمرانَ بنَ مرةَ قد تركنانجيعَ دمٍ للحيتهِ خضابا
سقيناه بأَهوَى كأسَ حتفٍتحسَّاها مع العَلَقِ اللعابا
رجع إلى شعر جرير:
وَهُمْ أنزلُوا الجونين في حَوْمَةِ الوَغىولَمْ يمنَع الجَونين عقْدُ التَّمائِمِ
قال أبو عبد الله: ويروى وهم قتلوا. قال: والجونان هما عمرو ومعاوية ابنا شراحيل بن عمرو بن
الجون قال: والجون هو معاوية ابن حجر، آكل المرار ن بن عمرو بن معاوية بن ثور. قال: وثور،
هو كندة - كانا في أخوالهما بني بدر، في يوم الشعب - وهو يوم جبلة فأسر عوف بن الأحوص بن
جعفر بن كلاب عمرا، وأسر طفيل بن مالك بن جعفر معاوية. قال: فجز عوف ناصية عمرو بن
الجون، وخلى سبيله. قال: فمر ببني عبس فقتلوه. فغضبت بنو عامر من ذلك. قال: وأتى عوف بني
عبس، فقال: يا بني عبس، قتلتم طليقي، وقد علمتم أنه كان في جواري حتى يبلغ مأمنه، فقالوا: ما
علمنا أنه كان في جوارك. قال: فاختاروا مني إحدى ثلاث: إما أن تردوه عليَّ حيَّاً كما كان، أو
تدفعوا إليَّ رجلاً أقتله به، أو تعطوني ديته. قال، فقال له قيس بن زهير: يا عوف انصرف عنا
يومنا هذا، فإنا سنعطيك بعض ما سألت. قال: وكان قيس أحزم الناس رأيا، قال: فانطلق قيس إلى
طفيل، فقال له: ادفع إليَّ معاوية بن الجون، حتى أدفعه إلى عوف بأخيه، فإنا قد قتلناه، وأنا اتخوف
أن يعظم فيه الشر. قال: فدفع طفيل معاوية بن الجون إلى قيس بن زهير. قال: فانطلق به قيس،
فدفعه إلى عوف، فقدم عوف معاوية بن الجون فضرب عنقه فقتلا كلاهما. قال: فأثاب قيس ابن
زهير طفيل بن مالك من ابن الجون فرساً له، يدعى قرزلا.
قال أبو عبد الله، أخبرنا أبو العباس، عن ابن الأعرابي، قال: القرزل أن تمشط المرأة مشطة تكون
على أحد جانبي رأسها.
قال سعدان، وأما أبو عبيدة، فزعم أن قيس بن زهير اشترى معاوية أسيره بألف بعير، وهي ديات
الملوك، وأعطاه من خيله فرسه المزنوق بالقيمة، حتى وفاه الألف، فدفعه إلى عوف مكان أخيه، فقال
عوف لمعاوية أرضيت أن تكون مكان صاحبك، وبرئت من خفارتي؟ قال: نعم. قال: الحق بأبيك،
وسكن الناس. فتحولت بنو عبس إلى بني أبي بكر بن كلاب فحالفوهم، وعقد لهم الحلف أبو هلال
ربيعة بن قرط، فقال قيس في ذلك:
أحاولُ ما أحاولُ ثم آويإلى جارٍ كجارِ أبي دؤادِ
منيعٍ وسطَ عكرمةَ بن قيسٍوهوب للطريف وللتلادِ
كفاني ما أخاف أبو هلالٍربيعةُ فانتهت عني الأعادي
قال سعدان، قال أبو الوثيق: وذلك قول عامر بن الطفيل:
قضينا الجونَ عن عبسٍ وكانتمنيَّةُ معبدٍ فينا هُزالا
رجع إلى شعر جرير:
كأنَّكَ لَمْ تشهدْ لقيِطاً وَحاجِباًوعَمَرو بْنَ عَمْرو إذا دَعوْايا لدَارِمِ
يعني لقيط بن زرارة - قال: وجاور أبو دؤاد هلال بن كعب بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد
مناة بن تميم، وكان قد أسن، وأتى عليه دهر طويل، فبينما الغلمان يلعبون في مستنقع ماء،
ويتغاطون، إذا غطوا ابن أبي دؤاد فمات في ذلك الغطاط فقال أبو دؤاد:
ألم تر أنني جاورتُ كعباًوكان جوارُ بعض الناسِ غِيّا
فأبلوني بليتكم لعليأصالحكم وأستدرج نوَيّا
أراد: نواي فذهب به إلى مثل قفي وهوي، وهو الوجه الذي يريدونه. استدرج، يقول: أترككم
وأذهب. فلما سمه هلال بذلك، أمر بنيه فأخرجوه إلى نادي قومه، فقال: ألا ترون. لا والذي يحلف به
لا يبقى غلام شهد ابن أبي دؤاد إلا قتلته، فأعطوه حتى رضي، فزعموا أن هلالا قال لأبي دؤاد
احتكم عليهم حكم الصبي على أهله - قال ولقيط بن زرارة قتل يوم جبلة، وحاجب بن زرارة أسر
ذلك اليوم أيضا. وعمرو ابن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، ألح عليه مرداس بن أبي
عامر، أبو عباس بن مرداس، يوم جبلة، وعمرو على فرسه الخنثى. قال فلما كاد يلحق بمرداس
حصانه هوت يده في ثبرة - أي في هوة - وتمطت الخنثى بفارسها عمرو، ففاتت: فقال مرداس في
ذلك:
تمطَّت كميتٌ كالهراوةِ صلدمٌبعمرِو بن عمروٍ بعد ما مُسَّ باليدِ
فلولا مدى الخنثى وطولُ جرائِهالَرُحتَ بطيء المشي غيرَ مقيد
قال: ثم إن قيس بن المنتفق، والحارث بن الأبرص العقيليين اعتورا عمرو بن عمرو، فسبقه قيس
فاعتنقاه فلما صرع أعان الحارث قيساً على عمرو بحبل فشده به، فأراد الحارث قتل عمرو، وأمر
قيسا بذلك، فعصاه قيس، وذلك طماعية منه في الفداء، فجز ناصيته وخلى عنه. ثم أتياه يطلبان الفدية
عنده - قال: وكان الحارث من أجمل الناس - قال: فجعلت عيون بنات عمرو تسمو إلى الحارث،
وذلك لجماله، وكان قيس دميم المنظر، فقال أبوهن: عليكن الرجل الآخر، فإنه ولي نعمة أبيكن، وإن
هذا قد أراد ليقتلني، فعصاه، ثم لم يرضهما. فقال الحارث بن الأبرص في ذلك:
تعجبُ من شواري بنتُ عمرووما أنا في تأسِّينا بِغَمْرِ
فكم من فارسٍ لم ترزئيهأخي الفتيان في عُرفٍ ونُكرَ
لقد آمرته فعصَى إماريبأمرِ حزامةٍ في جنب عمرو
أمرتُ به لتخمش حنَّتاهفضيَّع أمرَه قيسٌ وأمري
رجع إلى شعر جرير:
ولمْ تشهَد الجَوْنينْ والشِّعبَ ذا الصْفاوشَدَّات قيسٍ يومَ ديرِ الجَماجم
ويروى بالشعب. قال: والجونان، عمرو ومعاوية ابنا الجون. قال والشعب ذا الصفا يعني شعب
جبلة.
ودير الجماجم عنى بذلك خروج أهل العراق، مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي فواقعوه
بدير الجماجم. قال: وإنما سمي ذلك الموضع دير الجماجم، لأنه كانت تعمل فيه الأقداح، فلذلك سمي
ديرالجماجم. والجمجمة القدح. قال: فهرب ابن الأشعث من الحجاج، حتى دخل على رتبيل كابل شاه،
فقال عبد الله أو عبيد الله بن أبي سبيع، أخو بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد لرتبيل: ما تصنع
بمحاربة العرب وإدخالهم أرضك، دعني أخرج إلى الحجاج، فأكون بينك وبينه قال: فخرج سراً حتى
قدم على الحجاج، فوعد الحجاج عبد الله أو عبيد الله بن أبي سبيع ألف ألف درهم، إن أتاه بعبد
الرحمن حيا. قال: فخرج عبد الله أو عبيد الله حتى قدم على رتبيل، فأخبره أنه قد صالح الحجاج،
على أن يدفع اليه ابن الأشعث، وترجع عنه الجيوش. فقال له رتبيل: ويلك، إني أكره أن أرى الغدر
وأنا قاعد، قال: فإذا جلس إليك، فقم. قال: وجمع عبد الله بضعة وعشرين رجلاً من بني ربيعة بن
حنظلة، وأجلسهم قريباً منه، قال: وجاء ابن الأشعث، فجلس عند
رتبيل، وقام رتبيل، فوثب القوم جميعا على عبد الرحمن الأشعث فأوثقوه رباطا، وخرج به إلى الحجاج.
قال: وانتهب الترك ما كان بيد العرب الذين مع عبد الرحمن بن الأشعث. قال: فقتل عبد الرحمن نفسه في الطريق بفارس،
وذلك أنه رمى بنفسه من فوق القصر، فأدرك بآخر رمق، وهو يقول: قطني قطني ومات مكانه،
فاجتز عبد الله بن أبي سبيع رأسه فأتى به الحجاج.
أكلفتَ قيساً أنْ نَبا سيفُ غالبٍوشاعتْ لَهُ أحدوثةٌ في المَواسِمِ
بسِيفِ أَبي رغَوانَ سيفِ مُجاشِعٍضربتَ ولمَ تضْرِبْ بسيفٍ ابنِ ظالِمٍ
ضربتَ بِهِ عَندَ الأمامِ فأرعشتْيَداكَ وقالُوا مُحدثٌ غيرُ صارِمِ
ضربتَ بِه عرقُوبَ نابٍ بِصوارِولا تضربونَ البِيضَ تحتَ الغماغمِ
الغمغمة: الصوت الذي لا يعرف. ويروى تحت العمائم. قال: وإنما عنىبذلك، معاقرة غالب بن
صعصعة أبي الفرزدق، سحيم بن وثيل الرياحي. قال سعدان: وحديثه في كتاب المعاقرات. الغماغم:
أصوات لا تفهم، يكون ذلك في الحرب عند القتال. قال أبو عثمان، سمعت أبا عبيدة يقول: الغماغم:
شبيه بالزئير عند المسابقة يحرض بلك نفسه. قال أبو عبيدة: حدثني أعين بن لبطة، وجهم السليطي،
عن إياس بن شبة بن عقال بن صعصعة، قالوا: أجدبت بلاد بني تميم، وأصابت بني حنظلة سنة في
خلافة عثمان، ﵁، فبلغهم خصب عن بلاد كلب بن وبرة فانتجعها بنو حنظلة، فنزلوا
صوأر، وهي فوق الكوفة، مما يلي الشأم، وكانت بنو يربوع قدام الناس، فنزلوا أقصى الوادي،
وتسرع غالب بن صعصعة، ناجية بن عقال بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع فيهم وحده، دون
بني مالك بن حنظلة،
فلم يكن مع بني يربوع من بني مالك، غير غالب، فلما نزلوا، وردت إبل غالب
فحبس منها ناقة كوماء، فنحرها وأطعمها. قال، فقال أناس: ليس فينا من بني مالك، غير رجل واحد،
وقد نحر ولم ننحر. فقالوا لسحيم بن وثيل الرياحي: انحر. فلما وردت إبل سحيم، حبس منها ناقة،
فنحرها من الغد فأطعمها. قال جهم: فقيل لغالب إنما نحر سحيم مواءمة، فضحك غالب، وقال: كلا،
لكنه امرؤ كريم وسوف أنظر. فلما وردت إبل غالب، حبس منها ناقتين، فنحرهما فأطعمهما. فلما
وردت إبل سحيم، نحر ناقتين فاطعمهما. فقال غالب: الآن علمت أنه يوائمني. قال إياس، فلما وردت
إبل غالب، حبس منها عشرا فعقلها، ثم أخذ الحربة فجعل ينحرها، فانفلتت ناقة منها، فانشامت في
بني يربوع، فركب غالب فرسه، فأدركها عند بيت الخرماء، وهي أسماء بنت عوف بن القعقاع،
وكانت امرأة الهذلق بن ربيعة بن عتيبة فعقرها، ثم لتب في سبلتها - أي وجأ، والسبلة موضع
المنحر وذلك المكان لا يخلو من شعرات هناك - فقالت الخرماء: مالك قطع الله يدك. فقال دونك
فاجتزريها، فإني لا اشتم ابنة العم، ولكن أجزرها. فسألت من هذا؟ فقالوا: هذا غالب بن صعصعة.
فقالت واسوأتاه. ورجع غالب فنصب قدوره، وغاظ ذلك بني يربوع، فأتوا سيدهم الهذلق فتجمعوا
اليه، فقالوا: ما ترى، قد فضحنا هذا، وصنع ما ترى، فما الرأي؟ قال الهذلق: أرى أن تأتوه فتأكلوا
من طعامه، وتنحروا كما نحر، وتصنعوا مثل صنعه. قالوا: لا، بل إذا فرغ من قدوره، غدونا،
فكفأناها، بما فيها، ففضحناه، فإن بني مالك حلماء رجح فنصغى إناءه، ونأتيهم، فنقر لهم بحقهم،
فيغفرون لنا، وذلك بمسمع من الخرماء أسماء بنت عوف، فتقنعت بملحفتها، وخرجت من كسر بيتها،
فأتت غالبا، فقالت له: قد سير بك وأنت لا تشعر، فأخبرته بما يريدون به. قال ومن أنت؟ قالت:
أسماء بنت عوف، وإنهم يريدون أن يكفؤا قدورك بما فيها، فيقنعوك خزية. فقال: هل شعر بك أحد؟
قالت: لا. قال فارجعي بأبي أنت وأمي، فحمل ابنه وابن أخ له على فرسين، ثم قال لهما: خذا أعداء
الوادي - أي ناحيتيه، أي أنت عن يمين، وأنت عن شمال، هاهنا وهاهنا - فانظرا أول صرم تريانه
من بني مالك، فعلي به، واحشرا من لقيتما منهم، فلقي أحدهما صرما من بني فقيم، ولقي الآخر
صرما من بني سبيع، ثم من بني طهية، فحشراهم، فأقبلوا على كل صعب، وذلول، حتى نزلوا حول
غالب، واستيقظ الهذلق، فقام من آخر الليل، فإذا أبيات ورجال لم يكن عهدهم من أول النهار، فقال:
إني لا تعرف وجوهاً لم أرها أول الليل، وأبنية ورجالا، فبعث إلي بني يربوع فقال: أترون ما أرى؟
قالوا: نعم. قال: جاءكم قوم يمنعون قدورهم، أليس هذا فلان وهذا فلان؟ أفترون أن تقتلوا هؤلاء في
غير جرم، قالوا فما الرأي؟ قال: أرى أن تأكلوا من طعامه، وتنحروا كما ينحر، وتصنعوا مثل ما
يصنع، فقعدوا فأكلوا من طعامه، ثم قالوا لسحيم: أعقر. فقال: والله إني ما أقوم لنحاري بني مالك،
إنما أقوم لنوكاهم. قالوا: إنا نرفدك. قال: فعلى بني مالك تعولون بالرفد، وهم أكثر منكم أموالا، ثم
وردت إبل سحيم فعقر منها خمس عشرة أو عشرين فضحك غالب.
قال أبو عبيدة، قال جهم: وكانت إبل غالب ترد لخمس، فجاء غلمته قد جبوا في حياضهم أنصافها،
فقال لهم: قدكم الآن، فقد أرويتم. قالوا له: وكيف أروينا وإنما جبينا في أنصاف الحياض، وكنا
نملؤها، ثم لا نضبطها، حتى نأخذ عليها قبلا سقيا على رءوسها فنسقيها. فقال:
بلى، قد أرويتم فحسبكم، فلما حان وردها - قال أعين بن لبطة - فلبس حلته وأخذ سيفه وانطلق معه الفرزدق.
قال: وصوأر واد ذاهب في الأرض. قال الفرزدق: فعلوناه وجاءت الأبل، فأمهل حتى إذا أدبرت،
فلم يبق منها شيء. انتضى سيفه فأهوى لعرقوبي آخرها، فنفرن لما رأين الدم، ووجدن ريحه،
فذعرن فأقبلن، حتى أطفن بالحياض نوافر عطاشا، وأقبل في أثرها، فلما لحقها، جعل يقول: عقرا
عقرا، ويقول للفرزدق: ردها يا هميم، فجعل الفرزدق يقول: إيه عقرا. إيه عقرا. قال أبو عبيدة، قال
إياس: فجعل يحول بينها وبين الحياض، فكلما ورد بعير عقره. قال جهم: حتى اضطرها إلى بيت أم
سحيم ليلى بنت شداد، فعقر عن يمينه وشماله، ومن ورائه، حتى قطعت أطنابه، فوقع عليها،
فخرجت عليه فسبته ودعت عليه، وقالت: يا غالب إن عقرك لن يذهب لؤمك، أو قالت: إن هذه
ليست مذهبة بلؤمك. فقال: إني لا أشتم ابنة العم، ولكن كلوا من هذا شحما ولحما. قال فجعل يعقرها
ويرتجز:
خذلني قومي وحان وِرديأسوقُها بذي حسامٍ فردِ
هل أنتَ يا سحيمُ غيرُ عبدِأسودُ كالفلذِ من المغدِ
وقال أيضاً:
آل رياحٍ إنه الفَضَاحُوإنها المخاضُ واللقاحُ
قد شاع في أسؤقها الجراحُفلا تضجِّي واصبري رياحُ
قال أعين: وفيها غلام لغالب، يقال له سحيم، أبصر الناس بالإبل وأرعاهم، فجعل يقول يا أبا الصمة
ويأبى غالب. قال سحيم: فلم أزل
أطمع أن يكف حتى مر بفحل منها، ثمنه أربعة آلاف درهم، فعقره.
فلما عقره علمت أنه لن يستبقي شيئاً، فذهب سحيم غلامه يكفه عنه، فأهوى إليه السيف فأصاب
ركبته فقطع إحدى رجليه، فاستعدى عليه عثمان بن عفان، ﵁، فاعتقه، فلما قتل عثمان،
﵁، استرقه غالب. قال أعين: فعقر أربعمائة بعير، وزعم إياس أنها كانت مائة وأربعين
ناقة، فلما عقر مائة منها، ورأت البارقة ووجدت ريح الدم طار منها أربعون فندت، فنادى غالب: أنا
غالب بن صعصعة، من أخذ بعيرا فهو له. وأحرج على رجل يجمع بين بعيرين، فإني لا أحل له.
فطلبه عثمان، ﵁، ليعاقبه، فركب إلى أبيه صعصعة، فرحب به، وقال: حاجتك؟ قال:
جئت لتخلف عليَّ ما عقرت، فقد رحضت عنك الذم والعار فاخلف لي، قال: نعم وكرامة أخلف ما
عقرت، وأشترط عليك أن لا تعقر بعيراً ولا بهيمة، ولا تذبها ولا تمثل بها، قال غالب لا أعطيك هذا
الشرط أبدا. قال: فلا إلا على هذا الشرط. فلحق بالبصرة، فأتى منزل الحتات بن يزيد فالتزمه وقبله،
وقال: أقم تخرج أعطيه الحي، وفيهم ثمانون على الفين، فنقاسمك من أعطيتهم، ففعل فأخذ أربعين
الفا، فارتحل بحمل ورق، فأتى الموسم براحلة دراهم، فلما قضى نسكه، زار البيت في أول الناس، ثم
ركب بين خرجيه بعيرا نجيبا لا يجارى. ثم نادى بالبطحاء: يا أيها الناس، أنا غالب بن صعصعة،
فمن أخذ شيئا فهو له، ثم فتح الخرجين، ثم حثى أمامه، وعن يمينه، وعن شماله، ووراءه، حتى إذا
فرغ الخرجين من الورق، أحال السوط في بطن البعير، ثم نجا، فقيل لعثمان: عتبت على غالب في
العقر، وأخفته وطلبته لتعاقبه، فها هو ذاك قد أنهب ماله فبعث في طلبه فهرب فأعجزهم.
قال أبو عبيدة: وأما زبان أو مطرف الصبيري، وسعيد الرياحي، فزعما أن امرأة من بني رياح،
نذرت إن زوجت ابنها عجردا أن تنحر جزورين، فزوجته فنحرت جزورين لنذرها، فوافق ذلك نحر
غالب، فظن أنه مواءمة فلج الأمر، وفي ذلك يقوم الأخوص الرياحي:
فكنا بخير قبل قُبَّةِ عجردٍوقبلَ جزورَي أُمِّه يوم صوأرِ
يعني قبة البيت الذي ابتنى فيه بامرأته. وبلغ بني مالك غضب بني يربوع فقال ذو الخرق الطهوي:
ما كان ذنبُ بني مالكبأن سُبَّ منهم غلامٌ فَسَبْ
عراقيب كومٍ طوالِ الذُّريتخرُّ بوائكُها للركب
واحدة البوائك بائكة، وهي الكريمة من الأبل.
بأبيضَ يهتزُّ ذي هبَّةٍيقطُّ العظامَ ويبري العصب
فلا تبعثوا ساقيا منكمقصيرَ الرِّشا ضعيفَ الكَرب
يسامي بحورَ بني مالكترامىَ أواذيها بالخشب
وأبقى سحيمٌ على مالهوملَّ السؤالَ وخاف الحَرَب
وقال شعبة بن عمير:
لعمري لقد أروَى ابنُ ليلى لبونَهعلى صوأرِ والماءِ لزنَّ مشاربه
جرى سابقا لا يبلغ الجهدُ عفوهإلى غايةِ المجدِ الذي هاب صاحبه
وقال الفرزدق في ذلك وذكر عقر غالب يوم صوأر:
ألم تعلما يا ابن المجشَّر أنهاإلى السيف تستبكي إذا لم تُعقَّر
منا عيشُ للمولى مرائيبُ للثأَىمعاقيرُ في يوم الشتاء المذكر
وما عقرت إلا على عثم يُرىعراقيبُها مذعقَّرت يومَ صوأرِ
رجع إلى شعر جرير:
عَنيفُّ بِهز السَّيفِ قَيْنُ مُجاشِعٍرَفيقٌ بأَخراتِ الفؤُوسِ الكرازِمِ
قوله رفيق بأخرات، يريد خرت الفأس، وهو الذي يقع فيه عموده، وهو ثقب الفاس، يريد أنه حداد.
قال والكرازم الفؤوس التي لها رأس عظيم عريض، ويقال: لها كرَزَم وكرْزم. وكَرْزن وكُرزنِ. قال
سعدان، وأنشدنا أبو عبيدة لقيس بن زهير في ذلك:
فقد جعلت أكبادنا تجتويكمكما تجتوي سوق العضاه الكرازنُ
ستُخبرُ يا ابنَ القينِ أنَّ رِماحَناأباحَتْ لَنَا ما بَيْنَ فَلَج وعَاسَمِ
ويروى ألم تر. ويروى أباحت لكم.
ألاَ رُبَّ قوم قَدْ وفدْنَا عليهمِبصُمِّ القنا والمقرباتِ الصَّلادِمِ
ويروى قد نكحنا بناتهم بسمر القنا أي سبينا هن ولم يكن هناك تزويج.
لقْدَ حظِيت يَوْماً سُليمٌ وعامِرٌوعبسٌ بِتجريدِ السُّيوفِ الصوارِم
وعبسٌ هُمُ يومَ الفرُوقينِ طرَّفُوابأسيافِهمْ قُدموسَ رأسٍ صُلادِمِ
ويروى مصادم. قوله طرفوا ردوا ومنعوا. والقدموس شيء ينتأ في رأس الجبل طولاً يشبه به رأس
القوم وسيدهم وكبيرهم، عنى بذلك رأس بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وذلك أن بني عبس في
حرب داحس، ساروا إلى هجر ليمتاروا منها، فنزلوا في بني سعد بأمان ثلاث ليال، فنظر بنو سعد
إلى قلتهم، وإلى ظعنهم وكثرة أموالهم، فأجمعوا على الغدر بهم، فبلغهم ذلك، وقال لهم عنترة بن شداد
بن عمرو بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس،
إن القوم أجمعوا على الغدر بكم، وهم كثير، فإذا جنَّكم الليل، ففرقوا النيران فيما حولكم من الشجر،
واظعنوا، فإن القوم إذا نظروا إلى النيران، ظنوا أنكم في منزلكم. ففرقوا النيران فميا حولهم من
الشجر، وارتحلوا وقد قدموا عيالاتهم وأموالهم بين أيديهم، وتخلَّف الفرسان، وأصبح بنو سعد فغدوا
ليقتسموا أموال بني عبس وظعنهم، فوجدوهم قد ساروا فتبعوهم حتى لحقوهم بالفروق، فاقتتلوا قتالا
شديدا، وامتنعت بنو عبس، ومنعوا ظعنهم وأموالهم، ورجع بنو سعد يتفادى بعضهم ببعض، لم ينالوا
خيرا. ففي ذلك يقوم عنترة بن شداد العبسي:
ألا قاتل الله الطلولَ البوالياوقاتلَ ذكراكَ السنينَ الخواليا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع