من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)
قصيدة عنترة بن شداد وقصيدة عمرو بن كلثوم (٣)
القتل ليس يموت على فراشه. ومثله قول الآخر:
وإنْ يُقْتَلوا فيُشتَفَى بدمائهموكانوا قديماً من منَاياهم القتلُ
والباء صلة شككت، والثياب منصوبة بشككت، والكريم اسم ليس، وبمحرم خبر ليس.
فتركتُه جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهما بينَ قُلَّةِ رأَسِه والمِعْصمِ
(الجزر): جمع جزرة. والجزرة: الشاة والناقة تذبح وتنحر. فيقول: صار للسباع جزرة. ضربه
مثلا. وقوله (ينشنه)، أي يتناولنه بالأكل. يقال:
نشت الشيء أنوشه نوشا، إذا تناولته. قال الله الأعز الأعظم:
(وأنى لهم التَّناوُشُ مِن مكان بعيد) أي التناول، أي كيف لهم بأن يتناولوا التوبة. قال الشاعر:
كغِزلانٍ خَذَلن بذات ضالٍتَنُوش الدانياتِ من الغُصونِ
أي يتناولن. وقال الآخر:
فهي تنوش الحوضَ نَوشاً من علانَوشاً به تقطع أجواز الفلا
ومن قرأ: (لتَّناؤُش) بالهمز أراد التأخر، من قولهم: نأش، إذا تأخر. ويروى: (فتركته جزر السباع
يعدنه)، أي يأتينه. يقال: تعود إتياننا واعتاد إتياننا بمعنى. قال العجاج:
واعتاد أرباضاً لهَا آريُّكما يعود العيدَ نصرانيُّ
و (قلة رأسه): أعلى رأسه، فكذلك قلة الجبل: أعلاه، والجمع قلل وقلال. قال ذو الرمة:
كضَوء البرقِ يَختلسُ القِلالا
ويروى: (يقضمن حسن بنانه والمعصم)، فيقضمن معناه يأكلن. يقال: قضمت الدابة شعيرها، ولا
يقال قضمت. والضم: أكل كلِّ شيء يابس، والخضم: أكل كل شيء رطب. و (المعصم): موضع
السوار، وهي المعاصم. و (البنان): الاصابع، واحدته بنانة. والأنامل: أطرافها، واحدتها أنمَلة وأنمُلة.
قال الله ﵎: (واضربوا منهم كل بنان). قال الشاعر:
كم لكَ من خَصلة مباركةيَحسبِها بالبنان حاسُبها
قال أبو جعفر: البنان الأصابع بكمالها.
وجزر السباع نصب بتركته، وما في موضع نصب بينشنه، أي فيما بين.
ومَسَكِّ سابغةٍ هَتَكتُ فروجَهابالسَّيف عن حامي الحقيقةِ مُعْلِمِ
و (مسكها): سمرها. وروى الأصمعي: (ومشك سابغة). قال: ومشكها: حيث يجمع جيبها بسير قال
الأصمعي: كانت العرب تجعل سيرا في جيب الدرع يجمع جيبها، فإذا أراد أحدهم الفرار جذب السير
فقطعه واتسع الجيب فألقاها عنه وهو يركض. والسابغة: الدرع الفاضلة الواسعة التامة. وقوله:
(هتكت) معناه قطعت وخرقت. وقوله (حامي الحقيقة)، معناه يحمي ما يحق عليه أن يمنعه. قال حمى
أنفه حمية، ومحمِية، ومحميَّة. قال الفرزدق:
دافعْ إذا ما كنت ذا محميَّةْبدارِ ميٍّ أمُّه ضبِّيَّهْ
صَمَحْمح مِثلِ أبي مَكّيَّه
يعنى نفسه. وذلك إنه ولدت له جارية من سوداء فسماها مكية وتكنى بها. وقوله (معلم) معناه قد اعلم
نفسه، أي هو معروف. وقال أبو جعفر في قوله (ومشك سابغة): مشكها: نسجها.
والمسك مخفوض بإضمار رب، وهتكت فروجها صلة سابغة، والباء وعن صلتان لهتكت، والحامي
خفض بعن، والمعلم نعت لحامى الحقيقة.
رَبِذٍ يَدَاهُ بالقِداحِ إذا شَتاهَتّاكِ غاياتِ التِّجارِ مُلَوَّمِ
(الربذ): السريع الضرب بالقداح؛ والربذ المصدر. يقول: هو حاذق بالقمار والميسر، خفيف اليد
بضرب القداح. وهذا كان مدحا عند العرب في الجاهلية. وقوله (إذا شتا) قال يعقوب: إنما يضربون
بالقداح في شدة الزمان وكلب البرد. وقوله (هتاك غايات التجار)، الغاية: الراية راية الخمارين.
وأنشد قول أبي ذؤيب ووصف الخمار:
له رايةٌ تَهدى الكرامَ عُقابُها
وقوله (هتاك غايات التجار)، معناه إنه يأتي الخمارين فيشتري كل ما عندهم من الخمر فيقلعون
راياتهم ويذهبون، فذلك هتكه. وقال أبو جعفر: كان أصحاب الخمر إذا نزلوا رفعوا راية ليُعرفوا بها.
والراية هي الغاية، فلا يقلعونها حتى تشتري خمرهم جمعاء. وقوله (ملوم) معناه معذّل يلام على
إنفاق ماله في الفتوة. يقال: ألام الرجل، إذا أتى بما يلام عليه. وقد ألأم، إذا أتى باللؤم.
وربذ وهتاك وملوم نعوت لحامي الحقيقة، واليدان مرتفعان بمعنى ربذ.
لمَّا رآني قد نزلْتُ أُريدُهأَبْدَى نَواجذَه لغير تبسُّمِ
قوله (أبدى نواجذه) معناه كلح في وجهي فبدت أضراسه. والناجذ: آخر الأضراس. ومن ذلك قولهم:
عض على ناجذه. وقال الأعشى:
ولسوفَ تَكلَح للأسِنَّةِ كَلْحةً غيرَ افترَارَهْ
يقول: ليس إبداؤه نواجذه للضحك، إنما ذاك لكراهة منه وخشية من الموت.
وفاعل رآني مضمر فيه من ذكر حامي الحقيقة، وأريده موضعه رفع في اللفظ بالألف، وموضعه
نصب في التأويل على الحال، كأنه قال: قد نزلت مريدا له. وأبدى جواب لما.
وقال أبو جعفر في قوله (أبدى نواجذه لغير تبسم)، معناه استبسل للموت. وأخرى استبسل.
فَطَعنتُه بالرُّمْحِ ثُمَّ عَلَوتُهبمهنَّدٍ صافِي الحَديدةِ مِخْذَمِ
(المهند): المعمول بالهند. قال يعقوب: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: التهنيد: شحذ السيف.
و (المخذم) من السيوف: الذي ينتسف القطعة، أي يرمى بها. قال الشاعر:
عَقِيلا سُيوفٍ مِخذَمٌ ورسوبُ
والرسوب: الذي يرسب، وهو الغامض القطع.
وصافي الحديدة نعت للمهند؛ لأن صافي الحديدة نكرة في التأويل، إذ كانت الألف واللام تحسنان
فيه، فيقال الصافي الحديدة.
عَهْدِي به مَدَّ النَّهارِ كأَنَّماخُضِبَ البنانُ ورأسُه بالعِظلَمِ
(مد النهار): أوله، أي حين امتد النهار. يقال: أتيته مد النهار، وشد النهار، ووجه النهار، وشباب
النهار، أي أوله. ويروى: (شدَّ النهار) أي ارتفاعه. و (العظلم): الوسمة.
ومد النهار منصوب على الوقت، وخبر عهدي ما عاد من الهاء، والتقدير: كأنما خضب بنانه
ورأسه، فأقام الألف واللام في البنان مقام الهاء، كما قال الله ﷿: (ونَهَىَ النَّفْسَ عن الهوى)، أي
عن هواها.
بَطَلٍ كأَنَّ ثيابَهُ في سَرحَةٍيُحْذَى نِعالَ السِّبْتِ لَيْسَ بتَوْأَمِ
ويروى: (كأن سلاحه في سرحة)، يقول: هو طويل من الرجال تام، فكأن ثيابه التي هي عليه، إنما
هي على سرحة من طوله. والسلاح يذكَّر ويؤنَّث، قالت الدبيرية: سمى جدنا دبيرا لأن السلاح
أدبرته. والمسالح: المواضع يستعمل فيها السلاح. ومعنى قوله (في سرحة)، أي على سرحة، فأقام
(في) مقام (على). قال الله ﷿: (ولأصَلِّبنَّكم في جذوع النَّخْل)، أي على جذوع النخل. قال
الشاعر:
نصبنا رأسَه في رأس جذعبما جَرَمت يداه، وما اعتدينا
أي على رأس جذع. وقوله (يحذى نعال السبت) معناه ليس براعي إبل فيلبس الجلد الفطير.
والسبت: جلود البقر إذا دبغت بالقرظ، فإن لم تدبغ بالقرظ فليست بسبت. وقوله (ليس بتوأم)، يقول:
لم يزحمه آخر في الرحم فيخرج ضاويا ضعيفا. يقال: هو توأم، إذا ولد معه آخر. والجميع توائم
وتؤام. وأنشدنا أبو العباس:
قالت لها ودمعُها تؤامعلى الذين ارتحَلُوا السَّلامُ
وقد أتأمت المرأة فهي متئم، إذا ولدت اثنين في بطن، فإذا كان ذلك عادتها فهي متآم. وقال أبو
جعفر: توائم جمع توأمة للمؤنث، وتوأمن جمع توأم للمذمر. و (السرحة): الشجرة الطويلة؛ وجمعها
سرح.
وبطل مخفوض لأنه نعت لحامي الحقيقة، والثياب اسم كأن، وفي سرحة خبر كأن ويحذى مرفوع
بالياء وموضعه في التأويل خفض لأنه نعت لبطل، ولورد إلى الدائم لقيل فيه بطل محذو نعال
السبت، واسم ما لم يسم فاعله مضمر في يحذى، والنعال خبر ما لم يسم فاعله، واسم ليس مضمر
فيها، وتوأم خبرها.
يا شاةَ ما قَنَصِ لمنْ حَلَّتْ لهحَرُمَتْ عَليَّ وليتَها لم تَحْرُمِ
قوله (يا شاة) كناية عن المرأة. والعرب أيضا تكنى عن المرأة بالنعجة، قال الله ﷿: (إن هذا
أخي له تسع وتسعونَ نعجةً ولي نعجةٌ واحدة). أراد بالنعجة المرأة. وأراد: يا شاة قنص، أي صيد.
والقنيص والقنص: الصيد؛ والقانص والقنيص: الصياد. وقوله (لمن حلت له)، أي لمن قدر عليها.
وقوله (حرمت عليَّ) معناه هي من قوم أعداء له. وقال الأثرم في قوله (حرمت عليَّ): معناه هي في
جواري فقد حرمت عليّ. ويروى: (حرمت عليه). وأنكر أبو جعفر قول الأثرم وقال: العرب لا
تشبب بجاراتها، والمعنى فيه مدح، أراد: يا شاة قنص، أي من اقتنصها فقد غنم. يقال: إنه أراد امرأة
أبيه، وهي سُمية التي يقول فيها:
أمِن سُميَّةَ دمعُ العين تذريفُلو أن ذا منكَ قبل اليوم معروفُ
وقال الفراء: أنشدني الكسائي بيت عنترة: (يا شاة من قنصٍ لمن حلَّت له). قال: وزعم الكسائي إنه
إنما أراد يا شاة قنص، وجعل من حشوا في الكلام كما تكون ما حشوا. وأنكر الفراء هذا وقال: إنما
أراد يا شاة من مقتنص، لأن من لا تكون حشوا ولا تلغى. وأنشد الكشائي والفراء:
آل الزبير سَنامُ المجدِ قد علمتْذاك القبائلُ والأثَروْن مَنْ عددا
فقال الكسائي: من صلة والمعنى الأثرون عددا. وقال الفراء: عددا صلة لمن كأنه قال: من معدودا.
والشاة منصوبة على النداء، وما صلة للكلام. ويجوز أن تكون ما خفضا بإضافة الشاة اليها، وقنص
مختفض على الاتباع لما، كما تقول في الكلام: نظرت إلى ما معجب
لك، على معنى؛ نظرت إلى شيء معجب لك، واللام صلة قنص، وحلت له صلة من، والهاء تعود على من،
وفي حلت ضمير الشاة، والهاء والألف اسم ليت، والخبر ما عاد من تحرم.
فبعثْتُ جَاريتيِ فقلتُ لها اذْهَبِيفتَحسَّسِي أَخبارَهَا لي واعْلَمِي
الفاء تصل ما بعدها بما قبلها، وقلت نسق على بعثت، والجارية نصب ببعثت، وعلامة الجزم في
اذهبي سقوط النون، وكذلك تحسسي واعلمي، والأخبار نصب بالتحسس.
قالتْ رأَيتُ مِنَ الأَعادِي غِرَّةًوالشَّاةُ ممْكِنَةٌ لمن هو مُرْتَم
قوله (مرتم) معناه لمن أراد أن ينظر ويلتمس. وقال أبو جعفر: معناه لمن أراد أن يصطادها
ويأخذها. وقوله (غرة) معناه إمكان واغترار وغفلة. قال الراجز:
أمَّا تريْني أذَّرِي وأدَّريغِرّاتِ جُمْل وتَدَرّي غِرَري
قوله (أذري) هو أفتعل من ذرى يذري. وقوله وأدرى، معناه أختلها بالنظر إذا غفلت. ومعنى البيت
أن هذا الشاعر كان يجيء فيلعب بالتراب كأنه يذريه. فإذا أصاب غفلة نظر إلى هذه المرأة.
والغرة نصب برأيت، والأعادي: جمع أعداء، والأعداء: جمع عدو، والأصل فيه من الأعادي،
فاستثقلوا الكسرة فأسقطوها، والشاة رفع بممكنة، والواو واو الحال، كأنه قال: في حال إمكان الرمي.
وكأَنَّها التفتَتْ بِجيدِ جَدَايةٍرَشأٍَ مِن الغِزلان حُرٍّ أَرثَمِ
(الجيد): العنق، وجمعه أجياد. قال الشاعر:
أيام أبدتْ لنا جيداً وسالفةًفقلت إنَّي لها جيدُ ابنِ أجيادِ
معناه فقلت لها: أنى لها عنق هذا الظبي الذي يكون في هذا الجبل. وأجياد: جبل بمكة. ويقال: رجل
أجيد وامرأة جيداء، للطويلة العنق. يقول: فكأن جيدها الذي التفتت به جيد جداية، وهي من الظباء
بمنزلة الجدي من الغنم أتت عليه خمسة أشهر أو ستة. وقال الآخر:
يُريح بعْدَ النَّفَس المحْفوزِإراحَةَ الجَدَاية النَّفوزِ
النفوز: القفوز. و (الحُرّ): الحسن العتيق. و (الأرثم): الذي على أنفه بياض.
والجيد خفض بالباء، وهو مضاف إلى الجداية، والرشأ والحر والأرثم نعوت الجدابة
نُبِّئتُ عَمْراً غَيَر شاكِرَ نِعْمتيوالكُفْرُ مَخْبثَةٌ لنفْس المُنْعِم
قوله: (لنفس المنعم): عليه. فيقول: إذا كفره خبث ذلك نفس المنعم الذي له عليه نعمة. ويقال: طعام
مطيبة للنفس، ومخبثة لها؛ وشراب مبولة.
وعمرا اسم نبئت، وغير شاكر خبر نبئت، والكفر رفع بمخبثة، والنفس خفض باللام وهي مضافة
إلى المنعم.
ولقد حَفِظْتُ وَصَاةَ عَمِّي بالضُّحَىإِذْ تَقْلِصُ الشَّفَتانِ عنْ وضَحِ الفَمِ
(الضُّحى) مؤنثة؛ والضَّحاء، بالمد والفتح مذكر، والضَّحاء للإبل بمنزلة الغداء. أنشدنا أبو العباس:
أعجَلَها أقدحي الضَّحاء ضُحىًوهي تُناصِي ذوائبَ السَّلَمِ
وقوله (تقلص) إذا فزع الرجل تقلصت شفتاه. (عن وضح) الفم، أي عن بياض الأسنان، كما قال
العجاج:
إذا العَوالي أخرجتْ أقصى الفمِ
والوضح: اللبن، سمى وضحا لبياضه. قال الهذلي وذكر قوما انهزموا:
عقَّوْا بسهم فلم يشعُر به أحدثمَّ استفاءوا وقالوا حبَّذا الوضحُ
أي رجعوا وقالوا: حبذا اللبن نشرب منه. والتعقية: أن يرمى بسهم في السماء.
واللام في لقد لام اليمين، وإذ وقت لما مضى، والشفتان رفع بتقلص، وعن صلة تقلص، والوضح
مضاف إلى الفم.
في حومِة الموتِ التي لا يتَّقِيغَمَراتِها الأَبطالُ غيرَ تَغمْغُمِ
حومة كل شيء. معظمه. ويقال نعم حوم، أي كثير. و (غمراتها): شدائدها. قال الشاعر:
الغمراتُ ثمَّ ينجلينا
و (الأبطال): الأشداء. (والتغمغم): صوت تسمعه ولا تفهمه. وقال أبو جعفر: يقال نعم حوم، إذا كان
كثيرا لا يدرك عدده.
وفي حومة الموت من صلة تقلص. ويجوز أن يكون من صلة حفظت، والتي نعت للحومة،
والأبطال رفع بيتقي، والغمرات نصب بيتقي، واختفضت التاء لأنها غير أصلية، وغير نصب على
المصدر.
إِذْ يتَّقُونَ بي الأَسِنّةَ لم أَخِمْعَنْها ولكنِّى تَضَايقَ مُقدَمي
قوله (يتقون بي الأسنة): معناه يجعلونني بينهم وبينها. يقال اتقاه بحقه، وتقاه بحقه، أي جعله بينه
وبينه. والأسنة: جمع سنان. وهو الذي يطعن به. والسنان والمسن هو الحجر الذي تحدد به
السكاكين. قال ذو الرمة:
وزُرقٍ كسَتهنَّ الأسنَّةُ هَبوةًأرقَّ من الماء الزُّلال كليلُها
وقوله (لم أخم)، معناه لم أنكل ولم أضعف. يقال خام يخيم، إذا ضعف وجبن. وقد أخام يخيم، إذا
أصاب رجله كسر أو علة فلم ينبسط في المشي. قال الشاعر:
رأوا وقرةً في عظْم ساقي فحاولواجُبوريَ لمَّا أن رأوني أُخيمُها
قوله (ولكني ضايق مقدمي) معناه ضاق المكان الذي اقدم فيه، فصرت في مضيق من الأرض لا
أستطيع أن أقدم فرسي فيه. يقال: إنه لجريء المقدَم، أي عند الإقدام، كقولك: حلفت بجهد المقسم، أي
بجهد القسم. ولا يجوز جري المقدِم بكسر الدال، لأن المقدِم لا يكون مصدرا؛ إنما المقدِم الرجل الذي
يقدم، ولا معنى له هاهنا. ويقال: نحر فلان مقدمة إبله، وهي التي تبكر باللقاح. والعرب تقول للشيء
معناه فعل: قد تفاعل، كقولك: قد تباعد
ما بين القوم، تريد بعدما بينهم. وكقولك: تطاول الليل، أي طال؛ وتعالى النهار، أي علا.
وإذ وقت للماضي، وأخم جزم بلم، علامة الجزم فيه سكون الميم، والياء سقطت لسكونها وسكون
الميم، والياء اسم لكن، والخبر ما عاد من الياء في مقدمي، وموضع مقدمي رفع بتضايق، والمقدم
بمعنى الإقدام، كما تقول: الحمد لله ممسانا ومصبحنا، أي في إمسائنا وإصباحنا.
لَمّا رأَيتُ القومَ أَقْبلَ جَمعهمْيتَذامَرونَ كرَرتُ غيرَ مذَّممِ
قوله (يتذامرون) معناه يحرض بعضهم بعضا ويزجر بعضهم بعضا. يقال: ذمره يذمره ذمرا، إذا
حضه. والذمر: الرجل الشجاع، وجمعه أذمار. والمذمر: الذي يدخل يده في حياء الناقة فيلمس ذفري
السليل وعنقه، فيعلم أذكر هو أم أنثى. والمذمر: الموضع الذي يلمسه المذمر.
ولما وقت فيها طرف من الجزاء، والجمع يرتفعون بأقبل، ويتذامرون موضعه رفع في اللفظ بالياء
وموضعه في التأويل نصب على الحال؛ والتقدير: أقبل جمعهم متذامرين. وكررت جواب لما، وغير
مذمم نصب على الحال من الباء، وأقبل جمعهم حال للقوم، معناه: قد اقبل جمعهم.
يَدعُونَ عَنتَر والرَّماحُ كأَنَّهاأَشطانُ بِئرٍ في لَبانِ الأَدهَمِ
معناه: كأن الرماح حين أشرعت إليه في طولها حبال. و (اللبان): مجرى اللبب.
والرماح رفع بما عاد من الهاء، والهاء والألف اسم كأن، وخبرها أشطان، والواو في الرماح واو
الحال.
ما زِلْتُ أَرميهِمْ بِغُرَّةِ وجهِهِولَبَانه حَتَّى تَسرْبَلَ بالدَّمِ
قوله (تسربل) معناه صار له سربال من الدم. والسربال: القميص. قال امرؤ القيس:
ومثِلِك بيضاءِ العوارض طَفْلةٍلعَوبٍ تُنَسِّيني إذا قمتُ سِربالي
أراد: قميصي.
والتاء اسم زلت، والخبر ما عاد من أرمى، والباء صلة أرمى. ورواه ثابت: (ما زلت أرميهم بثغرة
نحره)، قال: ثغرة النحر: الهزمة التي بين الترقوتين.
ولقد شفَى نفسِي وأَبرأَ سُقْمهاقِيلُ الفَوارس وَيْكَ عنترُ أَقدِمِ
يقال سُقم وسَقم، وعُدم وعَدم، وبُخْل وبَخَل. وقال أبو جعفر: معنى البيت: كنت أكثرهم، فلذلك
خصوني بالدعاء. وقوله (ويكأنه) معناه ويلك، فأسقط اللام. ومعناه في غير هذا: ألم تر. قال الله عز
وجل: (وَيْكأنَّه لا يُفلِحُ الكافرون). قال الفراء: يجوز أن يكون المعنى ويلك اعلم أنه، فأسقط اللام
من ويلك وأضمر قبل إنه أعلم. ويجوز أن يكون ويك ألم تر. قال الشاعر:
سألتاني الطَّلاَقَ أن رَأتانيقَلَّ مالي قد جئتماني بهُجْرِ
ويك أن من يكن له نشبٌ يُحبَبُ ومن يفتقرْ يَعِشْ عيشَ ضُرِّ
قال يعقوب بن السكيت: أنشدني هذا البيت محمد بن سلام الجمحي عن يونس وقال: معناه ألم تر.
ومعنى (شفي نفسي) أي اشتفيت حيث قالوا لي أقدم فأقدمت. وقال أبو جعفر: أصل هذا الفرح إنه
أقر به أبوه، فلما قالوا (ويك عنتر أقدم)، والذي قال له أقدم أبوه، قال له: ويك عنتر أقدم فاذهب
بالحرم والمال! فقال: (العبد لا يحسن الكر، إلا الحلب والصر) فأعاد عليه مرارا، فلما تخوف أن
يذهب الحرم قال: أي بني أما ترى؟ قال: الآن نعم. فعندها قال: (وأبرأ سقمها).! فركب فرسه عريانا
وأخذ قناته فرد الظعن وقتل من قتل.
والقيل مرتفع بشفى. وأبرأ نسق على شفى. وعنتر فيه وجهان: فتح الراء وضمها. من فتحها قال:
أراد الترخيم يا عنترة ثم أسقط التاء وترك الراء على فتحها؛ لأنه يطالب التاء. ومن قال عنتر ضم
الراء لأنه منادى مفرد. وموضع اقدم جزم على الامر، والياء صلة لكسر الميم، كما قال امرؤ القيس:
ألاّ أيها الليل الطويلُ ألاَ انجلِي
وازورَّ مِنْ وقْعِ القَنا بلَبانِهِوشَكَا إِليَّ بَعَبْرةٍ وتَحَمحُمِ
(العبرة): الدمعة، وجمعها عبر. أنشدنا أبو العباس:
ولا تنفَّستُ إلاّ ذاكراً لكُمولا تبسَّمتُ إلاّ كاظماً عِبَرا
وقال أبو جعفر: العبرة تنزل الدمعة، وهي ارتفاع الغم من الصدر حتى يخنق فيكاد يقتل. فيقال:
خنقته العبرة. والدمعة لا تقتل. وانشد لذي الرمة:
أجَلْ عَبْرةً كادتْ لعِرفانِ منزلٍلميَّة لو لم تُسهِلِ الماءَ تَذْبحُ
و (ازور)، معناه تمايل، وهو مأخوذ من الزور، والزور: الميل، يقال: ازور يزورّ، وتزاور يتزاور،
وازوار يزوار، وازَّاور يزَّاور. قال الله ﵎: (وتَرَى الشَّمسَ تزَّاور عن كهفهم)، معناه
تمايل، والأصل فيه تتزاور، فأدغمت الزاي الأولى في الثانية. وتقرأ (تزاور) بتخفيف الزاي،
والاصل فيه تتزاور، فحذفوا إحدى التاءين، وقرا قتادة: (تزورُّ) على مثال تحمر، وهذا مستقبل
تزورّ. وقرأ أبو رجاء: (تزْوارُّ) على مثال تحمارُّ وتصفارُّ، وهذا مستقبل ازوار. و (اللبان): الصدر
وموضع اللبب، وقد يستعار للناس. وقوله: (وشكا إليَّ بعبرة) مثل، معناه فعَل فعِل مستعبر، أي لو
كان ممن يتكلم لشكا بلسانه.
والتحمحمم نسق على العبرة.
لو كانَ يَدْرِي ما المحاورةُ اشتكَىأَو كانَ لو عَلِمَ الكلامُ مُكلِّمي
اسم كان مضمر فيها، والخبر ما عاد من يدري، والمحاورة رفع بما وما بها، واشتكى
جواب لو، واسم كان الثانية مضمر فيها، ومكلمي خبرها، والنصب لا يتبين فيه؛ لأن الياء لا يكون الذي قبلها
إلا مكسورا.
والخَيلُ تَقتحِمُ الخَبَارَ عوابساًمن بين شَيظمةٍ وأَجردَ شَيظَمِ
الاقتحام: الدخول في الشيء بسرعة. و (الخبار): الارض اللينة ذات الجحرة والجرفة، والركض
يشتد فيها. و (العوابس): الكوالح من الجهد. و (الشيظم): الطويل. و (الأجرد): القصير الشعرة. أنشد
اللحياني في الخبار:
أمِن جَرَّى بني أسدٍ غضبتُمولو شئتم لكان لكم جِوارُ
ومن جَرّائنا صرتمْ عَبيداًلقومٍ بعد ما وُطئ الخَبارُ
جرى معناه اجل، وهي مما يمد ويقصر.
والخيل ترتفع بما عاد من تقتحم، وعوابسا نصب على الحال، ومن معناها التفسير، والاجرد
موضعه خفض بالنسق على شيظمة، الا إنه نصب لأنه لا يجري. والشيظم نعت الاجرد.
ذُلُلٌ رِكابي حيثُ شِئتُ مُشايِعِيلُبِّى وأَحفِزُهُ بأَمر مُبْرَمِ
ويروى: (مشايعي همي واحفزه برأي مبرم).
الذلول من الإبل وغيرها: الذي هو ضد الصعب؛ والجمع ذلل. ويقال: ذلول بين الذل. ويقال رجل
ذليل وهو ضد العزيز، والجمع أذلاء، بين الذل والمذلة والذلة. و (الركاب): الإبل. يقول: هي معتادة
للرحيل قد فارقت الافها وأوطانها مرة بعد مرة، فاللفظ للركاب والمعنى له، أي لا أبالي فراق من
تعرض لفراقي. وقوله (مشايعي لبي). يقول: عقلي لا يعزب عني، و (أحفزه)
معناه أدفعه وأقويه.
والحفز: أن تدفع الشيء وتدنو منه. وقال أبو جعفر: أراد وأحفز الأمر المبرم بعقلي، أي أنفذ الأمر
المبرم بعقلي. وقال: معنى أحفزه أدفعه وأمضيه. وقوله (بأمر مبرم) أي برأي ليس بمتنقض
وضعيف. واصله من الفتل المبرم، وهو أن تفتل الطاقتين حتى تصيروا طاقة واحدة. ويروى:
(مصاحبي عقلي).
وركابي مرتفعة بذلل، وذلل بها، ولبى رفع بمشايعي. واحفزه فعل مستأنف، والباء صلة أحفزه.
ولقدْ خَشِيتُ بأَنْ أَمُوتَ ولم تكُنْللحربِ دائرةٌ على ابنَيْ ضَمضَمِ
ابنا ضمضم: هرم وحصين ابنا ضمضم الذي قتله ورد بن حابس العبسي، وكان عنترة قتل أباهما
ضمضما، فكانا يتواعدانه، ويروى: (ولم تدر للحرب دائرة)، أي لم تدر عليهم دائرة السوء من القتل.
واللام في (لقد) لام اليمين، والباء موضعها نصب بخشيت، وهي مؤكدة للكلام؛ لأن سقوطها لا يخل
بالمعنى. ألا ترى إنك لو قلت: (ولقد خشيت أن أموت) كان سائغا حسنا. والدائرة رفع بتكن، واللام
خبر الكون، وعلى صلة دائرة، والواو في قوله: (ولم تكن) واو الحال.
الشَّاتِمَيْ عِرضِي ولم أَشْتُمْهُماوالنَّاذِرَينِ إذا لقِيتُهما دَمِي
قوله (والناذرين إذا لقيتهما دمى) معناه والقائلين والله لئن لقيناه لنقتلنه. وإنما قال إذا لقيتهما ولم يقل
إذا لقياني، وهو أبين في الكلام، لأن ما لقيك فقد لقيته وما لقيته فقد لقيك. قال الله ﷿: (فتلقَّى
آدمَ من ربِّه كلماتٍ)، وقرأ ابن عباس ﵁: (فتلقَّى آدمَ من ربِّه كلماتٌ) فمعنى القراءتين
واحد لأن ما لقيك فقد لقيته وما لقيته فقد لقيك. وقال الله ﵎: (لا ينالُ عَهدي الظالمين)،
وفي قراءة عبد الله: (لا ينالُ عهدي الظَّالمون)، قال الفراء: معنى القراءتين واحد، لأن ما نلته فقد
نالك وما نالك فقد نلته.
وموضع الشاتمين والناذرين خفض على النعت لابني ضمضم، وموضع عرضي خفض بإضافة
الشاتم إليه. ويجوز أن يكون في موضع نصب بالشاتمي، ومعناه الشاتمين، إلا أن النون حذفت من
التثنية بناء على حذفها من الواحد، والاختيار الخفض؛ لأن النصب إذا أريد دخلت النون. يقال:
رأيت الضاربَي زيد، ورأيت الضاربِي زيد، فتختار خفض زيد على نصبه. ويجوز أن تقول: رأيت
الضاربَيْ زيداً، ورأيت الضاربِي زيداً على التفسير الذي مضى؛ فإذا أدخلت النون لم يجز إلا
النصب كقولك: رأيت الضاربين زيداً ورأيتُ الضاربِين زيدا. قال الله ﷿: (والمقيمي الصلاةِ)،
فقراءة العوام خفض الصلاة. وروى العباس بن الفضل عن أبي عمرو: (والمقيمي الصَّلاةَ)، بنصب
الصلاة على ما مضى من التفسير.
وقال الفرزدق:
أسَيِّدُ ذو خُرَيِّطة نهاراًمن المتلقِّطي قَرَدَ القُمامِ
ويجوز أن يكون موضع الشاتمي والناذرين نصبا على الذم، ويجوز أن يكون رفعا على الذم،
بإضمار هما الشاتما.
إِنْ يَفعَلاَ فلقَد تَركْتُ أَباهماجَزَرَ السِّباعِ وكُلِّ نَسْرٍ قَشْعَمِ
قوله (جزر السباع) معناه هو مقتول لها تأكله. و (القشعم): الكبير من النسور. والفاء جواب إن،
والأب اسم تركت، وجزر السباع خبره، وكل نسق على السباع. وقال أبو محمد الرستمي: روى هذا
البيت الذي فسرناه الأصمعي ولم يروه أبو عمرو:
إِنِّي عَدَاني أن أَزورَكِ فاعلمِيما قد عَلمِتْ وبَعضُ ما لم تَعْلمي
(عداني) معناه شغلني. وما مرتفعة بعداني، وبعض نسق على ما.
حالتْ رِماحُ ابنَيْ بَغيضٍ دُونكمْوزَوتْ جَوانِي الحربِ مَنْ لم يُجرِم
(ابنا بغيض): عبس وذبيان، يعني قتالهم في حرب داحس والغبراء. وقوله (وزوت جواني الحرب)
يقول: من لا جرم له زوته جريرة من أجرم. ومعنى زوته: حازته إلى ناحية لا يقدر أن ينفرد من
قومه، مخافة أن يقتل، كقول رؤبة:
وأزمعَتْ بالشرِّ أن تَلفَعَّاحَربٌ تضمُّ الخاذلِينَ الشُّسَّعَا
وأصل الانزواء والتقبض والاجتماع، من ذلك قول النبي ﷺ: (زويت لي الأرض
فأريتُ مشارقها ومغاربها)، أي جُمعت. ويقال: انزوت
الجلدة في النار، إذا تقبَّضت واجتمعت. قال الأعشى:
يزيدُ يغضُّ الطَّرف دوني كأنَّمازَوَى بين عينَيه عليَّ المحاجمُ
فلا ينبسطْ من بين عينيَكِ ما انزوَىولا تلقَني إلا وأنفُك راغمُ
والجواني رفع بزوت، ومن منصوبة به، والأصل في جوان جواني، فاستثقلت الضمة في الياء
فأسقطت، وأسقطت الياء لسكونها وسكون اللام. وقال الرستمي: قرئ هذا البيت والذي قبله على
الأصمعي. وقال أبو جعفر: لا أعرفهما ولم أقرأهما على أحد البتة.
تمت القصيدة وهي تسعة وسبعون بيتا
قصيدة عمرو بن كُلثوم
﷽
قال عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن
غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار
بن معد بن عدنان.
وقال أبو عمرو الشيباني:
كانت بنو تغلب بن وائل من أشد الناس في الجاهلية. قال أبو عمرو: وقد ذكر لي بعض أهل العلم
أنهم شهدوا يوم خزاز. وخزاز: جبل كانت فيه وقعة. وهم من أظهر الناس عدة وسلاحا، وخيلا
ورجالا.
قال أبو عمرو: وسألت ابن الكلبي عن بني تغلب، فزعم إنه سمع أباه يقول: حدثني بعض أصحابي
قال: لو أبطأ الإسلام قليلا لأكلت بنو تغلب الناس.
وكان بينهم في الجاهلية حروب شديدة في كليب بن ربيعة أخي مهلهل، وهو كليب وائل، كادت تأتي
عليهم.
قال أبو عمرو: وأخبرني ابن الكلبي قال:
نافر عمرو بن كلثوم رجلا من بني تيم اللات بن ثعلبة، فذهبا إلى رجل من مضر يحتكمان إليه في
منافرتهما، وقد كانا خوَّفا ذلك الرجل، فقالا: يحكم بيننا أول من يعرض لنا. فعرض لهما رجل يقال
له أبو مليل، فاحتكما إليه فأخذهما فحبسهما سنة ثم افتديا منه.
ويقال: جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم، فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم،
فرجعوا فمات منهم سبعون رجلا عطشا. ثم أن بني تغلب اجتمعوا لحرب بكر بن وائل، واستعدت
لهم بكر حتى إذا التقوا كره كل صاحبه، وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت، فدعا بعضهم بعضا
إلى الصلح فتحاكموا في ذلك إلى الملك عمرو بن هند، فقال عمرو: ما كنت لأحكم بينكم حتى تأتوني
بسبعين رجلا من بكر بن وائل فأجعلهم في وثاق عندي، فان كان الحق لبني تغلب دفعتهم إليهم، وإن
لم يكن لهم حق خليت سبيلهم. ففعلوا وتواعدوا ليوم يجتمعون فيه، فقال الملك لجلسائه: من ترون من
بني تغلب تأقي به لمقامها هذا؟ فقالوا: شاعرهم وسيدهم عمرو بن كلثوم. قال: فبكر بن وائل؟
فاختلفوا عليه وذكروا غير واحد من أشراف بكر بن وائل، قال: كلا والله لا تفرُج بكر بن وائل إلا
عن الشيخ الأصم يعثر في ريطته فيمنعه الكرم أن يرفعها حتى يرفعها قائده فيضعها على عاتقه. فلما
أصبحوا جاءت تغلب يقودها عمرو بن كلثوم حتى جلس إلى الملك. وقال الحارث بن حلزة: أني قد
قلت خطبة فمن قام بها ظفر بحجته وفلج على خصمه. فرواها ناسا منهم، فلما قاموا بين يديه لم
يرضهم، فحين علم إنه لا يقوم أحد مقامه قال لهم: والله لأكره أن آتي الملك فيكلمني من وراء سبعة
ستور وينضح أثري بالماء إذا انصرفت عنه - وذلك لبرص كان به - غير أني لا أرى أحدا يقوم
بها مقامي، وأنا محتمل ذلك لكم. فانطلق حتى أتى الملك، فلما نظر إليه عمرو بن كلثوم قال للملك:
أهذا يناطقني وهو لا يطيق صدر راحلته! فأجابه الملك حتى أفحمه. وأنشد الحارث قصيدته:
آذنتْنا ببينها أسماء
وهو من وراء سبعة ستور، وهند تسمع، فلما سمعتها قالت: تالله ما رأيت كاليوم قط أن رجلا يقول
مثل هذا القول يُكلم من وراء سبعة ستور! فقال الملك: ارفعوا سترا. فدنا فما زالت تقول ذلك ويرفع
ستر فستر حتى صار مع الملك على مجلسه، ثم أطعمه في جفنته وأمر ألا ينضح أثره بالماء، وجز
نواصي السبعين الذين كانوا في يديه من بكر ودفعها إلى الحارث. وأمره ألا ينشد قصيدته إلا
متوضئاً. فلم تزل تلك
النواصي في بني يشكر بعد الحارث، وهو من بني ثعلبة بن غنم، من بني
مالك بن ثعلبة. وأنشد عمرو بن كلثوم قصيدته، فلما فرغ منها ظن الناس إنها لا يعدلها شيء. وقال
حين أنشدها:
أَلا هُبِّي بصَحْنِكِ فاصَبحِيناولاَ تُبْقِي خُمورَ الأَندَرِينا
قوله (هبي) معناه قومي. قال الشاعر:
ألا أيّها النوام ويحكمُ هُبُّواأسائلْكمُ هل يقتلُ الرجلَ الحبُّ
و (الصحن): القدح الضخم الواسع، والتبن: أكبر الأقداح، والرفد: القدح الضخم. قال الأعشى يمدح
الأسود بن المنذر أخا النعمان بن المنذر:
رُبَّ رِفدٍ هرقته ذلك اليوْمَ وأسَرى من مَعشرٍ أقتالِ
وقال أبو عمرو: الكتن: القدح الصغير. وقال أبو زيد: يقال للقدح الصغير الغمر، ثم العس أكبر
منه. وقال غيره: القرو: قدح صغير. وأنشد:
وأنت بين القَرْو والعاصرِ
والقعب: قدح صغير يروى الرجل الواحد.
وقوله (فاصبحينا) معناه فاسقينا صبوحا، وهو شرب الغداة. والأندرين: قرية بالشام كثيرة الخمر.
و (ألا) افتتاح للكلام، وهبي مجزوم على الأمر علامة الجزم سقوط النون،
والفاء جواب الجزاء المقدر، وتبقى جزم بلا على النهى، واصبحينا مجزوم على الأمر علامة الجزم فيه وفي تبقى سقوط
النون، وموضع الأندرين خفض بالإضافة، وفتحت النون لأنها مشبهة بنون الجمع، والألف صلة
لفتحة النون. ويقال في رفعها الأندرون.
مٌشَعشَعَةً كأَنَّ الحُصَّ فيهاإِذَا ما الماءُ خالطَها سَخِينا
(المشعشعة): الخمر التي أرق مزجها، وما مزج فأرق مزجه فقد شعشع، ومنه قيل رجل شعشاع، إذا
كان طويلا خفيف اللحم. و (الحص): الورس. و (فيها) معناه في الخمر. وقوله (إذا ما الماء خالطها
سخينا) قال أبو عمرو: معناه إذا خالها الماء وشربناها كنا أسخياء، أي ازداد سخاؤنا على ما كان
عليه قبل شربناها. وقال غيره: إذا ما الماء خالطها سخينا معناه إنها تمزج بالماء الحار. يقال ماء
سخين، إذا كان مسخنا. ويروى: (إذا ما الماء خالطها شخينا) بالشين معجمة وبالحاء غير معجمة.
ومشعشعة نصب بقوله فاصبحينا. وإذا وقت، والماء رفع بما عاد من خالط، وما صلة وسخينا فعل
ماض من السخاء جواب لإذا. ومن قال سخينا حارا نصبه على الحال من الماء. ومن رواه شحينا
بالشين نصبه على الحال من الهاء، وأراد خالطها مشحونة أي مملوة؛ من قول الله ﵎:
(في الفلك المشحون) فصرف من مفعول إلى فعيل، فلم تدخلها الهاء، وكان بمنزلة قولهم: كف
خضيب، وعين كحيل، ولحية دهين؛ يراد به: مخضوبة، ومكحولة، ومدهونة.
تَجُور بِذِي اللُّبَانَةِ عَنْ هَوَاهُإِذَا مَا ذاقَها حتّى يَلِينا
(اللبانة): الحاجة، يقال: لي إليه حاجة، ولبانة، وأشكلة، وشهلاء. أنشد أبو عمرو:
لم أقضِ حين ارتحلوا شهلائيمن الكَعَاب الطَّفْلة الحسناء
ويقال: لي إليه مأربة، أي حاجة؛ وجمعها مآرب. قال الله ﵎: (وليَ فيها مآرب أخرى)،
أي حوائج. ويقال: لي في هذا الشيء أرب وإربة، أي حاجة. قد أربت إلى الشيء آرب أربا، إذا
احتجت إليه. ومنه قولهم: ما أربك إلى كذا وكذا. ويقال: ما بقيت في صدري حوجاء ولا لوجاء الا
قضيتها. ويقال: قضيت من الشيء وطرا، إذا قضيت حاجتي منه. قال الله ﵎: (فلمَّا قَضَى
زيدٌ منها وطراً). ومعنى البيت أن الخمر تميل بشاربها عن حاجته.
وفاعل تجور مضمر فيه من ذكر الخمر، وما صلة، وإذا نصب بتجور، ويلينا نصب بحتَّى، والألف
صلة لفتحة النون.
تَرى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إذا أُمِرَّتْعَلَيه لمالِهِ فيها مُهِينا
(اللحز): الضيق البخيل؛ والعقص مثله. والحصر: الممسك. والحصر أيضا: الذي يكتم السر ولا
يبذله وهو مدح. قال جرير:
ولقد تسقَّطني الوشاةُ فصادفواحصِراً بسرك يا أميم ضنينا
وقال أبو عمرو: اللحز: السيئ الخلق اللئيم. وقال غيره: يقال للسيئ الخلق:
الشرس، والشكس، واليلندد. والقاذورة: الفاحش السيئ الخلق. قال متمم بن نويرة اليربوعي:
وإنْ تَلقَه في الشَّرْب لا تَلَقَ فاحشاًعلى الكأس ذا قاذورة متزبعا
قاذورة: متباعد من الناس. ومتزبع: متكبر؛ ويقال: هو المعربد يلقى الشر بين القوم. ومعنى البيت:
أن الكأس إذا أديرت على القوم وشرب البخيل السيئ الخلق حسن خلقه وأهان ماله.
واللحز منصوب بترى، ومهينا خبر ترى، واللام وفي صلتان لمهين.
وإِنا سَوفَ تُدْركُنا المنايامُقَدَّرَةً لنا ومُقَدَّرِينا
(المنايا): جمع منية، وهي الموت. ويقال: المنايا: الأقدار، من قول الله ﷿: (مِنْ نُطفة إذا
تُمْنَى)، معناه إذا تقدَّر. ويقال: مناه الله تعالى بما يسره، أي قدر الله له ما يسره. قال الشاعر:
لعمرُ أبي ليلى لقد ساقه المَنَىإلى جدث يُوزَى له بالأهاضب
وقال الآخر:
مَنَتْ لك أن تلاقيني المناياأحَادَ أحادَ في الشَّهر الحلالِ
أراد: قدرت، وقال الآخر:
ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعلُهحتَّى تَبيَّنَ ما يَمنِى لك الماني
أي ما يقدر لك القادر. وقال الآخر:
وعلمت أن النَّفسَ تلقى حتْفَهاما كان خالقُها المليكُ مَنَى لها
أي قدر لها. وقوله (مقدرة لنا ومقدرينا)، معناه قدرت علينا وقدرنا لها.
ونصب مقدرة على الحال من المنايا، ونصب مقدرين على الحال من النون والألف في تدركنا،
ونسق مقدرين على مقدرة، وأضمر بعد مقدرين نحن، أي ومقدرين لها نحن.
قِفِي قبْلَ التفرُّقِ يا ظَعينانخَبِّرْك اليقينَ وتُخْبرينا
قوله (يا ظعينا) معناه يا ظعينة، فرخم فحذف الهاء ووصل فتحة النون بالألف. ونخبِّرك ينجزم لأنه
جواب الجزاء المقدّر. يريد: أن تقفي نخبرك. وتخبرينا نسق على نخبرك، علامة الجزم فيه سقوط
النون.
وخبَّر وأخبر لغتان معناهما واحد، كما تقول: مهَّل وأمهل، ووصّى وأوصى. قال الله تعالى: (ووصّى
بها إبراهيمُ بنيه). وقرأ أهل المدينة: (وأوصى) والمعنى واحد.
بِيومِ كَريهةٍ ضَرباً وطَعناًأَقرَّ به مَوَاليكِ العُيونا
الباء صلة نخبرك اليقين. بيوم كريهة، أي بيوم وقعة كريهة أي مكروهة.
وإنما ثبتت الهاء في كريهة وهي في تأويل مفعولة لأنها جعلت اسما بمنزلة النطيحة والذبيحة
و (الكريهة): اسم لشدة الناس في الحرب، قال الأشترالنخعي:
خيلاً كأمثال السَّعالي ضُمَّراًتَعدو بفتيان الكريهة شُوسِ
وقالت الخنساء:
نُهين النفوسَ وهُونُ النفوسِ يوم الكريهة أوقَى لها
و (الموالي): بنو العم في هذا الموضع. ومعنى قوله (أقربه مواليك العيونا) ظفروا فنامت عيونهم
وزال سهرهم. يقال: أقر الله ﷾ عينك، أي أنام الله ﷿ عينك. وقال الأصمعي: أقر
الله عينك، معناه أبرد الله جل وعلا دمعتك. وزعم أن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة. وأقر
عنده مشتق من القر والقرة، وهما البرد يقال للماء البارد القرور. وقال: أسخن الله تعالى عينه معناه
حزنه الله سبحانه حتى تسخن دمعته. وأنكر أبو العباس قول الأصمعي وقال: الدمع كله حار في فرح
كان أو حزن. وقال: معنى قولهم: أقر الله عينك: أعطاك الله تعالى أملك وبلغك مرادك حتى ترضي
نفسك به وتقر عينك عن الاستشراف إلى غيره. ويقال لكل شيء وقع في موضعه الذي ينبغي أن
يقع فيه: (صابت بقُر). أي أدرك قلبك ما كان متطلعا إليه فقرَّ. قال طرفة:
سادراً أحسِبُ غَيِّي رشَداًفتناهيت وقد صابت بِقُرّ
السادر: الذي كأن على بصره غشاوة. وقال غيره: لسادر: الراكب هواه لا يبالي ما صنع.
وضربا وطعنا منصوبان على المصدر، ومواليك رفع بأقر، والعيون نصب بأقر أيضا:
قِفِي نسأَلْكِ هَلْ أَحدثْتِ وصلاًلوْ شْك البَينِ أَم خُنْتِ الأَمينا
ويروى: (صرما). والصرم: القطيعة. و (وشك البين): سرعته. يقال منه: جعل الله ذلك فرجا عاجلا
وشيكا، أي سريعا. والبين: الفراق. والبيْن: الوصال. قال الله عز ذكره: (وجعَلنْا بينَهُمْ مَوْبقاً)، معناه
جعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة. وقال الشاعر:
لعمرك لولا البين لانقطَعَ الهوىولولا الهوى ما حَنَّ للبيْن آلفُ
فالبين الأول والثاني بمعنى الوصال.
واللام صلة وصل، وخنت نسق على أحدثت، معناه: أم هل خُنت الأمين. و (الأمين): الوفيُّ العهد.
تُرِيكَ إذا دَخَلْتَ على خَلاءٍوقد أَمِنَتْ عُيونَ الكاشِحينا
(الكاشحون): الأعداء، واحدهم كاشح، وإنما قيل له كاشح لأنه يعرض عنك ويوليك كشحه. والكشح،
والخصر، والقرب واحد، وهو ما يلي الخاصرة. قال الأعشى:
ومن كاشح ظاهرٍ غِمْرُهإذا ما انتسبتَ له أنكرَنْ
وقال آخرون: وإنما قيل للعدو كاشح لأنه يضمر العداوة في كشحه. واحتجوا بقول الكميت:
لمَّا رآه الكاشحون من العيونِ على الحنادر
الحنادر: نواظر العيون، واحدها حُنُدورة، وحِنْدَورة، وحِنديرة. والمعنى: رأوه كأنه على أبصارهم
من بغضهم له واستثقالهم إياه. وقال الآخر:
فأضمَر أضغاناً عليّ كشوحُها
وقال:
أأرضِى بليلى الكاشحينَ وأبتغيكرامةَ أعدائي بها وأهينُها
وقال أصحاب هذه المقالة: إنما خص الكشح لأن الكبد فيه. فيراد أن العداوة في الكبد. ولذلك يقال
عدو أسود الكبد، أي شديد العداوة قد أحرقت كبده. قال الشاعر:
فما أجشِمْتُ من إتيان قومهمُ الأعداء والأكبادُ سُودُ
ويقال: قد طوى فلان كشحه، إذا أعرض. قال الشاعر:
صرمتُ ولم أصرِمكمُ وكصارِمأخٌ قد طَوى كشحاً وأبّ ليذهبا
معنى أب تهيأ وتشمر، والاسم الإبابة. قال زهير:
وكان طوَى كشحاً على مستكنَّةِفلا هُوَ أبداها ولم يتقدَّمِ
وقال النبي ﷺ: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح). ويقال: قد كاشح فلان
فلانا، فهو مكاشح، إذا عاداه. وقال ابن هرمة:
ومكاشحٍ لولاك أصبحَ جانحاًللسِّلْم يَرقِى حَيَّتى وضِبابي
وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل للعدو كاشح لأنه أدبر بوده عنك. وقالوا: هو بمنزلة قولهم: قد كشح
عن الماء، إذا أدبر عنه. واحتجوا بقول الشاعر:
كشْحَ حمار كشَحَتْ عنه الحُمُرْ
أراد: أدبرت عنه. وقال امرؤ القيس:
فلم يَرَنا كالئٌ كاشحولم يُفْشَ منا بدى البيت سِرّْ
و (الخلاء) من الخلوة ممدود. والخلا: ما اختليته بيدك من البقل مقصور، والواو في (وقد) واو
الحال.
ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أَدْماءَ بِكرٍتربَّعت الأَجارعَ والمُتونا
قوله (ذراعي عيطل) معناه تريك إذا دخلت على خلاء ذراعي عيطل. والعيطل والعيطاء،
والعطبول، والعنطنطة: الطويلة. ويقال: العطبول، والعطبولة، والعيطاء والعنقاء: الطويلة العنق.
و (الأدماء): البيضاء. وقوله (تربعت الأرجاع) معناه أقامت أيام الربيع بالأجارع. وواحد الأجارع
أجرع، وهو من الرمل ما لم يبلغ أن يكون حبلا. قال: وأنشدنا أبو العباس لابن الدمينة:
سَلِي البانَة العَليا من الأجْرع الذيبه البان هل كلَّمتُ أطلالَ دارك
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع