تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الجزء الأول (٢)

الطباع والطبيعة: بمعنى واحد، وهما الخليقة.

ثم أكد ذلك بقوله، مخاطباً لأحبته: يريد العاذل من القلب نسيانكم،

وقد جرى حبكم منه مجرى الطبيعة، وحل فيه محل الخليقة، والطبيعة لا تنقاد لناقلها، ولا تتأتى لمخالفها.

وإنِّي لأعْشَقُ مِنْ عِشْقِكُمْنُحُولي وكُلُ امْرئ ناحِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

أخبرنا باستبصاره في عشق وأنه لتأكد نيته في ذلك، يعشق نحول جسمه، ويأنس باتصال سقمه، ويعشق كل ناحل، لمشاكلته إياه في حاله.

وَلَوْ زُلْتُمُ ثُمَّ لَنْ أبْكِكُمْبَكَيْتُ على حُبِّي الزَّائِلِ

ثم قال: ولو زلتم ولم أبك على نأيكم، وأظهر الأسف لفقدكم، لبكيت لفقد حبكم، وأسفت لعدم عشقكم، اغتباطاً بذلك فيكم، واستعذاباً لما ألقاه بكم. واستفتاحه بقوله: (ولو زلتم)، وتقفيته بعد ذلك بالزائل، باب من أبواب البديع يعرف بالتصدير.

أيُنْكِر خَدِّي دُمُوعي وَقَدْجَرَتْ مِنْهُ في مَسْلَكٍ سَائلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول، مؤكداً لما قدمه من استئناسه بوجوده، واستسهاله لحاله: أينكر خدي ما أسيل عليه من الدمع، وهو يسكن من ذلك إلى حال قد عرفها، وعادة قد ألفها، وتجري منه في طريق مسلوك، وسبيل معمور؟ والمسلك السائل: الذي يكثر المرور فيه.

أأوَّلُ دَمْعٍ جَرَى فَوْقَهُوأوَّلُ حُزْنٍ عَلى رَاحِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم أكد، فقال: أهذا الدمع أول دمع أذريته؟ وهذا الحزن أول حزن شكوته؟ هذا الذي لا أعرف غيره، ولا أود فقده.

وَهَبْتُ السُّلُوَّ لِمَنْ لامَنيوَبِتُّ مِنَ الشَّوْقِ في شَاغِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول، مستبصراً في حبه، ومعرضاً عن المتكلف للومه: وهبت للائم لي السلو الذي يدعوني إليه، والجلد الذي يخضني عليه، وبت من الشوق فيما يشغلني عن لومه، ويزهدني في عذله.

كأنَّ الجُفُونَ على مُقْلتيثِيابُ شُقِقْنَ علَى ثَاكِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم شبه قلة التقاء جفونه على مقلته، واشتغاله بما يذريه من عبرته، بثياب مشقوقة على ثاكل موجعة ووالهة مفجعة، وشبه مقلته في حزنها

بتلك الثاكل في وجدها،

وتبعيد السهر لما بين جفونه بتشقيق الثاكل لثياب حدادها. وهذا مما شبه به شيئين بشيئين في بيت واحد، وهو من أرفع وجوه البديع.

وَلَوْ كُنْتُ في غَيْرِ أَسْرِ الهَوَىضَمِنْتُ ضَمَانَ أبي وَائِلِ

ثم خرج إلى وصف أمر أبي وائل احسن خروج، فقال: ولو كنت أسير غير الحب، ومغلوباً في غير سبيل العشق، لاحتلت بحيلة أبي وائل في الاستتار، وضمنت لآسري ضمانه من الفكاك، وسلكت في الاحتيال عليه سبيله.

فَدَى نَفْسَه بِضَمَان النُّضَارِوأعْطَى صُدُورَ القَنَا الذَّبِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

النضار: الذهب.

فيقول: إن أبا وائل ضمن لآسره اعتداداً من الذهب يقتدي بها، وأعطى عن ذلك صدور الرماح، يشير بذلك إلى جيش سيف الدولة الذي استنقذه.

وَمَنَّاهُمُ الخَيْلَ مَجْنُوبَةًفَجِئْنَ بكُلَّ فَتًى باسِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم قال: ومناهم أن يقود إليهم الخيل التي اشترطوا عليه في فدائه. فجاءتهم تحمل إليهم كل فتى باسل.

والباسل: الشجاع.

كَأَنَّ خَلاصَ أَبي وَائِلٍمُعَاوَدَةُ القَمَرِ الآفلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم شبه خلاص أبي وائل من إساره، بخروج القمر من سراره، ومعاودته، وما كان عليه من السيادة، بمعاودة القمر الآفل لضيائه، ومراجعته لبهائه.

دعَا فَسَمِعْتَ وَكَمْ سَاكتٍعلى البُعْدِ عِنْدَك كالقَائِل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم قال؛ مخاطباً لسيف الدولة: دعا فسمعت دعوته على بعد محله، وأصرختها على انتزاح مستقره، ورب ساكت عنك لبعده كالمخاطب لك؛ لما يوجبه كرمك من اهتمامك بشأنه، واعتنائك بأمره.

فَلَبَّيْتَهُ بِكَ في جَحْفَلٍلهُ ضَامنٍ وَيِه كَافلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم قال: فلبيته إذ دعاك بنفسك في جحفل، ضامن لفك أسره، كافل بتعجل نصره.

خَرَجْنَ مِن النَّفْعِ في عَارِضٍوَمِنْ عَرَقِ الرَّكْضِ في وَابِلِ

النفع: الغبار، والعارض: السحاب، والوابل: المطر الكثير.

فيقول: إن خيل سيف الدولة خرجت من العجاج، فيما يشبه السحاب، وعليها من العرق الذي أوجبه الركض، فيما يشله غزير المطر، وأشار بهذا إلى شدة الطلب.

فَلَمَّا نَشِفْنَ لَقِيْنَ السَّياطَبِمثْل صَفَا البَلَدِ المَاحِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الصفا: الحجر الأملس.

ثم قال: فلما نشق عرق هذه الخيل على ما التبس به من الغبار، لقيت سياط الفرسان من جلودها، بمثل الحجر الأملس، الذي يكون في البلد الممحل، وهو البعيد العهد بالمطر، وذلك أبلغ في يبسه وجفوفه، وهذه الزيادة التي تطلب بها الغاية، وقد كان يتم الكلام دونها، باب من أبواب البديع يعرف بالتتميم.

شَفَنَّ لِخَمْسٍ إلى مَنْ طَلَبْنَ قَبْلَ الشُّفُونِ إلى نَازلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الشفون: النظر.

فيقول: إن خيل سيف الدولة أدركت بغيتها، قبل أن ينزل فرسانها عن ظهورها، وأنها نظرت بعد خمس ليال من ركضها إلى من ركضها إلى أن طلبته، قبل نظرها فيها إلى نزول من حملته. وأشار بذلك إلى فرسان هذه الخيل، لم يفتروا في الركض، حتى أوقعوا بالقوم الذين أسروا عليهم.

فَدَانَتْ مَرَافِقُهُنَّ البَرَىعلى ثِقَةٍ بالدَّمِ الغاسِل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

البرى: التراب

ثم قال: إن هذه الخيل التي جهدت في الطلب، وتدنست جلودها بما تصبب عنها من العرق، وما التبس بذلك من غبار الرهج، قاربت مرافقهن التراب بإثارتها له، لا بدعتها فيه، وقد تيقنت أن دم من توقع به يغسلها، وخوضها فيه بعد الظفر

يطهرها.

وَما بَيْنَ كَاذَتي المُسْتَغيرِكما بَيْنَ كادتي البائلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الكاذة: لحم مؤخر الفخذ.

ثم ذكر: أن هذه الخيل ركضت المدة التي ذكرها، وبلغت من الظفر إلى الغاية التي وصفها، وهي كالمتفحجة لكرمها ونشاطها، لم تحتك كاذتاها. ولا تدانت عراقيبها. وهذا يحدث على الخيل الهجن عند الركض الشديد، بل كان ما بين كاذتي المغير منها كالذي بين كاذتي البائل، لم تستحل عن خلقها، ولا اضطربت في شيء من أمرها.

فَلُقَّينَ كلَّ رُدْينيَّةٍوَمَصْبوحةٍ لَبَنَ الشَّائلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الردينية: الرماح تنسي إلى ردينة؛ اسم امرأة كانت تبيع الرماح في الجاهلية، والشائل: الناقة التي ابتدأ حملها فحف لذلك لبنها، والمصبوح من الخيل: الذي يسقى اللبن صباحاً لكرامته على صاحبه.

فيقول: إن خيل سيف الدولة بعد جهدها في الطلب، وإغراقها في الركض، لقيت مع الخارجي أشداء الأعراب، الذين يطاعنون بالرماح، وتعدو بهم كرائم الخيل التي تؤثر باللبن عند قلته، ويكون صبوحها مع شدة الحاجة إليه.

وَجَيْشَ إمَامٍ عَلَى نَاقَةٍصَحيحِ الإمَامَةِ في البَاطِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ولقيت جيشاً إمامه على ناقة، قد تيقن استهلاك أصحابه دونه، وامتثل أن الغلبة له، فأعرض لذلك عن ركوب الخيل، ووصفه بحالة من كذبه في دعواه واشتهاره بباطله.

فأقْبَلن يَنْحَزْنَ قُدَّامَهُنَوافِرَ كالنَّحْلِ والعاسِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم قال: إن خيل سيف الدولة تهيبت الخارجي في أول لقائه، وانصرفت إلى سيف الدولة منحازة بين يدي الخارجي، كانحياز النحل بين يدي عاسلها، وافتراقها إذا

أحست بسائرها.

فَلَّما بَدَوْتَ لأصْحَابهِرَأتْ أسْدُها آكِلَ الآكلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: لسيف الدولة: فلما بدوت لأصحاب الخارجي بعد انحياز أصحابك بين يديه، رأت أسد خيله منك أسد الأسود، وآكل الآكل، الذي يغلب الغالب، ويستهضم القادر.

بِضَرْبٍ يَعُمُّهُمُ جَائِرٍله فِيهُمُ قِسْمَةُ العَادِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

وبدونت لهم بضرب عم جماعتهم، وشمل جملتهم، أبلغ فيهم إبلاغ الجائر، وأفرط إفراط المسرف، وسوى بينهم فيما نالهم منه تسوية العادل،

وشمل جميعهم شمول المنصف، وطابق بين الجور والعدل.

وَطَعْنٍ يَجْمَعُ شَذَّا نُهُمْكما اجْتَمعَتْ دِرَّةُ الحافِلِ

الشَّذان: القوم المتفرقون، وشذان الحصى: ما أفترق منه، والحافل من الشياه: التي قد اجتمع في لبنها في ضرعها.

ثم قال: وبدوت لهم جمع شذانهم بشدته. وحصرهم لمخافته، كما يجمع الضرع الحافل درته، ويحصر لبنه.

إِذا ما نَظَرْتَ إلى فَارِسٍتَحيَّرَ عَنْ مَذْهَبِ الرَّاحلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول لسيف الدولة: إن أصحاب الخارجي لما رأوك، تداخلهم من هيبتك، وأدركهم من مخافتك، ما صار فارسهم معه يعجز عما يبلغه الراجل، وقويهم يقصر عما يفعله الضعيف.

فَظَلَّ يُخَضَب منها اللَّحىفَتًى لا يُعِيدُ على النَّاصِل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: فخضب لحاهم بدمائهم منك فتى، لا يقصد بخضابه قصد التزيين، وإنما يقصد به. قصد الإهلاك، فليس يحفل إذا أتلف النفس بما أخطئه خضابه من الشعر. ونصول الشعر: خروجه خروجهُ من الخضاب.

ولا يَسْتَغِيثُ إلى ناصِرٍولا يَتَضَعْضَعُ مِنْ خَاذِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم قال: إنه لا يستغيث إلى ناصر ينصره، لاستغنائه بنفسهن ولا يتضعضع لخاذل يخذله، لما يسند إليه من بأسه.

ولا يَزَعُ الطّرْفُ مُقْدَمٍولا يَرْجِعُ الطَّرْفَ عن هَائِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الوزع: الكف، والطرف: الفرس الكريم.

فيقول: إن سيف الدولة لا يكف فرسه عن مقدم لشجاعته، ولا يغض طرفه عن هائل لجرأته.

إذَا طَلَبَ التَّبْلَ لم يَشْأَهُوإن كانَ دْيناً عَلَىَ مَاطِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

التبل: الترة، هائل الشأو: السبق.

ثم قال: إذا طلب ثاراً يفته، وإن كان متعذراً أمره، ممتنعاً موضعه، وضرب قوله: (وأن كان دنيا على ماطل) مثلا في ذلك.

خُذُوا ما أَتَاكُمْ بِهِ واعْذِرُوافَإنَّ الغَنِيمَة في العَاجِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم قال: هازئاً بهم: خذوا ما أتاكم به من هذه الوقعة متجوزين، وتصبروا لذلك عاذرين، فغن الغنيمة فيما استعجل، والغبطة فيما اقتضى.

وهذا على طريق الهزء بهم، والتوبيخ بالوقعة التي عجلها سيف الدولة لهم.

وإنَّ كَانَ أَعجَبَكُمْ عَامُكُمْفَعُودوا إلى حِمْصَ في القَابِلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول، على نحو ما تقدم من هزئه بهم: وإن كنتم مستلقين بما نالكم في هذا العام من سيف الدولة، فعودا إلى عمله في حمص في العام القابل، فإنه يعود بمثل ما أوقعه بكم.

فإنَّ الحُسَامَ الخضِيبَ الَّذيقُتِلتُمْ بِهِ في يِدِ القَاتِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم قال: فإن السيف الخصيب بدمائكم، المسلمون لقتلكم، في يد الذي قتل جماعتكم، وأذل عزاكم، وأذهب نخوتكم.

يَجُودُ بِمثْلِ الذي رُمتُمُفَلَمْ تُدْركُوه على السَّائِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم قال: إنه يجود على سائله بمثل الذي رمتموه فأعجزكم، ويسمح لقاصده بمثل الذي حاولتموه فأهلككم، ولو سألتموه لعمكم فضله، ولو قصدتموه لشملكم عفوه.

أَمَامَ الكَتِيْبَةِ تزْهى بِهِمَكَان السَّنَانِ من العامِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الزهو: الكبر، والعامل: صدر الرمح.

فيقول: إن سيف الدولة لإقدامه، وجزاء نفسه في صدور خيله، وأوائل كتائبه، تتيه فرسانه به، وتزهى بموضعه، وإنه منها بمكان السنان من صدر الرمح، والسنان الذي له الفعل، وبه يكون الطعن، وسائر الرمح أداة تعضده، وآلة تؤيده.

وإني لأعْجَبُ مِنْ آملٍقِتالاً بِكُمٍّ على بَازِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

البازل من الإبل: الذي قد ظهر نابه.

ثم رجع إلى الخارجي، فقال: وإني لأعجب بمن يؤمل قتالاً بكمه، دون أن يصل شيئاً من السلاح بنفسه، ويقتحم الحرب على جمل دون أن يقتحمها على فرس.

أقَالَ لَهُ اللهُ لا تَلْقَهُمْلماضٍ عَلَى فَرَسٍ حَائِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الحائل من الخيل: التي لم تحمل.

الله أمره بأن لا يأخذ للحرب آلتها، ولا يتأهب فيها بأهبتها، وأن

لا يلقى محاربة بسيف ماض صارم، على فرس كريم حائل؟ واشترط الحيال؛ لأنه أمكن للجري.

إذا ما ضَرَبْتَ به هَامَةبَرَاها وغَنَّاك في الكَاهلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الكاهل: أعلى الظهر.

ثم قال: إذا ضرب بذلك السيف هامة براها بحدته، ونفذ فيها بصرامته، وبلغ إلى الكاهل فصوت فيه، وتخطى الهامة بقربها إليه.

وَلَيْسَ بأولِ ذي هِمَّةٍدَعَتْهُ لَمِا لَيْسَ بالنَّائِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: إن هذا الخارجي ليس فيما حاوله من معارضة الدولة، بأول من هم بما

يمتنع عليه، ورام ما لا يجد سبيلاً إليه.

يُشَمِّرِ لِلُّجِّ عّنْ سَاقِهِوَيَغْمُرهُ المَوْجُ في السَّاحِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: إنه فيما يتعاطاه من مقاومة جملة جيوشه، وعجزه عن أقلها، وما رامة من التعرض لشدة عزائمه، وهلاكه بأيسرها، كمن يريد أن

يخوض لجة البحر، ويضعف عن الوقوف في شطه، ويريد اقتحام معظمه، والموج يغمره في ساحله، فيتعرض للصعب الكبير، يعجز عن السهل الحقير.

أما لِلخَلافَةِ من مُشْفِقٍعلى سَيْفِ دَرْلَتِها الفَاضَل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»
يَقُدُّ عِدَاها بلا ضارِبٍوَيَسْرِي إليهْم بِلاَ حَامِلَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: أما للحلافة من ضنين بسيف دولتها، ومشفق على حائط جملتها، الذي قد بان فضله، وارتضي سعيه، فهو يقد أعداءها دون ضارب بنهضة، يسري إليهم دون حامل ينقله، فإذا افتقر السيف إلى من يضرب به، كان هو منفرداً فعله، وإذا التجأ إلى من يحمله، كان هو مكتفياً بنفسه.

تَرَكْتَ جَمَاجِمَهُمْ في النَّقَاوَمَا يَتَحَصَّلْنَ للنَّاخِلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النقا: الكثيب من الرمل.

فيقول: تركت جماجم أصحاب الخارجي في النقا، وقد فترقت أجسادهم، بعد أن أوقعت بها من الضرب ما هشمها، ودقق أجزاءها، حتى التبست بالرمل، ولم تتحصل لناخلها، ولا انفصلت لمتأملها.

وأَنَبَتَّ مِنْهُم رَبِيعَ السَّبَاعِفَأَثْنَتْ بإِحسَاِنكَ الشَّامِلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: وأنبت من أجسادهم ربيع السباع، فأحصبت في لحومها، إخصاب السائمة في بيعها، فأَثنت بما عنها من فضلك، وشملها من إحسانك، وأجرى أكثر لفظ هذا البيت على الاستعارة.

وعُدْتَ إلى حَلبٍ ظاهراًكَعَوْدِ الحُلِيَّ إلى العَاطلِ

ثم قال: وعدت إلى حلب مستقرك ظافراً مستعلياً، فحليت بعد العطل بعودتك، وأنست بعد الوحشة بأوبتك.

وَمِثْلُ الذي دُسْتَهُ حَافِياًيُؤَثّرُ في قَدَمِ النَاعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

دست الشيء: إذا وطئته

فيقول: ومثل الذي أدركته بعقوك، وتناولته بأيسر سعيك، يعجز عنه غيرك، وإن أجهد فيه نفسه، ويقصر عنه، أخذ له أهبته، وكنى بالحافي عن المسترسل، وبالناعل عن المتاهب، وحمل الكلام على الاستعارة.

وكمَ لَكَ مِنْ خَبَرٍ شَائِعٍلَهُ شِيَةُ الأبلَق الجائلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الشية: العلامَة

ثم قال: وكم لك من خير شائع ذكره، ومن فعل جليل قدره، قد شهره كريم أثرك، كما تشهر الأبلق الجائل شيته، وتبينه، علامته.

وَيَوْمٍ شَرَابُ بَنيهِ الرَّدَىبَغيضِ الحُضُورِ إلى الواغِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الواغل: الداجل على القوم في طعام أو شراب دون أن يدعوه.

ثم قال: وكم لك من يوم أقمت فيه سوق الحرب، وتنازع بنوه شراب الردى، وتعاطوا كؤوس الموت، فأبغض حضوره الواغل فيه، وتكره شدته الصالي به، وجرى هذا الكلام على مثل ما تقدم من الاستعارة، وهي من أبواب البديع.

تَفكُّ العُنَاةَ وتُغْني العُفَاةَوَتَغْفِرُ للمُذْنِبِ الجَاهلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

العناة: الأسرى، والعفاة: السؤال.

فيقول: تفك الأسرى ببأسك، وتغني السؤال بكرمك، وتغفر للجاهلين بحلمك.

فَهُنَأكَ النَّضرَ مُعْطيكهوأرضَاهُ سَعْيُكَ في الأجلِ

ثم قال: فهناك الله ما منحك من نصره، وزادك فيما آتاك من فضله، ووصل ما وهب من ذلك في العاجل، بما يرضيه من سعيك في الآجل.

فّذِي الدَّارُ أخْوَنُ من مُومِسوأخْدَعُ من كَفَّهِ الحَابِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

وقوله: (فذي الدار أخون من مومس)، ذي حرف يشار به إلى المؤنث، كما يشار بذا إلى المذكر، والدار التي أشار إليها الدنيا، والمومس: المرأة الفاجرة، والحابل: الصائد، وكفته: حبالته. فيقول: هذه الدنيا أخون من الفاجرة التي تحلف من وثق بها، وأخدع من الحبالة التي تصرع من اطمأن إليها.

تَفَانَي الرَّجَالُ على حُبَّهاوَمَا يَحْصُلونَ على طَائِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ثم قال: إن الرجال قد تفانوا على حبها، ولم يحصلوا على طائل من أمرها، لأنها تأخذ ما تعطيه، وتهدم ما تبنيه، وتمر بعد حلاوتها، وتعوج بعد استقامته، فمن عرفها رفضها، ومن تدبرها هجرها.

وسار سيف الدولة إلى الموصل لنصرة أخيه الحسين بن عبد الله بن حمدان لما قصده من بغداد أحمد بن بويه الديلمي، ليغلبه على أرض الموصل، فلما أحسن الديلمي بإقبال سيف الدولة، قارب الحسن بن عبد الله، وأحبابه إلى أن يبعث إلى حضرة السلطان من خراج الموصل بما جرت به عادته ببعثه، وانصرف عنه إلى بغداد دون حرب. فقال أبو الطيب في ذلك، أنشدها في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.

أعْلَى الممالِكِ ما يُبْنى على الأسَلِوالطَّعنُ عِنْدَ مُحِّبيهنَّ كالقُبلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الممالك: جمع مملكة، وهي سلطان الملك في رعيته، والأسل: الرماح، والقبل جمع قبلة.

فيقول: أعلى الممالك رتبة، وأطهرها رفعة، ما بني على الحرب، ودفع عنه بالطعن والضرب، وأشار بالأسل إلى هذه العبارة، وما يكون الطعن عند مالكه، والقتال عند محبه كالقبل المستعذبة، واللذات المغتنمة.

وما تَقِرُّ سيوفُ في مَمالِكِهاحَتَّى تَقَلْقَلَ دَهْرَاً قَبْلُ في القُلَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

التقلقل: دوام الحركة، والقلل: الرؤوس، واحدتها قلة، وقلة كل شيء: أعلاه.

ثم قال: وما تقر سيوف في دولها، وتسكن في ممالكها، حتى تطول حركتها في ضرب رؤوس المخالفين، وتشهر آثارها في قمع المعترضين، فحينئذ تنوب رهبتها عن استلالها، وتغني هيبتها عن استعمالها، وأشار بذلك إلى انصراف الديلمي دون حر، تهيباً لسيف الدولة.

مِثْلُ الأميرِ بَغَى أمْراً فَقَرَّبَهُطُولُ الرَّمَاحِ وَأيْدي الخيل والإبلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول، مصدقاً لما شرطه، ومحققاً لما ذكره: مثل الأمير سيف الدولة بغى حماية الموصل، ودفع الديلمي عنها، فقرب له ذلك طول رماحه في وقائعه، وإسراع خيله وإبله إلى أعاديه.

وَعَزْمَةُ بَعَثَتْها هِمَّةُ زُحَلُمِنْ تَحْتِها بِمَكانِ التُّرْبِ من زُحَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

ثم قال: وعزمة استعملها نافذة، بعثتها منه همة عالية، يتواضع زحل عن علو موضعها، كتواضع الترب عن علو موضعه.

على الفُرَاتِ أعَاصيرُ وفي حَلَبٍتَوَحُّشُ لِمُلَقَّى النَّصرِ مُقْتَبَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الفرات: نهر معروف، والأعاصير: الرياح الكثيرة الغبار، واحدها إعصار، والمقتبل: الذي تناهى شبابه، ولا أثر فيه للكبر.

فيقول: إن على الفرات، وهو في حدود أعمال الديلمي، غبرات من العجاج، تثيرها كتائب سيف الدولة، وفي حلب، دار مستقرة من الشام توحش منها لملك، قد عوده الله الظهور على أعاديه، ولقاه النصر في مقاصده، مقتبل في شبيبته، متناه في قوته.

تْتُلُو أَستَّنُهُ الكُتْبَ التي نَفَذَتوَيَجْعَلُ الخيلَ أَبْدالاً من الرُّسل

ثم قال: مشيرا إلى أمر الديلمي: ينذر أعاديه بكتبه، ويعذر إليهم برسله، فإذا قامت حجته عليهم، تلت أسنته كتبه، وعاقبت خيوله رسله، وكان إيقاعه بهم، بدلاً من تحذيره لهم.

يَلْقَى الملوكَ فلاَ يَلْقَى سِوَى جَزَىٍوما أَعَدُّو فلا يَلْقَى سوى نَقَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

النقل: الغنيمة.

فيقول: إن سيف الدولة يلقى الملوك إذا خالفته، فلا يلقى منها

إلا جزر سيوفه، وما أعدوه من سلاحهم وآلاتهم، فلا يلقى إلا غنائم جيوشه، لما عوده الله من الظهور عليهم، والنكاية فيهم.

صَانَ الخَليفَة بالأبْطَال مُهْجَتَهُصِيَانَةَ الذَّكَرِ الهِنْديَّ بالخِلَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الخلل: جلود جفون السيوف، واحدتها خلة، والخلة: كل جلد من منقوش.

ثم قال: إن الخليفة لما عليم أنه سيفه الذي يسطو به، صانه بالأبطال الذين أثبتهم في رسمه، والحماة الذين جردهم لحفظه، كما يصان السيف الكريم بالجفون التي

ينتقل فيها، والأغماد التي يحفظ بها، وجعل هذا الوصف إشارة لما شرفه به الخليفة من تلقيه بسيف الدولة.

الفَاعِلُ الفِعْلَ لم يُفْعَلْ لِشدَّتهوالقائلُ القولَ لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: إن سيف الدولة يفعل الذي عنه الفاعلون لشدته، وعظم شأنه في حقيقته، ويقول القول الذي عجز القائلون عنه قبله فلم يقدروا على مثله، ولا قصدوا إلى تركه.

والباعِثُ الجيشَ قد غَالَتْ عَجاجَتُهُضَوَْء النَّهارِ قَصار الطُّهْرُ كالطَّفَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الغول: الإهلاك، والطفل: وقت المساء.

ثم قال: وهو الباعث الجيش الشديد بأسه، الكثير عدده، الذي تذهب عجاجته بضوء النهار، وتطمس إشراق الشمس في وقت الظهر، حتى تصير على مثل حالها في وقت الغروب، وأشار بذلك إلى عظم الجيش.

الجوُّ أضْيَقُ ما لاقاهُ سَاطِعُهاوَمُقْلةُ الشَّمْسِ فِيْهِ أحْيَرُ المُقَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الجو: ما بعد من الهواء، والساطع: المنتشر.

فيقول: إن ما بعد من الهواء أضيق بساطع هذا الرهج مما قرب؛ لأن فيما بعد تجتمع جملته، وتتوافى كثرته، وما قرب فإنما يرده الشيء بعد الشيء فيتخلى منه، ولا يجتمع فيه، ومقلة الشمس أحير المقل به؛ لقربها من مستقره، ودنوها من مجتمعه.

يَنالُ أبْعَدَ مِنْهَا وهِيَ نَاظِرَةُفما تُقَابِلُهُ إلاَّ عَلَى وَجَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

ثم قال: إن هذا العجاج بتتابعه، واتصاله وترادفه، يعلو على

الشمس مع ارتفاع موضعها، إليه، وهي ناظرة إليه، غير مساوية في العلو له، فتقابله وجله من ذهابه بنورها، وتلاحظه مشفقة من استيلائه على ضوئها، وأشار بما وصف من كثرة هذا العجاج إلى كثرة الجيش الذي يثيره، وعظم الجمع الذي يبعثه.

قَدْ عَرْضَ السيفَ دونَ النَّازِلاتِ بهوظَاهرَ الحَزْمَ بَيْنَ النَّفس والغِيَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

المظاهرة: المعاونة، والغيل: جمع غيلة: وهي قتل الخديعة.

فيقول: قد عرض السيف دون ما ينزل به، وجرده فيما يحدث عليه، واستعان بالحزم في دفع الغيل عن نفسه، وأقامه حاجزاً بينها وبينه.

ووَكَّلَ الظَّنَّ بالأسْرَار فانْكِشَفَتْلَهُ ضَمائِرُ أهْلِ السَّهْلِ والجَبلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

ثم قال: إنه وكل صادق ظنه بما يطويه أهل السهل والجبل دونه، فعلم ما أسروه، وانكشف له ما أضمروه، وكذلك الألمعي، وهو الحاذق بالأمور، يصيب بظنه، حتى كأنه مبصر لما غاب عنه، ويعلم بتقديره، حتى كأنه شاهد لما يعد منه.

هو الشَّجَاعُ يَعُدُّ البُخْلَ من جُبنٍهو الجَوادُ يَعُدَّ من بَخَلِ

البخل والبخل: لغتان، والإغذاذ: الإسراع في السير.

فيقول: إن السيف الدولة الشجاع المتناهي في الشجاعة، فالبخل عنده باب من الجبن؛ لأن من سمح بنفسه لم يبخل بكرائم ماله، وهو الجواد المتناهي الجود، والجود بالنفس غاية الجود، ومن جاد بنفسه لم يجبن عن عدوه، ومن كان كذلك، فالجبن عنده باب من البخل، فدل على أن الشجاعة والجود من طريق واحد، وأجمل، ما فسره أبو تمام بقوله:

وإذا رأيتَ أبا يزيدٍ في وغىًوندًى ومُبْدئ غارةٍ ومُعيْدا
يَقْري مُرَجِّيه حَشاشةَ مالهِوشَبَا الأسِنَّةِ ثُعْرَةً ووَريْدا
أيقَنْتَ أن مِنَ السَّماحِ شَجَاعةًوعَلِمْتَ أنَّ من الشجاعةِ جودا

فبين أبو التمام وفسر، وجمع أبو الطيب واختصر.

يَعُودُ مِنْ كُلِّ فَتْحٍ غَيْرَ مُفْتَخِرٍوقَدْ أغَذَّ إليهِ غَيْرَ مُحْتَفِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

ثم قال: إنه يفتح الفتوح العظيمة فلا يفخر بها، ويسرع إليها ولا يحتفل بها، استقلالاً لعظيم ما يفعله، وارتفاعاً عن تهيب ما يقصده.

ولا يُجيرُ عَلَيْهِ الدَّهْرُ بِغْيَتَهُولا تُحَصِّنُ دِرْعُ مُهْجَةَ البَطَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: إن الله ﷿ قد قرن بسيف الدولة من نصره، وأمده من عونه، بما لا يمنعه الدهر معه من بغية، ولا يجير عليه من اعتقد له معصية، ولا تحصن الدرع دونه مهجة البطل إذا خالفه، ولا تعصمه من الهلاك إذا أراده.

إذا خَلَعْتُ على عِرْضٍ لهُ حُلَلاًوَجَدْتُها مِنْهُ في أبْهَى مِنَ الحُلَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

ثم قال: إنه إذا خلع عليه حلة من شعره، والبسه ثوباً من مدحه، وجد تلك الحلة متزينة بفضله، وذلك المدح متشرفاً بقدره، فهو يرفع الشعر فوق رفعته له، وتزين المدح أكثر من تزينه به.

بذي الغَبَاوةِ من إنشادِهَا ضَرَرُكما تُضِرُّ رياحُ الوَرْدِ بالجُعَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

ثم قال: إن ذا الغباوة، وهو الجاهل، إذا أنشد ما يمدحه به، وأسمع ما ينظمه فيه، بعد على فهمه، وأثر ذلك في نفسه، وانكشف له قدر تقصيره، واستضر بحسن قوله، وبديع شعره، كما يستضر الجعل يرياح الورد التي تؤذيه بطيبها، وتقتله بمضادته لها.

لَقَدْ رَأتْ كلُّ عَينٍ مِنْكَ مالِئَهاوَجَرَّبَتْ خيرَ سَيْفٍ خَيْرَةُ الدُّولِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقال: خير وخير وخيرة، كل ذلك بمعنى واحد، قال الله ﷿: (فِيهِنَّ خَيْراتُ حِسانُ) بمعنى خَيْراتٍ.

فيقول: لقد رأت كل عين من جمالك ما بهرها، ومن جلالتك ما ملأها، وجربت خيرة الدولة، أي: أفضل الدول، منك أفضل السيوف.

فما تُكَشَّفُكَ الأعداءُ عن مَلَلٍمِنَ الحُرُوبِ ولا الآراءُ عن زَلَلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: فما كشفت الأعداء منك، بطول ممارستها، مللاً في حربها، ولا أبدت الآراء منك، مع تزاحمها عليك، زللاً في تناولها.

وَكَمْ رِجَالٍ بلا أرْضٍ لِكَثْرَتهمتَرَكْتَ جَمْعَهُمُ أرْضاً بلا رَجُلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: وكم جمع جمعة الأعداء لك، تغيب الأرض مع كثرة رجاله، وتخفى عن الأبصار بتزاحم جموعه، حتى كأنهم رجال دون أرض، أفنيت أعدادهم، وقتلت جمعهم، وتركت موضعهم أرضاً دون رجال.

مَا زَالَ طِرْفُكَ يجري في دِمَائِهمُحَتَّى مَشَى بِك مَشْيَ الشَّاربِ الثَّمِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الطرف: الفرس الكريم، والثمل: السكر.

ثم قال: ما زال طرفك يطأُ دماءهم، ويقتحم معتركهم، حتى أزلقته الدماء بكثرتها، فمشى مشي الشارب السكران، الذي لا يثبت بنفسه، ولا يطمئن في مشيه.

يا مَنْ يَسيرُ وَحُكْمَ النَّاظريْنِ لَهُفيما يَرَاهُ وَحُكْمَ القَلْبِ في الجَذَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: يا من يسير، وله حكم ناظريه في ألاّ يريهما الله إلا ما يسره، وحكم نفسه في ألا يعرفها الله إلا ما يجذله، والجذل: الفرح.

إنَّ السَّعَادةَ فِيمَا أنْتَ فَاعِلَهُوُقِّفْتَ مُرْتَحِلاً أو غَيْرَ مُرْتَحِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

ثم قال: إن السعادة فيما يقضي به الله لك، والتوفيق فيما تمضي عليه فعلك، مقيماً كنت أو ظاعناً، مستقراً أو راحلاً، بهذا إلى انصرافه عن الديلمي، وقال إن فعله اله لك من الموادعة التي اختارها محاربك، قد جعل لك فيه السعادة، وقرن لك به الخيرة.

أجْرِ الجِيَادَ عَلَى ما كُنْتَ مُجْريّهَاوَخُذْ بِنَفْسِكَ في أخْلاَقِك الأُوَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: أجر خيلك على ما كنت تجريها عليه، من غزو الروم، وحماية الثغر، فقد كفاك الله ما كنت تحذره على أخيك من الديلمي، وخذ بنفسك من ذلك فيما تقدم من أخلاقك، وشهر من مذاهبك، واعدل عن السلم إلى الحرب، وعن إلى الجهاد.

يَنْظُرنَ من مقل أدمى أحجتهاقرع الفوارس بالعسالة الذبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الأحجة: جمع حجاج، وهو العضم الذي يحيط بالعين، والعسالة: الرماح التي تهتز لطولها، والذبل اليابسة.

ثم وصف حال خيله في السبيل التي ندبه إليها، فقال: ينظرن من مقل أدمى أحجتها قرع الفوارس لها الرمح في حين الطراد، وأشار بذلك إلى ما حضه عليه من غزو الروم.

فلا هَجَمْتَ بِها إلاَّ عَلَى ظَفَرٍولا وَصَلْتَ بها إلاَّ إلى أمَلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال، داعياً له: فلا الله إلا على ظفر يظهرك به على عدوك، ولا أوصلت إلا أمل يقرب لك به مرادك.

وأمره سيف الدولة بالمسير معه في هذه السفرة فقال:

سِرْ حلَّ حَيْثُ تَحُلُّهُ النُّوَّارُوَأرَادَ فيكَ مُرَادَكَ المِقْدارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

يقول: سر، جعل الله كل محل تحله روضة مونقة، وحديقة ممرعة، وأجرى المقادير بما تريده، أحكامها بما تحبه.

وإذا ارتَّحَلْتَ فَشَيَّعَتْك سَلامَةُحَيْثُ اتَّجَهْتَ وَدِيمَةُ مِدْرَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

الديمة: السحابة، والمدرار: الغزيرة.

ثم قال: وإذا ارتحلت، فصحبك الله بسلامته حيث توجهت، وسقى بلادك كيف تصرفت.

وَصَدَرْتَ أغْنَمَ صادرٍ عن مَوْرِدٍمَرْفُوعَةً لِقُدُومِكَ الأبْصَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

يقول: ورجعك الله أظفر راجع عن مقصده، وأصدرك أغنم صادر عن موروده، عزيزاً نصرك، ممتدة الأبصار نحوك.

وَأرَاكَ دَهْرُكَ ما تُحاوِلُ في العِدَىحَتَّى كأَنَّ صُرُوفَهُ أَنْصَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

وأرَاك دهرك في عدوك ما تحاوله من كبته، وتكفل لك فيه بما تتمناه

في أمره، حتى كأن صروفه تنصرك، باعتمادها له، وخطوبه تعينك، في اغترائها به.

أنْتَ الذي بَجَحَ الزَّمَانُ بِذْكِرهوتَزَيَّنَتْ بِحَديثهِ الأسْمارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

بجح الرجل بالشيء: إذا كان يهذي به فرحاً، والسمر: حديث القوم بالليل.

فيقول: أنت الذي كلف بذكره، وزهي بموضعه، وتزين السمر بحديثه، وحسن بما تضمنه من خيره.

وإذَا تَنَكَّرَ فالفَنَاءُ عِقَابُهُوإذا عَفَا فَعَطاؤُهُ الأعْمَارُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: وأنت يقترن الفناء بعقابه إذا غضب، وتستدام الحياة بعفوه إذا رضي، فسخطه هلك، ورضاه نجاة.

وَلَهُ وإنْ وَهَبَ المُلُوكُ مَوَاهِبُدَرُّ المُلُوكِ لِدَرَّهَا أغْبَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

الدر: اللبن الكثير، والغبر: بقية اللبن في الضرع، وجمعه أغبار.

فيقول: إن لسيف الدولة، إذا فذوكرت مواهب الملوك، مواهب

عظيمة، وعطايا جليلة، كثير مواهب الملوك يقل عندها، وعظيمها يصغر فيها، وضرب الدر مثلا للكثير، والغبر مثلاً للقليل.

لله قلبك ما يخافُ من الرَّدَىوتخاف أنْ يَدْنُو إليك العَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

ثم قال: لله قبلك لا تهاب الموت وسطوته، ولا تخاف الردى وشدته، وتخاف دنو العار إليك، وتشفق من وصمته، وتتوقع قبح أحدوثته.

وَتَحيدُ عن طَبَعِ الخلائقِ كُلِّهِوَيَحسدُ عَنْكَ الجَحْفَلُ الجَرَّارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

ثم قال: وتحيد عن جميع ما يدنس الخلق ويعيبه، والجحفل الجرار يحيد عنك، وذو البأس الشديد يفرق منك.

يا مَنْ يَعِزُّ الأعِزَّةِ جَارُهُوَيَذِلُّ في سَطَواتِهِ الجّبَّارُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: يا أيها الملك الذي تتواضع الأعزة لجاره، وتذل الملوك لأمره، وتعترف لجلالة قدره.

كُنْ حَيْثُ شِئْتَ فما تُحُولُ تَنُوفَةُدُونَ اللَّقَاءِ ولا يَشُطُّ مَزَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

البتنوفة: الفلاة، ويشط: يبعد.

ثم قال: كن كيف شئت من الطعن والإقامة، والاستقرار والرحلة، فما يمنعني الفلوات وتجشمها من لقائك، ولا يعوقني بعد المزار، ونأي المقصد عن صحبتك.

وَبِدُونِ مَا أنَا مِنْ وِدَادِكَ مَضْمِرُيُنْضَى المَطِيُّ ويَقْرُبُ المُسْتَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

المستار: موضع المسير.

ثم قال: وبدون ما أضمره من ودك، وأعترف به من فضلك، يهون الشديد، ويستقرب البعيد، وينضى المطي، ويهجر الوطن، ويستسهل السفر، فكيف أمتنع منك أو أتأخر على حال عنك؟

إنَّ الَّذي خَلَّقْتُ خَلْفي ضَائِعُمَا لي عَلَى قَلقي إليه خِيَارُ

يقول: إن الذي خلقت ممن يهمني أمره، ويلزمني حفظه، ضائع بمغيبتي، محتل بمفارقتي، وما لي على قلقي إليه خيار أؤثره، ولا مراد اقصده.

وإذا صُحِبْتَ فَكُلُّ مَاءٍ مَشرَبُلولا العِيالُ وكُلُّ أرضٍ دَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

ثم يقول: وإذا صحبتك فكل ماء أنزل به مشرب استعذبه، وكل أرض أسير فيها وطن أتخيره، لولا العيال وضيعتهم، والأهل وخلتهم.

إذْنُ الأميرِ بأنْ أعوُدَ إليهِمُصِلَةُ تَسِيرُ بشُكْرِهَا الأشْعَارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

ثم قال: وإن الأمير في أن أعود إليهم، وإسعافه في أن أشرف عليهم، صلة تسير الأشعار بشكرها، وتتقيد بما يضع عندي من فضلها.

وقال يرثي أبا الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة، وتوفي بميافارقين.

أنشدها في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.

بِنَا مِنْكَ فَوْقَ الرَّمْلِ ما بِكَ في الرَّمْلِوَهَذا الذي يُضْني كذَاكَ الذي يُبْلي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

يقول: بنا من السقم بعدك، والأسف لفقدك، وضنى الأجسامِ لمصيبتك، وتغيرها لرزيتك، وإن كنا على ظاهر الأرض، كالذي بك في باطنها، من بلى جسمك، وتغير الترب لحسنك، وهذا الذي يضني أجسامنا كذاك الذي يبلى جسمك.

كأنَّكَ أبْصَرْتَ الَّذي بي فَخِفْتَهُإذا عِشْتَ فاخْتَرْتَ الحِمَامَ عَلَى الثُّكْلِ

الحمام: الموت، والثكل: فقد الحبيب.

ثم قال: كأنك أبصرت الذي ألقاه من الحزن عليك، وأقاسيه من الوجد بك، وعلمت أن الدنيا مجبولة على فقد الأحبة، وإعدام الأعزة، فآثرت الموت على الثكل، واخترت الحمام على الحزن.

تَرَكْتَ خُدُودَ الغَانِياتِ وَفَوْقَهادُمُوعُ تُذِيبُ الحُسْنَ في الأعْيُنِ النَّجِل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

يقول: تركت خدود الغانيات من نوادبك، والمنعمات من بواكيك، وفوقها دموع مسفوحة عليك، منهملة لمصابك، كأنها ذوب الحسن في العيون الباكيات بها، وصابته في الجفون المذرية لها.

تُبلُّ الثَّرى سُوْداً مِنَ المِسْكِ وَحْدَهُوَقَدْ قَطَرَتْ حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

الشعر الجثل: الكثير الملتف، والعين النجلاء: الواسعة الحسنة، والجمع نجل.

ثم قال: يقطر من الجفون والخدود على الأصداغ، وقد حمرها الدم، وتبل الأرض من الأصداغ، وقد سودها المسك. فأشار إلى حال بواكيه في النعيم والرفعة، وما هن ببسيله من حر المصيبة.

فَإنْ تَكُ في قَبْرٍ فإنك في الحَشَىوإنْ تَكْ طِفْلاً فالأسَى لَيْسَ بالطَّفْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

يقول: فإن تك في قبر تضمنك، ولحد قد سترك، فإن مثالك في القلب ساكن، ومحلك في الحشا لطيف، وإن تك طفلاً في سنك، وصغيراً فيما انصرم من

عمرك، فإن الرزء بك ليس بالصغير، والحزن عليك ليس باليسير.

ومِثْلُكَ لا يُبْكَى على قَدْرِ سِنِّهِولكِنْ عَلى قَدْرِ المْخِيْلَةِ والأصْل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

المخيلة: السحابة التي يتأكد الرجاء في مطرها، وبها سميت الدلالة الصادقة في الشيء مخيلة.

يقول: ومثلك لا يبكى على قدر سنه، وما انصرم من يسير عمره، ولكن على قدر مخيلة نجابته، وما يتيقن من جليل سيادته، وما يعليه من أصيله الكريم، ويسمو به من نسبه الرفيع.

أَلَسْتَ مِنَ القَوْمِ الذي مِنْ رِمَاحِهمْنَدَاهُمْ وَمِنْ قَتْلاَهُمُ مُهْجَةُ البُخْلِ

يقول: ألست من القوم الذين كرمهم من سلاحهم، ونداهم من رماحهم، ومهجة البخل من قتلاهم، فهم يسطون على الأعداء بما يرتهنونهم به من الفضل، ويتكلمونهم بما يشيعون فيهم من الجود.

بِمَوْلُودِهمْ صُمْتُ اللِّسَانِ كَغَيْرهِولَكِنَّ في أعْطَافِهِ مَنْطِقَ الفَضْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

عطف الرجل: جانبه من رأسه إلى وركه.

ومولودهم إذا أصمتنه الحيلة، ومنعته من الكلام الطفولة، نطقت السيادة من أعطافه منطق فصل، وشهدت له مخايل الكرم شهادة عدل.

تُسَلِّيهُمُ عَلْيَاؤُهُمْ عَنْ مُصَابهموَيَشْغِلُهُمْ كَسْبُ الثَّنَاءِ عن الشُّغُلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

يقول: يسليهم الكرم عن مصائبهم، ويوجب لهم الصبر في فجائعهم، ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل بغيره، فيحتارون من فضله بحسب اعتنائهم بأمره.

أقَلُّ بِلاَءً بالرَّزَايا مِنَ القَنَاوأقْدَمُ بَيْنَ الجَحْفَلَيْنِ مِنَ النَّبْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

البلاء: المبالاة.

فيقول إن رهط سيف الدولة أقل مبالاة بالرزايا من الرماح المتوقعة، وأنقذ بين الجحفلين المتقاتلين من السهام المرسلة،

فشبههم لجرأة أنفسهم، وجلدهم على

الرزايا إذا طرقتهم، بالرماح والسهام، التي تصيب ولا تصاب، وتهاب ولا تهاب.

عَزَاَءكَ سَيْفَ الدَّولةِ المُقْتَدَى بِهِفإنِّكَ نَصْلُ والشّدَائِدُ للنَّصْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

ثم قال لسيف الدولة: (عزاءك المقتدى به، فإنك نصل) بمعنى: تعز عزاءك المقتدى به، فأنت الأسوة في صبرك، والأوحد في كرمك فضلك، وأنت سيف، والشدائد للسيف، يكشفها بحدثه، وينفذ فيها بصرامته.

مُقِيمُ من الهَيْجَاءِ في كُلِّ مَنْزِلِكأنَّكَ مِنْ كُلِّ الصَّوارِمِ في أهْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

يقول: أنت مقيم في كل منزل الحرب، تأنس بها، ولا تستوحش لها، حتى كأن صوارمها أهلك، وأسلحتها المتوقعة رهطك، تنصرك ولا تخذلك، وتظفرك ولا تظفر بك.

وَلَمْ أرَ أعْصَى مِنْكَ لِلحُزْنِ عَبْرَةًوأثْبَتَ عَقْلاً والقُلُوبُ بلا عَقْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

ثم قال: إن عبرته تتعاصى على الحزن؛ لما هو عليه من الجلد والصبر، وإنه أثبت الناس عقلاً إذا أذهبت الحرب العقول بشدتها، وأذهلتها بمخافتها، يشير بذلك إلى استسهاله لأمرها، واستقلاله بحملها.

تَخُونُ المَنَايا عَهْدَهُ في سَلِيلِهِوَتَنْصُرُهُ بَيْنَ الفَوارِسِ والرَّجْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

السليل: الولد.

فيقول معجباً بأمره، ومنبهاً على جلالة قدره: وإن الموت حتم من الله تعالى على جميع خلقه. تخالفه المنايا فتخترم نفس ابنه، وتخون عهده في سليله وتنصره في حربه، وتطيعه عند مواقعته بعدوه، وفي هذا شاهد على أن الموت لا يدفع بقوة، ولا يمتنع منه برفعة.

وَيَبْقَى عَلَى مَرَّ الحوادِثِ صَبْرُهُوَيَبْدُو الفِرَنْدُ على الصَّقْلِ

الفرند: وشيء السيف.

ثم قال: إن الحوادث لا تذهب بصيره، ولا تخل بجلده، ولكنها تبقي ذلك وتظهره،

وتبديه وتبينه، كما يبدي فرند السيف صقله، ويظهر بجلائه فضله.

وَمَنْ كَانَ ذَا نَفْسٍ كَنَفْسكَ حُرَّةٍفَفيهِ لها مُغْنٍ وفيها له مُسْلي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

ثم قال: ومن كان ذا نفس حرة كنفسك، وذا طبيعة كريمة كطبيعتك، ففي جلالته ما يغني نفسه عن كل حميم يفقده، وفي كرم نفسه ما يسليه عن كل مهم يطرقه.

وما الموتُ إلا سَارِقُ دَقَّ شَخْصُهُيَصُولُ بِلاَ كَفَّ وَيَسْعَى بلا رِجْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

يقول: وما الموت الذي لا يؤمن في حين الغفلة، ولا يدفع بأشد الحيلة، إلا كسارق مختلس، خفي شخصه، شديد أمره، يصول دون كف يظهرها، ويسعى دون رجل ينقلها، وذلك أشد لبطشه، وأسرع لسعيه.

يَرُدُّ أبُو الشَّبْلِ الخميسَ عن ابنِهِوَيُسْلِمُهُ عِنْدَ الوِلادَةِ للنَّمْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

الشبل: ولد الأسد، والخميس: الجيش الكبير.

ثم قال، دالاً على أن حوادث الدهر، لا يمتنع منها بقوة، ولا يدفع محتومها بشدة: يرد الأسد الجيش عن ابنه، ويسلمه لأذى النمل عند ولادته، فيحميه من العظيم الكثير، ويسلمه للحقير اليسير، وضرب في ذلك مثلاً بقيام سيف الدولة بجليل الأمور، وهو مع ذلك لا يدفع الموت عن ابنه، ولا يمتنع منه بنفسه. يريد أنه يعجز عن المخاتلة من لا يعجز عن المبارزة.

بِنَفْسِي وَلِيدُ عَادَ مِنْ بَعْدِ حَمْلِهإلى بَطْنِ أمٍّ لا تُطْرِّقُ بالحَمْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

التطريق بالحمل: أن يخرج بعض الولد ويبقى بعضه.

فيقول: بنفسي ولد عاد من بعد حمل أمه إلى بطن أم لا تطرق بحملها، ولا تبدي ما استتر من بطنها. فأشار بذلك إلى الأرض، وأنها لا تبدي قبورها من أجنته، ولا تطرق بمن تضمنته.

بَدَا وَلَهُ وَعْدُ السَّحابَةِ بالرِّوَيوَصَدَّ وَفِينَا عُلَّةُ البَلَدِ المَحْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

الروي: الماء الكثير، والغلة: العطش.

ثم قال: بدا ذلك الوليد وشواهد الكرم بادية عليه، ومخايله ظاهرة فيه، فوعد من فضله بمثل ما يعد به السحاب من وبله، ثم صد باخترام الموت له، فأبقى بأنفسنا مثل غلة البلد الممحل، إذا منع من السحاب الممطر.

وَقَدْ مَدَّتِ الخَيْلُ العِتَاقُ عُيونَهاإلى وَقْتِ تَبْديل الرِّكَابِ مِنَ النَّعْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

الخيل العتاق: هي الكرام.

فيقول: وقد مدت الخيل الكرام أعينها إليه، وتنافست عتاقها فيه،

وارتقبت أن يصير من السن إلى حال يتعوض فيها بالركاب من النعل، وبركوب الخيل من المشي.

وَرِيْعَ له جَيْشُ العدوَّ وما مَشَىوَجَاشَتْ له الحربُ الضَّروس وما تَغلى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

جاشت القدر: إذا غلت وهاجت، فاستعار ذلك في الحرب، والضروس: الشديدة الغص، والروع: الفزع.

ثم قال: وفزع له جيش العدو، وهو في سن من لا يمشي؛ لصغره، وغلت الحرب الشديدة باهتياجها، لاعتدادها بموضعه، قبل أن يباشرها بنفسه، وتستعمل فيها ما يرتقب من سعيه، وجرى الكلام في جاشت على الاستعارة، وإن كان ما وصفه غير مشهور الحقيقة.

أيَفْطِمُهُ التَّوْرابُ قَبْلَ فِطامِهِوَيَأكُلُهُ قَبْلَ البُلوغِ إلى الأكْاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

الفطام: منع الصبي من الرضاع، والتوراب: لغة في التراب.

فيقول: أيفطمه التراب باشتماله عليه، قبل بلوغه سن الفطام؟

ويأكل جسمه بإبلائه له قبل بلوغه سن الأكل؟ يشير إلى اخترام الموت له في سن الطفولية.

وَقَبْلَ يَرَى مَنْ جُودِهِ ما رَأيْتَهُوَيَسْمَعَ فيه ما سَمِعْتَ مِنَ العَذْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.