من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
العميديات
ثم خرج إلى بغداد فراسله ابن العميدي، أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميدي، وزير ركن الدولة من أرجان، فسار إليه، وقال يمدحه:
بَادٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أَمْ لَمْ تَصبِرِاوَبُكَاكَ إنْ لَمْ يَجرِ دَمعُكَ أو جَرَى
كَمْ غَرَّ صَبْرُكَ وابتِسَامُكَ صَاحِبَاًلَمَّا رَآهُ وفي الحَشَى ما لا يَرَى
أَمَرَ الفُؤَادُ لِسَانَهُ وجُفُونَهُفَكَتَمنَهُ وَكَفَى بِجِسمِكَ مُخبِرا
يقول مخاطبا لنفسه، ومتشكيا لما أعجزه من الاستتار بحبه: باد هواك ووجدك، وظاهر بكاؤك وحسرتك، فصبرت وأظهرت حبك، وتجلدت وأذريت دمعك، فعليك من ظاهرك شاهد لا تدفعه، ومن تغير جسمك دليل لا تنكره، وقوله: (أم لم تصبرا) أراد النون الخفيفة، فحرك الراء بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم وقف للقافية، فأبدل من النون ألفا، كما يفعل بالأسماء المنصوبة إذا وقف عليها في النصب؛ لأن التنوين والنون الخفيفة من موضع واحد، وهما حرفان زائدان، كل واحد منهما علامة لما قصد به، فالنون الخفيفة علامة للتوكيد، كما أن التنوين علامة للتمكن، فحملا في الوقف محملا واحدا، وعلى ذلك كلام العرب، قال الشاعر يصف جبلا أحاطت السيول به:
يَحسِبُهْ الجَاهِلُ ما لَمْ يَعلَمَاشَيخَاً على كُرسِيِّهِ مُعَمَّا
ثم قال: كم غر صبرك وتجلدك، وابتسامك وتحملك، صاحبا معنيا بأمرك، ومشفقا متوجعا لسقمك، وفي حشاك من لواعج الحب ما لا يلحظه، ومن دواعي الوجد ما لا يعلمه.
ثم قال: أمر قلبك لسانه بالإمساك عن شكوى الحب، وألزم جفونه الإعراض عن إسبال الدمع، فأسعدنه على كتمان سره، ووافقته في إخفاء أمره، وكفى بجسمك مخبرا عما تضمره، وبتغيره معربا عما تستره.
تَعِسَ المَهَارِي غَيرَ مَهرِيٍّ غَدَابِمُصَوَّرٍ لَبِسَ الحَريرَ مُصَوَّرَا
نَافَسْتُ فِيهِ صُورَةً في سِترِهِلَو كُنتُهَا لَخَفِيتُ حَتَّى يَظهَرَا
تعس الرجل: بمعنى عثر ولم ينعش، والمهاري: إبل كريمة تنسب إلى بني مهرة وهم حي من قضاعة، وكانوا يستفرهون الإبل، والمنافسة: الحسد والتغاير، والمصور: البارع الجمال، ولذلك سمي عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب صاحب شرطة سعيد بن عثمان بالمصور، وتقول العرب للرجل الجميل صير ومصور.
فيقول: أتعس الله المهاري فهي من أسباب الرحلة، وأبعدها فإنها من دواعي الفرقة، وحاشى من ذلك مهريا خصه؛ من احبه بنفسه، وأسعده الزمان بقربه، فأنا أجله عن الإتعاس له، وأتحرج من أن أتربص مكروها به.
ثم وصف حال ذلك المهري، فقال: غدا ممن أحبه بمصور قد تناهى حسنه، ومنعم معدوم مثله، يرفل في الوشي المنمنم، ويتستر بالديباج المصور، فليس يبعد ما يستره عما يلبسه في حسن الهيئة، وجلالة القيمة لمحل هذا المحبوب من الرفعة، ومكانه من الرفاهية والنعمة.
ثم قال: نافست في ذلك المحبوب صورة ممثلة في مثله، دانية متمكنة من قربه، غلبتني عليه، وانفردت دوني بالدنو إليه، ولو كنت تلك الصورة لأخفاني النحول دون ما توليته من ستره، وأظهرني ما حجب ذلك المثال من حسنه، وأشار بما ذكره إلى أنه متمكن السقم، وفي غاية من نحول الجسم.
لا تَتْرَبِ الأَيدِي المُقِيمَةُ حَولَهُكِسرَى مُقامَ الحاجِبَينِ وَقَيصَرَا
يَقِيانِ في أَحَدِ الهَوَادجِ مُقلَةًرَحَلَتْ وَكَانَ لَهَا فُؤادِي مَحجِرا
قَد كُنتُ أَحذَرُ بَينَهُمْ مِنْ قَبلِهِلَو كَانَ يَنفَعُ حائِناً أَنْ يَحذَرا
تربت اليد: إذا خسرت وأفتقر صاحبها، وكسرى: الاسم الذي يخص به ملك الفرس، وقيصر: الاسم الذي يخص به ملك الروم، والهوداج: مراكب النساء، واحدها هودج، ومقلة العين: معروفة، والمحجر: العظم الذي يحيط بأسفل العين،
والبين: الفراق، والحائن: الهالك.
فيقول: لا تترب الأيدي الصانعة لستور هودج من أحبه، المحكمة لآلات مركبه، الممثلة في تلك السجوف المسبلة، وفي تلك الستور المرسلة، كسرى وقيصر قائمين مقام المتحققين به، نازلين منزلة الحاجبين له، وقليل ذلك فيما يستحقه؛ لجلالة قدره، ويستوجبه بتكامل حسنه، فكأن صناع تلك الستور صنعوها في حين حياكتها على قصد، ومثلوا فيها كسرى وقيصر ليقيموها له مقام الحاجبين على عمد.
ثم قال، وهو يريد صورتي كسرى وقيصر: يقيان في ذلك الخدر ممن أهيم بحبه، وأعلل فؤادي بذكره، من أحله محل مقلة العين التي يستضاء بنورها، ويستنفذ غاية الجهد في صونها، فتولت راحلة، وبانت عن ما كان يستضيء بها ظاعنة، وأبقت لفؤادي لمثالها، كالمحجر للمقلة، الذي هو على حفظها، موضوع للاعتناء بأمرها.
ثم قال: قد كنت أحذر البين من الأحبة قبل طروقه لي، وامتثله قبل نزوله بي، لو كان ينفع الحائن اشتداد مخافته وحذره، أو يغني عنه إفراط توقعه ووجله.
وَلَو استَطَعتُ إذا اغتَدَتْ رُوَّادُهُمْلَمَنَعْتُ كُلَّ سَحَابَةٍ أَنْ تَقطُرَا
فَإذَا السَّحابُ أَخُو غُرابِ فِراقِهمْجَعَلَ الصِّياحَ بَينَهُمْ أَن يُمطِرا
وإذا الحَمَائِلُ ما يَخِدنَ بِنَفنَفٍإلاَّ شَقَقنَ عَلَيهِ ثَوباً أَخضَرا
الرواد: الذين يتوجهون في طلب الكلأ، واحدهم: رائد، والحمائل: الإبل التي يتحمل عليها، الواحد: حمولة، ويخدن: يسرعن في المشي، والنفنف: المفازة المقفرة.
فيقول: ولو استطعت في حين توجيه الحي الذين منهم أحبتي، الذين أهيم بهم، وأشفق من بينهم بالرواد، الذين يطلبون لهم مواقع الغيث ليرحلوا نحوها،
ويقصدون لرعي ما تنبتها من بقلها، لمنعت السحاب من أن تجوده بقطرها، وتسمح بما يرتقبه الرواد من ويلها، ليكون ذلك عائقا للأحبة على الرحلة، ومانعا مما أحذروه فيهم من الفرقة.
ثم قال: إذا السحاب بما يسمح به من انهماله، وما ظفر به الرواد من تواصل انسكابه، يشاكل حال الغراب الذي ينعب بينهم، ويتطير به فيما يحذر من بعدهم، وكأن أصوات السحاب عند تكاثر صوته يؤذن من فراق الأحبة لمثل ما يؤذن به الغراب بصوته.
ثم قال: وإذا الهوادج المتضمنة لهم، والحمائل الراحلة بهم، لا يخدن بقفر يقطعنه، ونفنف يتجشمنه، إلا شققن عليه من هوادجهم، ومصبغات ركائبهم، ثوبا أخضر يروق مبصره، وملبسا مونقا يعجب متأمله.
يَحمِلْنَ مِثلَ الرَّوضِ إلاَّ أَنَّهاأَسبَى مَهَاةً لِلقُلوبِ وَجُؤذَرا
فَبلَحظِها نَكِرَتْ قَنَاتي راحَتيضُعفاً وَأَنكَرَ خَاتِمَايَ الخِنصَرا
أَعطَى الزَّمانُ فَمَا قَبِلتُ عَطَاَءهُوَأَرادَ لِي فَأرَدْتُ أَن أَتخَيَّرَا
المهاة: البقرة الوحشية، والجوذر: ولدها، والخنصر: آخر أصابع اليد، وهو أصغرها.
فيقول، وهو يريد الحمائل: يحملن من الهوادج التي يسبل عليها الديباج ما هو كالروض في الحسن والبهجة، وما يشاكل ذلك في الجمال والنضرة، إلا أن ما يتضمنه الديباج من الأحبة المشتملات، والحسان المرسلات له، أملك للعقول، وأقدر على تصريف العقول من مها رياض القفر وجآذرها، وما تتصرف الأقوال فيه من محاسنها.
ثم قال: فلبحظ تلك المها الراحلة، ومحاسن الجآذر الظاعنة، نكرت قناتي راحتي بما صرت إليه من نحول الجسم، وما لا أزال أتشكاه من دخيل النعم، وأنكر
خاتمي خنصري الذي يألفه، وباشر منه غير ما كان يعرفه. وثنى الخاتم مشيرا إلى خنصريه، واستغنى بذكر أحدهما عن ذكر صاحبه، إشارة إلى ما قدمه من تثنية الخاتم، معولا على ما أسند إليه من فهم السامع.
ثم قال: أعطى الزمان فلم أقبل عطاءه الذي بذله، وأراد لي فلم أقنع بمراده الذي مكنه، ورغبت عمن أصحبنيه من الأمراء، وأرشدني إليه من الرؤساء، وتخيرت سيدهم وعمدتهم، وصراحهم وغرتهم، وأشار بذلك إلى ابن العميد الذي اعتمد بمدحه، وآثره بقصده.
أرَجَانَ أَيَّتُها الجِيادُ فإنَّهُعَزمي الَّذي يَذرُ الوَشِيجَ مُكسَّرا
لَو كُنتُ أَفعَلُ ما اشتَهَيتِ فَعَالَهُما شَّقَّ كَوكَبُكِ العَجَاجَ الأكدَارَا
أرجان: بلد من بلد فارس، فيه كان ابن العميد، والجياد: السراع من الخيل والإبل، والوشيج من الرماح: ما التف عند نباته، وكوكب الركب: جماعتهم ومعظمهم، والعجاج: الغبار، والأكدار: المظلم.
فيقول مخاطبا لإبله: أرجان أيتها الإبل! اعتمديها بقصدك، وأسرعي نحوها بجهدك، فإن السابق لك والناهض نحوها بك، عزمي المستحكم الذي يكسر وشيج الرماح بقوته، ويغلبه بنفاذه وشدته.
ثم قال، وهو يخاطب إبله: لو كنت أفعل ما يوافقك مثله، ويكون على حسب اختيارك فعله، ما تجشمت بك ركوب القفر الذي تواصلين قطعه، ومحاولة البعد الذي تعتمدين قصده، ولا يشق كوكبك العجاج الذي تثيرينه في سيرك، وتقتحمينه بمبلغ جهدك.
أُمِّي الفَضْلِ المُبرَّ ألِيَّتِيلأُيَمِّمَنَّ أَجَلَّ بَحرٍ جَوَهرَا
أَفتَى بِرُؤيَتِهِ الأنامُ وحَاشَ لِيمِنْ أَنْ أَكُونَ مُقصِّراً أو مُقصِرا
الأم: القصد، والألية: الحلف، والتيمم: الاعتماد.
فيقول، وهو يريد إبله: أمي أبا الفضل الذي أبره به قسمي الذي قدمته، وحلفي الذي اعتقدته بقصد جوده، واعتماد فضله، وهو البحر الذي يصغر كل بحر عن مماثلته، ويقصر عن مساواته ومكافأته، ولا يتضمن كجواهر علمه، ولا يظهر كالذي يظهره من كرمه وفضله.
ثم قال: أفتى الأنام أجمعون بالبدار إلى رؤيته، وأشاروا فيما خص الجميع عليه، أو مقصرا عن إتيان ما ندب ذوو الألباب إليه.
صُغْتُ السِّوارَ لأَيِّ كَفٍّ بَشَّرَتْبِابنِ العَمِيدْ وأَيِّ عَبدٍ كَبَّرا
إنْ لَمْ تِغُثِنْي خَيلُهُ وَسِلاحُهُفَمَتَى أَقُودُ إلى الأعَادِي عَسكَرَا؟
يقول: صغت السوار لتحلية الكف المشيرة إلى ابن العميد، الذي قصدت نحوه، ويممت أرضه، وأعددت نفيس الرغائب، ورفيع المواهب، لأي عبيدي كبر محيلا على رؤيته، مستصحبا بضياء غرته.
ثم قال: إن لم تغشني خيله مغيثة منجدة، وسلاحه ناصرة مؤيدة، فمتى أقود إلى الأعادي عسكرا أتكثر بقوته، وجمعا أسطو عليهم بما أسند إليهم من نصرته؟!.
بِأَبِي وأُمِّي ناطِقٌ في لَفظِهِثَمَنٌ تُبَاعُ بِهِ القُلُوبُ وتُشتَرَى
مَنْ لا تُرِيهِ الحَربُ خَلقَاً مُقبِلاًفِيها ولا خَلقٌ يَرَاهُ مُدبِرا
خَنثَى الفُحولِ مِنَ الكُماةِ بِصَبغِهِكا يَلبَسُونَ مِنَ الحَديدِ مُعصفَرا
خنثى: أسم أخذه من خنثى، والخنثى: الذي يكون له ما للرجل والمرأة، والكماة: الشجعان، واحدهم كمي، والمعصفر من الثياب: ما صبغ بالحمرة وما أشبهها.
فيقول، وهو يشير إلى ابن العميد: بأبي وأمي ناطق في براعة نطقه، وما يظهره من البلاغة في لفظه، ثمن تتملك به القلوب فتباع وتشترى بمثله، ويتحكم عليها بما يتضمنه من حسنه.
ثم قال: وهو يريده، من لا تريه الحرب خلقا يقدم فيها على مواجهته، ويقبل
متعرضا لمنازلته، ولا خلق من الناس يراه مدبرا عن حربه، مقصرا عما يحاول فيه من إنفاذ أمره.
ثم قال: (خنثى الفحول من الكماة)؛ أي: صيرهم كالخناثى، لعجزهم عن مجالدته، وضعفهم عن شدة مطاعنته، وبما أجراه من دمائهم عن الدروع التي يتحصنون بالتستر بها، والجواشن التي يقدرون الامتناع بآلاتها، فيعصفرها بما يجريه من دمائهم، ويحصنها بما يسيل عليها من جراحهم.
يَتَكَسَّبُ القَصَبُ الضَّعيفُ بِخَطِّهِشَرَفاً عَلى صُمِّ الرِّماحِ وَنَفخَرا
وَيُبَينُ فِيمَا مَسَّ مِنهُ بَنَانُهُتِيهُ المُدِلِّ فَلَو مَشَى لَتَبَختَرا
التبختر: الإزهاء في المشي.
فيقول، وهو يريد الممدوح، مشيرا إلى الكتابة التي كانت صناعته: يتكسب ضعيف قصب الأقلام من الشرف بخطه، وما يتقيد به من متخير لفظه، ما يقصر عنه صم الرماح مع شدة أسرها، ولا تبلغ أقله مع جلالة أمرها، وتفخر الأقلام عليها بما يتخيره من الكتاب بها، وما لا يزال عليه من استعماله لها.
ثم قال مشيرا (إلى أقلامه): ويبين فيما مس بنانه من قصب الأقلام تيه المتكبر، ويظهر عليه زهو المتبختر، فلو مشى ذلك القصب لتبختر في مشيه، ولو تصرف لاستبان الاختيال في فعله.
يا مَنْ إذا وَرَدَ البِلادَ كِتَابُهُقَبلَ الجُيوشِ ثَنَى الجُيوشَ تَحَيُّرا
أَنتَ الوَحِيد إذا رَكِبتَ طَريقَةًوَمَنِ الرَّدِيفُ وَقَد رَكِبتَ غَضَنفَرا
الغضنفر: الأسد.
فيقول، وهو يريد الممدوح: يا من إذا ورد البلاد كتابه ورسله، وأنتشر فيها إرادته وأمره، ثنى تلك الجيوش من قبل أن يردها بجيشه، وفرق جموعها دون أن يقتحم عليها بجمعه.
ثم قال: أنت الوحيد فيما تحاوله، الذي لا نظير لك، والفريد الذي لا يقترن أحد بك، ومن الذي يكون رديفك فيما تفعله، ورسلك فيما تبلغه، وأنت فيما تركبه من الهول، وتستهله من متعذر الفعل، كراكب الأسد الذي لا تؤمن سطوته، والمستذل له وإن كانت تحذر صولته.
قَطفَ الرِّجالُ القَولَ قَبلَ نَباتِهِوقَطفتَ أَنتَ القَولَ لَمَّا نَوَّرا
فَهوَ المُتَبَّعُ بالمَسَامِعِ إنْ مَضَىوَهُوَ المُضَاعَفُ حُسنُهُ إِنْ كُرِّرا
وإذا سَكَتَّ فَإنَّ أَبلَغَ نَاطِققَلَمٌ لَكَ أتَّخَذَ الأَصابِعَ مِنبَرَا
القطف: القطع والاجتناء، والمنبر: موقف الخطيب.
فيقول، وهو يخاطب الممدوح: تناول الرجال القول من قبل وقته، وقصدوه من غير وجهه، وتناولته أنت وقد نور وحسن، وتكامل وتمكن، يريد: أنه حاوله غير مستكره له، واقتدر عليه اقتدار عالم به.
ثم قال: فهو المتبع بالمسامع حرصا على الاستكثار من حسنه، والمتضاعف البهجة عندما يقع من تكرير لفظه. يشير إلى أن الناس يجتهدون في تحفظ ذلك الكلام لموضعه من الحكمة والبراعة، ويعجبون بتكريره لتقدمه في الحسن والبلاغة.
ثم قال مخاطبا له: وإذا سكت معولا على كتابتك، وأخذت في تسطير خطابتك، فأن أبلغ خطيب يقله منبره، ومتكلم يشتمل عليه محضره، قلم أقلته في الكتابة أصابعك، ونهضت به في الخطابة أناملك.
وَرَسائِلٌ قَطَعَ العُدَاةُ سِحَاَءهافَرَأوا قَناً وَأَسِنَّةً وَسَنَوَّرا
فَدَعَاكَ حُسَّدُكَ الرَّئيسَ وَأَمسَكواوَدَعاكَ مُنصِفُكَ الرَّئيسَ الأكْبَرَا
خَلَفَتْ صِفَاتُكَ في العُيونِ كَلاَمَهُكالخَطِّ يَملأُ مِسمَعَيْ مَنْ أَبصَرا
السحاء: جمع سحاءة، وهي الحزامة التي يشد بها الكتاب عند ختمه، والسنور:
الدروع والسلاح.
فيقول على نحو ما قدمه: وأبلغ الكلام رسائل قطع العداة سحاءها، ونشروا مدمج طيها، فتبينوا فيها من فخامة لفظك، وشاهدوا من جزالة قولك، ما قام عندهم مقام السلاح في التهيب لفعله، وناب منابه فيما يتوقع من أمره.
ثم قال، وهو يريده: فدعاك حسدك الرئيس غير مستبدين، وأقروا لك بذلك، فعل مضطرين، ودعاك من أنصفك في قوله، ووفاك حقك في وصفه؛ الرئيس الأكبر غير مدافع، والعميد الأعظم غير منازع.
ثم قال: ونطقت صفاتك بتصديق منصفك، وخلفت أفعالك مقال معظمك، كالخط يملأ مسمعي من أبصره، اعتبارا دون محاورة، ويناديه بما تضمنه تدنوا من غير مكالمة.
أرَأَيتَ هِمَّةَ نَاقَتِي في نَاقَةٍنَقَلَتْ يَدَاً سُرُحاً وَخُفّاً مُجمَرا
تَرَكَتْ دُخَانَ الرَّمْثِ في أَوطَانِهِطَلَبَاً لِقَومٍ يُوقِدونَ العَنبَرا
وَتَكَرَّمَتْ رُكُبَاتُها عَنْ مَبرَكٍتَقَعانِ فِيهِ وَلَيسَ مِسكَاً أَذفَرا
اليد السرح: الخفيفة، والخف من الجمل: كالحافر من الفرس، والمجمر: الصلب، والرمث: ضرب من أشجار بلاد العرب، والعنبر: معروف، والمسك الأذفر: الذكي الرائحة.
فيقول مشيرا إلى الممدوح: أرأيت كهمة ناقتي في سائر النوق، المجتازة للرحل، والإبل المداومة للسفر، المتنقلة بالأيدي الخفيفة السريعة، والمتصرفة بالأخفاف الشديدة الصلبة.
ثم أشار إلى ناقته، منبها على ارتفاع همتها، وموقفا على جلالة بغيتها، فقال: تركت بلاد العرب رغبة عن ضيق عيشها، وتشحطها لافتقار أهلها، وتكرها لدخان الرمث وما شاكله من الشجر الذي توقد به العرب نيرانها، وتحتطبه في
أوطانها، استدفاعا للقر، وتفاديا من شدة الضر، واعتمدت قوما يوقدون العنبر مستطرفين لريحه، ويحرقونه متنعمين بفوحه.
ثم قال مشيرا إلى ناقته: وتكرمت ركباتها عن البروك في الرمل، وترفعت عن الوقوع على الترب، فاعتمدت بلادا تقع فيها على المسك الأذفر، وتفوز من سعادتها بالحظ الأوفر.
فَأَتَتكَ دَامِيَةَ الأَظَلِّ كَأنَّماحُذِيتْ قَوَائِمُها العَقيقَ الأَحمَرَا
بَدَرَتْ إليكَ يَدَ الزَّمانِ كَأَنَّمَاوَجَدَتْهُ مَشغُولَ اليَدَينِ مُفَكِّرا
الأظل: خف البعير وبه يطأ الأرض.
فيقول مخبرا عن ناقته، ومخاطبا للممدوح: فأتتك دامية الأظل، لشدة سيرها، وبعد مسافة أرضها، كأن قوائمها قد حذيت بالعقيق الأحمر. يشير إلى أن أخفافها ألمة حافية، وأسافلها مكلومة دامية.
ثم قال، وهو يريد ناقته، ويخاطب ابن العميد ممدوحه: بدرت إليك يد الزمان، التي تقبض الآمال؛ بتعرض صروفها، وتعوقه عما يقصده بترادف خطوبها، وكأنها وافقت منه غرة، فانتهزت فيه فرصة، ووجدته مشغول اليدين، ففاتته بنفسها، ومقبلا على التفكير، فلم يعقها عما حاولته من أمرها.
مَنْ مُبلِغُ أَنِّي بَعدَهاجَالَستُ رَسْطَالِيسَ والإسكَندَرَا
وَمَلِلتُ نَحرَ عِشَارِها فَأضَافَنِيمَنْ يَنحَرُ البِدَرَ النُّضَارَ لِمَنْ قَرَى
رسطاليس: حكيم معروف من حكماء اليونانيين، والإسكندر: ملك من ملوك الروم دانت له الأرض بجملتها، والعشار: جمع عشراء، وهي الناقة التي قد مضى لحمها عشرة أشهر، والبدر: جمع بدرة، وهي كيس فيه عشرة آلاف درهم، والنضار: الذهب، وقرى: بمعنى أضاف.
فيقول: من مبلغ الأعراب الذين فارقتهم، وفرقهم الذين كنت تألفهم، أني جاست
بعدهم من ابن العميد الذي قصدت نحوه.
وتيممت أرضه، رسطاليس في درايته وحكمته، والإسكندر في تملكه ورفعته.
ثم قال: ومللت ما تعتد به الأعراب من نحر عشارها، وما تفتخر به في الضيافة من عقر جمالها، فأضافني ابن العميد؛ من ينحر لأضيافه بدر الذهب، ويريحهم من كد الطلب، ويعزون بجواره فلا يذلون، ويأمنون بمكانه فلا يخافون.
وَسَمِعْتُ بَطْلَيموسَ دَارِسَ كُتْبِهِمُتَمَلِّكَاً مُتَبَدِّياً مُتَحَضِّرا
وَلَقِيتُ كُلَّ الفاضِلِيْنَ كأَنَّمَارَدَّ الإلهُ نُفوسَهُمْ والأَعصُرا
نُسِقُوا لَنَا الحِسَابِ مُقَدَّماًوَأَتَى فَذلِكَ إذْ أَتَيتَ مُؤخَّرا
بطليموس: حكيم من حكماء اليونانيين، ومليك من ملوكهم، والمتبدي: الذي يألف البوادي، والمتحضر: الذي يلازم الحواضر، والنسق: الجمع والنظم.
فيقول: وسمعت من ابن العميد بطليموس في سعة علمه، وبراعة لفظه، وتفقد لدراسة كتبه، متملكا في رفعته وجلالته، متبديا في عروبيته وفصاحته، متحضرا في دقته ولطافته.
ثم قال: ولقيت بلقائي له كل الفاضلين، وجميع الحكماء المتقدمين، حتى كأن الإله أشهدني عصورهم بمشاهدة عصره، وأراني كرم نفوسهم بما رأيته من كرم نفسه.
ثم قال: نسقوا لنا بذكر خصالهم، وما قيدته الأخبار من رفيع أحوالهم، على ما تقدم منهم في الأزمان الخالية، والمدد السالفة، وكانوا كالحساب الذي يقدم الكاتب في الصك ضروب رسومه، ويبين تفاسير وجوهه، ثم يجمع تلك الرسوم بجملتها، والتفاسير مع كثرتها، بقوله: فذلك، مشيرا إلى رأس العدد الذي يحضر ما ذكره، ويشتمل على جميع ما قدمه، فشبه ابن العميد بذلك الرأس، الذي يحيط مع تأخره، بما يتكاثر من الحساب مع تقدمه، وجعل فضائل جميع المتقدمين مشهودة بمشاهدة فضائله، محصورة في تضاعيف محاسنه.
يا لَيتَ بَاكِيَةً شَجَانِي دَمعُهانَظَرَتْ إلَيكَ كما نَظَرْتُ فَتَعذِرا
فَتَرَى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةًالشَّمسُ تَشرِقُ والسَّحَابُ كَنَهوَرا
الشجو: الحزن، والكنهور من السحاب: ما تراكب وصار كأمثال الجبال.
فيقول مخاطبا لأبن العميد، ومشيرا إلى من تخلفه من أهله: يا ليت باكية شجاني عند فراقها ما أذرته من الدمع، وأوجعني ما أبدته من الوجد، نظرت كما نظرت، وأبصرت من فضائلك كالذي أبصرت، فتعذرني فيما تكلفته إليك من الرحلة، وما تحملته من ألم الفرقة.
ثم قال: فكانت تشهد منك الفضل الذي لا يعارض برده، والكرم الذي (لا) عهد لها بمثله، وتعاين من سحاب جودك كنهورا لا يفتر وبله، ومترادفا لا ينقطع سكبه، والشمس مع ذلك لا ينكسر ضوءها، ومشرقة لا ينتقض نورها، فترى السحاب على غير ما عهدته، وانسكابه على خلاف ما باشرته.
أَنَا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ أَطيَبُ مَنزِلاًوَأَسَرُّ راحِلَةً، وَأَربَحُ مَتجَرَا
زُحَلٌ على أَنَّ الكواكِبَ قَومُهُلَو كَانَ مِنكَ لَكانَ أَكرَمَ مَعشَرَا
زحل: كوكب معروف من السبعة الخنس التي ذكرها الله ﷿.
فيقول مشيرا باغتباطه بالوفود على ابن العميد: أنا أفضل الناس منزلا بكرم المنزل الذي تبوأته، وأسرهم راحلة ببركة السفر الذي تكلفته، وأربحهم متجرا بقبول الرئيس الذي وجهن إليه، واقتصرت بآمالي عليه.
ثم قال يخاطب ابن العميد ممدوحة: زحل مع جلالة رتبته، واستبانه رفعته، وأن الكواكب قومه، وبينها شاهد فضله، لو كان منك وإليك، وأقتصر في انتسابه عليك، لكان أشرف من الكواكب معشرا، وأجل منها أولا وآخرا. وهذا من إفراط الشعراء الذين يقصدون منه بذكر ما لا يمكن، إحراز الفضل ببلوغ غاية ما يمكن.
وقال يمدحه ويهنئه نوروزه، ويصف سيفا قلده إياه، وخيلا حمله عليها، وجائزة وصله بها.
جَاَء نَوروزُنَا وَأَنتَ مُرَادُهوَوَرَت بِالَّذي أَرَادَ زِنَادُهْ
هِذِهِ النَّظرَةُ التي نَالَهَا مِنْكَإلى مِثلِهَا مِنَ الحَوْلِ زادُهُ
يَنثَنِي عَنْكَ آخِرَ اليَومِ مِنهُ نَاظِرٌأَنْتَ طَرفُهُ وَرَقَادُهُ
النوروز: وقت من الربيع يعظمه الفرس، وتتخذه عيدا لأنفسها، والزناد: عيدان من أشجار معلومة، أشهرها المرخ والعفار، يحك منها العود بصاحبه بها النار، وتقول العرب: ورت الزناد، ووريت الزناد: إذا أخرجت النار على سرعة، وورت زناد فلان بأمر كذا: إذا أصاب منه ما يحب، ووريت كذلك، والطرف: تحرك العين بالنظر.
فيقول، وهو يخاطب ابن العميد: جاء نوروزنا الذي كنا نرتقب وقته وننتظر حينه، وأنت أيها الرئيس مراده الذي قصده، ومرجوه الذي اعتمده، ووردت زناده بالوفود عليك، وأدرك ما أمله من الوصول إليك.
ثم قال مخبرا عن النوروز، ومخاطبا للممدوح: هذه النظرة التي نالها من غرتك، والرفعة التي أحرزها بالوصل إلى حضرتك، زاده إلى مثل هذا الوقت من العام المستقبل، والزمان المنتظر، ويحسب ذلك يسرا ليرضيك بفعله، ويتزين لك ليوافقك بحسنه.
ثم قال على نحو ما قدمه: ينثني عنك عند اقتراب آخره، وانصرام سائره، ناظر منه، أنت طرفه الذي به ينتشر ويبصر، ورقاده الذي إليه يأوي ويسكن، فاستيحاشه إليك بمقدار سروره بالوفود عليك.
نَحْنُ في أَرضِ فَارِسٍ في سُرورٍذا الصَّباحُ الَّذي نَرَى مِيلادُهُ
عَظَّمَتُهُ مَمَالِكُ الفُرسِ حتَّى كُلُّأَيَّامِ عَامِهِ حُسَّادُهُ
الميلاد: وقت الولادة، والممالك: جمع مملكة، وهي سلطان الملك.
فيقول: نحن بأرض فارس في سرور قد عم، وشمل وكمل، وصباح يوم النوروز ميلاد ذلك السرور وأوله، وباعثه وموجبه، فالآمال منبسطة، والفرحات متصلة، والنعم سابغة، وأعين الحوادث نائمة.
ثم قال، وهو يريد النوروز: وقد أوجبت ممالك الفرس تعظيمه، وأظهرت إجلاله، حتى صارت أيام العام تحسده على رفعته، ولا تساويه في شرف رتبته.
ما لَبِسْنَا فِيهِ الأَكَالِيلَ حَتَّى لَبِسَتْهاتِلاعُهُ وَوِهَادُهُ
عِندَ مَنْ لا يُقَاسُ كِسرَى أَبو سَاسَانَمُلكَاً بِهِ ولا أَوْلادُهُ
عَرَبِيٌّ لِسَانُهُ فَلسَفِيٌّ رَأيُهُفَارِسِيَّةٌ أَعيَادُهُ
الأكاليل: العصائب المنظومة بالجوهر، واحدها إكليل، والتلاع: أماكن مرتفعة يجري فيها الماء من الجبال، واحدها تلعة، والوهاد: مطمئنات من الأرض، واحدتها وهدة.
فيقول مشيرا إلى النوروز: ما لبسنا فيه الأكاليل، وما يقع موقعها من معلمات العمائم، ومزينات العصائب، مختلفين في حسن الهيئة، مشتملين بفاخر الكسوة، حتى لبست تلك الملابس تلاع فارس ووهادها، بما أبدته من أزاهير الروض، وأظهرته من بدائع النور. يشير إلى أن النوروز إنما يكون في الوقت الذي تتزين الأرض فيه لمبصرها، وتروق بما تبديه من غرائب زخرفها.
ثم قال مشيرا إلى ابن العميد ممدوحه: عند من لا يقاس به أبو ساسان، ولا سائر الأكاسرة من ولده، في سلطانه وجلالته، ونفاذه وسياسته، وما رفعه الله من قدره، وتكفل به من إعلاء أمره.
ثم قال مشيرا إليه: عربي اللسان فصاحة وإبانة، فلسفي الرأي حكمة ودراية، فارسي الأعياد كرما وسيادة، يشمل من ملكه بفضله، ويرضيه بقوله وفعله.
كُلَّما قَالَ نائِلٌ: أنَا مِنهُ سَرَفٌ،قَالَ آخرٌ: ذا اقتِصَادُهُ
كَيفَ يَرتَدُّ مَنْكِبِي عَنْ سَمَاءٍوالنِّجَادُ الذي عَلَيهِ نِجَادُهُ؟!
الاقتصاد: التوسط في الأمور، والنجاد: محمل السيف.
فيقول مشيرا إلى ابن العميد: كلما قال نائل من بذله، ومشهود من فضله، أنا إسراف فيما قصدت به، وغاية من الكثرة فيما اعتمدت له، أردف ذلك من جوده ما يزيد عليه ويغمره، ويجعله في حيز القصد ويصغره.
ثم قال وهو يريده: كيف يرتد منكبي عن رفيع من المواضع، وجليل من المراتب، والسيف الذي نجاده عليه من عطاياه ومواهبه، وما خصني به من فواضله؟! يشير إلى أنه خلع عليه سيفا أبان به ما يراعيه من أمره، ووصفه أبو الطيب فيما يتصل بهذا من شعره.
قَلَّدَتْنِي يَمِينُهُ بِحُسَامٍأَعقَبَتْ مِنهُ واحِداً أَجدَادُهُ
كُلَّما استُلَّ ضاحَكَتْهُ إيَاةٌتَزعُمُ الشَّمسُ أَنَّها أَرآدُهْ
مَثَّلوهُ في جِفْنِهِ الفَقدِفَفِي مِثلِ أَثْرِهِ إغمَادُهْ
الحسام: السيف الصارم، والأعقاب: مأخوذة من العقب، وهو ولد الرجل، وإياه الشمس: ضوءها، والأرآد: الأنوار، واحدها رأد، وأثر السيف: فرنده.
فيقول، وهو يشير إلى الممدوح، ويذكر السيف الذي وهب له: قلدتني يمينه بسيف، فرند في جنسه، وجيد في جلالة قدره، وأعقبته السيوف المتقدمة منه في الأزمان الخالية، والمده الطوال الماضية، واحدا لا نظير له، وغريبا لا يقترن شيء من السيوف به.
ثم قال منبها على كرم جوهره، وشرف عنصره: كلما أسئل ضاحكته إياة من أراد هذا السيف الظاهرة، وأنواره المشرفة البادية، وأن الشمس، مع أنها أصل الضياء، مضافة إليه، وعيال في الإشراق عليه.
ثم قال مشيرا إلى السيف الذي قدم ذكره: مثلوه في جفنه كلفا به، واستحسانا له؛
يردي: أن جفن هذا السيف كان محلى بذهب قد أجيد صقاله، وأثبت فيه مثاله، فصار الصقال في جفنه كالفرند المتلألئ في متنه، فكأنما أغمد في ذلك الأثر؛ لما في الذهب الذي حلي به غمده من جودة الصقل.
مَنعَلٌ لا من الحَفَا ذَهَبَاً يَحْمِلُبَحراً فِرندُهُ إزبَادُهُ
يَقسِمُ الفَارِسَ المُدَجَجَ لا يَسلَمُمِنْ شَفرَتَيهِ إلاَّ بدادُهْ
جَمَعَ الدَّهرُ حَدَّهُ وَيَدَيهِوَثَنائي فاستَجمَعَتْ آحادُهُ
المنعل من السيوف: الذي يكون في أسفل غمده من الذهب والفضة، أو ما يقوم مقامهما مما يصان به، والفرند: وشيء السيف، والازباد: الرمي بالزبد، والمدحج: المشتمل بالسلاح، والبداد: لبد السرج، والآحاد: الأفراد.
فيقول: أن السيف الذي ذكره أنه وهب له، كان منعلا بالذهب، لا لحفاء لحقه، ولا لوهن أدركه، ولكن على سبيل الصيانة له، والشح به، وذلك الغمد المنعل يحمل من نصله ما هو كالبحر في رونقه وصفائه، وفرنده عليه كالزبد المتصل بمائه.
(ثم قال): الفارس المدجج في السلاح لا يعتصم منه بشكته، وما استظهر به من آلته وعدته، وينفذ فيه إلى أن يقد سرجه، ويدرك لبده. يريد أن هذا السيف قد جمع غاية الكرم في فعله ومخبره، كما جمع غاية الحسن في هيبته ومنظره.
ثم قال: جمع هذا السيف لهذا الدهر؛ ما هو عليه من نفاذ حدته، ويدي ابن العميد اللتين يبطشان بقوته، وثنائي الذي دللت به على حقيقة صفته، فاجتمعت له آحاد الزمان التي لا تماثل، ومفرداته التي لا تقاوم، وثنى اليد، وإنما تصرف السيف مفردة؛ لأن الأخرى تعضدها في تصرفها، وتسبب لها أسباب تمكنها.
وَتَقَلَّدَتْ شَامَةً في نَدَاهُجِلدُها مُنفِسَاتُهُ وَعَتَادُهْ
فَرَّسَتْنَا سَوَابِقٌ كُنَّ فِيهِ فَارَقَتْلِبْدَهُ وَفِيها طِرَادُهْ
وَرَجَتْ رَاحَةً بِنَا لا تَرَاها وَبِلادٌنَسِيرُ فيها بِلادُهْ
الشامة: معروفة، وهي التي تكون في الجسد مخالفة لسائر لونه، والمنفسات من المتاع: كل ما ارتفعت قيمته، الواحدة: منفسة، والعتد: ما إدخر لمهمات الأمور، والتفريس: تعليم الفروسية، والسوابق: كرائم الخيل، واللبد: لبد السرج، والطراد: تجاول الفرسان.
فيقول مشيرا إلى السيف الذي ذكره، ومخبرا بأنه كان محتقرا مع جلالته، فيما اقترن به من هبات ابن العميد التي وهبها له: وتقلدت من هذا السيف الذي قدمت وصفه، ما هو فيما استضاف إليه من الهبات المقترنة، كالشاملة التي لا تعتد بها لقلتها، ولا تكاد تتبين في الجلد لصغرها ودقتها، وجملة المواهب التي كان السيف فيها من منفسات المتاع، ومتخيرات العتاد. وكنى عن جملة المواهب بالجلد، وعن السيف الذي قل فيها بالشامة، وحمل الكلام على الاستعارة.
ثم قال: أفادتنا الفروسة سوابق خيل كانت في تلك الهبات، بحسن أدبها وتأتيها في تصرفها، ففارقت لبد الممدوح، وفيها ما حملها عليه من حسن الانقياد في المطاردة، ومحمود الطواعية عند المجاولة. وأشار بما ذكره إلى موضع ابن العميد من الفروسة، وأنه لم يؤثره بخيل في ركوبه، إلا لما أظهر عليه من الكرامة.
ثم قال: ورجت هذه الخيل أن تنال بهبتها لنا، راحة مما كانت عليه من مواصلة الغزو، ومداومة السفر، وهي تحمل منا في بلده أبناء نعمته، والمتصرفين بأمره في إقامته ورحلته.
هَلْ لِعُذْرِي إلى الهُمَامِ أَبي الفَضلِقَبُولٌ سَوادُ عَينِي مِدَادُهْ
أَنَا مِنْ شِدَّةِ الحَيَاءِ عَلِيلُمَكرُمَاتٌ المُعِلِّهِ عُوَّادُهْ
ما كَفَانِي تَقصيرُ ما قُلْتُ فِيهِعَنْ عُلاهُ حَتَّى ثَنَاهُ انتِقادُهْ
الهمام: الملك الرفيع الهمة، وثنيك الشيء عن وجهه: إذا صرفته، والانتقاد: الامتحان والتخير.
فيقول مشيرا إلى تقصيره عن واجب الشكر، وتعديد ما أحاط به من الفضل: هل لعذري عند أبي الفضل الهمام الكبر، والرئيس الأكرم: موضع من تقبله، وحظ من تجوزه، فاجعل مداد كتابي بذلك العذر سواد عيني، إكراما له، وأبدر إلى ذلك وإلى مثله، إعجابا به.
ثم قال على نحو ما قدمه: أنا من شدة الحياء؛ لتأخري عن ما يلزمني لهذا الرئيس، كالعليل المخول الصحة، ردي الألم، المغلوب القوة، إلا أن مكرمات الذي أعلتني فواضله، بعجزي عن وصفها، وأخجلتني بتقصيري عن حقائق حمدها، تعودني متتابعة، وتتعاهدني متوالية، فلست أدري أي طريق أسلك إليها من الشكر، ولا كيف أقاوم كثرتها بجميل النشر؟!.
ثم قال: ما كفاني تقصير شكري عن فضله، وتأخر ما أبدعه من الشعر عن رفيع قدره، حتى أردف ذلك بانتقاده، الذي يقل كل إحسان عنده، وامتحانه الذي يغلب كل اجتهاد عفوه، فكيف لي بما يرضي ثاقب درايته، ويثبت على انتقاده مع سعة إحاطته؟!.
إنَّني أَصيَدُ البُزاةِ وَلَكِنْنَأَجَلَّ النُّجومِ لا أصطَادُهْ
رُبَّ ما لا يُعَبِّرُ اللَّفظُ عَنهُوالَّذي يُضمِرُ الفُؤادُ اعتِقَادُهْ
ما تَعَوَّدْتُ أَن أرَى كَأَبي الفَضلِوَهذا الَّذي أَتَاهُ اعتِيَادُهْ
التعبير: الإبانة عن المعنى بظاهر اللفظ.
فيقول: أنني أصيد البزاة؛ يشير إلى أنه يبرز على المبرزين في الشعر، ويتقدمهم في بدائع النظم، وأجرى الكلام على الاستعارة، ثم قال: ولكن البازي مع ما هو عليه من النفاذ في الصيد، والتقدم في ذلك لأكثر صنوف الطير، لا ينال النجوم ولا يدركها، ولا يصيدها ولا يلحقها، وكذلك ابن العميد في فضله، وما آثره الله به من جلالة قدره، ولا يمكنني تعديد مكارمه، وأنا أقاوم بشعري ما أبانه الله من
فضائله.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: رب شيء لا تعبر الألفاظ عن مثله، ولا تبلغ إلى حقيقة وصفه، والفؤاد يشهد له ويصدقه، ويعتقده ويتحققه. فأشار إلى أن في نفسه من إعظام ابن العميد وتفضيله ما لا يعبر عنه بشعره ولا يستوفيه بمبلغ وسعه.
ثم قال باسطا لعذر نفسه، ومعترفا بالتقصير عن وصف فضل الممدوح لشعره: ما تعودت أن أرى كأبي الفضل فيمن رأيته من العلماء، وامتدحته من الرؤساء، وكان امتداحي لهم بحسب أحوالهم، ومبلغ أقدارهم، فأشرت منه غير ما عهدته، واستقللت له من الشعر ما نظمته، والذي أسداه إلي من الفضل، وغمرني به من البذل، عادته التي عهدها، وطريقته التي لا منكر لها، فهو لا يخرج في الكرم عن عرفه، وأنا أحاول غير ما عهدته في وصفه.
إنَّ في المَوجِ لِلغَرِيقِ لَعُذْرَاًواضِحاً أَنْ يَفوتَهُ تَعْدادُهْ
لِلنَّدى الغَلبُ أَنَّهُ فَاضَ والشِّعْرُ عِمادِيوأبنُ العَمِيدِ عِمادُهْ
يقول مشيرا إلى ما أحاط به من فضل ابن العميد، وتقصيره عن بلوغ الواجب في ذلك: أن ما في موج البحر مع كثرتها، وامتناع الإحاطة بجملتها، ما يبسط عذر الغريق في عجزه عن حصرها بذكره، وإحصائها بعده. فشبه ما تتابع عليه من مواهب ابن العميد بأمواج البحر، وشبه بالغريق فيها؛ لتقصيره عن حقيقة الشكر.
ثم قال: للندى الذي هو خلق ابن العميد، الغلبة في المساجلة، والزيادة عند المماثلة، لأنه فاض علي وهو عماده، والإغراق فيه مراده، فعارضته بما أهديته إليه من الشعر، وأتحفته به من غرائب النظم، وذلك بأن الذي أسند إليه، وأعول عليه، فأعجز قولي بفعله، وزاد على جهدي بعفوه.
نَالَ ظَنِّي الأُمورَ إلاَّ كَريماًلَيسَ لِيْ نُطقُهُ ولا فِيَّ آدُهْ
ظَالِمُ الجُودِ كُلَّما حَلّ رَكْبٌسِيمَ أَنْ تَحمِلَ البِحَارَ مَزَادُهْ
الأيد والآد: القوة، والسوم: تحميل المشقة، والمزاد: القرب، الواحدة مزادة.
فيقول: أدركت الأمور ظنوني البعيدة، وكشفت المعاني العويصة، وقصرت عن أن تدرك كريما كابن العميد يربي على الكرام، ويزيد بفضائله على جميع الأنام، ولست مع ذلك أتعاطى في النطق رتبته، ولا أقوى على قوته، مع تقدمي في إدراك غوامضه، واشتهاري بالغوص على بدائعه.
ثم قال: وهو في كرمه ظالم لسؤاله، ومفرط على قصاده، يسومهم أن تتضمن أوعيتهم ما يهبه، وتستقل إبلهم بما يبذله لهم، هو في ذلك كمن يكلفهم تضمن البحر في الأوعية، والتحمل به في المزاد والأسقية.
غَمَرَتنِي فَوائِدٌ شَاَء فِيهَاأَنْ يَكونَ الكَلامُ مِمَّا أَفَادَهْ
ما سَمِعْنَا بِمَنْ أَحَبَّ العَطَايَافَاشتَهَى أَن يَكونَ فيها فُؤادُهْ
يقول مشيرا إلى ابن العميد: غمرتني منه عطايا متتابعة، وفوائد مترادفة، أراد إفادتي فيها بغرائب الكلام، وإيثاري بنوادر البيان، مع أني رب هذه الصناعة، والمحتفل من هذه البضاعة.
ثم قال مشيرا إليه: ما سمعنا بمثل هذا الرئيس، من كريم أحب العطايا وألفها، وأفرط في شدة الشغف بها، حتى اشتهى أن يكون قلبه وما تضمنه من سعة الإحاطة، وأشتمل عليه من ثاقب الدراية، مما يهبه لمن يطرقه، ويتفضل به على من يقصده. يريد أن الممدوح أفاض عليه من علمه، كما أفاض عليه من جوده.
خَلَقَ اللهُ أَفصَحَ النَّاسِ طُرَّاً فيمَكَانٍ أَعرَابُهُ أَكرَادُهْ
وَأَحَقَّ الغُيوثِ نَفْسَاً بِحَمدٍفي زَمانٍ كُلُّ النُّفوسِ جَرَادُهْ
مِثلَمَا أَحدَثَ النُبُوَّةَ في العالَمِوالبَعثَ حِينَ شَاعَ فَسَادُهْ
زَانَتِ اللَّيلَ غُرَّةُ القَمَرِ الطَّالعِفيهِ، وَلَمْ يَشنهَا سَوَادُهْ
طراً: يريد جميعاً، والأعراب: أَهل البادية، والعرب: أصحاب الإبل وبيوت
الشعر، والأكراد: صنف من العجم في أطراف بلاد فارسِ، يذهبون مذاهب الأعراب في مداومة الرحل، واتخاذ بيوت الشعر والإبل، والعالم: جميع الخلق.
فيقول: خلق الله ابن العميد، وهو أفصح الناس كلهم، وأنفذهم في البيان بأسرهم، في مكان من فارس منقطع عن الموسومين بالفصاحة، منتزح عن المتقدمين في حسن الإبانة، أعراب ذلك المكان الأكراد، الذين هم أهل العجمة، والمشهورون بالغباوة والهجنة.
ثم قال: وخلق في ذلك المكان من ابن العميد أحق الغيوث نفسا بحمد، وأهدى الكرماء إلى كل مجد، في زمان قد قل خيره، ودق أهله، وصارت أنفسهم كالجراد في دناءتها وقلتها، وما طبعت عليه من مضرتها، وكذلك إنما تلافى الله الناس بالرسالة الهادية، وأرشدهم بالنبوة الصادفة، حين شاع الفساد فيهم، واستولت أسباب الجاهلية عليهم، وكذلك يتلافاهم الله بأهل الكرم والبذل؛ ليديل بهم عن استيلاء الدناءة والبخل. يشير إلى أن ابن العميد ممدوحه، أصلح الله به ما فسد من أهل زمانه، وعمهم بتطوله وإحسانه.
ثم قال مبينا أن فضل ابن العميد لا يخل به نقصان أهل داره، وأن ذلك يزيد فيما أبانه الله من فضله: زانت الليل مع شدة سواده، واستكراه النفوس لإظلامه، غره القمر المشرق فيه بنوه، المجلي الظلمة بضوئه، ولم يشنه ذلك السواد ولا نقصه، ولا أخل به ولا وضعه، بل زادت مخالفته لليل في حسنه، وأكدت ما رفعه الله من قدره، وكذلك نقصان أهل الزمان، لا يخل بما جمعه الله لأبن العميد من التمام، بل ذلك يضاعفه ويتممه، ويبين مقدار نعمة الله فيه.
كَثُرَ الفِكرُ كَيفَ نُهدِي كَمَا أهدَتْإلى رَبِّها الرَّئيسِ عَبَادُهْ
والَّذي عِندَنا مِنَ المَالِ والخَيلِفَمِنهُ هِبَاتُهُ وَقِيَادُهْ
فَبَعَثْنَا بِأربَعِينَ مِهَارَاً كُلُّمُهْرٍ مَيدَانُهُ إنشَادُهْ
الرب: المالك، ورب كل شيء مالكه، والعباد: جمع عبد، والقياد. ما يقتاد به الرجل الشيء إلى نفسه، والمهر: معروف، والميدان: مجال الخيل.
فيقول: كثر تفكيري فيما أهديه إلى هذا الرئيس في نوروزه، ممتثلا لما فعله عبيد نعمته وأبناء دولته، وعلمت أن ما يلزمني من الإتحاف له بحسب ما شملني من السعادة به.
ثم قال: وتأملت ما عندي من المال، وما أملكه من الخيل، فرأيته الذي وهب ذلك وبذله، وقاده نحوي وأرسله، فلم يحصل إتحافي له بهبته، وأطرافي إياه بنعمته.
ثم قال: فبعثت بمهار أربعين؛ يشير إلى أبيات شعره، وما أهداه فيها من مدحه، كل مهر إذا أرسله منشده، وأبان عنه مورده، تمكن في الآذان، وجال في ميدان الإحسان.
عَدَدٌ عِشتُهُ يَرَى الجِسمُ فِيهِ أَرَبَاًلا يَراهُ فِيمَا يُزادُهْ
فَارتَبِطهَا فإنَّ قَلبَاً نَمَاها مَربِطٌتَسبِقُ الجِيادَ جِيادُهْ
الأرب: المراد، والجياد: عتاق الخيل، ونميت الشيء: رفعته وأظهرته.
فيقول مشيرا إلى بيوت شعره الأربعين التي قدم ذكرها: عدد عشته في تزيد من القوة، وتمكن من الصحة، يرى الجسم فيها لنفسه إرادة لا يراها فيما يستزيده من عمره، ويستقبله من دهره؛ يريد أن الأربعين أمد القوة، ومدة الشبيبة، وأن الإنسان بعدها منتقص في جسمه، منحط في جملة أمره؛ فلذلك ما تفاءل بالأربعين في عدة بيوت شعره، وأعتقد ذلك لممدوحه، فيما يقربه الله به من مقاصده، وييسره له من مواهبه.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع