من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
العضديات (٣)
الملج: ضرب من الأسورة يستعمله نساء الأعراب في أعضادهن.
فيقول: ليت ثنائي الذي أصوغه في عضد الدولة فداه، وكان مما يحذر عليه بدله، فأن ثنائي خالد لا ينفد عمره، ومحفوظ لا ينقطع ذكره.
ثم قال، وهو يريد شعره: لويته دملجا، والدملج من حلي العضد، على عضد دولة أبوه ركنها، والذي أورثه شرفها وفضلها، فهما متعاقبان في القيام بجملتها، متشاكلان فيما حازاه من جلالتهما ورفعتهما.
وقال في يوم الجلسان، وقد نثر عليهم الورد وهم قيام بين يديه حتى غرقوا فيه.
قَدْ صَدَقَ الوَردُ في الَّذي زَعَمَاأَنَّكَ صَيَّرْتَ نَثْرَهُ دِيَمَا
كَأنَّما مائِجُ الهَوَاءِ بِهِبَحْرٌ حَوَى مِثلَ مائِهِ عَنَمَا
الديم: السحاب الدائمة المطر، واحدتها ديمة، والمائج: الذي يدخل بعضه في بعض، والعنم: شجر من شجر السواك، لين الأغصان لا يعظم، وله زهر أحمر يشبه به وبأغصانه بنان النساء إذا اختضبن، وكنى به عن الورد على المماثلة.
فيقول مخبرا عنه، ومخاطبا لعضد الدولة: قد صدق الورد فيما زعمه من أمره، وأخبر به عن نفسه، أنك صيرت ما نثرت منه ديما واكفة، وأمطرت به سحائب مترادفة.
ثم قال مشيرا إلى الورد: فكأن الهواء من كثرته، وما اشتمل عليه من وفود جملته، بحر يحوي مثل مائه من العنم، وينسكب على مستمطره بالزهر المنسجم.
نَاثِرُهُ النَّاثِرُ السُّيُوفَ دَمَاًوَكُلَّ قَولٍ يَقُولُهُ حِكَمَا
والخَيْلَ قَدْ فَصَّلَ الضِّيَاعَ بِهَاوالنِّعَمَ السَّابِغَاتِ والنِّقَمَا
فَليُرِنا الوَردُ إنْ شَكَا يَدَهُأَحسَنَ مِنهُ مِنْ جُودِهَا سَلِمَا
يقول مخبرا عن الورد، ومشيرا إلى عضد الدولة: ناثره في مجالسه إكراما للأولياء، ناثر السيوف وقد تغشت بالدم في وقائعه، انتقاما من الأعداء، ومرسل القول حكما بالغة، ونوادر على وجه الدهر سائرة.
ثم قال، وهو الذي ينثر الخيل والضياع بها مفصلة، ومننه فيها على مؤمليه متبينة، ويشفع النعم على من والاه، كما يعتمد بالنقم من خالفه وناوأه.
ثم قال مشيرا إلى عضد الدولة: فليرنا الورد أن أنكر فعله، وشكا منه كرما وبذله، أحسن منه هيئة ومنظرا، وأكرم محتدا وعنصرا، قد سلم من جوده لضنانته به، ولم ينفد في مواهبه لإيثاره له.
فَقُلْ لَهُ لَسْتَ خَيْرَ ما نَثَرَتْوَإنَّمَا عَوَّذَتْ بِكَ الكَرَمَا
خَوْفَاً مِنَ العَينِ أَنْ يُصَابَ بِهَاأصَابَ عَينَاً بِهَا يُعَانُ عَمَى
يعان: يصاب بالعين.
فيقول: فلست أيها الورد أفضل ما نثرته يد عضد الدولة المنبسطة بالنعم، المنطلقة بالآلاء والمنن، وإنما عوذت بك كرمها من العيون الحاسدة، وتفاءلت له بالسلامة من الحوادث الطارقة.
ثم قال: وتخيرت ذلك حذرا من نظرة باغية، ونية على الحسد منطوية، أصاب عينا يعان بها صاحب تلك اليد، الذي هو عماد المجد، والمرتهن لضروب الشكر والحمد، عمى يبادرها ولا يمطلها، وتلف يعاجلها ولا يؤخرها.
وتوفيت عمة عضد الدولة، فقال يرثيها ويعزيه عنها:
آخِرُ ما المَلْكُ مُعَزّىً بِهِهذا الَّذي أَثَّرَ في قَلبِهِ
لا جَزَعَاً بَل أَنَفَاً شَابَهُأَنْ يَقدِرَ الدَّهرُ عَلَى غَصبِهِ
لَو دَرَتِ الدُّنيا بِما عِندَهُلاستَحيَتِ الأيَّامُ مِنْ عَتْبِهِ
الملك: الملك، خففت الكسرة منه، والكسرات والضمات تخفف في مثل هذا الموضع، والأنف: الحمية، والعتب: الموجدة.
فيقول: آخر رزء يعزى الملك به، ويعرضه الزمان له، هذا الرزء الذي أثر ما حدث منه في قلبه، وأهدى بمضضه في نفسه.
ثم قال: وليس ذلك المضض من عضد الدولة جزعا ورقة، ولكنه يبعث منه غضبا وأنفة، وإنكارا لأن يكون الدهر يسؤه في أهله، ويقدر في المفقودة على ما حاوله من غصبه، وفي هذا من التزيد فيما يدخل في باب الإفراط الذي تصف الشعراء الشيء فيه بما لا يمكن، إيذانا ببلوغ الموصوف إلى غاية ما يمكن.
ثم قال مشيرا إلى عضد الدولة: لو درت الدنيا بما عنده من الفضل، وما يصله في أهلها من التثبت والعدل، لاستحيت من التعرض لعتبه، وأن تطرقه أيامها بما يهدي الوحشة إلى قلبه.
لَعَلَّها تَحسَبُ أَنَّ الَّذيلَيسَ لَدَيهِ مِنْ حِزبِهِ
وَأَنَّ مَنْ بَغدادُ دَارٌ لَهُلَيسَ مُقِيماً في ذُرَى عَضبِهِ
وَأَنَّ جَدَّ المَرءِ أَوطانُهُمَنْ لَيسَ مِنهَا لَيسَ مِنْ صُلبِهِ
الذري: الكنف والستر، والعضب: السيف القاطع، والجد: معروف، والصلب إشارة إلى الولادة.
فيقول: لعل الأيام تعتقد أن من بعد عن عضد الدولة من أهله فقد انقطع عن جملته وحزبه، فلذلك أخرجته في المفقودة عما عهده من تأديدها لسعده، وحفظ من إليه (ينسب) بما يمكنه من إقبال جده.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولعل الأيام تعتقد أن من سكن بغداد وقطنها، وأستقر بها وأستوطنها (ليس ممن في كنفه، أو في حماية سيفه)، فأن البعد مع لصوق القرابة عضبة، والحلول بالمحل القريب من قلبه.
ثم قال مشيرا إلى الأيام: ولعلها تظن أن وطن الإنسان أقعد به من جده، وأن تباعده فيه يقطعه عمن يفارقه من أهله، فلذلك خالفت الأيام عضد الدولة في عمته المفقودة ببغداد، فلم يكتنفها ما يكتنف سائر أقاربه المستقرين بدار سلطانه، وموضع استيطانه، من نساء العمر، والتباعد بسعادته عن حوادث الدهر. وهذا على نحو الإفراط المتقدم الذي وصف فيه المعزى بما لا يمكن، إشارة إلى أنه قد بلغ في الإقبال غاية ما يمكن.
أَخَافُ أَنْ يَفطُنَ أَعداؤُهُفَيُجفِلوا خَوفاً إلى قُربِهِ
لابُدَّ لِلإنسَانِ مِنْ ضَجعَةٍلا تَقْلِبُ المُضجَعَ عَنْ جَنبِهِ
يَنسَى بِهَا ما كَانَ مِنْ عُجبِهِوما أَذَاقَ المَوتُ مِنْ كَربِهِ
الإجفال: الإسراع.
فيقول: أخاف أن يفطن أعداؤه لما يصحب المتصلين به من حفظ الله بجملتهم، وحراسته لجماعتهم، فيجفلوا مبادرين إليه، ويترادفوا وافدين عليه، رجاء في أن تحيط بهم سعادة قربه، والاعتصام بتداني محله.
ثم قال مبينا للصدق فيما قدمه، وكاشفا لقناع الحق فيما ظاهر به وموهه، ومخبرا بأن الموت لا منجا منه، ولا محيص لأحد عنه: لابد للإنسان من ضجعة بالمنية لا تقلبه عن جنبه، ولا تملكه شيئا من أمره، تطرقه بأجله، وتسلمه إلى ما قدمه من عمله.
ثم قال مخبرا عن الإنسان: ينسى بتلك الضجعة ما كان عليه من العجب، وما قاساه عند الموت من شدة الكرب، بما يشرف عليه من هول المطلع، وما يكتنفه
عند ذلك من الإشفاق والفزع.
نَحنُ بَنُو المَوتَى فَمَا بَالُنانَعَافُ لابُدَّ مِنْ شُربِهِ؟!
تَبخَلُ أَيدِينَا بِأَرواحِنَاعلى زَمَانٍ هيَ مِنْ كَسبِهِ
فَهذِهِ الأرواحُ مِنْ جَوَّهِوَهذِه الأجسَامُ مِنْ تُربِهِ
نعاف: نكره، يقال: عفت الشيء أعافه عيافة: إذا كرهته، والجو: الهواء.
فيقول: نحن بنو الموتى المطبوعون على الموت، والمخلوقون له، والمطروقون في الغدو والرواح (به)، فما بالنا نعاف ما لا بد لنا من الورود عليه، ونكره ما لا عاصم لنا من المصير إليه.
ثم قال: تبخل أيدينا بأرواحنا فيما نظهره من الشح بها، ونتكلفه في الصيانة لها، وإنما ذلك على زمان نشأت فيه على شرط الفناء، وصحبت أجسامها متيقنة لقلة البقاء، والزمان فيما يستوفيه منها كالطالب لكسبه والمسترجع لما تصرف في حفظه.
ثم قال مشيرا إلى أن الإنسان قطعة من هذه الدنيا الفانية الجملة، المطبوعة على قصر المدة: فليس في الحق أن ينكر جملته، ويتكره خلقته، فنفسه من جوها، وأول جسمه وآخره من تربها، والله ﷿ قد فطر على الموت بعد الحياة أهلها، وجعل إلى الزوال والانقضاء أمرها.
لَو فَكَّرَ العَاشِقُ في مُنتَهَىحُسنِ الَّذي يَسْبِيهِ لَمْ يَسبِهِ
لَمْ يُرَ قَرْنُ الشَّمسِ في شَرقِهِفَشَكَّتِ الأنفُسُ في غَرْبِهِ
قرن الشمس: أول ما يطلع منها.
فيقول مؤكدا لما قدمه من أن أمور الدنيا صائرة إلى الزوال، مبنية على سرعة الانتقال: لو فكر العاشق في مآل الذي يسبيه بحسنه، ويفتنه بجمال خلقه، من الموت الذي يعدمه، ويفنيه ويغيره، لخفف ذلك ما استقر له بقلبه، ولحسن له السلو
عن حبه.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: لم ير قرن الشمس ظاهرا عند إشراقه وطلوعه، وتزين الدنيا بتزيد نوره، فشكت الأنفس في أنه على عجل معدوم غارب، وظلام الليل له معاقب، وكذلك الدنيا ببهجتها سريعة النقلة، ومسرتها قصيرة المدة.
يَمُوتُ رَاعِي الضَّأنِ في جَهلِهِمِيتَةَ جَالِينُوسَ في طِبِّهِ
وَرُبَّما زَادَ على عُمْرِهِوَزَادَ في الأمْنِ عَلَى سَربِهِ
وَغَايَةُ المُفْرِطِ في سِلْمِهِكَغَايَةِ المُفرِطِ في حَربِهِ
فَلا قَضَى حاجَتَهُ طالِبٌفُؤادُهُ يَخفِقُ مِنْ رُعبِهِ
السرب: الطريق والمذهب، والسلم: الصلح، والخفق: شدة الاضطراب.
فيقول مخبرا بأن الموت لا يستدفع بحيله، ولا يمتنع منه بقوة، وأن العالم والجاهل يتساويان في الاستسلام له، ويتماثلان في الفناء به: يموت راعي الضأن فيما هو عليه من الجهل كميتة جالينوس مع منزلته من العلم والطب، على سبيل واحدة، وطريقة في العجز على استدفاع الموت واضحة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: وربما زاد الجاهل على العالم في طول العمر، وقصر العالم عنه في مداومته لصحبة الدهر.
ثم قال: وغاية المفرط فيما يجنح إليه من السلم، ويؤثر من الدعة بأشد العزم، كغاية المحارب المقدم على اقتحام المهالك، المستسهل لركوب المخاوف، في أن كليهما لا يفوت الموت، ولا يبعد عنه، ولا يدفعه ولا يعتصم منه، فلا بلغ الجبان بغية من حاجته، ولا ظفر بأقل مراد من إدراك إرادته، إذا كان فؤاده يخفق من خوفه، وهو عند أجله مدفوع إلى حتفه.
أَستَغفِرُ اللَّهُ لِشَخصٍ مَضَىكَانَ نَداهُ مُنتَهَى ذَنبِه
وَكَانَ مَنْ عَدَّدَ إحسَانَهُكَأَنَّما أَسرفَ في سَبِّهِ
يُريْدُ مِنْ حُبِّ العُلاَ عَيشَهُولا يُرِيدُ العَيشَ مِنْ حُبِّهِ
يقول، وهو يريد المرثية: أستغفر الله لشخص مضى بالموت وفقد، وغيب في لحده وبعد، ونداه أقل خصاله، والذي يقع منه موقع الذنب؛ لتصاعده عند جليل خلاله.
ثم قال مشيرا إلى الشخص الذي كنى به عن المرثية: وكان من عدد عنده ما يوليه من الأفضال، وواجهه بما يتابعه من الإنعام، يواقع من يكرهه لذلك، (أي) كالذي يواقعه لترفعه عن الإمتنان، وإستقلاله لعظيم ما يوليه من الإحسان.
ثم قال مشيرا إلى الشخص المذكور: يريد العيش لما يكسبه من الحمد، ويعتقد فيه من الشرف والمجد، ولا يريده لاستدامة النعمة، والاغتباط برفاهية العيشة.
يَحسَبُهُ دافِنُهُ وَحدَهُوَمَجدُهُ في القَبْرِ مِنْ صَحْبِهِ
وَيَظهَرُ التَّذكِيرُ في ذِكْرِهِوَيُستَرُ التَّأنيثُ في حُجْبِهِ
أُختُ أَبي خَيرِ أَمِيرٍ دَعَافَقَالَ جَيشٌ لِلقَنَا لَبِّهِ
يقول، وهو يريد الشخص الذي كنى به عن المرثية: يحسبه دافنه مفردا بنفسه، ومتوحدا في لحده، كسائر المقبورين، ومن سواه مم عهد من المدفونين، والمجد مدفون بدفنه، ومغيب معه في لحده.
ثم قال: ويظهر في ذكره التذكير بجلالة وصفه، وما ترفعه أفعاله من قدره، والتأنيث فيما تطويه الأستار من شخصه، وما تشتمل عليه الصيانة من حقيقة أمره.
ثم قال مشيرا إلى المرثية، وأنها عمة عضد الدولة: أخت أبي خير مليك تواضعت الملوك لقدره، وامتثلت الجماعات ما يرد عنه من أمره، ودعا فأجابت الجيوش الحافلة دعوته، وبادرت السيوف والرماح فيها تلبيته.
يا عَضُدَ الدَّوْلَةِ مَنْ رُكنُهَاأَبُوهُ والقَلبُ أَبُو لُبِّهِ
وَمَنْ بَنُوهُ زَينُ آبائِهِكَأَنَّها النَّورُ على قُضبِهِ
فَخرَاً لِدَهْرٍ بِتَّ مِنْ أَهلِهِوَمُنجِبٍ أَصبَحتَ مِنْ عَقبِهِ
اللب: العقل والإدراك، والنور: لغة في النوار، وعقب الرجل: ولده ومن يتناسل منهم، وبت: بمعنى أمسيت، والمنجب: الذي ينجب النجباء.
فيقول، وهو يخاطب فناخسرو: يا عضد الدولة الذي أبوه ركنها وعمدتها، وسيفها وعدتها، والقلب أبو العقل ودافعه، ومقر الإدراك وحافظه.
ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من نداء عضد الدولة: ومن بنوه بنجابتهم وفضلهم، وسيادتهم ومجدهم، زين آبائه الأولين، وسلفه الكرام المتقدمين، كأنهم النور على قضب الشجر، وما يبديه للروض مونق الزهر.
ثم قال: فخرا لدهر أمسيت ملكا في أهله، ولمنجب أصبحت أميرا مقدما من عقبه، انسلك وأنت عماد الكرم، وأنجبك وأنت المنفرد بالفواضل والنعم.
إنَّ الأَسَى القِرنُ فلا تُحيِهِوَسَيفُكَ الصَّبرُ فلا تُنْبِهِ
ما كَانَ عِنْدِي أَنَّ بَدرَ الدُّجَىيُوحِشُهُ المَفقودُ مِنْ شُهبِهِ
الأسى: الحزن، والقرن: المثل في الشجاعة، والنابي: الذي لا يقطع، والدجى: جمع دجية، وهي القطعة من الليل، والشهب: النجوم، واحدها شهاب.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة: أن الحزن قرنك في هذه الرزية، فلا تغلبه على نفسك بقلة التجلد له، وسيفك الصبر الجميل فلا تفله وتنبه، بترك الاستمساك به، وأحتسب مصابك يعوضك الله بجزيل الأجر، وسلم لله فيه يثبك بكريم الذخر.
ثم قال: ما كان عدني أن بدر الدجى وهو يخلف الشمس بنوره وبهجته، ويتلوها بضيائه ورفعته، يوحشه ما يفقده من شبهه، وما يعدمه من النجوم المتصلة بقربه. يشير بذلك إلى أن منزلة المفقودة من عضد الدولة منزلة النجم من البدر، ومحلها بالإضافة إليه محل الوشل من البحر.
حَاشَاكَ أَنْ تَضعُفَ عَنْ حَمْلِ مَاتضحَمَّلَ السَّائِرُ في كُتْبِهِ
وَقَد حَمَلْتَ الثِّقلَ مِن قَبلِهِفَأغْنَتِ الشِّدَّةُ عَنْ سَحبِهِ
يَدْخُلُ صَبْرُ المَرءِ في مَدْحِهِوَيَدخُلُ الإشفاقُ في ثَلبِهِ
حاشاك: بمعنى أستثنيك وأعيذك، السحب: الجر، وثلب الناس: ذكر عيوبهم.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة: أعيذك، وحاشاك، من أن تضعف عن الاستقلال بالرزء الذي استقل بتحميله الرسول الوارد عليك في كتبه، والقادم الناهض به نحوك على ثقله، وأن تجزع والصبر شيمتك، وأن تضعف والقوة نيتك.
ثم قال يخاطب عضد الدولة: وقد حملت الأثقال قبل هذا الرزء، فاستقللت بحملها، وأغنتك شدتك ومقدرتك عن تهيبها وسحبها، فضع هذا الحادث موضع ما كفيته من الخطوب بشكور الفعل، وما حزت بالصبر على ذلك من الشرف والفضل.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: يدخل صبر المرء في مناقبه ومدحه، ويدخل إشفاقه في معائبه وثلبه، فلا تختر أيها المعزى إلا أعلى المنزلتين، ولا تعدل بنفسك إلا (إلى) أرفع الصفتين.
مِثلُكَ يَثنِي الحُزْنَ عَنْ صَوبِهِوَيَستَرِدُّ الدَّمعَ عَنْ غَربِهِ
أَيَما لإبقاءٍ عَلَى قَلبِهِأيَما لِتَسلِيمٍ على رَبِّهِ
وَلَم أَقُلْ مثلُكَ أعنِي بِهِسِوَاكَ يا فَردَاً بِلا مُشبِهِ
يثني: يصرف، والصوب: الاندفاع والترادف، والغرب: واحد الغروب، وهي مجاري الدمع من العين، وأيما بفتح الهمزة وكسرها: بمعنى أما، وقال عمر بن أبي ربيعة:
رَأتْ رَجُلاً أيمَا إذا الشَّمسُ عَارَضَتْفَيَضْحَى، وإيمَا بالعَشِيِّ فَيَحصَرُ
بإثبات الياء وفتح الهمزة وكسرها.
فيقول، وهو يخاطب عضد الدولة: مثلك في نفاذ عزمك، وسعة إحاطتك وعلمك،
يصرف الحزن عند تردافه، ويكفه بحسن السلو عند تكاثره، ويسترد الدمع عند تحرره، ويثنيه عن سبيله بجميل تصبره.
ثم قال على نحو ما قدمه، من مخاطبة عضد الدولة: أيما أن يستعمل السلوة مبقيا بذلك على نفسه، ومنزها عن ضعف الجزع لقدره، وأيما أن يفعل ذلك مرضيا لربه، ومسلما لما نفذ في رزيته من حكمه.
ثم قال مخاطبا لعضد الدولة: (ولم أقل مثلك) وأنا أريد غيرك وأعتقد أن سواك يشاكل قدرك، فأنت المنفرد بكل منقبة، السابق إلى غاية كل مكرمة، والأوحد في ملوك الزمان، والمنفرد فيهم بالتطول والإحسان.
وخرج أبو شجاع ومعه عدة للصيد، فكان يسير قدام الجيش يمنة وشأمة، فلا يطير شيء إلا صاده، حتى وصل إلى دشت الأرزن، وهو موضع حسن يكون على عشرة فراسخ من شيراز، تحف به الجبال، والأرزن في غاب ومياه ومروج، فكانت الأيائل تصاد، ويقبل ببعضها تمشي والحبل في قرنه، وكانت الوعول تعتصم بالجبال، وتدور بها الرجال، وتأخذ عليها المضائق، فإذا أثخنتها النشاب هوت من رؤوس الجبال إلى الدشت، فتسقط بين يديه، فمنها ما يطيح قرنه، ومنها ما يذبح فيخرج نصول النشاب من كبده، فأقام بذلك المكان أياما على عين حسنة، وأبو الطيب معه، ثم قفل فقال أبو الطيب يمدحه ويصف الحال، وأنشده في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة:
ما أَجدَرَ الأيَّامَ واللَّيَالِيبِأنْ تَقولَ مَا لَهُ وما لي؟
لا أَنْ يَكُونَ هكذَا مَقَالِيفَتىً بِنِيرانِ الحُروبِ صَالِي
مِنْهَا شَرَابِي وَبِهَا اغتِسَالِيلا تَخطُرُ الفَحشَاءُ لِي بِبَالِي
الصالي للنار: الذي يقاسي شدة حرها، والفحشاء: الإقدام على ما حرمه الله.
فيقول: ما أجدر الليالي والأيام، التي هي جماع الدهر، ومنها يكون التظلم في جملة الأمر، بأن تتشكاني مشفقة من تأثيري في جملتها، واقتداري على كف عاديتها، فتقول: ما له وما لي! متواضعة بذلك مستعفة، ومعتذرة إلي بذلك مسترضية، لا أن يكون ذلك مقالي، متوقعا لمضرتها، ومتشكيا لسوء صحبتها، قد شهدت مني فتى يصلي بنيران الحروب أنسا بها، ويجعلها شرابه وغسله؛ لقلة تهيبه لها، ولا تخطر الفحشاء بباله؛ لصدق عفته، ولا تتمثل له؛ لما هو عليه من مروءته.
لَو جَذَبَ الزَّرَّادُ مِنْ أَذيَالِيمُخَيَّراً لي صَنعَتَيْ سِربَالِ
ما سُمتُهُ سَرْدَ سِوَى سِروَالِيوَكَيفَ لا وإنَّما إدلالي
بِفَارِسِ المَجروحِ والشَّمَالِأَبي شُجَاعٍ قاتِلِ الأبطَالِ
الجذب: المد، والزراد: صانع الدروع، والأذيال: أسافل الثياب، وما يقع منها على الأرض، واحدها ذيل، والصنعة: ما يحاول من العمل، والسربال: القميص، وقد يسمى بذلك الدرع على الاستعارة، وثنى الصنعة مشيرا إلى عمل السربالين من القميص والدرع، والسرد: مداخلة حلق الدرع بالنسج لها، والسروال: لغة في السرابيل، وهي عجمية معربة، والمجروح والشمال: اسما فرسين لعضد الدولة.
فيقول: لو جاذبني الزراد فضول ثيابي، حرصا على الاتصال بي، ورغبة في الموافقة (لي)، مخيرا في ثوب أصطنعه، وسربال أدرعه من صنعتي الحديد والكتان، وما أستظهر من ذلك على الأقران، ما سمته إلا سرد سروال أتأيده على العفة، وأستعين بذلك على ما أضمره من النية.
ثم قال: وكيف لا يكون ذلك؟! وإنما أدل فيه بموضعي من عضد الدولة، فارس المجروح والشمال، المنفرد بالإنعام والإفضال، قاتل الأبطال ببأسه وشدته، ومستعبد الأحرار بما يسبغ عليهم من نعمته.
سَاقِي كُؤُوسِ المَوتِ والجِريَالِلَمَّا أَصَارَ القُفْصَ أَمْسِ الخَالِي
وَقَتَّلَ الكُرْدَ عَنِ القِتَالِحَتَّى اتَّقَتْ بالفَرِّ والإجفَالِ
فَهَالِكٌ وطَائِعٌ وجَالِيوأقتَنَصَ الفُرسَانَ بالعوالِي
والعُتُقِ المُحْدَثَةِ الصِّقَالِ
الجريال من الخمر: الشديدة الحمرة، والجريال: صبغ أحمر يشبه الخمر به، والقفص: صنف من عجم طبرستان، والكرد: صنف من العجم، أصحاب أخبية وجولان، يشبهون بالأعراب، والإجفال: الاجتهاد في الهرب، والعوالي: الرماح، والعتق من السيوف: الصارمة الماضية، والمحدثة الصقال: التي تتعاهد بالتصنيع.
فيقول مشيرا إلى الممدوح عضد الدولة: ساقي كؤوس الخمر من أطاعه ووالاه، وساقي كؤوس الموت من عصاه وعاداه، فهو يلطف وينعم (على) أهل محبته
وطاعته، ويبيد ويتلف من تعرض لمخالفته.
ثم قال: لما أصار القفص، مع احتداد شوكتهم، وما كانوا عليه من كثرتهم وقوتهم، كأمس الذاهب، بسطوته عليهم، وتركهم حديثا يذكر بوقائعه فيهم، وقتل الكرد دون ما حاولوه من قتاله، وأهلكهم قبل تمكنهم فيما قصدوه من خلافه، سطا بهم فأجفلوا من مخافته هاربين، واقتدر عليهم فعاذوا بالفرار مستسلمين، وصيرهم ما بين هالك أتلفه التعرض لحربه، وطائع أنجاه التسليم لأمره، وجال هارب سار في الأرض على وجهه، قد لج في الفرار يطلب خلاصا لنفسه.
ثم عاد إلى الإخبار عن الممدوح، إلى عضد الدولة، فقال: وأقتنص، بعد إيقاعه بالقفص والكرد، فرسان أعاديه بعوالي رماحه، واعمل فيهم صوارم سيوفه، ودان له من قرب وبعد، وأطاعه من اعترف وعند، ولم يبق له مخالف يقصده، ولا عدو يناصبه ويعتمده.
سَارَ لِصَيدِ الوَحْشِ في الجِبَالِوفي رَقَاقِ الأرضِ والرِّمالِ
على دِمَاءِ الإنسِ والأوصَالِمُنفَرِدَ المُهْرِ عَنِ الرِّعَالِ
من عِظَمِ الهِمَّةِ لا المَلاَلِوَشِدَّةِ الضَّنِّ لا الاستِبدَالِ
ما يَتَحَرَّكْنَ سِوَى انسِلالِفَهُنَّ يُضرَبْنَ على التَّصْهَالِ
الرقاق من الأرض: اللينة الوطيئة، والرعال: قطع الخيل، والواحدة رعلة، لغة في الملل، والضن والضنة والضنانة والمضنة: لغات في الشح، والاستبدال: التصرف في صغائر الأمور، والانسلال في الحركة: المحاولة للاستتار بها، والتصهال: تفعال من الصهيل.
فيقول: أن الممدوح عضد الدولة لما استماح أعداءه بقوته، وقربت له آماله بما مكنه من سعادته، سار ليصيد الوحش المعتصمة بالجبال الشامخة، ويقصرها في أقاصي الفلوات النازحة، موطئا لخيله ورجاله ما سفكه من دماء الإنس في
وقائعه، وما انفصل من أوصال أعاديه في ملاحمه.
ثم وصف سير عضد الدولة في وجهته، فقال: أنه سار منفرد المهر عما يتبعه من رعال الخيل، ومتوحدا من جيوشه التي هي كقطع الليل، وذلك التوحد من عظم همته، وجلالته وهيبته، ولا لملال أدركه، ولا لسآمة لحقته، ولكنه يضن بالمواكبة، وتحميه منزلته عن المقاربة، فيتقدم جيشه ترفعا وعزة، وليس يتقدم تبذلا وقلة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يريد الخيل التي تتلو في سيرها عضد الدولة: فما يتحركن إلا انسلالا ومسارقة، ولا يتناجى فرسانها إلا سرارا ومخافته، فهي تضرب لهيبته على الصهيل، وتحمل عند مقاربته على الهدوء والتدليل.
كُلُّ عَلِيلٍ فَوقَهَا مُختَالِيُمسِكُ فَاهُ خَشيَةَ السُّعَالِ
مِنْ مَطلَعِ الشَّمسِ إلى الزَّوَالِفَلَم يَئِلْ ما طَارَ غَيرَ آلِ
وَمَا عَدَا فَانغَلَّ في الأدغَالِوما احتَمَى بِالمَاءِ والدِّحَالِ
مِنَ الحَرَامِ اللَّحْمِ والحَلاَلِإنَّ النُّفوسَ عَدَدُ الآجالِ
المختال: المعجب بنفسه، المتكبر في مشيه، ويئل: يرجع إلى موئل، والآلي: المقصر، والانغلال: الاستتار، والأدغال: الآجام، واحدها: دغل، والدحال: أنفاق كالأسراب في جوانب الآبار، واحدها: دحل.
فيقول: كل عليل على ظهور الخيل المقاربة لعضد الدولة، كبير في نفسه، مختال في حاله، لا يجهر بالسعال إن اعترضه، فاه من المهابة إن حدث له، يتكلف ذلك أكثر النهار، من وقت طلوع الشمس إلى وقت الزوال، إعظاما لعضد الدولة، وإجلالا لقدره، وتوقيرا له، وإكبارا لأمره.
ثم وصف حال الجيش المذكور فيما قصد لصيده، فقال: فلم يرجع إلى موئله ما اعترض من الطير، وإن كان الطيران غير مقصر، ولا نجا ما عدا من الوحش، وانغل في الأدغال فعل المتستر.
ثم قال: فصيد ما حرم لحمه وما حل، واحتيز ما كثر من ذلك وما قل، وللنفوس آجال تبلغها، ومدد في الحياة تستوفيها وتستكملها.
سَقيَاً لِدَشْتِ الأرزَنِ الطِّوَالِبَينَ المُرُوجِ الفِيحِ والأغيَالِ
مُجاوِرَ الخِنزِيرِ والرِّئبَالِدَانِي الخَنانِيصِ مِنَ الأشبَالِ
مُشتَرِفَ الدُّبِّ على الغَزَالمُجتَمِعَ الأضدادِ والأشكَالِ
كَأَنَّ فَنَّاخُسْرُ ذا الأفضَالِخَافَ عَليهَا عَوزَ الكَمَالِ
فَجَاءَها بِالفِيلِ والفَيَّالِ
الدشت: موضع معروف في بلاد طبرستان، واسمه فارسي، والأرزن: شجر يطول ويعظم، والفيح: المواضع السهلة الواسعة، واحدها أفيح، والأغيال: جمع غيل، والغيل: أجمة الأسد، والخنانيص: جراء الخنازير، واحدها خنوص، والأشبال: جراء الأسد، واحدها شبل، والاشتراف: الإطلال، والعوز: العدم، والفيال: خادم الفيل.
فيقول: سقى الله دشت الأرزن الطوال، ونسب الموضع إلى الأرزن؛ لكثرة هذا الضرب من الشجر فيه، وكان مضطرب عضد الدولة في المتصيد الذي ذكره بهذا الموضع.
ثم ذكر أنه بين المروج الفيح السهلة، والأغيال الممتنعة الصعبة، وأن السباع تتقارب فيه وتتجاور، وتتوالد وتتناسل، وأن الخنانيص دانية من الأشبال، والدب لا يبعد من الغزال، يشير إلى خلاء هذا الموضع وعزلته، وبعده عن الإنس بجملته، فالأضداد والأشكال فيه متدانية، والسباع والظباء في أكنافه متسالمة.
ثم قال: كأن فناخسرو ممدوحه ذا الإحسان والفضل، والمتقدم في جلالة القدر، خاف على أصناف هذه السباع والوحوش، مع ما هي عليه من الكثرة، واتفاق الأضداد والأشكال فيها بالجملة، خلل النقصان، وأراد أن يحلها من التمام بأرفع
مكان، فجاءها بالفيال وفيله، وأردفهما بمقانب خيوله.
فَقِيدَتِ الأُيَّلُ في الحِبالِطَوعَ وُهُوقِ الخَيلِ والرِّجالِ
تَسِيرُ سَيْرَ النَّعَمِ الأَرسَالِمُعتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجذَالِ
وِلُدْنَ تَحتَ أَثقَلِ الأَحمَالِقَدْ مَنَعَتهُنَّ مِنَ التَّفالِي
لا تَشرَكُ الأَجسَامَ في الهُزَالِ إذاتَلَفَّتْنَ إلى الأَظلاَلِ
أَرَينَهُنَّ أَشنَعَ الأَمثَالِكَأَنَّما خُلِقْنَ لِلإخْلاَلِ
زِيادَةً في سُبَّةِ الجُهَّالِوالعُضْوُ لَيسَ نَافِعَاً في الحَالِ
لِسَائِرِ الجِسْمِ مِنَ الخَيَالِ
الأيل: جمع إيل، والوهق: حبل يثنى على صناعة تؤخذ به الدابة والإنسان، إذا رام من يقع فيه التخلص منه أشد عليه، والنعم: الإبل والشاء، والأرسال: المتتابعة، والأجذال: أصول الشجر يشبه بها قرون تلك الأيل، ومعتمة: مفتعلة من التعميم، والتفال: التفاعل من الافتلاء، وخبال الجسم: انحلاله وذوبه.
فيقول: فقيدت المسنة من الأيل في الحبال مغلوبة، وفي وهوق الفرسان والرجالة مملوكة، تسير سير النعم متتابعة، وتنقاد لما تحمل عليه متخاضعة، معتمة من قرونها فيما يشبه أصول الشجر العادية، وتتشعب تشعب الأغصان المثنية، فهي مولودة منها تحت أحمال مثقلة، ومتصرفة تحت آلات متعبة، وأن لم تكن كذلك في حين النشأة، فما لها إلى هذه الحال في حقيقة الخلقة.
ثم قال: قد منعتها تلك القرون من التفالي بعظمها، ولم تشرك أجسامها في هزالها وسمنها، فإذا التفتت إلى أظلالها رأت من أنفسها أبشع الأمثلة، ونظرت إلى الشخوص مفزعة، فكأنما ألزمت تلك القرون على سبيل الإذلال لها، وحملتها ليسب جميع الجهال بها.
ثم قال: والعضو إذا تفاحش أمره، وخرج عن المعهود قدره، فليس يمنع سائر
الجسم من خبال يطرقه، ولا يعصمه من اختلال يلحقه.
وَأَوفَتِ الفُدرُ مِنَ الأَوعَالِمُرتَدِياتٍ بِقِسِيِّ الضَّالِ
نَواخِسَ الأَطرَافِ لِلأكفَالِيَكَدْنَ يَنفُذْنَ مِنَ الآطالِ
لَهَا لِحىً سُودٌ بِلا سِبَالِيَصلُحْنَ لِلأضْحَاكِ لا الإجلاَلِ
كُلُّ أَثِيثٍ نَبتُها مِتفَالِلم تُغْذَ بالمِسْكِ ولا الغَوالِي
تَرضَى مِنَ الأدهَانِ بالأبوالِوَمِنْ ذَكِيِّ المِسكِ بالدَّمَالِ
لَو سُرِّحَتْ في عَارِضَيْ مُحتَالِلَعَدَّهَا مِنْ شَبكاتِ المَالِ
بَينَ قُضَاةِ السُّوءِ والأطفَالِ
الفدر من الوعل: التي قد أسنت وضخمت، والواحد فادر، والضال: شجر السدر البري، والآطال: الخصور، والواحد: أطل، والسلبتان: ما عن يمين الشفة العليا وشمالها من الشعر الممتد، والواحد: سبلة، والجمع: السبال، والأثيث من الشعر: الملتف الكثير، والمتفال: المنتن، والغوالي من الطيب: معروفة، والواحدة: غالية، والدمال: زبل الدواب.
يقول: وأوفت على عضد الدولة فيما صيد له، المسنة من الأوعال، وقرونها في طولها وكبرها، وتمامها وعظمها، كقسي الضال؛ منحنية على ظهورها، قد صارت الأوعال كالمرتدية لها، وأقبلت كالمشتملة بها، قد انعطفت منها على الأكفال، وكادت تنفذ من الخصور والآطال.
ثم زاد في صفة الوعول فقال: لها لحى سود وافرة دون سبال، تبعث على الضحك ولا تبعث على الإجلال، أثيثة منتنة، ريحها كريه، غاليتها وبانها الأبوال، ومسكها وطيبها الدمال، فلو سرح مثلها في عارضي شاهد محتال، لجعلها في طلب المال أوكد وسيلة، وفي التسبب إليه أمكن ذريعة، وللبس بها على قضاة السوء فيمن يلونه من الأطفال، ولبلغ من ذلك أبعد الآمال.
شَبِيهَةُ الإدبارِ بالإقبَالِلا تُؤثِرُ الوَجهَ على القَذالِ
فاختَلَفَتْ في عَارِضِي نِبَالِمِنْ أسفَلِ الطَّودِ وَمِنْ مَعَالِ
قَدْ أودَعَتْهَا عَتَلُ الرُّجَّالِفي كُلِّ كَبْدٍ كَبِدَيْ نِصَالِ
فَهُنَّ يَهْوِيْنَ مِنَ القِلالِمَقْلُوبَةَ الأظلافِ والإرقَالِ
يُرِقِلْنَ في الجَوِّ على المَحَالِفي طُرُقٍ سَريعَةِ الإيصَالِ
يَنَمْنَ فيها نِيمَةَ الكِسَالِعلى القُفِيِّ أَعجَلَ العَجالِ
لا يَتَشَكَّينَ مِنَ الكَلالِولا يُحاذِرنَ مِنَ الضَّلاَلِ
القذال: مؤخر الرأس، والعارض: ما علا من السحاب، والعارضان من النبال: كالسحابتين منها، والطود: الجبل، والمعالي منه: ما علا وأرتفع، والعتل: القسي الفارسية، والرجال: الرجالة، الواحد: راجل، كما يقال كاتب وكتاب، والكبد: معروفة، والنصال: جمع نصل، وهو الحديدة المركبة في السهم، وكبدها وسطها، وكبداها: عن يمين العين الناشر في وسط تلك الحديدة وشماله، ويهوين: يقلبن، والقلال: رؤوس الجبال، الواحد: قلة، والأظلاف من الوعول: كالحوافر من الدواب، والإرقال: ضرب سريع من مشي الإبل، فاستعار لانصباب الوعول من الجبال، والجو: ما إرتفع من الهواء، والمحال: فقار الظهر، والوحدة: محالة، والنيمة: هيئة النوم، والكسال: العاجزون عن الحركة، الواحد: كاسل، والقفي: جمع قفا، والعجال: جمع عاجل، والكلال: الإعياء، والضلال: العمى عن القصد.
فيقول، وهو يصف الوعول المصيدة: أنها يشبه إقبالها إدبارها في الوحشة، ولا يتباين ذلك في مكروه الخلقة، فوجوهها كأقفائها في الكره، وأواخرها كأوائلها في القبح.
ثم وصف إحاطة الهلع بها، واعتماد الرماة في خلال ذلك فقال: فاختلفت بين عارضين من النبل، وبين طائفتين مطالبتين لها بالقتل من أعالي الجبال وأسافلها،
ومن أواخرها وأوائلها، قد أودعت أكبادها قسي رجالة الرماة، أكباد يصال أيأستها من الحياة، فهن يهوين من رؤوس الجبال مستعجلة، مقلوبة أظلافها محولة، ترقل على محال ظهورها إرقال مكرهة، وتنصب في الجبل على ظهورها غير متخيرة، في طرق تسرع بها على القفي في إعجال العجل، ولا تتشكى مع ذلك ألم الكلال، ولا تحذر في انصبابها مكروه الضلال.
فكانَ عَنْهَا سَبَبَ التَّرْحَالِتَشويقُ إكثَارٍ عَلى إقلالِ
فَوَحْشُ نَجدٍ مِنهُ في بَلبَالِيَخَفْنَ في سَلمَى وفي قِيالِ
نَوافِرَ الضِّبَابِ والأورَالِوالخاضِبَاتِ الرُّبدِ والرِّئالِ
والظَّبْيِ والخَنسَاءِ والذَّيَّالِيَسمَعْنَ مِنْ أَخبَارِهِ الأزوالِ
ما يَبعَثُ الخُرْسَ على السُّؤَالِ
الترحال: تفعال من الرحلة، والبلبال: وسواس الهموم، وسلمى وقيال: جبلان معروفان من جبال الحجاز، والضباب: صنف من الهوام تكون في بلاد العرب، واحدها ضب، والأورال: نحوها، والواحد ورل، والخاضبات: النعام التي أكلت الربيع فاحمرت سوقها، واحدها خاضبة، والربد: القفر (المربد) الألوان، والريال: صغار النعام، والخنساء: البقرة الوحشية، والذيال: الثور الوحشي الطويل الذنب، والأزوال: الحسان، واحدها زول.
فيقول: فكان سبب الرحلة عن صيد الأيل والوعول التي قدم ذكرها، إقلالها بكثرتها، وتشويقها إلى القلة منها بترادف جملتها.
ثم قال: فوحش نجد من الممدوح عضد الدولة في إشفاق ووجل على بعد الشقة فيما بينها وبينه، تخافه في سلمى وقيال، على تناء هذين الجبلين منه، وانتزاحهما بطول المسافة عنه، فضبابها وأورالها نافرة، ونعامها وريالها خائفة، وظباؤها وبقر وحشها فازعة، يسمعن من أخبار عضد الدولة العجيبة المستحسنة، وسطواته
المخوفة المتوقعة، ما يبعث الخرس على أن تبحث وتسأل، ويوجب لها أن تتروع وتحذر.
فُحُولُها والعُوذُ والمَتَالِي يَوَدُّلو يُتحِفُها بِوَالِي
يَركَبُها بالخُطمِ والرِّحالِيُؤمِنُها مِنْ هذهِ الأهوالِ
ويَخمُسُ العُشْبَ ولا يُبَاليوماَء كُلِّ مُسبِلٍ هَطَّالِ
الفحول: التي لم تحمل، والعوذ: التي تعوذ بها أولادها، والمتالي: نحو ذلك، والإتحاف: إهداء ما يستحسن، والخطم للإبل: كاللجم للخيل، وأستعارها للوحش، والرحال للإبل: كالسروج للخيل والإبل والبغال، واستعارها في هذا الموضع.
فيقول: فحول الوحوش وعوائذها ومتبوعاتها، تود لو يتحفها بوال يملكها، وحائط يصرفها، فيركبها بالرحال والخطم، ويثقفها بالأزمة واللجم، ويؤمنها من هذه الأهوال الحادثة، ويسكنها من روعات هذه الأخبار السائرة، ويخمس العشب؛ بأخذه الخمس مما ترعاه من العشب النابت، وما ترد عليه من ماء السحاب الهاطل، ولا تبالي ذلك ولا تكرهه، ولا تخافه ولا تحذره.
يا أَقدَرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِلو شِئْتَ صِدتَ الأُسدَ بالثّعَالِ
أو شِئتَ غَرَّقْتَ بِالعِدَى بالآلِولو جَعَلْتَ مَوضِعَ الإلاَّلِ
لآلِئاً قَتَلْتَ بالآليلَمْ يَبقَ إلاَّ طَرَدُ السَّعالِي
في الظُّلَمِ الغائِبَةِ الهِلالِعلى ظُهُورِ الإبِلِ الأُبَّالِ
فَقَدْ بَلَغَتْ غَايَةَ الآمالِفَلَمْ تَدَعْ مِنهَا سِوى المُحالِ
في لا مكانٍ عِندَ لا مَنَالِ
السفار: المسافرون، وليس هذا الجمع واحد من لفظه، والقفال: الراجعون من سفرهم، الواحد: قافل، والثعال: الثعالب على الترخيم في غير النداء، والآل: السراب، وهو ما يتخيل في بطون الفلوات عند شدة الحر، مما يشبه الماء،
والإلال: الحراب، الواحد ألأة، واللآلي: الدر، واحدها: لؤلؤة، والسعالي: جمع سعلاة، وهي الغول التي تتمثل من الجن في الفلوات، والإبل الأبال: التي طال مكثها في المرعى، وهي لا تركب ولا يحمل عليها، وقد صارت كالمتوحشة، الواحدة آبل.
فيقول مخاطبا للممدوح عضد الدولة، ومشيرا إلى الوجهة التي وصفها في صيده، وإلى إنصرافه عنها: يا أكرم من سافر وقفل، وأفضل من حل ونزل، لو شئت بما حكم الله لك به من السعادة، وقصره عليك من الجلالة والسيادة، لصدت الأسد بالثعالب، انقيادا من جميع الحيوان لك، ولما امتنع عليك ذلك، لما وصله الله من التمكين بك، ولو شئت؛ لقدرتك على الأعداء، ونفاذ إرادتك في جميع الأشياء، لغرقت أعداءك بالآل، تيقنا منهم لقدرتك، ولغلبت أهل الجبر على شجاعتهم، خضوعا لهيبتك. وأن لم تكن هذه العبارة في نص لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده.
ولو استعملت فيمن يقاتلك مكان الرماح النافذة، حسان اللآلئ الرائقة، لقتلت بها مع بعدها من القتل، ولبلغت بها غاية ما تقصده من الفعل.
ثم قال على نحو ما قدمه من مخاطبة عضد الدولة، والإشارة إلى الوجهة التي انصرف عنها من صيده: لم يبق لك بعد ما ذللت من ملوك البلاد، وبلغت فيهم من غاية المراد، وأظهرت من الاقتدار على الوحوش النافرة، والتملك لها في قلل الجبال الشامخة، غير طرد سعالي الجن التي تتمثل في الفلوات في حناديس الظلم، التي لها فيها أشد السطوات على ظهور الإبل المؤبلة التي لا تركب، فلو فعلت لحكم لك السعد في ذلك بأفضل ما ترغب.
ثم قال: فقد بلغك الله في مقاصدك غاية ما أملته، وقرب لك من ذلك أغبط ما حاولته، فلم تدع شيئا من الأشياء إلا ما يستحيل البلوغ إليه، ولا فاتك إلا ما لا
يشتمل الإمكان عليه.
يا عَضُدَ الدَّولَةِ والمَعَالِيالنَّسَبُ الحَلْيُ وَأَنتَ الحَالِي
بِالأبِ لا الشَّنْفِ ولا الخَلخَالِحَلياً تَحَلَّى مِنكَ بالجَمَالِ
وَرُبَّ قُبحٍ وَحُلىً ثِقَالِأَحسَنُ مِنهَا الحُسْنُ في المِعطَالِ
فَخْرُ الفَتَى والأفعَالِمِنْ قَبلِهِ بالعَمِّ والأخوَالِ
العضد: ما بين المنكب والمرفق، وهو عماد اليد التي بها يكون البسط والقبض، ولقب فناخسرو بعضد الدولة من هذا الاشتقاق؛ لنفاسة العضد في الأعضاء، والحلي: ما يتزين النساء به من الجوهر والذهب وما أشبه ذلك، ويستعار أسمه على المشابهة، والحلي: جمع حلية، وهي ما يتزين به من الحلي وغيره، والمعطال: المرأة العارية من الحلي.
فيقول مخاطبا فناخسرو: يا عضد الدولة! ويا عضد المعالي المنفرد في ذلك بالمجد، والحائز فيه لضروب الحمد، نسبك حلي لك بجلالته ورفعته، وأنت الحالي منه بفخامته وعلو منزلته، وأنت المتزين منه بالآباء السادة، لا بالشنف والخلخال والقلادة، وذلك الحلي يتحلى منك بما تنميه من مناقبك، وتزيد في جماله بمكارمك وفضائلك، ورب شرف لا يشيده وارثه، ولا يزينه بخصاله صاحبه، ورب قبح يحاول ستره بالحلي الفاخرة فتفضحه الحسناء المعطال مع البذاذة الظاهرة، وفخر الفتى بنفسه وأفعاله أوكد من فخره بأعمامه وأخواله، وتمام الشرف أن ينصر آخره أوله، ويزين حديثه متقدمه.
وقال عند وداعه لعضد الدولة:
فَدىً لَكَ مَنْ يُقَصِّرُ عَنْ نَدَاكافَلا مَلِكٌ إذاً إلاَّ فَدَاكَا
وَلَو قُلْنَا فَدىً لَكَ مَنْ يُسَاوِيدَعَوْنَا بِالبَقَاءِ لِمَنْ قَلاكَا
وآمَنَّا فِدَاكَ كُلَّ نَفسٍوإنْ كَانَتْ لِمَملَكَةٍ مِلاكا
فديت الرجل فداء: إذا كنت وقاية له، وبدلا منه فيما يكرهه، وقليت الرجل أقليه قلى: إذا أبغضته، والمملكة: سلطان الملك، وملاك الشيء: عماده.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة، وداعيا له: جعل الله فداءك من الملوك من يقصر عن نداك وفضلك، ولا يساويك في كرمك وجودك، فأن الملوك، إذا سمع الله هذا الدعاء فيك، ويفدونك بجملتهم، ويقونك المكاره بجماعتهم؛ لتحقيرهم عنك في مجدهم، وتواضعهم دون منزلتك وقدرك.
ثم قال: ولو دعونا بأن يفديك من يساويك ويماثلك ويوازيك، لكنا قد أحلنا في فدائك على معدوم لا يوجد، وأشرنا إلى مفقود لا يعهد، ولدعونا بالبقاء لمن يقليك ويكرهك، ويتجنبك ويحسدك.
ثم قال: وآمنا فداءك أنفس الخلق أجمعين، وملوكهم المترفعين، وإن كان في تلك النفوس ما هو ملاك مملكة، ومن ينفرد بعلو منزلة، فهم عند إضافتهم إليك، كالعوام الذين لا يحفل بهم، والسوق الذين لا حظ في السلطان لهم.
وَمَنْ يَظَّنُّ نَثْرَ الحَبِّ جُودَاًوَيَنصِبُ تَحتَ ما نَثَرَ الشَّبَاكَا
وَمَنْ بَلَغَ الحَضيضَ بِهِ كَرَاهُوإنْ بَلَغَتْ بِهِ الحَالُ السُّكاكا
فَلَو كَانَتْ قُلُوبُهُمُ صَديقَاًلَقَدْ كَانتْ خلائِقُهُمْ عِدَاكَا
لأَنَّكَ مُبغِضٌ حَسَبَاً نَحِيفاً إذاأَبصَرْتَ دُنياهُ ضِنَاكا
يظن: يفتعل من الظن، أبدلت التاء من الظاء، لتقارب مخرجيهما، ثم أدغمت الظاء الأولى في الثانية كما قال زهير:
هُوَ الجَوَادُ الَّذي يُعطِيكَ نائِلَهُعَفواً وَيُظلَمُ أحيانَاً فَيَظَّلِمُ
والحضيض: قرار الأرض، والسكاك: ما ارتفع من الهواء، وأفرد صديقا وهو خبر عن جميع؛ لأن العرب تفعل ذلك فيه، وفي أشياء مما يكون على وزن فعيل، نحو نعل خصيف، وريح خريق، ورجل صديق، يستوي في ذلك المذكر والمؤنث والجمع والواحد، والحسب: الشرف، والنحيف: الهزيل، والمرأة الضناك: الضخمة المتداخلة الخلق، فاستعار ذلك في الدنيا.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع