من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب النسيب (٢)
وقال آخر:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
تأملتهَامغترَّة ... فكأنمَّا ... رأيْت بهَا مِن سنَّة البدْر مطلعَا
اذَا مَا ملأْت العيْن منها ملأتهَامِن الدمْع حتَّى أنزَف الدمْع أجمعَا
سنة البدر صفحته, وكذلك سنة الوجه, يعني لما طلعت فكأن البدر طلع بطلوعها فرأيته, والمغترة: الغافلة. المعنى: يصف حسن وجهها واستيلاء البكاء عليه عند رؤيتها, حسرة وتلهفا عليها, يقول: رأيتها مغترة أي لا تمكن من النظر إليها, أي هي تتستر, فأنا رأيتها على غفلة, فكأنما رأيت البدر, ويحتمل أن يكون المراد رؤيتها بغتة غير متصنعة, لأن النساء إذا أحسن بالرجال تزين لهم, فرآها غير متزينة فكانت كالبدر, فإذا تزينت كانت أحسن وأفتن.
وقال كثير, وكثير تصغير كثير أو كثار:
((الثاني من الطويل والقافية متدارك))
وددْت ومَا تغنِي الودادَة أننِيبمَا في ضمير الحاجبيَّة عالِم
فإن كاَن خيرْا سرنِي وعلمتُهواِن كان شرّا لَم تلمنِي اللوائِم
وودت تمنيت هنا. المعنى يتمنى أن يتحقق بما في قلبها, أتحبه أم لا. قال: لم تلمني اللوائم بل يلومونها هي ويقولون الذنب لها.
ومَا ذكرتْك النفْس إلا تفرقَتفريقيْن منها عاذِر لي ولائِم
المعنى تعذر نفسي تارة لأن مثلها أهل لأن يشغف بها, وتلومني تارة للافراط في هواها, أو تلومني على حب من لا يقدر عليه ولا مطمع فيه.
وقال أيضا:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
وأنْت التي حببْت شغبَا إلى بداإلي وأوطانِي بلاَد سواهما
شغب وبدا: قريتان على طريق المدينة إلى مصر. المعنى: يصف اشتهاره بحبب بلدها لأجلها.
وحلَّن بهذا حلَّة ثُم أصبحَتبهذا فطاَب الواديان كلاهما
المعنى: يصف طيب محلها لطيبها.
وقال نصيْب:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لقَد هتفَت في جنْح ليْل حمامَةعلى فنَن وهنا وانِّي لنائِم
كذبْت وبيْت الله لَو كنْت عاشقَالما سبقتنِي بالبكاء الحمائِم
المعنى: يوبخ نفسه في تركه البكاء واشتغاله بالنوم وهو عاشق, لما سمع صوت الحمامة, ويكذب نفسه في ادعائه العشق.
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أحقّا يَا حمامَة بطْن وَجبهذا الوجْد أنَّك تصدقينَا
أرار الله مخَّك في السلامَىإلى مَن بالحنين تعولينَا
فانِّي مثلما تجديِن وجدِيولكنِّي ... أمِر ... وتعلنينَا
وَبي مثْل الذِي بِك غيْر أنيأجَل عَن العقال وتعقلينا
وانِّي إن بكيْت جرَت دموعِيوانَّك تعولين ... فتكذبينَا
أرار الله مخك أي أرق الله مخك أي جعل مخك رقيقا, يدعو عليها بالضعف,, يقال مخ رير أي ضعيف, والسلامى عظم في البعير وهو آخر ما يبقى فيه النقي فإذا ذهب النقي من السلامى فقد بلغ الهزال النهاية, وانك تعولين أي تبكين فتكذبينا لأن صوتك يشبه البكاء, والعويل لا يكون الا مع الصوت ولهذا جعل العويل للناقة والبكاء لنفسه, ثم صدقها فقال: وبي مثل الذي بك من الشوق غير أني أجل عن العقال أي رفع عني أن أعقل كما تعقلين. المعنى ظاهر في هذه الأبيات ما خلا البيت الأول, انه يخاطب ناقته والبيت الأول في مخاطبة الحمامة, ولا يخلو أما أن يكون البيت الأول من هذه القصيدة أو من غيرها, فان كان من غيرها فقد غلط في الجمع بينه وبين هذه الأبيات, وان كان منها فلا يخلو من أن يكون البيت الأول في ذكر الحمامة ثم صرف الخطاب إلى الناقة لأن السلامى لم يسمع في الطائر, ولأنه وان كان يشد فلا يقال يعقل, ولا يقال لرباطه العقال أو أن يكون العقال مجازا هنا والسلامى كذلك, وأن يكون سمى ناقته حمامة تشبيها بها لسرعتها, وهذا أحسن ما قيل, ووج اسم للطائف.
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ولما أبَى الا جماحا فؤادُهولَم يسْل عَن ليلى بمال ولا أهْل
تسلَّى بأخرَى غيرها فاذا التِيتسلَّى بها تغرِي بليلى ولا تسلي
الجماح: الشدة, المعنى: يشكو قلبه, ويقول: لما أبى القلب إلا ذهابا في مراده ولم يسل بها عن ليلى فزادتني محبة لأنها لم تكن مثل ليلى في الجمال والكمال.
وقال آخر وهو كثير, إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
عجبْت لبري منْك يا عَز بعدماعمرْت زمانا منْك غيْر صحيح
فاِن كان برء النفْس لي منْك راحَةفقَد برئَت اِن كان ذاك مريحي
تجلَّى غطاء الرأس عنِّي ولَم يكَدغطاء فؤادِي ينجلي لسريحي
تجلى غطاء الرأس له معنيان: احدهما قد زال ظاهر الهوى عني, وبقيت في فؤادي, والآخر أراد به الشباب يقول: قد انكشف الشباب عن راسي وشبت, ولا يكاد قلبي يصلح, وقوله: "لسريحي" يريد خلاصي. المعنى: يصف أنه عاش زمانا مستهاما بها, ثم تعجب من سلوه عنها, ثم شكا بقية في فؤاده من حبها.
وقال عروة بن أذينة الكناني, إسلامي كان في زمن هشام بن عبد الملك:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
إلفان تعنيهما للبيْن فرقتُهولا يملاَّن طول الدهْر مَا اجتمعَا
إلفان: صديقان والجمع ألاف وقيل: ألاف، وتعيينهما للبين فرقته، أي يغتمان للبين خوفًا أن يحدث.
مستقبلان نشاصا من شبابهما إذا دعا دعوة داعي الهوى سمعا
يعنى للوصل مستقبلان نشاطًا من شبابهما أي اقتبالًا يقول هما مقتبلا الشباب، وأصل النشوص الارتفاع تقول: نش السحاب إذا ارتفع في قطر الهواء.
لا يعجبان بقول عن عرض ويعجبان بما قالا وما صنعا
عن عرض أي عن جانب، المعنى: يصف صديقين شابين يهتمان للفرقة، ولا يضجران بالألفة، ويقضيان حق الهوى ولا يفكران في لوم الناس.
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
ولما بدأ لي منك ميل مع العدا سواي ولم يحدث سواك بديل
صددت كما صد الرمي نطاولت به مدة الأيام وهو قتيل
الرمي: الصيد المرمي. المعني: يقول: لما رأيتك ملت مع العدا صددت عنك صدود يأس لا صدود سلوة، وأنا أعلم أهواك قاتلي كالرمي من الوحش، تقتله الرمية لا محالة، وإن امتدت أيامه.
وقال أخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أحبا على حب وأنت بخيلة وقد زعموا ألا يحب بخيل
أي لأحبك حبًا بعد حب، وأنت بخيلة، وقد زعموا أن البخيل لا يحب، كأنه تعجب من حبه لها مع بخلها عليه.
بلى والذي حج الملبون بيته ويشفي الهوى بالنيل وهو قليل
وإن بنا لو تعلمين لغلة إليك كما بالحائمات غليل
قوله: يشفي الهوى بالنيل وهو قليل، يريد شفي صاحب الهوى بقليل من النيل، والحائمات اللواتي يحمن حول الماء تراه ولا تصل إليه، وإننا شبه نفسه بالحائمات لأنه كان يقرب منهما ولا يصل إليها، ويقال: أنه لا يهلك أحد من العطش إلا بقرب الماء عاينه أو لم يعاينه. المعني: عابقها ابتداء وقال: أحبك حبًا بعد حب، وانت بخيلة بالمحبة، ثم ندم على ذلك وأقسم بالله أنه يحبها مع بخلها ثم ذكر ما به من جهد الهوى، وشبه نفسه بالعطاش حول الماء تحوم حواليه ولا تصل إليه.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
إذا كان لا يسليك عمن توده تناء ولا يشفيك طول تلاق
فما أنت إلا مستعير حشاشة لمهجة نفس آذنت بفراق
المعنى: يقول: إن كنت لا يسليك بعد ولا يشفيك لقاء فأنت هالك، ولست إلا من به رمق من حياة قد أشرف على خروج نفسه.
وقال عبد الله بن الدمينة، وتروى لنُصيب
((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجدًا على وجد
المعنى: يستخبر ريح الصبا عن وقت مفارقتها نجدًا، ويذكر أنه استجد بمسراها حزنًا.
أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى على فنن غض النبات من الرند
رونق الضحى: صدر النهار، والرند شجرة طيبة الرائحة، والفنن الغصن.
بكيت كما يبكي الوليد ولم تزل جليدًا وأبديت الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا على ذاك قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ود
جليدًا أي جلدًا، بكل تداوينا يعني من الدنو والنأي، على ذاك يعني على تداوينا وعلى تجيبنا. المعنى: يعاتب نفسه في بكائه لما سمع صوت الحمامة، وقال لنفسه: لم تزل جليدًا فلم جزعت، وقد قيل: "يمل" وأن النأي يشفي، ثم أجاب نفسه عن هذا فقال: بكل تداوينا يعني بالدنو والبعد، فلم يشف ذا ولا ذا، وفضل القرب على البعد على كل حال، ويقال: أنه أراد بقوله: "أن المحب إذا دنا يمل".
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا طرقتنا آخر الليل زينب عليك سلام هل لما فات مطلب
وقال: تجنبنا ولا تقربنافكيف وأنتم حاجتي أتجنب
أي فقلت: عليك سلام، وهي تحية الموتى وإنما جعل تحية الموتى لأنه جواب ولا يلزم الجواب جواب، والموتى لا يخاطبون بما يقتضي الجواب، ولما كان الخيال غير صاحبه حسنت إزالة التحية عن وجهها. المعنى: يصف رؤية خيالها، والتماسه استدراك الفائت من وصله وتأبيها عليه، وقوله لها: كيف أتجنب وأنتم حاجتي.
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جل خطب الشيب إن كنت كلما بدت شيبة يعري من اللهو مركب المعنى: تعيرني بالغزل بعد الثلاثين فقلت: وهل يعقل أحد قبل الثلاثين الهوى وطعمه وطرقه.
وقال كثير:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني بقول يحل العصم سهل الأباطح
يحل العصم أي بقول لين يخدع به من لا ينخدع، والعصم: الأوعال واحدها أعصم وعصماء، وإنما قيل لها ذلك لبياض أيديها، والأباطح جمع الأبطح وهو المكان السهل.
تناءيت عني حين لا لي حيلة وغادرت ما غادرت بين الجوانح
فما حب ليلى بالوشيك انقطاعه ولا بالمؤدي عند رد المنائح
ويروى "تناهيت عني" و "تباعدت" والمنائح العواري. المعنى: يعاتبها ويقول لها قربتني حتى خدعتني، وأنا هالك في هواك، ثم دل على أن حبها دائم لا يرد إذا ردت العواري أي لا أستطيق من حبها أبدًا ولا أسلو.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تعرضن مرمى الصيد ثم رميننا من النبل لا بالطائشات الخواطف
أي قربن منا مقدار ما إلى الصيد من المسافة، ثم رميننا من النبل، والطائشات التي تطيش عن الهدف وتعدل عنه، والخواطف التي تقارب الهدف فتمر ولا تصيب أو تصيب شيئًا ولا تثبت فيه، يقول: هؤلاء النسوة رميننا بعيونهن لا بسهام تطيش ولا تصيب.
ضعائف يقتلن الرجال بلا دم فيا عجبًا للقاتلات الضعائف
ضعائف: يعني النساء يقتلن الرجال الأقوياء بلا دم لهن، ثم أظهر التعجب فقال يا عجبًا. المعنى: يصف تأثير عيون النساء في القلوب واصطيادهن الرجال بها.
وللعين ملهي في التلاد ولم يقد هوى النفس شيء كاقتياد الطرائف
المعنى يقول: للعين مسرة في الأهواء القديمة والأشياء المألوفة، ولا يقود النفس شيء، ولا تغلب عليه محبته كالطرائف المستحدثة كقولهم: لكل جديد لذة.
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
لئن كان يهدى برد أنيابها العلا لأفقر مني إنني لفقير
فما أكثر الأخبار أن قد تزوجت فهل يأتيني بالطلاق بشير
المعنى: يصف حاجته إلى ترشف رضابها، ويصف حاجته إلى تطليق زوجتها إياها فلعله يصل إليها.
وقال آخر وهو عبد الله بن الدمينة، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سلي البانة الغناء بالأجزع الذي به البان هل حيين أطلال دارك
الغناء: الكثيرة الأغصان، وقرية غناء أي كثير أهلها، ويروى "الغيناء" وهي الكثيرة الأغصان، والأجرع: الأرض السهلة ذات الرمل، والمؤنث جرعاء.
وهل قمت في أظلالهن عشية مقام أخي البأساء واخترت ذلك
ليهنك إمساكي بكفي على الحشا ورقراق عيني رهبة من زيالك
رقراق عيني: سيلان الدمع، والزيال: الفراق. المعنى: يصف بكاءه لها وفرط جزعه خشية فراقها، واستشهد بالشجرة التي فعل عندها يقول: سلي البانة لما مررت بدارك بالأجرع هل تذكرت أيامك وهل بكيت وقمت هناك اختيارًا؟ ثم قال: ليهنك بكائي بها، وامساكي بكفي من حبك على كبدي خوف فراقك.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
يقر بعيني أن أرى رملة الغضا إذا ما بدت يومًا لعيني قلالها
ولست وإن أحييت من يسكن الغضا بأول راج حاجة لا ينالها
المعنى: يصف محبته رؤية خيال أرضها لفرط محبته لها، ثم تعزى فقال: إن لم أظفر بحاجتي منها فلست أول خائب في الدنيا.
وقال أبو دهبل الجمحي، دهبل: طائر، وجمح: فعل من جمح.
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن عليك شجي في القلب حين تلين
وإن هي أعطتك الليان فإنها لغيرك من خلانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها فليس لمخضوب البنان يمين
الليان: الملاينة، وقوله: فليس لمخضوب البنان يمين أي لا تعتمديه من النساء. المعنى: لا وفاء للنساء فلا تأس على بعدهن، ولا تغتر بأيمانهن، واستمستك بما تسهل منهن وأعلم أن وصلك وصل غيرك.
وقال حميد بن ثور الهلالي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
قليلة لحم الناظرين يزينها شباب ومخفوض من العيش بارد
بارد أي طيب ناعم، ومنه الغنيمة الباردة، المعنى: يصفها بالطاقة وأنها ليست جهمة الوجه، ويذكر شبابها ونعمته ونعمتها.
أرادت لتنتاش الرواق فلم تقم إليه ولكن طأطأته الولائد
تنتاش: تتناول، طأطأته: خفضته، المعنى: يصفها بالطاقة ويذكر أنها مخدمة.
تناهى إلى لهو الحديث كأنها أخو سقطة قد أسلمته العوائد
أخو سقطة أي كمن به سقطة أي عليل يعجز عن الحركة، وأسلمته العوائد أي تركت عيادته. المعنى: يصف نعمتها يقول: تنتهي إلى جارتها لتلهو معهن فتأتي منتهزة وكأنها مريضة لترفها ونعمتها.
وقال توبة بن الحمير:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ولو أن ليلى العامرية سلمت علي ودوني تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح
ويروى "ودوني جندل وصفائح" يعني فوقي، لسلمت يعني لسرني سلامها وردت روحي إلى بدني، وزقا: صاح. المعنى: يصف فرط محبته لها، ويقول: لو سلمت ليلي عليّ وأنا مقبور أحياني سلامها وأجيبها عنه مسرورًا أو أجابها صداي. ويرى أن ليلى الأخيلية مرت بقبر توبة فعدلت عنه وكان من عشقها فبلغ ذلك الحجاج فقال لها: يا قليلة الوفاء رجل هلك في هواك لم تريه أهلاً للزيارة فاعتذرت بأن قالت أني سمعته يقول: ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت ... ألبيتان، فلم أحب أن أكذبه بعد موته.
وأغبط من ليلى بما لا أناله ألا كل ما قرب به العين صالح
المعنى: الوشاة يقدرون أني أنال من ليلى مرادي، ويغبطوني بذلك، ثم طيب نفسه بأن ذلك يسره لأنه يرغم أعداءه فقال: كل ما قرت به العين صالح.
ولو أن ليلى في السماء لصعدت بطرفي إلى ليلى العيون اللوامح
العين: الرقباء هنا. المعنى يقول: لو أن ليلى في السماء لقال الرقباء الكاشحون إن طرفه يصعد إليها وشاية لها، ويروى أن ليلى هذه مرت بقبر توبة مع زوجها وكانا راكبين فقال زوجها: هذا قبر توبة، وهو الذي يقول: ولو أن ليلى الأخيلية .. وأنشد الأبيات، وأنا أسألك أن تسلمي عليه فأبت، فحلف عليها بالطلاق أن تدنو من القبر وتسلم عليه، فدنت منه وقالت: سلام عليك يا توبة أنا ليلى الأخيلية، فخرجت من قبره قطاة كانت اتخذته مأوى لها فطارت وصاحت، فنفر بعيرها الذي كانت عليه فوقصت وماتت فدفنت إلى جنبه.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها فلن تمنعوا مني البكا والقوافيا
فهلا منعتم إذ منعتم حديثها خيالاً يوافيني على النأي هاديا
المعنى: هذا رجل حجب عنه هواه ومحادثته، فهو يعلل نفسه ويقول: إن حجبتم فلا تقدرون على حجاب خيالها ولا على منعي من الشعر والبكاء لها.
وقال نصيب:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
كأن القلب ليلة قبل يغني بليلى العامرية أو يراح
قطاة عزها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح
ويروى "غرها" من التغرير، فباتت تجاذبه أي باتت القطاة تجاذب الشرك.
المعنى: يصف حاله في ضيق القلب وقلة الحيلة عند ارتحال من يهواه، وشبه قلبه بقطاة وقعت في شبكة فهي تضطرب فيها وقد علق جناحها بها.
وقال أبو حية النميري:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
رمتني وستر الله بيني وبينها ونحن بأكناف الحجاز رميم
فلو أنها لما رمتني رميتها ولكن عهدي بالنضال قديم
رميم اسم جارية، وهي التي رمته بعينها، وستر الله قالوا: هو الشيب وقالوا: هو ستر البيت الحرام، وقالوا هنا: هو الإسلام، وما يحجزه عن الفجور وهذا أحسن. المعنى يقول: دعتنى بطرفها فأصابتني بمحاسبنها، ولولا الإسلام لرميتها كما رمتني ولكني نائب، وإن حملته على أن المراد بستر الله الشيب كان وجهًا.
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أسجنًا وقيدًا واشتياقًا وعبرة ونأي حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل ما قاسيته لكريم
نصب هذه الأشياء على معنى أتجمع علي هذه الأشياء كقولهم: "أحشفا وسوء كيلة" المعنى: يذكر كم عهده وثبات وده.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
رعاك ضمان الله يا أم مالك ولله أن يشفيك أغنى وأوسع
يذكرنيك الخير والشر والذي أخاف وأرجو والذي أتوقع
المعنى: يدعو لها بالرعاية والسقيا على مذهب العرب، ومعنى يذكرنيك الخير والشر يقول: كلما رأيت الخير شبهته وصلك وكلما رأيت الشر شبهته صدك فذكرتك عندها والذي أخاف من مكروه وأستدفعه عنك، والذي أتوقع من محبوب أتمناه لك.
وقال الحكم الخضري:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
تساهم ثوباها ففي الدرع رأدة وفي المرط لفاوان ردفهما عبل
تساهم: يريد المقارعة من السهم، ضرب ثوباها فيها بسهمين ليصير لأحدهما أعلاها والآخر أسفلها، ورأدة: فتاة ناعمة مهتزة، ويقال رؤدة بهذا المعنى. لفاوان: فخذان ضخمتان فهو اللف، وقد لفت الجارية، والعبل: الضخم. المعنى: يصفها بطول القامة وامتلاء الأسافل وأراد معنى قول الأول: "أعلاها قضيب وأسفلها كثيب".
فوالله ما أدري أزيدت ملاحة وحسنًأ على النسوان أم ليس لي عقل
المعنى: يحلف بالله أنه متحير في أمرها فلا يدري هل هي أكثر النساء حسنًا أم ليس له عقل لأنها عنده أحسن من جميع النساء.
وقال آخر:
(الأول من الطويل والقافية من المتوات)
أروح ولم أحدث لليلي زيارة لبئس إذا راعي المودة والوصل
تراب لأهلي لا زلا نعمة لهم لشد إذا ما قد تعبدني أهلي
تراب لأهلي كقولهم: عليه العفاء، معناه خاب أهلي فيما يأمرونني من ترك مودتها، أي كان في أيديهم التراب، وقد تعبدني أهلي أي اتخذوني عبدًا لهم: يقال: تعبده وعبده. المعنى: يعاقب نفسه في إغباب الزيارة، ويشتم أهله إذا شغلوه عنها.
وقال أبو دهبل الجمحي، إسلامي كان في زمن معاوية:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أأترك ليلى ليس بيني وبينها سوى ليلة إني إذا لصبور
هبوني امرأ منكم أضل بعيره له ذمة إن الذمام كبير
وللصاحب المتروك أعظم حرمة على صاحب من أن يضل بعير
عفا الله عن ليلى الغداة فإنها إذا وليت حكمًا علي تجور
سوى ليلة أي سوى مسيرة ليلة، المعنى: لا تلوموني على طلب لقاء ليلى، وبيني وبينها مسيرة ليلة فإنها مرادي، ومن أضل بعيره اشتغل بطلبه، فأنزلوني منزلة من أضل بعيره، لا يلام في بغائه إياه، وهوى النفس أوجب حقًا من بعير يضل، ثم استغفر لها لما كانت تقصده من ظلمه.
وقال حفص الغليمي من كلب، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أقول لحلمي لا تزعني عن الصبا وللشيب لا تذعر علي الغوانيا
لا تزعني: لا تكفني، ولا تذعر علي الغوانيا أي لا تنفرهن، وقال عليّ لأنه إذا ذعرها فقد أفسدها عليّ أي أفسد وصلها. المعنى: يذكر كراهة الشيب لنفور النساء عنه ويذكر صحبتها للهومة عقله.
طلبت الهوى الغوري حتى بلغته وسيرت في نجديه ما كفانيا
المعنى: يصف نيله مراده من حبيبته من أهل نجد والغور.
فيا رب إن لم تقضها لي فلا تدع قذور لهم واقبض قذور كما هيا
قذور: اسم امرأة. المعنى: يسأل الله إن لم يوصله إليها أن يميتها كما هي، أي غير متزوجة كي لا تعظم حسرته.
ويا ليت أن الله إن لم ألاقها قضى بين كل اثنين أن لا تلاقيا
المعنى: يتمنى الأنس لأن الممتحن إذا وجد من كان في مثل محبته خف بعض ما به، وهذا مشهور، ولهذا قالوا: "لولا الوئام لهلك الأنام".
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أآخر شيء أنت في كل هجعة وأول شيء أنت عند هبوب
مزيدك عندي أن أقبك من الردى وود كماء المزن غير مشوب
المعنى: هذه امرأة بعدت عن حبيبها فكان يأتيها طيفه، فقالت بلفظ الاستفهام، والمراد التقرير أي آخر شيء أنت في كل هجعة، وأول شيء عند هبوب، أي آخر ما أنتبه عليه خيالك أو ذكرك، وأول ما آخذ به بعد الانتباه ذكرك، تريد استغراق ذكره وقتي الحلم والنبه، ثم وصفت صفاء ودها ووقايته بنفسها.
وقال آخر، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
ما أنصفت ذلفاء أما دنوها فهجر وأما نأبها فيشوق
تباعد ممن واصلت وكأنها لآخر ممن لا تود صديق
ذلقاء هنا اسم وأصله صفة وهي قصيرة الأنف، وصديق صفة لها، وقال أما دنوها فهجر وأما نأيها فيشوق ولو قال مشوق كأن أولى. المعنى: يتكلم عن ذلفاء وجعل جنوها هجرًا لأنها لا تباسط، ونأيها شوقًا لأنه لا يصبر عنها، ووصفها بأنها تبعد ممن تحبه وتحدث من لا تود لحذقها بحفظ الحال كي لا يتهم.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وقفت لليلي بالملا بعد حقبة بمنزلة فانهلت العين تدمع
الملأ هنا اسم موضع بعينه، وفي اللغة هي الأرض الواسعة، والحقبة: الدهر الطويل وجمعها حقب.
وأتبع ليلى حيث سارت وودعت وما الناس إلا آلف ومودع
كأن زمامًا في الفؤاد معلقًا تقود به حيث استقرت فاتبع
الآلف: الذي يلزم حبيبه ولا يفارقه، والمودع: الذي ودعه وفارقه.
المعنى: يصف إتباعه ليلى حيث كانت لفرط محبته لها وشبه قلبه في ميله إليها بمزموم يقاد به.
وقال آخر، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
خليلي عوجا بارك الله فيكما وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجارنا ولكننا جرنا لنلقاكم عمدًا
المعنى: يريد صاحبته هندًا، وأمرهما بأن يعلماهما أنهما قصداها عمدًا لتوجب لمزارهما حمدًا.
وقال آخر من عكل، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
وما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيًا في كل حينمخالفة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقًا إليهم ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي وتسخن عينه عند التلاقي
قوله: وإن وجد الهوى حلو المذاق يعني وإن نال مراده في هواه. المعنى: يصف حال المحب، وأنه لا يعدم البكاء والحزن في حالتي القرب والبعد.
وقال يزيد بن الطثرية:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
عقيلية أما ملاث إزارها فدعص وأما خصرها فبتيل
ملاث إزارها: الموضع الذي يدور عليه الإزار وهو العجز، بتيل: يكاد ينقطع، فشبه خصرها في الدقة بما هو منقطع. المعنى: يصفها بعظم الردف ودقة الخصر.
تقيظ أكناف الحمى ويظلها بنعمان من وادي الأراك مقيل
تقيظ: أي تقيم في القيظ، وهو شدة الحر، ونعمان هو واد بعرفات - بفتح النون - والأراك شجر. المعنى: يصف تنعمها وأنها تستظل في شدة الحر في أطيب موضع ذكره.
أليس قليلاً نظرة إن نظرتها إليك وكلاً ليس منك قليل
فيا خلة النفس التي ليس دونها لنا من أخلاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبه لم نطع به عدوًا ولم يؤمن علبه دخيل
أما من مقام أشتكي غربة النوى وخوف العدا فيه إليك سبيل
المعنى: يستكثر اليسير مما يونس في هواه، ويريد بكلاً ردًا على نفسه، والدخيل: المداخل يقول: يا من لا يتقدمها عندنا خليل، ولا نفش سرها إلى دخيل هل إليك سبيل من مقام أشكو فيه، وما لحقني من بعد الفراق وخوف الأعداء فيك.
فدينك أعدائي كثير وشقتي بعيد وأشياعي لديك قليل
ويروى "وخطتي بعيد" المعنى: يشكو كثرة الأعداء وطول السفر وقلة الأنصار، والشقة السفر.
وكنت إذا ما جئت جئت بعلة فأفتين علاني فكيف أقول
فما كل يوم لي بأرضك حاجة ولا كل يوم لي إليك رسول
علات: جمع علة، المعنى: يعتذر إليها من ترك الزيارة لانقضاء العلل.
وقال عمرو بن حكيم، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
خللي أمسي حب خرقاء عامدي ففي القلب منه وقرة وصدوع
الوقرة شبه وكنة إلا أن لها حفرة، والوقرة في الحجر والحافر هزمة فيهما يعني في القلب كسر، يشكو إلى صاحبته حبها وشدة تأثيره في قلبه.
ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبل على جدبنا ألا يصوب ربيع
لم نبل، أي لم نبال، المعنى: يقول: قرب خرقاء أحب إلينا من المطر في الجدب الذي فيه الحياة.
وقال آخر، وهو ذو الرمة:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألمًا على الدار التي لو وجدتها بها أهلها ما كان وحشًا مقيلها
وإن لم يكن إلا معرج ساعة قليلاً فإني نافع لي قليلها
ألمًا: انزلا قليلاً للزيارة، معرج وتعريج واحد، وهو التحبس والتلوم، تقول: مالي عليه عرجة أي تحبس. المعنى: يستوقف صاحبيه على دارها، وهي مرتحلة عنها ويستوحش الدار لخلوها، ويستنفع قليل ما يتعلل به من أسبابها.
وقال رجل من بني كلاب:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
ماذا عليك إذا خبرت بي دنفًا رهن المنية يومًا أن تعودينا
أو تجعلي نطفة في القعب باردة وتغمسي فاك فيها ثم تسقينا
المعنى: يعاتبها ويستعطفها إلى عيادته أو معالجته برضابها ليشتفي بذلك.
وقال جميل بن معمر:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
بثينة ما فيها إذا ما تبصرت معاب ولا فيها إذا نسبت أشب
معاب أي عيب، أشب أي خلط، يقول: هي صميمة النسب، والإشابة القوم المجتمعون المعنى: يصفها بنظافة الخلق وطهارة الأصل.
لها النظرة الأولى عليهم وبسطة وإن كرت الأبصار كان لها العقب
يقول لها على القوم أن يبدأوها بالنظرة إذا كانت في نساء ولها بسطة في الجسم، وإن كروا أبصارهم في النساء كان النظر الثاني أيضًا لها لأنهم لا يرون مثلها فيهن، فإذا رمقن أخذت العيون غيرها. المعنى: يصفها بنهاية الحسن، والله أعلم.
إذا ابتذلت لم يزرها ترك زينة وفيها إذ ازدانت لذي نيقة حسب
ويروي "لم يردها" أي لم يقصر بها، والدردي: الضعيف الناقص، ويزرها بمعنى لم يعبها، والنيقة: الحسن، وحسب بمعنى كاف وازدانت تزينت. المعنى يقول: إنها بارعة الجمال تزينت أم تركت الزينة.
وقال خلف بن خليفة، ويقال: هي لعبد الملك بن عبد الرحيم الحرثي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سلبت عظامي لحمها فتركتها مجردة تضحي إليك وتخصر
مجردة يعني عظامه عارية من اللحم، تضحي إليك تبرز وتظهر، وتحضر أي تجد البرد.
وأخليتها من مخها فكأنها قوارير في أجوافها الريح تصفر
ويروى "فكأنها أنابيب" أي تركتها أنابيب في أجوافها الريح صافرة.
إذا سمعت باسم الفراق تقعقعت مفاصلها من هول ما تنتظر
خذي بيدي ثم انهضي بي تبيني بي الضر إلا أنني أتستر
تقعقعت: أي أصاب بعضها بعضًا فسمع لها صوت. المعنى: يصف ما لحقه من الضر، وضعف الناس في هواها، ويبالغ في ذلك.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن الزهري، ويقال: هي لمالك بن أسماء الفرازي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ولما نزلنا منزلاً طله الندى أنيقًا وبستانًا من النور حاليًا
أجد لنا طيب الزمان وحسنه منى فتمنينا فكنت الأمانيا
طله الندى: بله، والأنيق: الحسن المعجب، وحاليًا متزينًا، المعنى: يصف أنها تزيد على كل حسن في الدنيا، وأنهم لما حصلوا في النزهة التي تسكن النفوس إليها وتزول الهموم منها تمنوها لأنها كانت دونها وحشة.
وقال معدان بن المضرب الكندي، جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
صفا ود ليلى ما صفا لم نطع به عدوا ولم نسمع به قول صاحب
فلما تولى ود ليلى لجانب وقوم تولينا لقوم وجانب
فكل خليل بعد ليلى يخافني على الغدر أو يرضى بود مقارب
ود مقارب غير متناه في الخلوص. المعنى يصف أنه عامل بمثل معاملتها إياه، صفا وده لها ما صفا ودها له، فلما رغبت عنه رغب عنها ثم قال: وكل خليل بعدها يخاف غدري مقدرًا أني غدرت بليلى ولا يعلم أنها أعرضت أولاً أوي رضى بود مقارب.
وقال آخر:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة وذكرك لا يسري إليّ كما يسري
وهل يدع الواشون إفساد بيننا وحفرا لنا العاثور من حيث لا ندري
العاثور: حفرة تحفر ليقع فيها الإنسان، المعنى: هذا الرجل يتمنى السلامة من حبها في البيتين جميعًا لأنه إنما يدع الواشون إفساد بينهم إذا ترك هواها.
وقال آخر وهو ابن الدمينة:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البرئ ولم تزل به سكنة حتى يقال: مريب
المريب: الذي أتى بالسوء فلا تنفعه المعاذير، المعنى: يفديها بنفسه وأهله لأنها غرة ليست يصاحبه حيل وسلاطة، فإذا وبخت لم تحسن أن تعتذر وتسكت إلى أن تتهم بريبة.
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة غزال كحيل المقلتين ربيب
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ولكن من تتأين عنه غريب
وجرة: موضع، ويرى "غضيض المقلتين" أي مغضوضهما، المعنى: يشبه الجارية بالغزال جيدًا ومقلة ثم قال: لا تحسبي أن الغريب هو الذي بعد عن وطنه وقومه فليس هو كذلك، ولكن الغريب من نأى عنه مثلك، وإن كان في قومه وعشيرته.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أرى كل أرض دمنتها وإن مضت لها حجج يزداد طيبًا ترابها
دمنتها: سودتها، حجج أي سنون. المعنى: يصف طيب كل أرض تنزل بها وأن تقادم عهدها لا يزول طيبها عنه لفرط طيبها.
ألم تعلمن يا رب أن رب دعوة دعوتك فيها مخلصًا لو أجابها
فيها يعني الجارية بأن يعطفها عليه. المعنى: يصف فرط رغبته في دعوة كانت إلى الله تعالى ودعاءه فيها مرة بعد مرة.
فأقسم لو أني أرى نسبًا لها ذئاب الفلا حبت إلى ذئابها
المعنى: يصف أنه لفرط محبتها يحب كل من قرب منها ولو كان بينها وبين الذئاب نسب لأحبها. وقيل: إنه أراد بذئاب الفلا أعداءه الذين هم كالذئاب.
لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحت بوادي القرى ما ضر غيري اغترابها
معناه معروف، يقسم أنها وإن تباعدت عنه وصارت بوادي القرى في غربة فإنه ما ضر بعدها سواه.
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
لعمرك ما ميعاد عينيك والبكا بداراء إلا أن تهب جنوب
أعاشر في داراء من لا أحبهوبالرمل مهجور إلى حبيب
إذا هب علوي الرياح وجدتني كأني لعلوي الرياح نسيب
داراء موضع. المعنى: هذا رجل كان مقيمًا بداراء وهواه بالعالية يقول: إذا هبت جنوب تبكي لأنها بداراء من ناحية حبيبك فتشوقك إليه وتلهفك عليه، والعلوي المنسوب إلى العالية، على غير قياس، والنسيب: الغريب. المعنى: أنا أحب الريح الهابة من جهة العالية لأنها تأتي من ناحية هواء، فكأني لشدة محبتي للجنوب بيني وبينها رحم.
وقال آخر:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
هل الحب إلا زفرة بعد زفرة وحر على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع العين يامي كلما بذا علم من أرضكم لم يكن يبدو
العلم: الجبل وكل ما يهتدي به، المعنى: ليس الحب إلا لهيب الصدر وسيلان الدمع وإظهار الجزع.
وقال ابن ميادة، ميادة فعالة من ماد يميد إذا تمايل واهتز:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
كأن فؤادي في يد ضبئت به محاذرة أن يقضب الحبل قاضيه
الضبث: القبض على الشيء بعنف، المعنى: يصف شدة وقوع قلبه في جهد الهوى قال: كأن فؤادي في يد ضبثت به أي في صائد وقع في حبالته وحش قوي، فهو يتشبث بحبله، ويقبض عليه حذارًا أن يقطع ما وقع فيه وينجو.
وأشفق من وشك الفراق وأنني أظن لمحمول عليه فراكبه
المعنى يقول: أحذر من قرب الفراق، وأني أعلم أني مدفوع إليه، يظهر الجزع من الفرقة.
فوالله ما أدري أيغلبني الهوى إذا جد جد البين أم أنا غالبه
إذا جد جد البين أي استقلت الركاب ورأى حبيبه مرتحلاً. المعنى يقول: لا أدري أأقدر على الصبر إذا فارقتني أم أفتضح، ولم يتحقق حاله في الوقت لأنه يفتضح العشق في وقت الرحيل.
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
المعنى يقول: إن قدرت صبرت وإن غلبني الهوى فالأمر فيه صعب، يغلب في مثله الرجال، فلا بأس إن غلبت أنا.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فيا أهل ليلى أكثر الله فيكم من أمثالها حتى تجودوا بها ليا
فما مس جنبي الأرض إلا ذكرتها وإلا وجدت ريحها في ثيابيا
إنما خص وقت ذكرها بمسيس جنبه الأرض لأنه عند النوم تقع المضاجعة بين الرجل وبين من يناله من هواه. المعنى يقول: أكثر الله فيكم من أمثال ليلى حتى أنالها، وإن الشيء إذا كثر هان وإذا قل عز، ثم ذكر ما تقدم من مضاجعته إياها وبقاء طيبها في ثوبه.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أبعد الذي قد لج تتخذينني عدوًا وقد جرعتني السم منقعًا
يعني الهوى قد لج. المعنى يقول: أبعد ما لج الهوى تتخذينني عدوًا وقد آذيتني.
وشفعت من يبغي علي ولم أكن لأرجع من يبغي عليك مشفعًا
المعنى يقول: شفعت الوشاة الذين يبغون عليّ، ولو جاءني من يبغي عليك ما سمعت قوله.
فقالت وما همت برجع جوابنا بل أنت أبيت الدهر إلا تضرعًا
فقلت لها ما كنت أول ذي هوى تحمل حملاً فادحًا فتوجعا
فادح مثقل، فدحه الدين أثقله. المعنى: يحكي عنها أنها حطت عليه الذنب وأنه أجابها بأني تضرعت بعجزي عن حمل ثقل هواك ..
وقال آخر، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
يقول العدا لا بارك الله في العدا قد أقصر عن ليلى ورثت حبائله
ولو أصبحت ليلى تدب على العصا لكان هوى ليلى حديثًا أوائله
المعنى: كأنه غير أنه يحبها وقد كبرت فأجاب بأنها لو عجزت ودبت على العصا هرمًا لما تغير هواها.
وقال أبو الأسود الدؤلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أبى القلب إلا أم عمرو وحبها عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند
كسحق اليماني قد تقادم عهده ورفعته ما شئت في العين واليد
يفند: يكذب، وقوله: ورقعته ما شئت في العين واليد أي خرقته، يريد لمستها بيد، وأبصرتها بعينك كثيرًا، والرقعة كناية عن الوجه. المعنى: هذا رجل كان يجب عجوزًا فاعتذر معترفًا بأن من أحب العجوز جهل فقال: لا يحب القلب غيرها.
وقال آخر، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
هجرتك أيامًا بذي الغمر إنني على هجر أيام بذي الغمر نادم
وإني وذاك الهجر لو تعلمينه كعازبة عن طفلها وهي رائم
ذو الغمر موضع، والعازبة: وقد عزب عزوبًا وهي رائم أي عاطفة، والرئمان العطف، وقد رئمت المرأة على ولدها ترأم أي تعطف. المعنى يقول: هجرتك على فرط محبتي لك، وكنت أيام الهجر كامرأة بعدت عن طفلها وهي محبة له عاطفة عليه، يعتذر إليها ويصف حاله لها.
وقال جميل بن عبد الله:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ما أحدث النأي المفرق بيننا سلوًا ولا طول اجتماع تقاليا
المعنى يقول: بعدي عنك لا يسليني، وكثرة اجتماعي معك لا يسئمني، أراد تكذيب قول الأول:
"وقد زعموا أن المحب إذا دنا يمل وأن النأي يشفي من الوجد"
خليلي إلا تبكيا لي أستعن خليلاً إذا أنزفت دمعًا بكى ليا
أنزفت معًا: أنفدته. المعنى: يصف مساعدة صاحبيه على البكاء ويذكر استراحته إليه واستيفاءه به.
كأن لم بين إذا كان كان بعده تلاق ولكن لا إخال التلاقيا
المعنى: اللقاء ينسي وحشة الفراق ولكن لا أرجو اللقاء.
وقال جميل بن معمر العدوي، وحارب الفخذ التي منها بثينة:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
تفرق أهلانا بثين فمنهمفريق أقام واستقل فريق
فلو كنت خوارًا لقد باخ ميسمي ولكنني صلب القناة عتيق
باخ: سكن، وباخت النار: خمدت، والميسم هنا القوة يقول: لو كنت ضعيفًا لم أقدر على أن أؤثر في قومك كما يؤثر الميسم في البهائم، وصلب القناة أي شديد النفس، وعتيق: كريم. المعنى يقول: تفرق أهلي وأهلك يا بثينة لما حدث بينهم في الحرب، ثم وصف جلادة نفسه.
كأن لم نحارب يا بثين لو أنها تكشف غماها وأنت صديق
المعنى يقول: أتحمل في هواك ما جنته الحرب، ولو خلصت لي لم أكترث بما جرى ولم أحقد على قومك، ولا أطالبهم بذحل ونكون كأن لم نحارب.
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
شيب أيام الفراق مفارقي وأنشزن نفسي فوق حيث تكون
أنشزن أي أشخصن ودفعن، يردي أشخصه إلى الحلقوم، ومعنى شيب أيام الفراق مفارقي أثرت كما يؤثر الشيب. المعنى: اشتدت أيام الفراق عليّ وكادت تقتلني وأزعجت روحي حتى بلغت الحلقوم.
وقد لان أيام الحمى ثم لم يكد من العيش شيء بعدهن يلين
معنى لين أيام الحمى طيبها، ويروى "أيام اللوى" يحمد أيام مقامة باللوي بأنها ساعفته ما بعدها لأنه فارق هواه بعد مفارقته ذلك الموضع.
يقولون ما أبلاك والمال غامر عليك وضاحي الجلد منك كنين
ما أبلاك: ما هزلك من البلي، والمال غافر: أي كثير، ويروى "وضاحي الحال منك كنين" أي ظاهره، وكنين مستور.
فقلت لهم لا تعذلوني وانظروا إلى النازع المقصور كيف يكون
المقصور: المحبوس عما يريده، وأراد به البعير المقيد ويشتق إلى وطنه. المعنى يقول الناس: ما الذي هزلك وأثر فيك ومالك كثير وظاهر جسمك صحيح،
فقلت لهم: لا تلوموني وانظروا إلى البعير المشتاق إلى وطنه الممنوع من الابتعاث كيف حاله أشار إلى أنه أبلاه النزاع إلى هواه.
وقال أبو دهبل الجمحي:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
أقول والركب قد مالت عمائمهم وقد سقى القوم كأس النعسة السهر
مالت عمائمهم أي رؤوسهم من النوم، وقد سقى أي ألقى عليهم النعاس، يريد طال سهرهم فغلبهم النعاس.
يا ليت أني بأثوابي وراحلتي عبد لأهلك هذا الشهر مؤنجر
مؤنجر: مفتعل من الأجر، تقول: ائتجرت الرجل: أخذته بالأجرة. المعنى اختلف فيه فقال بعضهم: تمنى أن يكون أجيرًا في أهلها بأثوابه وراحلته أي ومعه أثوابه وراحلته ليكون أعز عندهم، وقيل: بل معناه: يقول: ليتني كنت أجيرًا
عند أهلك عوضًا عن أثوابي وراحلتي، كما تقول: ليتني أراك بما أملكه أي عوضًا عما أملكه، وكقولهم: "ما يسرني بهذا الأمر منفس" أي يذهب عني ذلك بعوض منفسي وهذا أقرب.
إن كان ذا قدرًا يعطيك نافلة منا ويحرمنا ما أنصف القدر
المعنى يقول: إن كان هوانا تقديرًا يعطيك خالص ودي ويحرمني خالص ودك فلم ينصف التقدير.
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع