من «شرح أدب الكاتب» للجواليقي (ت ٥٤٠هـ)
مهلك مال ومفيد مال (٤)
فرع نبع يهتز في غصن المج د عظيم الندى كثير الحمال
والحمالة بكسر الحاء علاقة السيف والجمع الحمائل وكذلك المحمل بكسر الميم والجمع الحامل. والعشائر جمع عشيرة وهي القبيلة ومن دونها ومن أقرب إلى الرجل من أهل بيته والمعشر والنفر والرهط هؤلاء معناها الجمع وهي للرجال دون النساء لا واحد لشيء منها من لفظة وقيل المعشر كل جماعة أمرهم واحد مثل معشر المسلمين ومعشر المشركين. والتلكؤ الاعتلال والامتناع يقال تلكأت تلكؤاً إذا اعتللت وامتنعت. ويحذر يخوف والنحذير التخويف والحذار المحاذرة والحذر والحذر التحرز حذرت أحذر حذراً ورجل حذر وحذر أي متيقظ. والإنذار الإعلام مع التحذير يقال أنذرته أنذره إنذار إذا أعلمته وحذرته ولا يكون المعلم منذراً حتى يحذر بإعلامه فكل منذر معلم وليس كل معلم منذراً.
وقوله " هذا منتهى القول فيما نختاره للكاتب فمن تكاملت له هذه الأدوات
وأمده الله بآداب النفس من العفاف والحلم والصبر وسكون الطائر وخفض الجناح فذلك المتناهي في الفضل العالي في ذرى المجد الحاوي قصب السبق الفائز بخير الدارين إن شاء الله " الإمداد أن يرسل الرجل لرجل بمدد يقال أمددنا فلانا بجيش ومال وغير ذلك قال الله تعالى " يمددكم ربكم بخمسة آلاف " وقال في المال " أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين " وقال " وأمددناكم بأموال وبنين " ومد النهر وحكى قوم أمد ومده نهر آخر إذا زاد في مائة قال:
سيل أتيٌّ مده أتيّ
ومددت الدواة وأمددتها إذا زدت في مائها ونقسها وأصل المد الزيادة والمادة الزيادة المتصلة. وقوله من العفاف قال علماء أهل اللغة العفاف الكف عما لا يحل يقال عف يعف عفا عفافا وعفة ورجل عف وامرأة عفة. والحلم ترك الإعجال بالعقوبة يقال حلمت عنه أحلم حلما وأنا حليم. والصبر الحبس صبرت نفسي على الأمر أي حبست وقتله صبراً إذا أمسكه ثم قتله ومنه قيل للرجل يقدم فتضرب عنقه قتل صبرا يعني أنه أمسك على الموت وكذلك إن حبس رجل نفسه على شيء يريده قال صبرت نفسي ومنه يمين الصبر وهو أن يحبسه السلطان على اليمين حتى يحلف بها. وسكون الطائر مثل يقال للرجل الحليم إنه لساكن الطائر أي إن طائره لا ينفر من سكونه وذلك أن الطير لا يقع إلا على ساكن فيراد أنه ساكن لا يتحرك حتى يصير بذلك عند الطائر كالجدران والأبنية التي لا تخاف الطير وقوعاً عليها ولا حلولاً بها وفي قولهم كأنما على رؤوسهم الطير قولان أحدهما أنهم لا يتحركون فصفتهم صفة من على رأسه طائر يريد أن يصيده فهو يخاف أن تحرك طيران الطائر وذهابه والآخر هو أن نبي الله سليمان ﵇ كان يجلس هو وأصحابه ويقول للريح أقلينا وللطير أظلينا ويستشعر أصحابه السكون والسكوت فشبهوا بجلساء سليمان ﵇ الذين لا يتحركون والطير تظلهم من فوق رؤوسهم وللطائر مواضع فالطائر الحط والطائر العمل والطائر التطير. وخفض الجناح يريد لين
الجانب قال الله تعالى " واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين " أي ألن جانبك لهم. والمتناهي الذي بلغ النهاية وهي الغاية. والذرى بضم الذال جمع ذروة وذورة وهي أعلى الشيء فأما الذرى بفتح الذال فهو الكنف. والمجد بلوغ نهاية الكرم وأصله من الكثرة وأن تأكل الماشية حتى تمتلئ بطونها يقال راحت الإبل مجدا وموجدا ومنه رجل ماجد ومجيد وقد مجد ومجد بالفتح والضم فكأن الماجد الممتلئ كرما وشرفا قال ابن السكيت الشرف والمجد يكونان بالآباء يقال رجل شريف وماجد أي له آباء متقدمون في الشرف. والحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف. والحاوي الجامع. والقصب جمع قصبة وكانت العرب تنصب في الرهان قصباً تكون لهم كالغايات يقع السبق إليها وقال أبو عبيدة كانوا يعطون الأول والثاني والثالث من السوابق في الحلبة قصبا كلما سبق فرس أعطى قصبة يقال هذا فرس مقصب إذا كان سابقا بأخذ القصب وصفة القصبة التي تعطي صاحب السابق من الخيل يوم الحلبة يكتب كتاب هذا فرس فلان بن فلان سبق يوم كذا ثم يعلق ذلك الكتاب في رمح أو قصبة يترك في يد صاحب الفرس يطوف بها على الناس فيعرف سبقه فيعطى على ذلك. والفائز الظافر بخير الدنيا والآخرة.
قال أبو محمد: بسم الله الرحمن الرحيم " باب معرفة ما يضعه الناس غير موضعه " من ذلك أشفار العين أصل ش ف ر في اللغة القلة ومن ذلك قيل لحرف كل شيء شفر لأنه أقله ومنه يقال شفر مال الرجل إذا قل وعيش مشفر أي ضيق قال الشاعر يصف النساء:
مولعات بهات هات وإن شف ر مال طلبن منك الخلاعا
وقال الآخر:
قد شفرت نفقات القوم بعدكمفأصبحوا ليس فيهم غير ملهوف
ومنه قولهم في النفي ما بالدار شفر بفتح الشين أي ما بها أحد وقال اللحياني شفر لغة وقال البصريون والكوفيون بأسرهم العرب تقول لحرف كل
شيء من القبر والمياه والأنهار والعينين شفر وشفير فإذا جاوزوا هذا قالوا شفر وقولهم ما بالدار شفر أي أحد.
وحمة العقرب أصلها حموة وكذلك لغة ودغة اسم امرأة حمقاء يضرب بحمقها المثل وبغة لولد الناقة الذي بين الهبع والربع وقيل أصلها حمية من الحمى يقال اشتد حمو الشمس وحمى الشمس وأخبرت عن محمد بن عبد الواحد عن ابي سعيد عن ابن دريد قال سألت أبا حاتم عن الحمة فقال سألت الأصمعي عن ذلك فقال هي فوعة السم أي حرارته وقال ابن الأعرابي يقال لسم العقرب الحمة والحمة ولم يحك التشديد غيره وهو الثقة الأمين. وإبرة العقرب شوكتها وإبرة الذراع الناتئ في وسط المرفق وما يليه مما يلي البطن كسر قبيح ومما يلي الجانب الآخر كسر حسن قال الشاعر:
الحسن والقبح في عضو من الجسد
وقال ابن سيرين يكره الترياق إذا كان فيه الحمة يقال درياق وترياق وطرياق وطراق وليس له اشتقاق لأنه رومي معرب.
قال أبو محمد وتقول المجوس إن ولد الرجل إذا كان من أخته ثم خط على النملة شفى صاحبها قال الشاعر قيل إنه لعمرو بن حممة الدوسي:
لنا العزة القعساء والبأس والندىبدينا بها في كل ناد وفي حفل
وإن تشرب الكلبى المراض دماءنابرين ويبرى ذو نجيس وذو خبل
ولا عيب فينا غير عرق لمعشركرام وأنا لا نخط على النمل
وهذا البيت يروى لمزاحم العقيلي وعروة بن أحمد الخزاعي. العزة الغلبة والمنعة والقعساء الثابتة يقال عز أقعس. والنادي مجلس القوم ومتحدثهم. والحفل المجتمع. والكلبي المجانين والكلب الجنون ولقد مضى شرحه والنجيش الداء الذي لا يبرأ. والخبل الجنون وفساد الأعضاء يقول لنا الفضل على الناس بالغلبة والشدة ونحن ملوك دماؤنا تشفي من الكلب وقوله ولا عيب فينا نفى أن يكون فيهم عيب ثم قال مثل هذا كثير ويعدونه من صنعة الشعر والمعنى لكن مع انتقائنا من العيوب فينا عرق معشر كرام وهو كقولك ما في فلان عيب إلا إنه سخي أي لا عيب فيه يقول فعيبنا أنا لا نخط على النمل أي
لسنا بمجوس ومثله قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب
والمعشر في اللغة كل جماعة فوق العشرة وأمرهم واحد نحو معشر المسلمين ومعشر الكافرين والأنس معشر والجن معشر وقيل معناه أنا لا نأتي ما قد جمعه النمل في الصيف فنأخذه في الشتاء من قراها ونأكله. وقوله بمجوس لا ينصرف للتعرف والتأنيث لأنه اسم قبيلة ولا يجوز أن تدخله الألف واللام إلا بعد النسبة إليه ومجوس اسم للجمع كتمر فإذا نسبت إليه قلت مجوسي ثم تجمع مجوسياً المنسوب فتقول مجوس فمجوس جمع وليس باسم الجمع ثم تدخل الألف واللام على جمع مجوسي فتقول المجوس.
قال أبو محمد الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور أو لشدة الجزع قال النابغة الجعدي واسمه عبد الله بن قيس ويكنى أبا ليلى:
سألتني جارتي عن أمتيوإذا ما عي ذو اللب يسل
سألتني عن أناس هلكواشرب الدهر عليهم وأكل
طلبوا الملك فلما أدركوابحساب وانتهى ذاك الأجل
وضع الدهر عليهم بركهفأراه لم يغادر غير فل
وأراني طرباً في أثرهمطرب الواله أو كالمختبل
جارته هنا امرأته قال الأعشى:
أيا جارتا بيني فإنك طالقة
وأمته قومه وأمة الرجل قرنه الذي يكون فيه وعي ذو اللب أي لم يعرف وجه الأمر ولم يهتد له واللب العقل ولب كل شيء خالصه ومنه سمى سم الحية لبا يقول إذا لم يعرف العاقل وجه الأمر سأل عنه وقوله شرب الدهر عليهم وأكل شرب أهل الدهر والمعنى لما ماتوا فنسوهم وفارقهم الحزن عليهم عادوا إلى الأكل والشرب. وقوله فلما أدركوا لما علم للظرف والمعنى لما نالوا ما قدره الله لهم وبلغوه من أحوال الملك المحسوبة والسنين المعلومة وانتهت أجالهم ماتوا وذهبوا. وقوله وضع الدهر عليهم بركه أي صدره كأنه افتراسهم كما يفترس الأسد الفريسة وهذا مثل وإنما يريد أهلكهم ولم يغادر لم يترك غبر فل أي غير بقية منكسرة وأصل الفل المنهزمون. وقوله وأراني يروى بفتح الهمزة
وضمها على ما لم يسم فاعله وإنما تعدى هذا الفعل إلى ضمير الفاعل وأنت لا تقول ضربتني لأنه من أفعال الشك واليقين وهي غير مؤثرة يقول أراني استخف من بعدهم كما يستخف الواله وهو المتحير أو المختبل وهو الذاهب العقل يقال منه وله يوله ولهاً ويروي أو كالمحتبل وهو الذي قد وقع في الحبالة ويروى كالمتبل وهو مفتعل من التبل والتبل أن يسقم الهوى الإنسان.
" وقال آخر " نسبه بعضهم إلى بشار والصحيح إنه لأبي جنة الأسدي بالجيم والنون كذا أخبرت عن الحسن بن بشر الآمدي وأسم أبي جنة حكيم بن عبيد ويقال حكيم بن مصعب وهو خال ذي الرمة:
فلما ودعونا واستقلواإلى صهب هواديهن قود
كتمت عواذلي ما في فؤاديوقلت لهن ليتهم بعيد
وفاضت عبرة أشفقت منهاتجود كأن وابلها الفريد
فقلن لقد بكيت فقلت كلاوهل يبكي من الطرب الجليد
ولكن قد أصاب سواد عينيعويد قذى له طرف حديد
فقالوا ما لدمعهما سواءأكلتا مقلتيك أصاب عود
قوله استقلوا يقول لما احتمل من يحب على الابل سايرين والصهب الابل البيض يضرب بياضها إلى الحمرة والهوادي الأعناق والقود الطوال كتمت عواذلي مافي فؤادي أي أخفيت عنهن ما أجده من الوجد بالمتحملين وأظهرت لهن السرور ببعدهم خوفاً من لائمتهن وبعيد يقع للواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد وكذلك قريب قال الله تعالى " وما هي من الظالمين ببعيد " والمعنى مكان بعيد وقريب ومن بناه على قرب وبعد ولم ينو المكان ثنى وجمع وأنث. وقوله وفاضت عبرة أشفقت منها أي خفت من ظهورها وتجود تأتي بدمع غزير والوابل أكثر منه وأصلهما في المطر والفريد جمع فريدة وهي الشذرة من الفضة كاللؤلؤة وقوله كلا ليس الأمر كما زعمتن ومعناها الردع والزجر والجليد الجلد يقول لم أبك ولكن أصاب عيني عود أقذاها فجرى دمعها فقالوا أي قال العاذلون والعاذلات فلذلك أتى بالواو ما لدمعهما سواء أي فما أجرى دمع الأخرى وإنما قالوا ذلك تكذيبا له وكلتا اسم لتثنية المؤنث كما أن كلا للمذكر وألفها للتأنيث وتاؤها منقلبة عن الوار وأصلها كلوى.
وقوله من ذلك الحشمة. الحشمة في اللغة لها موضعان أحدهما الغضب والآخر الحياء وقيل للمبرد الحشمة الغضب والحشمة الحياء ما معنى ذلك فقال الغضب والحياء كلاهما نقصان يلحق النفس فكان مخرجهما واحدا وسمي حشم الرجل حشماً لأنهم يغضبون لغضبه.
وأما زكنت الأمر فقال ابن درستويه معناه حزرت وخمنت وقال وأهل اللغة يقولون معناه علمت ويستشهدون عليه ببيت قعنب وليس فيه دليل على تفسيرهم أنما معناه خمنت على مثل ما خمنوا عليه من سوء الظن والعرب تقول فلان صاحب أركان وليس يعنون به صاحب علم ولكن صاحب حزر وأنشد أبو محمد بيت قعنب:
ولن يراجع قلبي حبهم أبدازكنت منهم على مثل الذي زكنوا
يقول قد علمت من بغضهم لي مثل ما علموا من بغضي لهم فقلبي لا يودهم أبداً لذلك يعني بني ضب وبني وهب وهم بنو أعمامه من بني عبد الله بن غطفان وكانوا يحسدونه ويروى زكنت من بغضهم.
وقوله أن القافلة لا تسمى قافلة حتى يصدروا. فقال الأزهري هذا غلط ما زالت العرب تسمي الناهضين في ابتداء الأسفار قافلة تفاؤلاً بأن ييسر الله لها القفول وهو شائع في كلام فصحائهم والذي قال الأزهري هو قول ابن الأعرابي.
وأما المأتم فأصله من الجمع وهو الأتم في الخرز وهو أن ينفتق خرزتان فتصيرا واحدةً وأمرأة أتوم إذا التقى مسلكاها والفعل منه أتم يأتم وأتم يأتم ومأتم من أتم يأتم وقال أبو عطاء السندي وكان فصيحاً واسمه مرزوق:
ألا أن عينا لم تجد يوم واسطعليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النائحات وشققتجيوب بأيدي مأتم وخدود
يرثى ابن هبيرة وكان المنصور قتله بعد أن أمنه وسبب ذلك أنه دخل على المنصور يوما فقال له حدثنا فقال له يا أمير المؤمنين إن سلطانكم حديث وإمارتكم جديدة فأذيقوا الناس حلاوة عدلها وجنبوهم مرارة جورها فو الله يا أمير المؤمنين لقد محضت لك النصيحة ثم نهض فنهض معه سبعمائة من
قيس فأثأره المنصور بصره وقال لا يعز ملك فيه مثل هذا ثم قتله فلما حمل رأسه إليه قال للحرسي أترى إلى طينة رأسه ما اعظمها فقال الحرسي طينة أمانه أعظم من طينة رأسه. قوله لم تجد لم تسمح بالبكاء وجمود قليلة الدمع يقال عين جامدة وجمود وسنة جماد قليلة القطر وعشية بدل من قوله يوم واسط وأسماء الزمان تضاف إلى الأفعال وهو تحديد وتوقيت ومعنى قيام النائحات تهيؤها للنوح كما تقول قامت السوق والجيوب جمع جيب والفعل منه جبت القميص إذا قورت جيبه وجيبته إذا عملت له جيبا وقال سلمت جبت القميص وجبته وأنشد لأبي حية النميري واسمه الهيثم بن الربيع:
رمته أناة من ربيعة عامرنؤوم الضحى في مأتم أي مأتم
فجاء كخوط البان لا متتابعولكن بسيما ذي وقار وميسم
فقلن لها سرا فديناك لا يرحصحيحا وإلآ تقتليه فألممي
فألقت قناعا دونه الشمس واتقتبأحسن موصولين كف ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤادهوعينيه منها السحر قلن له قم
فود بجدع الأنف لو أن صحبهتنادوا وقالوا في المناخ له نم
قوله رمته أي رمته بنظرها إليه والأناة المرأة التي فيها فتور عند القيام وأصلها ونأة من الونى وهو الفتور والكسل والواو المفتوحة لم تزل منها الهمزة إلا في أحرف يسيرة هذا أحدها وقد يجوز أن تكون أناة من التأني وهو التمكث وربيعة بن عامر بن صعصعة أخو نمير ووصفها برقاد الضحى لأنها مكفية مكرمة تخدم ولا تخدم والخوط الغصن والبان شجر شبه به الشباب الناعم وخص البان لأن قضبانه أحسن القضبان في الطول والاستواء والمتتايع الذي يتهافت على أمر ليس بالحميد وموضع كخوط نصب على الحال ولا متتايع ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال لا هو متتايع ولكن استدراك بعد نفي أي جاء غير متتايع ولكن بهذه السيما وهي العلامة والمسيم الحسن وأثر الجمال يقول نحل لما رمته فصار كأنه خوط بان قضافة ونحافة ومع ذلك كان وقورا موسوما بالحسن والجمال. وقلن لها أي قالت النسوة التي حوالي هذه المرأة لها وقوله سرا يجوز أن يكون مصدرا في موضع الأمر كأنه قال ساريه مسارة فوقع السر موقع المسارة فيكون على هذا لا يرح جواب الأمر الذي دل عليه سرا ويجوز أن يكون سرا مصدرا في موضع الحال ويكون لا
يرح مجزوما بلا النهي ويجعل النهي في اللفظ للرجل والمرأة هي المنهية كما تقول لا أرينك ههنا والمعنى لا تكن ههنا فأراك أي يقلن لها قد ألقيته في فتنة العشق فلا تدعيه يروح صحيحا وأدنيه من الموت أن لم تقتليه والممى أي قاربى وأظهر التضعيف ضرورة لأن الميم هنا تلزمها الحركة. وألقت قناعا القناع المقنعة يقول طرحت قناعها وسترت بمعصمها وجها كالشمس والمعصم من موضع السوار من اليد. وقوله وقالت يجوز أن يكون معناه تكلمت كما تقول قال وقلنا أي تكلم وتكلمنا وقيل معناه أو مأت أو تهيأت لأمر تريده وافرغت صبت السحر في عيني الرجل وفؤاده وسحرت عينه لأنه رآها فوق ما هي عليه من الحسن والسحر إخراج الشيء في أحسن معارضه حتى يفتن ويروى قلن له أنعم على القلب أي أحزن وتوجد من العشق ويجوز أن يكون معنى أنعم هزءاً أي قد صدناك واستعبدناك. وقوله فود بجدع الأنف الباء هنا تفيد معنى العوض تقول هذا بذاك أي عوض من ذاك وتنادوا يجوز أن يكون تجمعوا من الندى وهو المجلس وأن يكون من النداء يريد تداعوا وقالوا ذلك وجدع الأنف قطعه والمناخ موضع الإناخة.
قال أبو محمد ومن ذلك الحمام. الحمام اسم جنس الواحدة حمامة يقع على الذكر والأنثى وحكى عن الأصمعي أنه قال اليمام ضرب من الحمام بري. وانشد أبو محمد لحميد بن ثور الهلالي ويكنى أبا الأخضر:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامةدعت ساق حر ترحة وترنما
من الورق حماء العلاطين باكرتعسيب أشاء مطلع الشمس أسحما
عجبت لها أنى يكون غناؤهافصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقة صوت مثلهاولا عربيا شاقه صوت أعجما
يقول ما أثار شوقي إلا صوت قمرية تدعو ذكرها وقيل الحر فرخ الحمام والساق أبوه وقيل ساق حر حكاية صوتها والترحة الحزن والترنم الصوت الذي لا يفهم والورق جمع ورقاء وهي التي لونها كلون الرماد وحماء سوداء والعلاط سمة في العنق يعني طوقها والعسيب عود السعفة والإشاء صغار النخل والأسحم الأسود وإن بمعنى كيف ويكون أنى بمعنى أين أيضا وتفغر تفتح يقول عجبت كيف يفصح غناؤها بما في جوفها من الحزن ولم تفتح فاها فتنطق فهي مطبقة فمها لا تفتحه وقوله فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها بقول لم
أر إنساناً هيج شوقة صوت حمامة ولا عربيا مثلي شاقه صوت أعجم وهو الذي لا يفصح وذلك أن العربي لا يهتدي إلى غناء الأعجمي فلا يطرب له فإذا أطربه غناؤه فذاك متناهي الحسن وعنى بالأعجم الحمامة ويروى ولم أر محزونا له مثل صوتها أي لم أر محزونا أملح صوتا من صوتها.
وأنشد أبو محمد للنابغة الذبياني واسمه زياد ويكنى أبا إمامة:
وأحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرتإلى حمام سراع وارد الثمد
قالت إلا ليتما هذا الحمام لناإلى حمامتنا ونصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما وجدتستاً وستين لم ينقص ولم يزد
فكملت مائة فيها حمامتهاوأسرعت حسبة في ذلك العدد
ليت الحمام ليه إلى حمامتيهونصفه قديه تم الحمام ميّه
يخاطب النعمان ويعتذر إليه مما بلغه عنه. أحكم أي كن حكيما والحكم الحكمة مثل نعم ونعمة ونحل ونحلة تقول أحكم كحكم فتاة الحي إذ أصابت فوضعت الأمر موضعه وهي لم تحكم بشيء إنما قالت شيئا كانت فيه حكيمة يقول فأصب أنت في الأمر ولا تقبل ممن سعى عليّ وقال الأصمعي سمعت ناسا بالبادية يحدثون أن ابنة الخس كانت قاعدة في جوار فمر بها قطا وارد في مضيق من الجبل فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا ومثل نصفه معهإلى قطاة أهلنا إذاً لنا قطاً مائه
فاتبعت القطا فعدت على الماء فإذا هي ست وستون. وقال أبو عبيدة زرقاء اليمامة كان اسمها اليمامة فسميت جو اليمامة وقال ابن الكلبي اسمها عنز وكانت زرقاء فنسبت إلى اليمامة وكانت من بقية طسم وجديس وكانوا من ساكني اليمامة وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأكثرها خيرا فمر بها سرب من قطا على مسيرة ثلاث فنظرت إليها فقالت:
ليت الحمام ليه إلى حمامتيهونصفه قدية تم الحمام ميّة
وكان لها قطاة فنظر فإذا القطا كان ستا وستين وكان وقع في شبكة صياد فعدته وهو يمر بين جبلين حين نظرت إليه وحسبته وأسرعت الحسبة والثمد الماء القليل وقدي أي حسبي وهي كلمة تستعمل كثيرا ولا يعرف استعمالها مع الظاهر وإذا جاءت مع المضمر فإنما يخاطب بها المواجه وحذف النون من
قدني عند سيبويه للضرورة وعند الفراء لغة. ويروى فياليت ما هذا الحمام. والحمام بالرفع والنصب فمن رفع جعل ما كافة ومن نصب جعلها زائدة والحمام يذكر ويؤنث ويوصف بالواحد والجمع فلذلك قال وارد وكل ما كان بينه وبين واحده التاء فهو اسم للجمع وحكمه وكذلك. والثمد الماء القليل ويحفه يكون من جانبيه والنيق أرفع موضع في الجبل وإذا كان الحمام بين جانبي نيق ضاق عليه الموضع وركب بعضه بعضا فكان أشد لعده. وقوله مثل الزجاجة يريد عينا صافية كصفاء الزجاجة فحسبوه الهاء للحمام. وقوله لم تنقص ولم تزد يروى بالتاء والياء فالياء ضمير العدد وقيل هو ضمير الحمام والتاء ضمير المرأة وروى أبو عبيدة فكلمت مائة بالتخفيف أي فتمت وقال الأصمعي الحسبة الجهة التي يحسب منها وهي مثل القعدة والجلسة والحسبة هي المرة الواحدة تقول اسرعت أخذاً في تلك الجهة.
وقوله ومن ذلك الربيع. قال أبو يحيى بن كناسة في صفة أزمنة السنة وفصولها وكان علاّمة بها أعلم أن السنة أربعة أزمنة الربيع الأول وهو عند العامة الخريف ثم الشتاء ثم الصيف وهو الربيع الآخر ثم القيظ قال وهذا قول العرب البادية قال والربيع الأول هو الخريف عند الفرس يدخل لثلاثة أيام من أيلول قال ويدخل الشتاء لثلاثة أيام من كانون الأول قال ويدخل الصيف الذي هو الربيع عند الفرس لخمسة أيام تخلو من آذار ويدخل القيظ الذي هو صيف عند الفرس لأربعة أيام حزيران. قال أبو يحيى وربيع أهل العراق موافق لربيع الفرس وهو الذي يكون بعد الشتاء وهو زمان الورد وهو أعدل الأزمنة وفيه تقطع العروق ويشرب الدواء قال وأهل العراق يمطرون في الشتاء كله ويخصبون في الربيع الذي يتلو الشتاء وأما أهل اليمن فإنهم يمطرون في القيظ ويخصبون في الخريف الذي تسميه العرب الربيع الأول.
وأنشد أبو محمد شاهداً على ظل الليل لذي الرمة واسمه غيلان بن عقبة:
قد أعسف النازح المجهول معسفهفي ظل أخضر يدعو هامه البوم
بالصهب ناصبة الأعناق قد خشعتمن طول ما وجفت أشرافها الكوم
أعسف أسير على غير هداية والنازح الخرق البعيد والمعسف والعسف واحد وهو أن يأخذ على غير هدى والمجهول الذي لا يهتدي لطريقه وقد بالغ
في وصف نفسه بقطع الفلوات وارتكاب الأهوال لأنه لم يكفه أن يجعل الموضع الذي يسير فيه خرقا لا يهتدي فيه حتى أخبر أنه يسري فيه في ليل أسود لا قمر فيه وذلك لقطعه ثم جعله لا يسمع به سوى صوت البوم وذلك أروع له وأبعد من الأنيس. والهام جمع هامة وهي أنثى البوم والذكر الصدأ والأخضر هنا الأسود وظله ستره ويروى في ظل أغضف وهو المتثنى والصهب جمع أصهب وصهباء وهي الإبل التي يخالط بياضها حمرة وهو أن يحمر أعلى الوبر وتبيض أجوافه وجمل صهابى أي أبيض اللون وهو نجار العتق. وخشعت تطامنت. والوجيف ضرب من السير سريع. وأشرافها أسنمتها الواحد شرف والكوم جمع أكوم وكوماء وهي العظيمة السنام يقول أعسف هذا المكان المجهول معصفة في ليل متراكب الظلمة بالإبل الصهب الناصبة الأعناق وقد تطامنت اسنمتها العظام الطوال ولصقت بظهورها من طول سيرها السريع.
قال أبو محمد ومنه قول الله ﷿ " حتى تفيء إلى أمر الله " أي ترجع وأنشد لامرئ القيس بيتا وقبله:
فلمّا رأت أن الشريعة همهاوأن البياض من فرائضها دامي
تيممت العين التي عند ضارجيفيء عليها الظل عرمضها طامي
أخبرني المبارك بن عبد الجبار عن علي بن عمر عن عبيد الله بن محمد المروزي الكاتب عن ابن الأنباري عن العنزي عن علي بن الصباح عن هشام بن محمد عن فروة بن سعيد بن عفيف بن معدي كرب عن أبيه عن جده قال قدم على رسول الله ﷺ ناس من أهل اليمن فقالوا يا رسول الله أحيانا الله بيتين من شعر امرئ القيس خرجنا نريدك فلما كنا ببعض الطريق ضللناه فبتنا على غير ماء فلم نزل ثلاثا على ذلك حتى استذرينا بظل الطلح والسمر فبينا نحن على ذلك إذ أقبل راكب على بعير متلثم بعمامة فتمثل رجل منا بقول امرئ القيس فلما رأت. البيتين فقال الراكب من يقول هذا قلنا امرؤ القيس قال فو الله ما كذب هذا ضارج عندكم فحبونا إليه على الركب فوجدناه ماء قد علاه العرمض وهو الطحلب فشربنا منه حتى روينا وحملنا ما كفانا حتى وقفنا على الطريق فقال رسول الله ﷺ " ذاك رجل شريف في الدنيا مذكور فيها منسي في
الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار " في رأت ضمير يعود إلى ناقته والفريصة اللحمة في ناغض الكتف على الجنب وهو أول ما يرعد من الدابة إذا فزع. يقول لما رأت الناقة أن الشريعة همها تيممت العين أي قصدتها وإنما جعل البياض من فرائصها داميا ليدل على ما لحقها من الكلال والتعب في طول السير وقال أبو إسحق الحربي الصواب وإن البياض من فراسنها دامي والفراسن جمع الفرسن وهو في يد الناقة والسلاميات عظام الفرسن. وقوله عرمضها العرمض الخضرة التي تعلو الماء. والطامى المرتفع. وضارج جبل.
وأنشد أبو محمد للشماخ ويكنى أبا سعد يمدح عرابة الأوسى وقبله:
إليك بعثت راحلتي تشكىحروثا بعد محفدها السمين
إذا بركت على شرف وألقتعسيب جرانها كعصا الهجين
إذا الأرطى توسد أبرديهخدود جوازئ بالرمل عين
الراحلة من الإبل التي يختارها الرجل لمركبه. والحروث الهزال والمحفد السنام يقول لم أزل أذيبها في السير إليك حتى أنضيتها بعد سمنها والشرف ما ارتفع من الأرض. والعسيب هنا عظم الذنب. والجران باطن عنق البعير وهو ما أصاب الأرض منه إذا برك وأراد بالهجين الراعي شبه عنق ناقته بالعصا لهزالها. والأرطى ضرب من الشجر وخصه لأن منبته في الرمل والبقر والظباء تعوذ وتكنس فيه من الحر والبرد والمطر. وقوله توسد أبرديه أي اتخذ الظل والفيء وسادة. والجوازئ الظباء التي تجتزئ بالرطب عن الماء. والعين جمع عيناء وهي الواسعات العيون.
قال أبو محمد ومن ذلك الآل والسراب. أما السراب فإنما سمي سرابا لأنه يسرب سربا أي يجري جريا يقال سرب الماء يسرب سروبا قال الفراء وهو ما لصق بالأرض والآل الذي يكون كالملاء بين السماء والأرض كأنه الماء قال ويكون من الضحى إلى زوال الشمس والسراب بعد الزوال إلى صلاة العصر. والآل الشخص والآل الأحوال جمع آلة والآل الخشب المجرد والآل الأهل. وأنشد أبو محمد للنابغة الجعدي:
حتى لحقنا بهم تعدي فوارسناكأننا رعن قف يرفع الآلا
قال وهذا من المقلوب. قوله تعدي أي تستحضر الخيل يقول هي تمرح بهم فكان ذاك نزوان الآل ومفعول تعدى محذوف أراد تعدى فوارسنا أفراسهم والرعن أنف نادر من الجبل. والقف الجبيل الصغير وقال أبو عبيدة الرعن والآل كلاهما يرفع أحدهما الآخر وليس هذا من المقلوب لأنه شبه الكتيبة برعن والقف وشبه ما على الكتيبة من الحديد بالآل فلو كان الآل هو الرافع لم يكن التشبيه واقعا لأن الحديد أبدا يعلو الكتيبة. والقيعة جمع قاع وهو المنبسط من الأرض الذي لا نبت فيه ومثله نار ونيرة وولد وولدة وأخ وأخوة قال أبو محمد إنما الدلج سير الليل وأنشد للشماخ:
كأنها وقد براها الاخماسودلج الليل وهاد قياس
ومرج الضفروماج الاحلاسشرائج النبع براها القواس
يهوى بهن بختري هواسكأن حر الوجه منه قرطاس
ليس بما ليس به باس باسولا يضر البر ما قال الناس
الضمير في كأنها يرجع إلى الإبل والاخماس جمع خمس والخمس أن ترد الإبل الماء يوماً وتدعه ثلاثة أيام وترد في اليوم الخامس وبراها هزلها وقطع لحمها والهادي الدليل والقياس الذي يقيس طريقا بطريق فيأخذ بالأشبه ومن روى قسقاس فهو الهادي المتفقد الذي لا يغفل إنما دأبه التلفت والتنظر يقال ليلة قسقاسة شديدة الظلمة يقول هزل هذه الإبل اظماؤها وسراها واتعاب دليلها الماهر بالدلالة فلا ينزل ولا يتوقف للاستدلال فتستريح الإبل ومرج قلق يقال مرج الخاتم في يدي إذا قلق والضفر نسيج من الشعر عريض يشد في وسط الناقة يقول اضطراب بطانها منت هزالها والاحلاس جمع حلس وهو الكساء الذي يكون تحت الرحل والقتب يلي ظهر البعير والشرائج جمع شريجة وهو أن يشق القضيب نصفين فتعمل منه قوسان فيقال لكل واحدة شريج وشريجة وبراها قطعها وقوله يهوى بهن أي يسرع بهذه النوق بخترى وهو المتبختر والهواس والهواسة الرجل المجرب الشجاع وحر الوجه خالصه وشبهه بالقرطاس لبياضه. قال أبو محمد أبو زبيد يذكر قوما يسرون اسم أبي زبيد حرملة بن المنذر:
تواصوا بالسرى هجرا وقالواإذا ما ابتز أمركم النعوس
فإياكم وهذا العرق واسموالموماة فآخذها مليس
وحفوا بالرحال على المطاياوضموا كل ذي قرن وكيسوا
فباتوا يدلجون وبات يسريبصير بالدجى هاد غموس
تواصوا أي أوصى بعضهم بعضا هجرا أي وقت الهاجرة والسرى سير الليل خاصة. وابتزاي عري من الأمر وجرد ويروى ابتز بالفتح أي إذا غلب أمركم ناعس وقوله فإياكم وهذا العرق أي احذورا هذا العرق وأبعدوا عنه وهو الجبل ويقال الغيضة وميلوا إلى الموماة وهي الفلاة وأصلها موموة فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وآخذها طريقها الذي يؤخذ فيه فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى ماء دافق أي مدفوق ومليس أي أملس. وحفوا بالرحال يقول إذا أعييتم وغلبكم النعاس فأنيخوا بنا في الموماة وإياكم أن تنيخوا قريبا من هذا العرق وأديروا الرحال حولهم وأعدوا الرماة. والقرن الجعبة وكيسوا أي استعملوا الكيس وهو العقل قال الشاعر:
فلو كنتم لميسة أكاستوكيس الأم يعرف في البنينا
ولكن أمكم حمقت فجئتمغثاثاً ما ترى فيكم سمينا
فباتوا يدلجون أي يسرون الليل وبات الأسد يسري معهم حيث لا يرونه يراعى غرتهم. وقوله هادٍ أي مهتد إلى الطريق والمأخذ والهموس الذي لا يسمع لقوائمه وطء ولا يحس به أحد. والدجى الظلمة الواحدة دجية، ويروي عموس وغموس بالعين والغين ومعناهما الشديد: قال أبو محمد وكان رجل من أصحاب اللغة يخطئ الشماخ في قوله:
وكنت إذا لاقيتها كان سرنالنا بيننا مثل الشواء الملهوج
وكادت غداة البين ينطق طرفهابما تحت مكنون من الصدر مشرج
وتشكو بعين ما أكل ركابهاوقيل المنادى أصبح القوم أدلجي
يقول كنت إذا لاقيت هذه المرأة لم أتمكن من مسارتها والاشتفاء بحدثيها وتعرف ما عندها لي إلا على عجلة وغير تمكن من اتمام الحديث خوف الرقباء فكان سرنا مثل الشواء الذي لم يتم نضجه وقوله بما تحت مكنون من الصدر أي مكتوم. ومشرج مشدود كشرج العيبة وهي عراها المداخل بعضها
في بعض يقول كادت هذه المرأة غداة الفراق تبكي فيعلم ببكائها في ضميرها فيقوم بكاؤها مقام النطق بسرنا والبوح به وتشكو بعين معناه أنها لا تقدر على الكلام من التعب والجهد فهي تومئ بطرفها إليه وقوله ما أكل ركابها قال أبو علي يجوز أن ينشد ما أكلت ركابها على أن يكون بمعنى المصدر فيكون التقدير وتشكو بعين إكلال ركابها ولا يكون في الصلة شيء يرجع إلى ما لأنها إذا كانت بمعنى المصدر لم يكن في صلتها عائد إليها والمعنى على ضربين أحدهما أن يكون وتشكو بعيني إكلال ركابها إياها فترك ذكر المفعول للدلالة عليه والآخر أن يكون وتشكو كلال ركابها ولا تقدر المفعول ولكن كأنك قلت وتشكو أن أكلت ركابها أي صارت ذات كلال وفي ذلك دلالة على كلالها إذ كانت معهن تسير بسيرهن ويجوز ما أكلت ركابها على أن يكون ما بمعنى الذي فيكون التقدير وتشكو بعين الذي أكلته ركابها فتحذف الهاء العائدة إلى الموصول والذي أكلته ركابها هو التعب والكلال فهذا في المعنى مثل الأول وإن كان تقدير اللفظ مختلفا وهذا الوجه هو الرواية في البيت فيما روى عن الأصمعي ويجوز تشكو بعين ما أكل ركابها على أن تكون ما بمعنى الذي ويكون فاعل أكلّ ضمير ما والذي أكل ركابها في المعنى هو دؤوت السير وكثرته وموضع ما مع صلته في كل هذه الوجوه نصب. ويجوز وتشكو بعين ما أكل ركابها على أن تكون ما تعجبا كأنه قال وتشكو بعين ما أكل ركابها فتعجب من كلال ركابها فيكون موضع ماجراً صفة للعين كما تقول مررت برجل ما أحسن ثوبه ولا يجوز أن تكون مانفيا في قول من رفع فقال ما أكل ركابها لقوله وقيل المنادى ولا يكون مع هذا الأمر منادى الرفقة والائتمار له إلاّ تكل الركاب ويكون قيل المنادى على هذا التأويل أصبح القوم أدلجي محمولاً على فعلٍ آخر غير تشكو هذه الظاهرة كأنه وتشكو قيل المنادى إلا أن هذا الظاهر دلّ عليه وإن شئت حملت قيل المنادى في هذا الوجه على موضع الباء وما جرته مثل مررت بزيد وعمراً ويكون في الأقاويل الأخر مثل قولك وتشكو زيدا وعمراً فهذا ما يحتمله ها البيت وقيل في قوله وتشكو يعني الناقة وشكواها رغاؤها وأثر الكلال فيها وما بمعنى الذي وقال بعضهم الشكوى ههنا من المرأة يقول غمزت بعينها وأومأت بيدها لأنها لا تقدر على الكلام ممن تهابه والقول الأول قيل أنه قول الأصمعي ويروى وقيل المنادى وقول المنادى فالقول
مصدر والقيل والقال اسمان وهذا على أن المنادى نادى في أول الليل أو في وسطه.
قال أبو محمد " ومن ذلك العرض ". أخبرت عن ابن الأنباري أنه قال أنكر ابن قتيبة أن يكون العرض الآباء والأسلاف واحتج بالحديث في أهل الجنة وليس في احتجاجه بهذا الحديث حجة له لأن الأعراض عند العرب المواضع التي تعرق من الجسد وقال والذي يدل على غلطه في هذا التأويل قول مسكين الدارمي:
رب؟ مهزولٍ سمينٍ عرضهوسمين الجسم مهزول الحسب
معناه مهزول البدن والجسم كريم الآباء وقال عمر بن الخطاب ﵁ للحطيئة كأني بك عند رجل من قريش قد بسط لك نمرقةً وكسّر أخرى وقال يا حطيئة غننا فاندفعت تغنيه بأعراض الناس فمعناه بثلب أسلافهم وآبائهم وقال الآخر:
قاتلك الله ما أشد عليك ال بذل في صون عرضك الخرب
يريد في صوت أسلافك اللئام وقول حسان: فان أبي ووالده وعرضي
معناه فان أبي ووالده وآبائي فأتى بالعموم بعد الخصوص ذكر الأب ثم جمع الآباء كما قال الله تعالى " ولقد آتينا سبعاً من المثاني والقرآن العظيم " فخص السبع ثم أتى بالقرآن العام بعد ذكره إياها وقول أبي ضمضم اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك معناه إني تصدقت عليهم بما يلحقوني من الأذى في أسلافي فجعلتهم من إثم ذلك في حل. وقول أبي الدرداء أقرض من عرضك ليوم فقرك من سب أباك وأسلافك فلا تسب أباه وأسلافه ولكن اجعل ذلك قرضا عليه ليوم القصاص والجزاء قال وقول ابن قتيبة لا يجوز أن يكون الأسلاف لأنه إذا ذكر أسلافه لم يكن التحليل إليه لذكره قوما موتى ليس المعنى في هذا عندنا على ما قال لأنه لم يحلله من سبّه الآباء وإنما أحله مما وصل إليه من الأذى في ذكره أسلافه انتهى كلام أبي بكر فهذه الشواهد التي استشهد بها ابن قتيبة على أن العرض النفس متأولة كما ترى والدليل القاطع
عن ان العرض النفس حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ " فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " أراد احتاط لنفسه لا يجوز فيه معنى الآباء وكذلك قوله ليّ الواجد يحل عقوبته وعرضه لا يكون عرضه إلا نفسه وقد اختلف الناس في العرض وحمله على ما قيل فيه أنه النفس والبدن والريح والحسب وما يمدح به الرجل ويذم وخلائقه المحمودة والموضع الذي يعرق منه الجسد والعرض أيضا الرجل الذي يعترض الناس بالباطل والعرض وادي اليمامة والعرض كل واد فيه قرى ومياه. وأنشد لحسان بن ثابت ابياتا قبلها:؟ ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدا فأجبت عنهوعند الله في ذاك الجزاء
اتهجوه ولست له بكفءٍفشركما لخيركما الفداء
فمن يهجو رسول الله منكمويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضيلعرض محمد منكم وقاء
يعني أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان رضيع رسول الله ﷺ أرضعته حليمة وكان يألفه في الجاهلية فلما بعث عاداه وهجاه ثم أسلم عام الفتح وشهد حنيناً والمغلغلة الرسالة تحمل من بلد إلى بلد. وقوله فقد برح الخفاء أي انكشف الستر واتضح الأمر وهو مثل والخفاء مصدر خفي الأمر خفاء إذا اكتتم ويروى فأنت مجوف نخب هواء والمجوف الذي لا قلب له كالقصبة الجوفاء وكذلك النخب والهواء الرجل الجبان يقال رجل هواء وقوم هواء وأصله من قولهم وعاء هواء إذا كان منخرق الأسفل لا يعي شيئا والكفء النظير يقال كفءٌ وكفؤ وكفؤ قالوا وكفئ على فعيل وكفاء على فعال والوقاء ما وقى شيئاً وهو كالفداء يقول هجوكم لا ينقصه كما أن مدحكم لا يرفعه.
قال أبو محمد " ومن ذلك العترة " أما العترة فهي نسل الرجل وربما جعلوها الأسرة واشتقاقها من العتر وهو الأصل فكأنها الجماعة التي أصلها واحد ومعنى حديث أبي بكر ﵁ نحن عترة رسول الله ﷺ التي خرج منها وبيضته التي تفقأت عنه. التفقؤ التشقق وضرب البيضة مثلاً ومعنى قوله وإنما جيبت العرب عنا كما جيبت الرحا عن قطبها يقول خرقت العرب عنا وكنا وسطا وكانت العرب حوالينا كما خرقت الرحا في وسطها القطب وهو الذي تدور عليه الرحا وهذا مثل أيضا.
وأما الجاعرتان فقال أبو زيد وغيره هما من البعير العظمان المكتنفان أصل الذنب والذنب بينهما وقال الليث هما حيث يكوي الحمار في مؤخره وهما الرقمتان وهذا قريب من قول أبي زيد وحكى بعضهم عن الأصمعي هما حرفا الوركين المشرفان على الفخذين والرقمتان أيضا شبه ظفرين متقابلين في باطن أعضاد الفرس والحمار وأنشد أبو محمد بيتا لكعب ابن زهير وقبله.
كأني شددت بأنساعهاقويرح عامين جاباً شنونا
يقلّب حقباً ترى كلّهنقد حملت فأسرّت جنينا
فأبقين منه وأبقى الطرّادبطنا خميصا وصلبا سمينا
وعوجا خفافا سلامٍ الشظىوميظب أكم صليباً رزينا
إذا ما انتحاهنّ شؤبوبهرأيت لجاعرتيه غضونا
الاتساع حبال من أدم الواحد نسع وقويرح تصغير قارح يريد حمار وحش شبه ناقته به في قوتها وصلابتها ثم أخذ في وصف الحمار والأتن الجأل يهمز ولا يهمز وهو الصلب الغليظ. والشنون الذي بين السمين والمهزول والحقب جمع أحقب وحقباء وهي التي في حقوبها بياض وأسرت جنينا أي أضمرت ولدا في بطنها فأبقين منه أي أبقت الاتن من العير وأبقى الطراد أيضا بطناً خميصا أي ضامرا. وعوجا خفافا يعني قوائم منحنية خفيفة. وسلام الشظى سليمة من الداء والعيب. والشظى عظمٌ لاصق بالذراع وميظب أكمٍ يريد أنه مواظب أبدا على الأكم يعني، حوافر تديم دقّ الأكم والصليب الصلب. وقوله انتحاهنّ أي قصدهنّ وشؤبوبه شدة دفعته في جريه والهاء راجعة إلى العير والضمير في انتحاهنّ يرجع إلى الأتن. والغضون الاسترخاء والتثني من الهزال.
قال أبو محمد وأما قول الهذلي في صفة الضّبع عشنزرةٌ جواعرها ثمان فلا أعرف عن أجذ من علمائنا فيه قولا أرتضيه.
الهذلي هو الأعلم واسمه حبيب بن عبد الله وهو أخو صخر الغيّ وأول هذا الشعر:
أعبد الله ينذر يال سعددمي إن كان يصدق ما يقول
متى ما يلقني ومعي سلاحييلاق الموت ليس له عديل
فشايع وسط ذودك مقبئناًلتحسب سيداً ضبعاً تبول
عشنزرة جواعرها ثمانٍفويق زماعها خدم حجول
قوله ينذر أي يوجب على نفسه سفك دمي يقول أن لقيته لأقتلنه ويروى يوعد أي يتهدد. وسعد بن هذيل بن مذركة بن الياس بن مضر. والمعنى أن كان يصدق فتعجبوا له يريد أنه كاذب لا يقدر على ما يقول. وقوله فشايع أي ادع أبلك ويروى تشايع أي تنادي. وتدعو ذودك والذود ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل. ومقبئناً منتصبا ويروى مستقناً من القنّ وهو الذي يقيم مع غنمه يشرب ألبانها ويكون معها حيث ذهبت. وتنول تحرك رأسها ويروى تبول يهزأ به. وعشنزرة غليظة مسنة يريد الضبع. وقوله جواعرها ثمان قال ابن قتيبة لا أعلم عن أحد من علمائنا فيه قولاً أرتضيه قال لنا الشيخ أبو زكريا قد وجدنا في ذلك قولا مرضيا وذلك أن هذا مبنيٌّ على قولهم في المثل " أحاديث الضّبع من استها بالليل " يضرب مثلا للباطل وهو أن في حياء الضبع خروقا كثيرة فإذا كان الليل استقبلت الريح بحيائها فيسمع له عند ذلك كالحديث فجعل الشاعر هذه الخروق جواعر وادعى أنها ثمان. والزمعة التي خلف الظّلف مثلٍ الزيتونة. والخدم جمع خدمة وهي مثل الخلخال وقيل جعل جواعرها ثمانياً يريد أن خلقها منتشر وإنما هي جاعرتان ويروى عشوزنة وهي أيضا الغليظة.
قال أبو محمد ومن ذلك الفقير والمسكين.
اختلف أهل اللغة في الفرق بين الفقير والمسكين فمذهب يونس بن حبيب ومن وافقه أن الفقير أحسن حالا من المسكين وقد ذكر ابن قتيبة حجته ومذهب الأصمعي ومن وافقه أن المسكين أحسن حالا من الفقير قال ابن الأنباري وهو الصحيح عندنا لأن الله عز اسمه قال " أما السفينة فكانت لمساكين " فأخبر أن للمسكين سفينة من سفن البحر وهي تساوي جملة من المال وقال تعالى " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس. إلحافا " فهذه الحال التي أخبر بها عن الفقراء هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين قال والذي احتج به يونس من قول الأعرابي لا والله بل مسكين يجوز أن يكون أراد لا والله بل أنا أحسن حالا من الفقير وليس في بيت الراعي حجّةٌ لأن
المعنى كانت لهذا الفقير حلوبة فيما مضى وليست له في هذه الحال حلوبة. ومعنى الفقير في كلام العرب المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره فانقطع صلبه من شدة الفقر فلا حال هي أوكد من هذه. ومعنى المسكين الذي سكنه الفقر أي قلل حركته واشتقاقه من السكون والفعل منه تمسكن وتسكّن إذا صار مسكينا كتمدرع إذا لبي المدرعة. وأنشد أبو محمد بيت الراعي النميري ولم يكن راعيا وإنما كان يجيد وصف الإبل فلقب الراعي واسمه عبيد بن حصينٍ ويكنى أبا جندل وقبل البيت:
أزرى بأموالنا قوم بعثتهمبالعدل فينا فما أبقوا ولا قصدوا
نعطي الزكاة فما يرضى خطيبهمحتى تضاعف أضعافا لها عدد
أما الفقير الذي كانت حلوبتهوفق العيال فلم يترك له سبد
قوله أزرى بأموالنا أي قصر بها يقال زريت عليه إذا عبت عليه فعله وأزريت به إذا قصّرت به والمعنى أنهم أهانوا الأموال وأسرفوا في هلاكها فلم يبقوا على شيء. والقصد ضدّ الإسراف. وخطيبهم متكلمهم ومتقدمهم يقول لا يرضى بالزكاة حتى يأخذ اضعافاً كثيرة لها عدد تعدياً وظلماً. شكا إلى عبد الملك ظلم السعاة على الصدقات لقومه وجورهم عليهم وأنهم لم يتركوا للفقير شيئاً والفقير لا يجب عليه في المقدار الذي يملكه صدقة ولا سبيل عليه للسعاة. وقوله وفق العيال أي ما يكفي عياله وحلوبته يراد به ما فيه لبن يحلب ويقال ما لفلان حلوبة ولا ركوبة أي ناقة يحلبها وناقة يركبها. وقوله لم يترك له سبد أي لم يترك له شيء وهذه الكلمة تستعمل في النفي إذا عبر عن الإنسان وأخبر عنه أنه لا يملك شيئاً قيل ما له سبد ولا لبدٌ بمعنى ما له شيءٌ والسبد من الشعر واللبد من الصوف هذا الأصل ثم اتسع فيه.
قال أبو محمد والخائن الذي أؤتمن فأخذ وأنشد للنمر بن تولب العكلي.
وإن بني ربيعة بعد وهبكراعي البيت يحفظه فخانا
وهب رجل من ربيعة نازع النمر بن تولب في بئر تدعي الدخول وهي بئر نميرة الماء وكان النمر سقاه فلم يشكر له يقول وهب أمثل ربيعة فإذا خان فكلهم خائن كما يقال في بني فلان بعد فلان خير أي إذا لم يكن فيه خير فليس في أحد منهم وقوله كراعي البيت أي كمن أؤتمن على بيت فخان الذي
ائتمنه عليه ويروى يحفظه بضم الياء أي يجعل حافظا له.
قال " والملآم الذي يقوم بعذر اللئام " فيه لغتان ملآم على وزن مفعال وملأم على وزن مفعل. وقوله ومن ذلك التليد والتلاد. التاء فيهما بدل من الواو وأصلهما من الولادة والواو تبدل منها التاء كثيرا.
وقوله " ومن ذلك اللبة يذهب الناس إلى أنها النقرة التي في النحر وذلك غلط " قد وهم في هذا لأن اللبة والنقرة والثغرة والمنحر شيء واحد وهي الهزمة بين الترقوتين قال الراجز: وتارة في ثغر النحور وروى أبو العشراء عن أبيه قال قلت يا رسول الله أما تكون الزكاة إلا من اللبة أو الحلق فاللبة موضع النحر والحلق موضع الذبح فكأنه ظن أن النحر يكون في موضع الذبح وإنما النحر ودج في أصل العنق والذبح في آخره مما يلي الرأس والإبل تنحر ولا تذبح والبقر تذبح تنحر والغنم تذبح.
قال أبو محمد " إنما الآرى الآخيّة التي تشد بها الدابة من تأرّيت بالمكان إذا أقمت به ".
الآخية وزنها فاعولة من تأخّيت أي قصدت وتيممت وهو عود يعرض في الحائط والجميع الأواخي والأخايا وفي الحديث " لا تجعلوا ظهوركم كأخايا الدواب " يعني في الصلاة وأنشد لأبي قحفان عامر بن الحارث أعشى بأهلة بيتا قبله:
لا يغمز الساق من أينٍ ولا وصبولا يزال أمام القوم يقتفر
لا يتأرّى لما في القدر يرقبهولا يعضّ على شرسوفه الصفر
يرثى المنتشر بن وهب ويقال أنها لأخت المنتشر. قوله لا يغمز الساق يقول
هو مصحح لا يصيب ساقه ألم فيغمز من أجله ولا يعيا إذا مشى ولا يتوصب لشدته وقوته ويجوز أن يكون المراد إذا لحقه ألم من التعب لم يغمز ساقه كما يفعل الناس بلا يصبر على ذلك إلى أن يزول ولا يميل إلى الدعة والرفاهية. والأين الأعياء والوصب ألم التعب للمشي ويقتفر يتتبع أي يتقدم أصحابه فينظر لهم الأثار وقوله لا يتأرى أي لا يتحبس ليدرك الطعام أن أصاب شيئاً أكله وإن لم يصب شيئا صبر على الجوع ولا يحرص على طيب الطعام يريد أنه ليس بشرهٍ نهمٍ ينتظر إدراك القدر. والشراسيف مقاط الأضلاع الواحد شرسوفٌ. والصفر حية تكون في الجوف كان يقال في الجاهلية إذا جاع الإنسان عضت على شراسيفه.
وقوله ابن قتيبة " ولا يقال اطعمنا ملّةً " يريد به أجود الوجهين فإنه يجوز أن يقال أطعمنا ملّة يراد خبز ملّةٍ فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه ومثله في القرآن والكلام كثير.
قال أبو محمد العبير عند العرب الزعفران وحده وأنشد للأعشى:
فبان بحسناء رقراقةٍعلى أن في الطرف منها فتورا
مبتلّة الخلق مثل المهاةلم تر شمسا ولا زمهريرا
وتبرد برد رداء العروسفي الصيف رقرقت فيه العبيرا
وتسخن ليلة لا يستطيعنباحا بها الكلب إلا هريرا
بأن أي فارق بحسناء أي بامرأة جميلة ولا يقال للرجل أحسن والرّقراقة البيضاء الناعمة ويقال هي التي يبرق وجهها كأن الماء يجري فيه ويروى برّاقة. والطرف اسم جامع للبصر وهو ههنا تحريك الجفون والفتور الاسترخاء وإنما يستحسن الفتور في الجفون لا في نفس البصر والمبتلة التامة الخلق ولا يوصف به الرجل ويقال المبتلة التي لم يركب لحمها بعضه بعضا وقيل هي المنقطعة عن النساء لها عليهنّ فضل. والمها بقر الوحش الواحدة مهاةٌ والمها البلّور أيضا. وقوله لم تر شمسا ولا زمهريرا أي هي في كن لم تجد حرا ولا بردا. وقوله وتبرد برد رداء العروس في الصيف أي تبرد هذه المرأة في الصيف بردا مثل برد رداء العروس إذا رقرقت فيه العبير أي صبغته بالزعفران وصقلته أي قد جمعت في الصيف البرد وطيب الرائحة. ثم قال وتسخن ليلة لا
يستطيع يقول هي حارة في الليلة الشديدة البرد التي لا يقدر الكلب فيها على النباح من شدة البرد إلا أن يهر هريراً وهو دون النباح كما قال الآخر: سخنة في الشتاء باردة في الصيف سراج في الليلة الظلماء.
قال أبو محمد " ومن ذلك الأعجمي والعجمي ". قال الفراء وأبو العباس الأعجم الذي في لسانه عجمة والأعجمي هو العجمي قال ابن الأنباري وهو الصحيح عندنا. والأعراب أهل البادية والعرب أهل الأمصار فإذا نسبت رجلا إلى أنه من أعراب البادية قلت أعرابيّ ولا يقال عربيّ لئلا يشتبه بالنسبة إلى أهل الأمصار قال الفراء إذا نسبت رجلا إلى أنه يتكلم بالعربية وهو من العجم قلت رجل عربانيّ وإنما سميت العرب عربا لحسن بيانها وإيضاح معانيها من قولهم قد أعربت عن القوم إذا تكلمت عنهم وابنت معانيهم.
قال أبو محمد " إنما أشلاء الكلب أن تدعوه إليك وكذلك الناقة والفرس والشاة " وأنشد لأبي نخيلة:
إني إذا ما جاع جار الجنبأشليت عنزي ومسحت قعبي
ثم تهيأت لشرب قأبدأبا على ماء بدئ عذب
وأنشده ابن المفجع:
ضبا على ما بدئ عذبفي قعدتي ولست بالمقرنبي
أمثل شيء ما ترى من شطبيتسعى يداي وألوي عجبي
إذ مر يهوي كرشاء الغرب
وهو إناء من خشب والضب الجلب بجميع الأصابع واقرنبي جلس على رجليه متجمعا يقول فأنا أرجف من الكبر يقول أخاف الذئب إذا مر وليس في نهوض وأنا التمس بيدي في الأرض حجرا أرميه به وألوى عجبي أتلفت لا يقول دعوت عنزي لاحتلبها ومسحت قعبي لا حلب فيه ثم تهيأت أي تأهبت لأن أشرب شربا كثيرا مرويا. والقأب الشرب المروي الكثير يقال قأب وقئب وذأج وصيب إذا شرب شرباً كثيراً الماء البديء المبتدأ منبعه ويقال في
مبتدأ الورد ويقال هو العجيب عذوبةً وأما الأشلاء فقد جاء في معنى الإغراء وهو قليل قال بلال بن جرير: نزلنا بجلاد فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل وقال آخر:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبلعلى الرغم من تلك النوابح والمشلي
وقوله " ومن ذلك حاشية الثوب " الحاشية مشتقة من الحشا وهو الناحية لأنها ناحية الثوب يقال أنا في حشا فلان أي في ناحيته وقيل أن حاشيتا الثوب جانباه الطويلان في طرفيهما الهدب واشتقاق الطرة من الطر وهو القطع لأنها مقطوعة من جملة الثوب وكذلك الطرة من الشعر سميت طرة لأنها مقطوعة من جملته والطرة بالفتح المرّة الواحدة وبالضم الشيء المقطوع بمنزلة الغرفة والغرفة وقال ابن دريد طرّة الثوب موضع هدبه.
وأما الهجين وهو الذي أبوه خير من أمه فالفعل منه هجن يهجن هجانة وهجنة وهجونة والهجنة في الكلام ما يلزمك من العيب تقول لا تفعل هذا فيكون عليك هجنة. والأقراف مداناة الهجنة من قبل الأب وأنشد عن أبي عبيدة لهند بنت النعمان بن بشير في روح بن زنباع:
وهل هند إلا مهرة عربيةسليلة أفراس تجللها بغل
فإن نتجت مهرا كريما فبالحريوإن يك إقراف فمن قبل الفحل
تقول أنا في خلوص نسبي بمنزلة المهرة العربية الكريمة وروح في أيتشاب نسبه كالبغل فإن ولدت كريما فهو خليف أن يشبهني وإن ولدت لئيما فمن قبل أبيه من قبلي وفي البيت إقواء ويروى وإن يك إقراف فأقرفه الفحل ويروى فما أنجب الفحل ويروى فجاء به الفحل.
النص من طبعة دار الكتاب العربي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع