من «شرح أدب الكاتب» للجواليقي (ت ٥٤٠هـ)
باب المبدل
قال أبو محمد " وصيت الشيء بالشيء ووصلته " وأنشد لذي الرمة بيتاً قبله:
نؤم بآفاق السماء وترتميبنا بينها أرجاء داوية غبر
نصى الليل بالأيام حتى صلاتنامقاسمة يشتق أنصافها السفر
يقول إنما نقصد الطريق بآفاق السماء يقول نهتدي بالسماء وكواكبها فإذا لم تكن كواكب اهتدينا بالمشرق والمغرب والأرجاء النواحي وبينها الهاء للدوية أي نأخذ مرة كذا والدوية المستوية التي تسمع فيها دوياً وغبر جمع أغبر صفة للأرجاء ونصي نواصل يقال وصى يصي وصيا إذا
وصل أي نصل سرى الليل بسير النهار فلا نجعل بينهما فرجة ويشتق أي يشق والسفر المسافرون الواحد سافر يقول سفرنا متصل فصلاتنا على النصف من صلاة المقيم ومقاسمة منصوب بيشتق ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار فعل دل عليه يشتق وإذا لم يكن المصدر من لفظ الفعل وكان في معناه فمن النحويين من ينصبه بالفعل الذي بمعناه ومنهم من يمنع من ذلك ويقول لا ينصبه إلا فعل من لفظه ويجعل الفعل الذي ليس من لفظه دالا على فعل من لفظه يعمل فيه.
قال أبو محمد " نقز ونفز سواء " وأنشد عجز بيت للشماخ قبله:
إذا أنبض الرامون عنها ترنمتترنم ثكلى أوجعتها الجنائز
هتوف إذا ما خالط الظبي سهمهاوإن ربع منها أسلمتها النوافز
يصف قوسا والأنباض إن يمد وترها ثم يرسله فتصوت وترنمت أي صوتت وزنت والثكلى الذي مات ولدها والجنائز جمع جنازة وجنازة وهو السرير الذي للميت وهتوف أي تهتف إذا وقع سهمها في الظبي وأن ريع أي افزع من القوس ولم يقع به سهمها استلمه قوائمه من فرقها حين يسمع صوتها فلا تتبعه قيخرق حتى لا يقدر على البراح من مكانه والنوافر القوائم لأنها تنفز أي تقفز.
قال أبو محمد " سكنت الريح وسكرت قال أوس بن حجر ":
خذلت على ليلة ساهرةبصحراء فلج إلى ناظره
تزاد ليالي في طولهافليست بطلق ولا ساكره
كأن أطاول شوك السيالتشك به مضجعي شاجره
أنوء برجل بها ذهنهاواعيت بها أختها الغابرة
يقال أن أوس بن حجر انطلق مسافرا حتى إذا كان في أرض بني أسد والناس بادون في ربيع بين شرج لعبس وبين ناظرة ليلا حيث البيوت جالت به ناقته فصرعته ظلاما فاندقت فخذه وسرحت الناقة فبات في مكانه فلما أصبح غدت جوار من بني أسد يجتنبن الخطمي والكمأة ومن جنى الأرض وإذا ناقته تجول حوالي زمامها فلما رأينه رعن منه فأجلين غير حليمة ابنة فضالة بن كلدة وكانت أصغرهن فقال من أنت قالت ابنة فضالة قال اذهبي
إلى أبيك وأعطاها حجرا فقولي له يقول لك ابن هذا ائتني فأتته فبلغته فقال لقد أتيت أباك بمدح طويل أبو بهجاء طويل وأحتمل بيته فبناه عليه وقال لا أتحول أبدا أو تبرأ وأقام عليه حتى برأ وكانت حليمة ابنة فضالة تقوم عليه فقال أبياتا وهي التي ذكرت بقول خذلت على أن ليلتي ساهرة أي ساهر صاحبها كما تقول نهاره صائم أي يصوم فيه والطلق اليوم الطيب الذي لا حر فيه ولا برد واستطال الليلة لما لقي فيها من الألم والشدة والسيال نبت له شوك أبيض تشبه به الأسنان تشك تغرز شاجرة طاعنة يريد كأن امرأة تطعنني بذلك الشوك وأنوء أنهض وجعل القوة ذهنا والغابرة الباقية يقول واحدة صحيحة بها قوة.
قال أبو محمد " ثاخ وساخ في الأرض سواء أي دخل قال أبو ذؤيب ":
والدهر لا يبقى على حدثانهمستشعر حلق الحديد مقنع
تغدو به خوصاء يفصم حربهاحلق الرحالة فهي رخو تمزع
قصر الصبوح لها فشرح لحمهابالنيّ فهي تثوخ فيها الإصبع
الحدثان حوادث الدهر وربما أنث الحدثان يذهب به إلى الحوادث قال:
وحمال المئين إذا ألمتبنا الحدثان والأنف النّصور
ومستشعر فارس اتخذ الحديد شعارا والشعار الثوب الذي يلي بدن الفارس والخوصاء الغائرة العين وإنما يريد فرسا تغدو بهذا الرجل والفصم إنصداع الشيء من غير يينونة والرحالة سرج من جلود ليس فيه خشب كانوا يتخذونه للركض الشديد وحلق الرحالة حلق الحزام ويقال الأنريم يقول يفصله ويكسر من شدته أي تعدو فتنفصم حلق الحزام وقال فهي رخو أي هي شيء رخو أي شيء سهر وتمزع تمر في عدوها سراً سريعا خفيفا وقال أبو عبيدة المزع أول العدو وآخر المشي ويروي يقصم والقصم الكسر وقوله قصر الصبوح أي حبس والصبوح شرب الغداة وشرح خلط أي جعل لحمها شريحتين لأنه خلط بشحم والني الشحم وتثوخ تدخل وتغيب وأراد أن عليها من اللحم والشحم ما لو غمزت بإصبعك لم تبلغ العظم ولم يرد أن الإصبع تغيب فيه قال الأصمعي هذا من أخبث ما نعت به الخيل لأن هذه لوعدت
ساعة لانقطعت لكثرة شحمها وإنما توصف الخيل بقلة اللحم ويقول الناصر لأبي ذؤيب أنه لما أراد أنها تسمن بإقامة الألبان لها سمنا من حكمه أن يكون لحمه شريحين وأنه لو دخلت فيه الإصبع لكانت لا تبلغ العظم لا أنها صارت كذلك.
النص من طبعة دار الكتاب العربي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع