من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)
الثريا
العرب تسمي الثريا " النجم "، اسماً علماً لها مختصاً بها دون النجوم، وفي التنزيل العزيز (والنجم إذا هوى) فسرّ بأنه قسم، أقسم الله ﷿، بالثريا، معناه: والثريا إذا سقطت. والعرب تعظم الثريا، ويكثر ذكرها في شعرهم لأنها عندهم من نجوم الأنواء التي لا تخلف، وإذا طلعت في الشتاء اشتدَّ البرد عند طلوعها.
قال شاعر في طلوعها في الشتاء:
طاب شُرْبُ الراحِ لمَّاطلع النجمُ عشاءَ
وابتغى الراعي لمشتاهـ من القرِّ كساء وقال آخر في طلوعها في الصيف:
طلع النجم غُدَيَّهْ ... وابتغى الراعي شُكَيَّهْ أراد شكوةً تكون معه، وهي القربة يشرب بها الماء واللبن.
امرؤ القيس:
إذا ما الثريا في السماء تَعَرَّضَتْتَعَرُّضَ أثناءِ الوشاحِ المفصّلِ
قال محمد بن سلام: أنشدت يونس النحوي هذا البيت الذي لامرؤ القيس، فزوى وجهه وجمع حاجبيه وقال: أخطأ مع إحسانه، إن الثريا لاتعترض إنما الاعتراض للجوزاء، هلا قال كما قال ذو الرمة:
وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمةِ الرأس ابنُ ماءٍ مُحَلِّقُ أخذه أبو القاسم الأنطاكي وزاد فيه فقال:
كأنّ الثريا ابنُ ماء عدافضمَّ الجناحَ ومدَّ العُنُقْ الفهمي:
للنَّجمِ حالان في مغاربهوحين يبدو لنا بإشراقِ
في الشرقِ كأسُ الساقي تدارُ وفي المغرب كأسٌ أراقها السافي تاج الملك ابن كاتب قيصر:
وكأنَّ الهلال قوسُ لُجينٍوالثريّا في الغربِ كالقرطاسِ
وكأنَّ النجومَ أفواقُ نَبْلٍعابراتٌ حادتْ عن البرجاس أنشد المبرد لأعرابي:
إذا ما الثريا في السماء تعرَّضَتْيراها الحديدُ العَيْنِ سبعةَ أنجمِ
على كبدِ الجرباء وهي كأنهاجبيرة درٍ رُكِّبَتْ فوقَ معصم الجرباء: السماء، والجبيرة: الدستنيج العريض
شاعر:
خليلي إني للثريا لحاسدُوإني على ريبِ الزمانِ لواجدُ
أَيُجْمَعُ منها شَمْلُهَا وهي سبعةٌوأفقدُ مَنْ أحببته وهو واحد
ابن المعتز:
كأن الثريا هَوْدَجٌ فوقَ ناقةٍيخبُّ بها حادٍ إلى الغربِ مُزْعِجُ
إذا قابلتها العينُ خالتْ نجومهاقواريرَ فيها زئبقٌ يترجرج شاعر:
تلوحُ الثريَّا في أواخرِ ليلها ... كعنقود مُلاحيّة حينَ نَوَّرا مُلاّحية - بضم الميم وتشديد اللام - العنب الأبيض.
ابن المعتز:
قام كالغصنِ في الربى ... يمزجُ الشمسَ بالقمرْ وسقاني المدامَ والليلُ بالصبح مُؤتزِرْ ... والثريا كَنَوْر غصن على الغربِ قد نثر ... القاضي التنوخي:
انظر إليها والنسرُ منحدرٌوالليلُ جيشٌ نجومُهُ خُوَذُهْ
كأنها حين أعرضتْ نَمْرٌ ... يَظْهَرُ لي من حجابِهِ فخذه وشبه أبو فراس الثريّا بفخذ النمر، وهو من المقلوب لأن نجوم الثريا بيض، والنقط على فخذ النمر سود.
الوزير المهلبي:
كأن الثريا بينها حين أَعرضتْيواقيتُ تاجٍ أو تحيَّةُ نرجسِ أبو بكر الخالدي:
كأنما أَنْجُمُ الثريّا لِمَنيرمقها والظلامُ منطبقُ
مالُ بخيل يظلُّ يجمعهمن كلِّ وجهٍ وليس يفترق ابن المعتز:
أتانيَ والإِصباحُ يرفل في الدجىبصفراءِ لم تَفْسُدْ بطبخٍ وإحراقِ
فناولنيها والثريا كأنهاجنى نرجسٍ حيَّا الندامى به الساقي أبو الحسن البديهي:
ربَّ ليلٍ قطعتُهُ باجتماعٍمع بيضٍ من الأخلاّءِ غُرِّ
وكأن الكؤوسَ زُهْرُ نجومٍوالثريا كأنها عِقْدُ در العسكري:
تلوحُ الثريّا والظلاُم مقطِّبٌفيضحكُ منها عن أَغرَّ مفلَّجِ
تسيرُ وراءً والهلالُ أمامَهَاكما أومأتْ كفٌّ إلى نصفِ دُمْلُجِ شاعر:
زارني في الدجى فنمَّ عليهطيبُ أَردانِهِ لدى الرقباءِ
والثريا كأنها كفُّ خَوْدٍبَرَزَتْ في غلالةٍ زرقاء آخر:
كأنَّ الثريّا سحرةً إذ بَدَتْ بهاعيونٌ إلينا شاخصاتٌ تَرَقَّبُ
فلما انقضى الإصباحُ خلتُ انقضاضَهاشهابَ حريقٍ في الدجى يتلهب ابن المعتز:
ألا سقّنيها والظلامُ مقوّضٌونجمُ الدجى في حَلْبَةِ الليل يركضُ
كأنّ الثريا في أواخرِ ليلهاتَفَتُّحُ نَورٍ أو لجامٌ مُفَضَّض ابن طباطبا:
اعاد الثريا والهلالُ كلاهماليَ الشمسَ إذ ودعتُ كَرْهاً نهارَهَا
كأسماءَ إذ زارت عشاءً وغادرتْلدينا دلالاً قُرْطَهَا وَسِوارها الحسين بن الضحاك ويروى لغيره:
أَدِرِ الكأسَ عليناأيها الساقي لنطربْ
ما ترى الليلَ تولَّىوضياءُ الشمسِ يقرب
والثريا شبهُ كاسِحين تبدو ثم تغرب
وكأن الشرقَ يسقيوكأن الغرب يشرب آخر:
وكأنما نجمُ الثريا إذ تعرَّضَ كالوشاحِ ...
كأسٌ بكفِّ خريدةٍتسقي المسا بيدِ الصباح آخر:
والثريا كأنهافي بروجِ المطالعِ
كفُّ خود تختَّمَتْفي رؤوسِ الأصابع أبو عون الكاتب:
ربّ ليلٍ لم أَنَمْهُونجومُ الليلِ تَشْهَدْ
والثريّا في مداها ... حين تنحطُّ وتصعد عقربٌ تسعى من الدرِّ على أرضِ زَبَرْجَد ... ظافر الحداد:
وليلةٍ مثلِ عَيْنِ الصبِّ داجيةٍعَسَفْتُها وجيوشُ الصبح لم تَفِدِ
لو همَّ موقدُ نارٍ أن يرى يَدَهُفيها ولو كانت الزرقاء لم يكد
كأن أنْجُمَها في الليلِ زاهرةًدراهمٌ والثريّا كفُّ منتقد عتيق بن عبد العزيز المذحجي:
كأن الثريّا في ذراه مصفَّدٌ ... بساحةِ سجنٍ فهي تخطو ولا تخطو أغرب بذكر التصفيد لشبهما بالقدم والكفّ، وكذا تظهر إذا كانت في قُبَّة الفلك.
أبو علي إبن رشيق القيروانى:
كأنها كأسُ بلّورٍ منبتةٌ ... أو نرجسُ في يد الندمانِ قد ذبلا قد تقدم تشبيه الثريا بالكأس وبالنرجس، إلا ان ابن رشيق زاد على المتقدمين زيادتين حسنتين في أن جعل الكأس منبّتة، وجعل النرجس ذابلاً، وهذا شأن الفاضل المتأخر إذا أخذ ممن تقدم معنى أن يزيد فيه زيادة حسنة، وإلا كان ما يأتى به فضلاً وعيالاً على الأول لا يوجب فضلاً.
عبد الوهاب من شعراء أفريقية:
رأيت بهرامَ والثريّاوالمشتري في القرآنِ كَرَّهْ
كراحةٍ خُيِّرَتْ فخارتما بينَ ياقوتةٍ ودره
النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع