تجاوز إلى المحتوى

من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)

الباب الثاني في كَلَبَ البرد وشدّته ودفع القرّ بالجمر، ودلائل الصحو، ومعرفة الشتاء

الذي يطول، وهل يتقدم أو يتأخّر، والمطر المتقدّم والمتأخر.

قيل لأعرابي: ما أشدّ البرد؟ قال: إذا أصبحت الأرض نديّة، والسماء نقية، والريح شآمية.

ورُئي أعرابي يرتعد يوم قرّ فقيل له: تحوّل إلى الشمس، فقال: الشمس اليوم تحتاج إلى قطيفة.

وهب الهمذاني:

يومٌ من الزمهرير مقرورُعليه ثوبُ الضباب مزرورُ
للشاعر البارع البغدادي، اقرأ القصيدة
كأنما حَشْوُ جوِّه إِبَرٌوأرضُهُ فرشها قوارير
للشاعر البارع البغدادي، اقرأ القصيدة
وشمسُهُ حُرَّةٌ مخدَّرةٌليس لها من ضيائها نور أعرابي قتله البرد:
إليك اعتذاري من صلاتيَ قاعداًعلى غير طُهْرٍ مومياً نحو قبلتي
فليس ببردِ الماءِ عنديَ طاقةٌولا قوةٌ عندي على ثني ركبتي

ولكنني أحصيته ربِّ جاهداً ... وأخرجُ مما فاتَ في وجه صيفتي سُئِلَتْ أعرابية عن أصعب الشتاء في البادية فقالت: يوم الريح الباردة.

ابن المعتز:

قد منع الماء من المسّوأمكنَ الجمرُ من اللمسِ
فلستَ تلقى غيْرَ ذي رعدةٍأو مسلمٍ يسجدُ للشمس أبو محمد المطراني:
وشتاءٍ يخنقُ الكلبَ فلا يعلو هريرُهْ
كلّما رام هريراًزمّ فاه زمهريره بعضهم: يومٌ جَمَدَ خمره، وخَمَدَ جَمْرُهُ

قال الشيخ شرف الدين التيفاشي المصنف: أنا أحكي ما شاهدته بنفسي لا ما أرويه عن غيري وهي: أني لما رحلتُ إلى الشرق، وَعِكْتُ بحرَّانَ في زمن الشتاء، واحتجت إلى عمل مزوّرة باسفاناخ وبيضٍ، فطبخ الاسفاناخ وأخذ الغلام بيضاً ليكسرها ويعملها في المزورة، فاستعصى كسرها، وأنا أستحثه، فاعتذر بأن البيض لم يُكْسَر، فاستشطتُ غضباً، فناولني البيضة وقال: اكسرها أنت، قضربتُ بها جانب الصحفة ضرباً خفيفاً، على العادة في كسر البيض، فلم تنكسر، فتابعت الضرب وقوّيته فلم تنكسر، فضربت بها الحائط على أنّها تتلفُ والحائط من طوب كبير له دهر طويل، فصادفّتْ حرفَ طوبة، فانكسرتْ الطوبة والبيضة صحيحة، فبهتُّ ونظرت إلى موضع الضربة في البيضة فإذا في القشرة التي لها شقاق خفيّ كالشعرة، فأدخلت رأس السكين فيه وقلعت القشرة فإذا بالبيضة جامدة، فقلت: القها في المزورة فألقاها ثم غرف المزورة، وإذا ببياض البيضة قد نضج بعض النضج وهو جامد، والصُفرة جامدة ليّنة لم تعمل النار فيها شيئاً، فحدثت بذلك بعض أهل حرّان، فأخبرني أن البيض عندهم يقدحون به الزناد في الشتاء، فيظهر منه الشرار كحجر الزناد، ويجمد عندهم كلّ مائع، ولا يشربون الماء إلا بعد أن يسخّن.

ودخلت آمد في الشتاء فوجدت الثلج يتراكم على الطرق حتى يسدّ الشوارع، وهم يمشون على الأسطحة ويعبرون الشوارع فوق الثلج.

وسرت من جزيرة ابن عمر إليها ستة أيام بلياليها لم أشاهد شمساً من السحب ولا أرضاً ولا جبلاً ولا وادياً ولا شجرة ولا مدرة إلا بالثلج، وكنّا نعبر على الأنهار وهي جامدة، ونستقي إذا أردنا الماء ونطبخه في القدور فنرى أعلاه جامدا وأسفله الذي يلي النار ذائبا؛ وأخبرت أن أقفال الحديد تنضّم أرياشها لشدة البرد حتى تفتح باليد.

قال: وأما أنا فوضعت يدي على شباك حديد في مدرسةٍ فوجدت كلذع النار، فرفعت يدي وقد بقي شيء من جلدة كفّي وأناملي على قضبان الحديد.

دخل بعض الأعراب الجبل، فجعل أنفه يرعم من شدة البرد، فرفع يده ووجأه وقال: لا والذي جلّ وعلا ما رأيتُ عضواً أنتن منك ماءً، إذا جمد كل شيء فأنت تذوب، وإذا ذاب كلُّ شيءٍ فأنت تجمد.

قال الأصمعي: دخلت على الرشيد هارون في يوم قرّ فقال: أنشدني أبلغ ما قيل في شدة البرد، فأنشدته لمرّة بن محكان السّعدي:

في ليلة من جُمادى ذاتِ أنديةلا يبصرُ الكلبُ من ظلمائها الطنبا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة

لا ينبحُ الكلبُ فيها غيرَ واحدةٍ ... حتى يلفَّ على خيشومه الذّنبا فقال: أريد أبلغَ من هذا، فأنشدته لأختِ عمروٍ ذي الكلب:

لا ينبحُ الكلب فيها غيرَ واحدةٍحتى الصباحِ ولا تسري أفاعيها فقال: أريدُ أبلغَ من هذا، فأنشدته:
وليلةِ قرٍّ يصطلي القوسَ ربُّهاوأسهمَهُ اللاتي بها يتنَّبل فقال حسبك ما بعد هذا شيء

ابن المعتز:

جاء الشتاء بشمألٍ وصبايلقاهما المقرورُ بالضدِّ
فالزمْ قرارك لا تكنْ شرهاتشقى بطولِ الحرصِ والكدّ
إن العقارَ فغادِهِ سحراًدرياقُ لسعِ عقاربِ البرد كشاجم:
وليس للقرّ غيرُ صافيةٍتدفعُ ما ليس يدفعُ الدِّلَقُ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «وليس للقر غير صافية»
درياقُ أفعى الشتاءِ وهي إذاسَلَّ علينا سيوفَهُ دَرَقُ عبد الله بن علي السكاكيني:
إذا هبَّتْ الأرواحُ فاجعلْ دثارهاإذا التحف الأقوامُ دُكْنَ المطارف
ثلاثةَ أرطالٍ شراباً معتّقاًوكنْ آمناً من شرّها غيرَ خائف
فإن دثارَ المر من تحتِ جلدهأخفُّ وأدفا من دثارِ الملاحف شاعر:
ذَكَر الصِّبا وزمانه فصباوتمايلت أَعطافه طربا
شيخٌ يكادُ يطيرُ من طَرَبٍبين الكروم إذا رأى العنبا
ويعودُ ريعانُ الشباب لهغضاً إذا ما خمسةً شربا
لا يصطلي في القرّ غير لظىلهبِ الكؤوس فيربحُ الحطبا دلائل الصحو:

قالوا: انظر إلى الهلال حين يطلع، فإن رأيته لثلاث ليال دقيق القرنين نقيّاً صافياً فإنه دليل على قلّة المطر تلك الأيام، إلى أن يستوي القمر، فإذا استوى وامتلأ فانظر إليه، فإن رأيته صافياً فإنه دليل على قلّة المطر فيما بقي منه، فإن رأيت حواليه دارةً عند امتلائه، ورأيتها مُحْدِقَةً به مستوية، فإن ذلك دليل على قلَة المطر فيه. وكذلك إذا

رأيت الشمس عند طلوعها في الشتاء بيضاء نقيّة فهو دليل على قلّة المطر. وإذا رأيتها عند غروبها نقيّة صافية ليس فوقها سحاب فذلك فذلك دليل على صحو ليلتها، ثم إذا طلعت قبل طلوع الشمس سحابة فلا ترجُ مطراً في ذلك اليوم. وإذا مالت للغروب فرأيت شعاعها كأنه مظلم وكأن حواليه سحاباً أسود فلا مطر لها. وإذا نعق الغراب مترسّلاً غير متدارك لنعيقه فذلك دليل على قلة المطر، وإذا اجتمعت الغربان فنعقتْ دلّت على مثل ذلك.

دلائل المطر:

انظر إلى القمر حين يطلع ابن ثلاث ليالٍ وأربع ليال، فإن رأيته غليظ القرنين فيهما ظلام فذلك دليل على المطر، وإذا رأيته لأربع ليال وله دارة حمراء فهو دليل على المطر. وإذا رأيته يطلع عند امتلائه فيه سواد وحمرة فهو دليل على الشتاء والمطر. وإذا رأيت الشمس عند غروبها وعن شمالها من ناحية الجنوب وقريب منها سحاب فإنه يكون مطر. وإذا رأيتها عند طلوعها وإلى جانبها سحاب أسود فإنه يكون مطر. وإذا رأيت عليها سحاباً ورأيت الطير يتغسَّل فيكثر تغسله فإنه مطر. وإذا رأيت سحابةً على البحر منخفضة فذلك دليل على وقوع الشتاء وشدّته وامتناع البحر. وإذا رأيت القوس الذي في السماء يطلع مضعفاً فذلك دليل على كثرة الأمطار. وإذا رأيت حول القمر دارة أو دارتين أو ثلاثاً فإنه دليل على كثرة الأمطار. وإذا رأيت البروق لامعةً متتابعة فاعلم أنّ المطر بتلك الناحية. وإذا رأيت البقر تنظر نحو الجنوب فإنه يكون مطر. وإذا رأيت الذرَّ يجمع الطعامَ ورأيت الدجاج تقرقر فإنه يكون مطر. وإذا رأيت الخطاطيف يطرن على وجه الماء ويصحن فإنه يكون مطر. وإذا سمعت نعيق الغراب في الليل دلّ على كثرة المطر. وإذا رأيت العنكبوت تساقط من سقوف البيت دلّ على شدّة الشتاء، وإذا رأيت الفأر تنتقل من موضع إلى موضع دلّ على شدّة الشتاء، وإذا رأيت الغنم تنزو وتجري أشراً دلّ على الشتاء والمطر. وإذا رأيت الذئاب تدنو من مساكن الناس وتتوثَّب على الغنم في مواضع الأنيس دلّ على شدّة الشتاء. وإذا رأيت الكلب يبحثُ الأرض فهو دليل الشتاء. وإذا رأيت موقد النار يعالجها فيتعذّر عليه إيقادُها دلّ على الشتاء والمطر. وإذا رأيت ضوء السّراج غير قويِّ النور دلّ على المطر. وإذا رأيت قدور الفخار أو النحاس حين توضع على النار ترمي الشرر من أسافلها فذلك دليل على كثرة الأمطار.

دلائل الشتاء الذي يطول:

إذا رأيت شجر البلوط والسنديان قد كثر حمله من الثمر دلّ على طول الشتاء

وشدّته. وإذا أردت معرفة الشتاء هل يتقدم أم يتأخر فانظر إلى مجيء الغرانيق فإن رأيتها تتقدّم رفوفاً جُملاً فإن الشتاء يتقدم، وإن رأيتها تتقدّم مقطعة فإن الشتاء يتأخر. وإذا رأيت الغنم تبحث الأرض بأظلافها وتمد أعناقها إلى الجنوب دلّ على طول الشتاء.

معرفة المطر المتقدّم والمتأخر:

إن جاء مطر بعد القطاف بعد غيبوبة الثريا فإن السنة كثيرة المطر. وإن جاء المطر بعد غيبوبة الثريا تكون السنة متوسطة فيما بين البكيرة والمتأخرة. وإن ابتدأ المطر بعد أن تغيب الثريا فإن السنة تكون متأخرة. وفي " الفلاحة الرومية ": ينبغي أن يُتَوقّع اليوم الرابع والعشرون من تشرين الآخر، وهو عند تسمية الروم نوامبر، فإن كان في أوله حركة الهواء فإن أمطار السنة تكثر، وإن كانت الحركة في انتصافه فإن أمطار السنة متوسطة، وإن كانت الحركة في آخره كانت أمطار السنة متأخرة.

النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.