تجاوز إلى المحتوى

من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)

الباب الثالث في البرق وحنين العرب به لأوطانهم، والرعد والغيم والرباب وهالة القمر

وقوس قزح على مذهب العرب والفلاسفة

يقال: تكشّف البرق واستطار، ولمع ولمح، واللّمح لا يكون إلا من بعيد، ومثله تبسم واستوقد، وهو تداركه لا يسكن، وأوشم وهو أوّله حين يبرق، والبرق الخلّب الذي لا ماء فيه، وخفق البرق، وهو تتابعه، وخبا وهو أخفى ما يرى منه، وأومض وهو الضعيف من البرق.

وعن أئمّة اللغة: إذا برق البرق كأنه تبسم قيل أومض، فإذا زاد قيل لمع، فإذا زاد وتشقق قيل انعقَّ، فإذا ملأ السماء واضطرب قيل تبوَّج، فإذا لمع وأطمع ثم عدل قيل له خُلَّبٌ.

شاعر:

وكم دونَ ليلي من بريقٍ كأنّهحسامٌ ولكن ما يُسَلُّ من الغمدِ
يضيء ويخفى تارةً فكأنّهتقطُّعُ لمعِ النارِ في طَرَفِ الزَّنْدِ آخر:
أَرِقْتُ لبرقٍ سرى موهناًخفيًّا كغمزِكَ بالحاجبِ
كأن تألّقه في السّمايدا كاتب أو يدا حاسب
للشاعر أبو محمد التيمي، اقرأ القصيدة

هو من قول امرئ القيس:

أصاحِ ترى برقاً أريكَ وميضه ... كلمع اليدين في حَبِيٍّ مكلّلِ وإنما يشبه البرق بلمع اليدين إذا كان يلمع مثنى مثنى، وذلك عندهم دليل على المطر، يسمونه البرق الوليف، قال الهذلى:

وقد بتُّ أَخْيَلْتُ برقاً وليفاأي كان مخيلاً للمطر

وأما قول الشاعر:

أَلا يا مَنْ رأى البرقَ اليماني ... يلوحُ كأنَّه مصباحُ باني فإن معناه: مصباح بانٍ على أهله، لأن مصباحَه لا يطفأ الليل كله، والعرب تقول: بنى فلان على أهله إذا أعرس بها، وهو مما يغلط فيه أكثر الناس، فيقولون: بنى بأهله، وهو خطأ. وأصله أن الرجل منهم إذا أعرس بنى على عرسه بيتاً فقيل: بنى فلان على أهله؛ فأراد الشاعر في هذا البيت دوام لمعان البرق الليل كله.

وأبلغ منه في دوام البرق قول امرئ القيس:

أصاحِ ترى بُرَيقاً هَبَّ وهناًكنارِ مجوسَ تستعرُ استعارا

أرقتُ له ونام أبو شريح ... إذا ما قلتُ قد هدأ استطارا فخصَّ نار المجوس لأنها لا تطفأ الدهر كله ليلاً ولا نهاراً.

الأحوص:

أصاح الم تحزنك ريحٌ مريضةٌوبرق تلالا بالعقيقين لامع
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أقول بعمان وهل طربي به»
فإن غريب الدّار ممن يشوقهنسيم الرياح والبروق اللّوامع

امرأة من طيء:

إذا ما صبيبُ المزنِ أومضَ برقُهُببغدادَ لم يُمْلَحْ بعينيَّ بارقُهْ
ولكن متى تأتيك منه مخيلةٌبنجدٍ فذاك البرقُ لا بدَّ شائقه بنت الشماخ:
أُلامُ على نجدٍ ومن تكُ دارُهُبنجدٍ يَهِجْهُ الشوقُ شتَّى نوازعهْ
تهيّجه ريحُ الجنوِب إذا بَدَتْيمانيةً والبرقُ إن لاح لامعه شاعر:
أعنِّي على برقٍ أُريكَ وميضَهُيضيءُ دجنّاتِ الظلامِ لوامعُهْ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أعنى على برق أريك وميضه»
إذا اكتحلت عينا محبّ بضوئهتجافت به حتى الصباح مضاجعه كشاجم:
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أعنى على برق أريك وميضه»
هاجك الليلةَ برقٌ في الغَلَسْمثلما ضَوَّأ نجمٌ أو قَبَسْ
أو كثغرِ الخود يبدو شَنَبٌمنه طوراً ثم يخفيه اللّعس
أو كما يخفقُ قلبٌ موجَعٌراعه بينُ حبيبٍ مُخْتَلَسْ
أو كما أومضَ بالطرفِ إلىكفِّ ساقٍ منتشٍ ثم نعس ابن المعتز:
إذا تبدى البرق فيها خلتهبطنَ شجاعٍ في كثيب يضطربْ
وتارةً تبصرُه كأنّهأبلقُ مالَ جُلُّهُ حينَ وثب
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «رأيت فيها برقها لما وثب»
وتارةً تخالُهُ إذا بداسلاسلاً مصقولة من الذهب
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «رأيت فيها برقها لما وثب»

آخر:

وبدا له من بعدِ ما اندملَ الهوىبرقٌ تتابع مَوهناً لمعانُهُ
للشاعر الحلاج، من قصيدة «وبدا له من بعد ما اندمل الهوى»
فالنارُ ما اشتملتْ عليه ضلوعهُوالماءُ ما سحَّتْ به أجفانه العسكري:
والرعدُ في أرجائِهِ مترنّمُوالبرقُ في حافاته متلهّبُ
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
كالبُلْقِ تمرحُ والصوارمِ تنثنيوالحورِ تبسمُ والأناملِ تحسب شاعر:
أرِقْتُ لبرقٍ شديدِ الوميضِترامى غواربُهُ بالشُّهُبْ
كأن تألُّقَهُ في السحابسطورٌ كُتِبْنَ بماءِ الذهب ابن طباطبا:
أو ما تبصرُ السحابَ كخودٍأقبلتْ في ممسَّكاتِ الثيابِ
وكأن البروقَ فيها تحاكيلمعانَ السيوفِ عند الضراب أبو العلاء المعري:
ليلي كما قُصَّ الغرابُ خلاَلهبرقٌ يُرنِّق دأْب نسرِ حائمِ
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

ترك السيوفَ إلى الشنوفِ ولم يزل ... يَضْوَى إلى أن صار نقشَ خواتم الدأب: العادة، والنسر أبيض، ورنَّقَ الطائر إذا تحرّك جناحه، كأنه يريد أن يقع شبه البرق في بياضه وحركته بالنسر الذي يريد أن يقع، ويَضْوَى: ينقص، يقول: إن هذا البرق كان كالسيوف، ثم دقَّ عن ذلك حتى صار كالشنوف، والسيف - بالفتح - ما يتعلق في أعلى الأذن، والقرط ما تعلق في أسفله، ثم دق حتى صار كنقش الخواتم.

أبو تمام:

يا سَهْمُ للبرقِ الذي استطارا ... بات على رغم الدُّجى نهارا ... حتى إذا ما أَنجد الأبصارا ... وبلاً جهاراً وندىً سرارا ... آض لنا ماءً وكان نارا ... البحتري:

فسقاهم وإن اطالتْ نواهمخلفةَ الدهر ليلُهُ ونهارُهْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «شط من ساكن الغوير مزاره»
كلَّ جَوْنٍ إذا ارتقى البرقُ فيهأُوقدَتْ للعيون بالماءِ ناره
للشاعر البحتري، من قصيدة «شط من ساكن الغوير مزاره»
إن أقام ارتوى الظماءُ وإن سار أقامَتْ أنيقةً آثاره أبو هلال العسكري:
برقٌ يُطَرِّزُ ثوبَ الليلِ مؤتلقُوالماءُ من ناره يهمي وينبعقُ
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
توقدت في أديم الغيم جمرتهكأنها غرّة في الطرف أو بَلَقُ
ما امتدَّ منها على أرجائه ذهبٌوما تحادر من حافاتِهِ ورق
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
كأنها في جبينِ المزنِ إذ لمعتسلاسلُ التبرِ لا يبدو لها حلق ابن خفاجة الحلبي:
هبَّ اختلاساً في الدجى ونجومهيكرعن في حوضِ الصَّباحِ الطافحِ
فطوى حواشيه وجاد بِوَمْضِهِمثل الشرارة من زناد القادح البحتري:
أرقتُ وأصحابي هجودُ بربوةٍلبرق تلالا في تهامة لامع
فأبدى هموماً من همومٍ أجنَّهاوأكبرُ منها ما تُجِنُّ أضالعي

محمد بن نصر القيسراني:

ويحَ الغمامِ أما يجتاز بارقُهُإلاّ بكى في ديار الحيِّ وانتحبا
كأنه واجدٌ وجدي بجيرتهافكلما خَطَرتْ في قلبه وجبا
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة
فموضع السر منه يستضيء سناًوموضع الماء منه يلتظي لهبا
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة

والماء والنار كلٌّ حَرْبُ صاحبه ... ضدّان لولا النوى والهجر ما اصطحبا قالوا: إذا أومض البرق مَثْنى مَثْنى فهم لا يشكّون في المطر، ويشدّون الرحال للنجعة وتتبع مساقط المطر، وكذلك إذا عدّوا للبرق سبعين لمعةً متوالية فإنّهم لا يبعثون رائداً لتيقّنهم بالغيث.

وقال الريّاشي في قول يزيد بن المفرغ:

الريحُ تبكي شجوها ... والبرقُ يضحكُ في غمامَه معناه: الريح تبكي، والبرق يضحك، كقولهم ويل الشجيّ من الخليّ.

قال محمد بن مطر الغفاري: أقحطت السنة على قوم من الأعراب فيهم ناس من بني كلاب، فأبرقوا ليلة، وغدوت عليم فإذا غلام منهم قد عاد جلداً وعظماً، فإذا هو ينشد أبياتاً قالها وهي:

إلا يا سنا برقٍ على ذلك الحمىلهنِّكَ من برقٍ عليَّ كريمُ
لمعتَ اهتدالَ الطير والقومُ هُجَّعفهيَّجْتَ أحزاناً وأنت سليمُ
فبتُّ مجدّاً للبروقِ أَشيمهاكأنّي لبرق بالسماءِ حميم
فهل من معيرٍ طرْفَ عينٍ صحيحةٍفانسان عين العامريِّ كليم

رمى قلبه البرقُ اليمانيُّ رميةً ... بذكر الحمى وَهْناً فظلَّ يهيم فقلت له: في دون ما أنت فيه ما يفحم عن قول الشعر، فقال: نعم، ولكن البرق أنطقني، وما لبث يومه ذلك حتى مات.

الشريف ابن دفتر خوان:

أرى مرهفاً للبرق سُلَّ على الدجىلحسن رجاء أو لشدّةِ باسِ
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «أرى مُرهفاً للبرق سُلَّ على الدجى»
كطرفة عينٍ أو تبسّم غادةٍولمعِ حسامٍ أو كجرعة كاس شاعر مغربي:
وليلتنا بالغورِ أومضَ بارقحثيثُ الجناح مثلما نَبَضَ العرقُ
سرى مثل ما يسري الهوى في جوانحيتبيَّنُ من أحواله النارُ والخفق
ولاح كأمثال البُرى حطمتْ بهمن الغيم في ليلِ السرى أنيقٌ ورق
وباتتْ دياجي الليلِ فيه كأنهاأحابيشُ في أيديهمُ الأسَلُ الزرق يوسف بن هارون:
أحِنُّ إلى البرق اليماني صبابةًلأني يماني الدارِ وهو يماني
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
كأَنيَ من فرط الصبابة لامحٌأناملَ من مُهْدي السلام قواني
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
كأن البروقَ الخافقاتِ معارةحشا هائم من شدّةِ الخفقان يحيى بن هذيل:
ولقد شفَّني فأسهرَ طرفيلمعُ برقٍ يرفُّ في لمعانه
شِمْتُهُ والظلامُ يفترُّ عنهكافترارِ الزنجيِّ عن أسنانه
للشاعر ابن هذيل القرطبي، اقرأ القصيدة

وله:

كلفتها طولَ السهادِ فراقبتْبرقاً يلوحُ وتارةً يتستَّرُ
للشاعر ابن هذيل القرطبي، اقرأ القصيدة
وكأنَّ ليلي فارس في كفهرمحٌ يقلبه عليه مِعْفَر
للشاعر ابن هذيل القرطبي، اقرأ القصيدة
يبدو له شُعَبٌ تطيرُ أمامهاشُعَلٌ تطيرُ لها القلوبُ وتذعر
فيروعُ عن قنصِ السحاب وميضهفكأنه فَرَسٌ معارٌ أَشقر الرعد:

قال الحسن البصري: الرعد مَلَكٌ موكَّل بالسحاب، وتسبيحه صوته الذي تسمعون.

وسمع عبد الملك بن مروان موت الرعد ففزع وقال: حسُّ رضى الله فكيف ترى حسُّ غضبه.

ويقال في الرعد الإرزام وهو غير شديد، والتهزُّم وهو أشدّ صوته، والقعقعة وهو تتابع صوته، والرجز والزجل وهو صوته الثقيل، والجلجلة وهو صوت متقلّب في جنوب السحاب، والهزج مثله، والزمزمة أحسنه صوتاً وأثبته مطراً، ويقال: أرنَّتِ السماء إرناناً، وهو صوت الرعد الذي لا يتقطع.

التنوخي:

ورعدةٍ كقارئ متعتعٍأو خاطبٍ لَجْلَجَ لما أَنْ خَطَبْ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
كأسُدٍ تزأر أو جنادلٍتصطكُّ أو أمواجِ بحرٍ يصطخب كلثوم بن عمرو:
كأنما الرعدُ بها ثاكلةٌنادبةٌ تخلطُ نَوْحاً بشجى
فاقدةٌ واحدها تذكّرتما قد مضى من عيشها ومن مضى
والبرقُ في حافاتِهِ يفعلُ مايفعلُهُ وَجْدُ الحزين في الحشا

شاعر:

أما ترى اليومَ يا مَنْ قَلْبُهُ قاسيكأنَّه أنا مقياساً بمقياسِ
سحّ كدمعي وبرقٌ مثلُ نارِ جوىًفي القلب مني ورعدٌ مثلُ أنفاسي كثير:
تسمع الرعدَ في المخيلة منهاكهدير القروم في الأشوالِ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تسمع الرعد في المخيلة منها»
وترى البرقَ عارضاً مستطيراًمَرَحَ البُلْقِ جُلْنَ في الأَجلال العسكري:
تزور رباها كلَّ يومٍ وليلةٍغيومٌ كأنَّ البرق فيها مقارعُ
فتبسمُ بالأنوارِ منها مضاحكٌوتسجمُ بالأَنواءِ منها مدامع التنوخي:
ربَّ ليلٍ كَتَجَنِّيكَ مُقيمٍ ليس يَذْهَبْ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
قد قطعناه بعزمكالحريق المتلهّبْ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وكأنّ البَرْقَ لمَّالاَحَ فيه يتصبَّبْ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
كاتبٌ من فوق فرع الغيمِ بالعقيانِ يكتب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وكأنَّ الرعد حادٍأو منادٍ أو مثوّبْ يوسف بن هارون:
كأنّ اندفاعَ النبل قبل رعودهتطايرُ نارٍ لاصطكاكِ الجنادلِ
أو اسدُ شرىً في مُذْهباتِ سلاسلٍإذا هي زارتْ نهنهتْ بالسَّلاسل

علي بن أحمد:

سرى موهناً كوجيب الفؤادِأو هزة الصارمِ المنتضى
يخالُ له في خلال الحبيِّجداولَ من ذهبٍ قد جرى

ترعَّدَ مثل زئيرِ الهزبرِ ... أصيبَ بأشبالِهِ فاجترا وآراء الفلاسفة في البرق والرعد: أن البرق والرعد واحد، وهو احتقان أبخرة نارية لطيفة في بخار كثيف رطب مجتمع متراكم، يحتقن ثم ينفلق بقوة، كما تنفلق البيضة المشواة في النار إذا احتقن بخارُها دفعة واحدة، فتظهر الأجزاء النارية عند انشقاقه. قالوا: فظهورهما إلى الوجود هو في وقت واحد، وإنما يُرى البرق من قبل أن يُسمع الرعد، لأن البصر يدرك مبصراته في غير زمان، والسمع لا يدرك مسموعاته إلاّ في زمان، فلأجل ذلك يُرى البرق قبل أن يُسمع الرعد، قالوا: وليس لا يكون الرعد إلا من احتقان البخار بل ربما كان بسبب فساد من السحب المدافعة بعضها بعض بالرياح الشديدة.

الغيم والرباب:

الغيم والسحاب يكون في قليل السحاب وكثيره، والغمام واحدتها غمامة، وهي الغراء البيضاء من السَّحاب البيض، والمزن من السحاب واحدتها مزنة، ومنه الحمّاء وهي السحابة السوداء، والركام الكثير الذي قد تراكم بعضه على بعض، والرباب السحابة الرقيقة السوداء تكون دون الغيم في المطر، ولا يقال لها ربابة إلا في المطر؛ والمكفهرُّ من السحاب الضخام البيض، والجهام: السحاب الذي يراق ماؤه، والمكفهر من السحاب: الضخام المتراكب.

الثعالبي في كتاب " سر الأدب ": أول ما ينشأ من السحاب هو النشأ، فإذا انسحب في الهواء فهو السحاب، فإذا تغيرت له السماء فهو الغمام، فإذا أظلّ فهو العارض، فإذا كان ذا رعد وبرق فهو العراض، فإذا كانت السحابة قطعاً صغاراً متدانياً بعضها من بعض فهي النمرة، فإذا كانت متفرقة فهي القزع.

فإذا كانت سوداء فهي طخياء، فإذا حسبتها ماطرةً فهي مخيلة، فإذا غلظ السحاب وركب بعضه بعضاً فهو المكفهرّ، فإذا ارتفع وانتشر فهو النشاص، فإذا اعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبّق السماء فهو الحبيّ. فإذا أظلَّ الأرض فهو الدجن، فإذا تعلَّق سحاب دون سحاب فهو الرباب، فإذا تدلّى ودنا من الأرض فهو الهيدب، فإذا كان أبيض فهو المزن والصببر، فإذا لم يكن فيه ماء فهو الجهام.

ابن المعتز:

كأن الربابَ الجَوْنَ دون سحابهخليعٌ من الفتيان يسحب مئزرا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أيا ويحه ما ذنبه إن تذكرا»
إذا أدركته روعةٌ من ورائِهِتَلَفَّتَ واستلَّ الحسامَ المجوهرا وله:
كأن الربابَ دُوَيْنَ السَّحابِخيلٌ تجولُ على مِذْوَدِ وله:
لله درُّ صبوحناوالشَّدْوُ ينطقُ وهو ساكتْ
يوم كأن سماءهحُجِبَتْ بأجنحةِ الفواخِتْ أعرابي:
كأنَّ الربابَ دُوَيْنَ السحابِنعامٌ تعلَّقَ بالأَرجلِ
للشاعر زهير بن جلهمة السكب، من قصيدة «إذا لله لم يسق إلا الكرام»

شاعر:

كأنَّ الربابَ الجونَ والفجرُ ساطعٌدخانُ حريقٍ لا يضيءُ له جَمْرُ منصور الهروي:
روضةٌ غَضَّةٌ علاها ضبابٌقد تجلَّت خلالها الأّنوارُ
للشاعر القاضي أبو أحمد الأزدي الهروي، اقرأ القصيدة
فهي تحكي مجامراً مذكياتٍقد علاها من البخور بخار الفضل بن الربيع:
أمَا ترى اليومَ ما أحلى شمائِلَهُصحْوٌ وغيمٌ وإبراقٌ وإرْعادٌ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
كأنه أنت يا من لا شبيهَ لهصدٌّ وهجرٌ وتقريبٌ وإبعادُ ابن طباطبا:
تراءَتْ من أماكنها صباحاًغيومٌ مثلُ أرمدةِ الوقودِ
يُمَدُّ بها على الآفاقِ وشيتحاكيه طيالسةُ الشهود
تسدّ فروجَها ريحٌ جنوبٌتعبّئها كتعبئةِ الجنودِ
لعسكرها سيوفٌ من بروقتعارضها طبولٌ من رعود
وبيضُ سيوفها في كلِّ أفقدوالقُ لا تمكن في الغمود أبو بكر الخالدي:
وسحابٍ يجرُّ في الأرض ذيليمطرفٍ زرَّه على الأرضِ زرَّا
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
برقُه لمحةٌ ولكن له رعدٌ بطيءٌ يكسو المسامعَ وقرا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «لا وَعينٌ تُدِيرُ باللّحظِ خمرا»
كخليّ منافق للذي يهواهـ يبكي جهراً ويضحكُ سرا سعيد بن حميد:
وترى السماءَ اذا أسَفَّ ربابُهَاوكأنّها كُسِيَتْ جناحَ غرابِ
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة

أبو عامر القرطبي:

يومٌ كأنَّ سحابهندّ على الآفاق ثابت
حُجِبَتْ به شمس الضحىبمثالِ أجنحةِ الفواخت
للشاعر أبو عامر بن مسلمة، اقرأ القصيدة
والغيثُ يبكي فقدهاوالبرقُ يضحكُ ضحكَ شامت

والرعدُ يخطبُ مُفْصحاً ... والجوّ كالمحزونِ باهت كتب ابن عمار إلى المعتمد في يوم غيم احتجب فيه:

تجهَّمَ وجهُ الافقِ واعتلَّتِ النفسُلئن لم تَلُحْ للعين أَنت ولا الشمسُ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
فإن كان هذا منكما عن توافقٍوضمّكما أنسٌ فيهنيكما العرس الشريف الموسوي:
كأن السحبَ تكشفُ عن نجومتَرقرقُ مثلَ أحداقٍ مراضِ
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «كأنَّ السُحبَ تكشفُ عن نجومٍ»
كما سحبت لقومٍ يومَ عرسذيولُ الغانياتِ على الرياض الشريف الموسوي:
ويوم دَجْن ذي ضميرٍ متَّهممثل سرور شابه عارضُ همّ
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
أو كمضيّ الرأي يقفةه الندميبرزُ في زيّ ذوي حَمْدٍ وذم
عبوسَ ذي اللؤم وبشرَ ذي الكرمكقبحِ لا خالطه حسن نعم مسرور الهندي:
أرى اليومَ يوماً قد تكاثف غَيْمُهُويوشكُ أنَّ الغيمَ ريَّانُ ماطرُ
وقد سترت شمسَ السماءِ غيومُهاكما سترت وردَ الخدود المعاجر

ابن طباطبا:

أما ترى الغيمَ مجموعاً ومفترقاًيشيرُ هذا إلى هذا يعانقُهُ
للشاعر ابن طباطبا الرسي، اقرأ القصيدة
كعاشقٍ زار معشوقاًقبل الفراقِ فآلى لا يفارقه محمد بن مسدي الغرناطي:
يومٌ تحاربَ شمسُهُ وضَبابهُفالجوُّ لا صاحٍ ولا ممطورُ
والشمسُ قد لبستْ غلائلَ زرقةٍقد شابَهنَّ الندُّ والكافور وله:
انضرْ إلى الجوِّ في غلائلهمختلساً ضِحْكَهُ من العَبَسِ
والشمسُ تسطو على الضَّبابِ كمايسطو سنا فَجْرِها على الغَلَس السلامي في يوم دجن:
نسبُ الرياض إلى الغمام شريفًومحلُّها عند النسيم لطيفُ
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
فأَدِرْ سُقيتَ الراحَ جامك إنهيومُ على قلب الزمان خفيف
أو ما ترى طُرُزَ البروق توسَّطَتْأفقاً كأَنَّ المزنَ فيه شنوف
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
واليومُ من خجلِ الشقيقِ مضرَّجٌخَجِلٌ ومن مرض النسيم ضعيف
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
والأرضُ طرسٌ والرياضُ سطورهوالزهرُ شكلٌ بينها وحروف السري الموصلي:
قم فانتصفْ من صروفِ الدَّهرِ والنُّوَبِواجمعْ بكأسكَ شَمْلَ اللهوِ والطربِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «قم فانتصف من صروف الدهر والنوب»
أما ترى الغيم قد قامتْ عساكرهكأنما الجوُّ منها قلبُ ذي رعب
والفجرُ يختالُ في حُجْبٍ ممسَّكَةٍفي الشرق تنشرُ أَعلاماً من الذهب
جريتُ في حَلْبَةِ الأهواءِ مجتهداًوكيف أقصرُ والأيامُ في طلبي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «قم فانتصف من صروف الدهر والنوب»
توِّجْ بكاسك قبلَ الحادثاتِ يديفالكاسُ تاجُ يدِ المثري من الأدب الفضل بن عيسى:
ألستَ ترى طيبَ يومِ الخميسبدا في تلون زيِّ العروسِ
غيومٌ تجولُ وقَطْرٌ يسيلُوبينهما لَمَعانُ الشموسِ
فزرنا ترى زمناً مونقاًيذكّرُ أيامَ دينِ المجوس الصنوبري:
ويومٍ تكللُهُ بالشموسِصفاء الهوا في صفاء الهواء
فشمسُ الجنانِ وشمسُ الدنانوشمسُ القناني وشمسُ السماء
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
وأسحم ينثرُ من طَلِّهعلى دُرِّ نواره دُرَّ ماء
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
وأصبح ركضُ صَبَاه يثيرُعجاجة كافورهِ في الفضاء
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
تظلُّ به الطيرُ مشغولةًتطارحُ فيه صروفَ الغناء
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
تروقك بالصوتِ من غيرِ عودوتصيبكَ بالزَّمْرِ من غير ناء
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
فقمْ نشتمل برداءِ الزمانفإنَّ الزمانَ أنيقُ الرداء الوأواء:
ويومٍ ستارتُهُ غيمةٌوقد طرزت رَفْرفيها البروقُ
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «زمان الرياض زمان أنيق»
جعلنا البخورَ دخاناً لهومن شرر النارِ فيه حريقُ
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «زمان الرياض زمان أنيق»
تظلُّ به الشمسُ محجوبةًكأن اصطباحك فيه غَبوق السري الموصلي:
ألا عُدْ لي بباطيةٍ وكاسوَزُعْ همي بإبريقٍ وطاس
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ألا عد لي بباطية وكاس»
وذكِّرني بشعرِ أبي نواسعلى روض كشعر أبي نواس
وغيمٍ مرهفاتُ البرقِ فيهعوارٍ والرياضُ به كواسي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ألا عد لي بباطية وكاس»
وقد سَلَّتْ جيوشُ الفطرِ فيهعلى شهر الصيام سيوفَ باسي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ألا عد لي بباطية وكاس»
ولاح لنا الهلال كشطرِ طوقٍعلى لبّاتِ زرقاء اللباس ابن الرومي:
يَوْمُنَا للنديمِ يومُ سرورٍوالتذاذٍ ونعمةٍ وابتهاجِ آخر:
ويومٍ كساه الغيمِ ثوباً مصندلاًوصاغَتْ طرازَيْهِ يدُ الروضِ عسجدا
كأنَّ السما والرعد فيه تذكراهوىً لهما فاستعبرتْ وتنهدا شاعر:
يومُ دجنٍ قد تناهى طيبُهُوحليقٌ أن يجينا بالمطر
والثلاثاء ننادي غدوةًما للهوٍ بعد هذا منتظر

هل يجوزُ الصَّحْوُ في أثنائِهِ ... إنَّ هذا الرأيَ من إحدى الكبر كان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر جالساً في منتزه له شرف في يوم غيم، فرأى ماني الموسوس ماراً في الطريق، فأمر بإحضاره فحضر، فقال له: يا ماني ما تقول في هذا اليوم؟ فقال له: ما يقول الأمير؟ فقال:

أرى غيماً تؤلّفه جنوبٌويوشكُ أنْ سيأتينا بِهَطْلِ
فحزمُ الرأي أن تدعو برطلٍفنشربه وتأمر لي برطل

فقال له ما هكذا قال الشاعر، إنما قال:

أرى غيماً تؤلفه جنوبٌأراه على مساءَتنا حريصا
للشاعر ماني المُوَسوَس، اقرأ القصيدة

فحزمُ الرأي أن تدعو برطلٍ ... فتشربه وتكسوني قميصا فقال له: أنا أكسوك جبّة وقميصاً وعمامةً وجورباً على أن تجلس معي يومي هذا تنادمي فيه، فقال: أفعل، وكساه ونادمه يومه ذلك.

ومثل هذا أن قوماً دعوا جحظة البرمكيّ إلى مجلس شراب وقالوا له: اقترحْ ما نطبخُ لك اليوم، فكتب إليهم:

وجماعةٍ نشطتْ لشربِ مُدامةٍبعثوا رسولهمُ إلي خصوصا
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
قالوا اقترح شيئاً يجاد طبيخهقلتُ اطبخوا لي جبّةً وقميصا قوس قزح:

سمّي بذلك لتقزحه، أي تلونه، يقال: قزحت القدر أي أبزرتها وجعلت فيها توابل مختلفة الألوان. ومن خرافات العرب قالوا: قزح اسم شيطان، وزعموا أن الظاهر في أيام الربيع قوسه، ولذلك كان النبي ﷺ يقول: " لا تقولوا قوس قزح، ولكن قولوا قوس الله ".

وفي التوراة أن الطوفان لما نضب عن الأرض أطلع الله ﷿ قوس قزح، وأوحى إلى نوح ﵇ أن هذه علامة أماني: أنْ لا أُهلكَ الأرضَ بالطوفانِ آخر الدهر، فلذلك يسمى قوس الأمان، وهو إيذان بالصّحو متى ظهر.

شاعر:

ولاحَ قوسُ اللهِ من تلقائهافي أفقِ الشمسِ يروقُ مَنْ نَظَرْ
قد طُلِيتْ بحمرةٍ وخضرةٍوصفرةٍ كأنها بُرْدُ حِبَرْ

سيف الدولة:

وساقٍ صبيحٍ للصبوحِ دعوتُهُفقام وفي أجفانه سِنةُ الغمضِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وساق صبيح للصبوح دعوته»
يطوفُ بكاساتِ العقار كأنجمفمن بين منقضٍّ علينا ومنفضّ
للشاعر سيف الدولة الحمداني، من قصيدة «وساق صبيح للصبوح دعوته»
وقد نثرتْ أيدى الجنوب مطارفاًعلى الجوّ دُكناً والحواشي على الأرض
وطرّزها قوسُ السماءِ بأصفرعلى أحمرٍ في أخضرٍ تحت مبيض
كأذيالِ خودٍ أقبلتْ في غلائلمصبَّغةٍ والبعضُ أقصرُ من بعض الوأواء:
سقياً ليومٍ ترى قوسَ الغمام بهوالشمسُ مصفرَّةٌ والبرقُ خَلاّسُ
كأنها قوسُ رامٍ والبروقُ لهارشقُ السهامِ وعينُ الشمسِ برجاس السريّ الرفاء:
وصاحبٍ يقدحُ لينارَ السرور في القدح
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «إن عن لهو أو سنح»
في روضةٍ قد لبستمن لؤلؤ الطلِّ سبح
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «إن عن لهو أو سنح»
والجوّ في ممسَّكٍطرازهُ قوسُ قزح
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «إن عن لهو أو سنح»
يبكي بلا حزنٍ كمايضحكُ من غير فرح آراء الفلاسفة في قوس قزح وهالة القمر:

الآثار العلوية منها حقيقة وغير حقيقة، فالحقيقة كل ما يحدث من الأمطار والغيوم والريح والبرد والجليد وما أشبهه؛ وغير الحقيقة هي ما تحدث من إشراق أحد النيرات على الأجرام السحابية إذا حصل لها أدنى صقالة بالرطب من الآثار والألوان المخلفة في نظر الناظر إليها، ويختلف ذلك باختلاف موقع السحاب بين الناظر

والنيّر، فإن كان السحاب متوسطاً بين الناظر والنير عند كون النيِّر أَوْجيّاً، رأيتَ الهالة وهي الدائرة التي يرى في وسطها القمر محتاطاً ببياض محبوس بظلمة السحاب المترطب، وربما وقعت سحابة تحت سحابة أخرى فتولَّد منها هالة أخرى، تكون أكبر من التي فوقها ومثلها من الناظر، وكلّما يكون من الشمس لقوتها على تحليل ذلك السحاب لخفته؛ وقد يستدل بشدّة ما يحيط بالهالة من الظلام على المطر، وبحفته على عدمه، وبسرعة تفرُّقِها على الريح الجنوبية؛ وإن كان الناظر متوسطاً بين السحاب والنيّر عند كون النير أفقياً، رأى نصف دائرةٍ مختلفة الألوان ضرورة، لكون النير في الأفق، وهي المسماة بقوس قزح، وعلى قدر ارتفاع النير في الأفق وانخفاضه يكون اتساع القوس وصغرها، ولأجل كون النير أفقياً قلّ ما يرى ذلك منتصف نهار الصيف، بخلاف الشتاء، ولا يُتَصوَّر ذلك إلا بأن يكون وراء السحاب الصقيل شيءٌ مظلم من سحاب أو غيره، ليؤدي السحاب الصقيل ما ينطبع فيه إلى الناظر بتوسط المشف كالمرآة.

قال ابن أبي علقمة لسالم المازني، وكان لسالم المازني مولى ندَّاف يُنْسَب إليه: والله لو وضعت إحدى رجليك على ثبير والأخرى على حراء، وتناولت قوس الله وندفت به السحاب لكنت أنت أنت.

الشريف الطوسي في الهالة:

أرى هالةَ البدر وَسْطَ السماءوسيفَ الدجى قابلاً دوسهُ
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «أرى هالةَ البدر وَسْطَ السماءِ»
كأنّ غلاماً من التركِ أحوىأدارَ على وجهه قَوْسَهُ
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «أرى هالةَ البدر وَسْطَ السماءِ»

فراغ

النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.