تجاوز إلى المحتوى

من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)

الباب السادس في الرياح الأربع والنكب والاعصار - وهى الزوبعة - والزلزلة وتغير الهواء

بحسب هبوب الرياح على رأي الاطباء والقدماء

روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تسبّوا الريح فإنها من نفس الرحمن " قالوا: معناه يتنفس بها الكرب ويذهب الجدب والوباء، ومنه: اللهم نفّس عني، أي روّح.

وعنه ﷺ أنه كان يدعو إذا هبّت الريح فيقول: " اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً " معناه راجع إلى ما ذكرناه، وبين الريح والرياح فرق عند العرب، وسيأتي ذكره.

قال ابن عباس ﵄: هاجت ريحٌ أشفق منها رسول الله ﷺ ثم استقبلها وجثا على ركبتيه وقال: " اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا " وعن ابن عمر ﵄ أنَّ الرياح المذكورة في القرآن ثمان: أربعٌ رحمة وأربع عذاباً. فأما التي هي الرحمة فالمبشرات والمرسلات والذاريات والناشرات، وأما التي هي العذاب فالصرصر والعقيم وهما في البر، والقاصف والعاصف وهما في البحر.

وذكر أئمة التفسير ﵃ أن لفظ الريح والأمطار لم يأت في القرآن العزيز إلاّ في الشرّ كما لم يأت لفظ الرياح إلا في الخير. قال ﷿ في الرياح: (وهو الذي يُرْسِلُ الرياحَ بشراً بينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ). (الأعراف:)

قالوا في تعليل الرياح: إنها لا تأتي إلا للخير لأنها جمع، الجنوب والشمال والصبا لأنها لواقح، والعذاب ريح واحدة وهي الدبور لأنها لا تلقح. وقرئت بشراً بالباء، فمن قرأها نشراً بالنون فمعناه: حياة طلقة كحياتهم بالنشور، ومن قرأها بشراً بالباء ففيه وجهان: أحدهما أنها بشرى بالمطر، والثاني لأنّ الناس يستبشرون بها. وقوله: (بين يدي رحمته) يعني المطر، لأنه رحمة من الله ﷿ لخلقه. وأما قوله ﷿: (وأرسلنا الرياح لواقح) ففيه قولان: أحدهما لواقح السحاب حتى يمطر، والآخر: لواقح الشجر حتى تثمر. وقال في الريح: (وفي عادٍ إذْ أرْسَلْنَا عليهمُ الريحَ العَقيم)، وقال: ﷿ في الأمطار: (وأمطرنا عليهمْ حجارةً من سِجِّيل)، وقال: (وأمطرنا عليهمْ مطراً فساءَ مَطَرُ المُنْذَرين)، وجميعُ ما في الكتاب العزيز جاء على هذا الأسلوب، وهو معنى دعائه ﷺ " اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً ".

وقال علماء اللغة: إذا وقعت الريح بين الريحين فهي النكباء، وإذا وقعت بين الصبا والجنوب فهي الجربياء، فإذا هبّت من جهات مختلفة فهي المتناوحة، فإذا جاءت بنفسٍ ضعيف ورَوْحٍ فهي النسيم، فإذا كانت شديدة فهي العاصف، فإذا اشتدَّت حتى تقلع الخيام فهي الهّجوم، فإذا حرَّكت الأشجار إلى أن تقلعها فهي الزعزعان والزعزع، فإذا جاءت بالحصباء فهي الحاصب، فإذا هبّت من الأرض كالعمود نحو السماء فهي الإعصار، فإذا هبّت بالغبرة من فهي الهبوة، فإذا كانت باردة فهي الحَرْجَفْ والصّرْصَروالعَرِيّة. فإذا كان مع بردها ندى فهي البليل، فإذا كانت حارّة فهي الحرور والسّموم، بالفتح فإذا كانت تخرق البيوت فهي الخريق، فإذا كانت لا تلقح شجراً ولا تحملُ مطراً فهي العقيم.

وجمع الريح أرواح، وهو مما يغلط الناس فيه فيجمعونه على أرياح قياساً على قولهم رياح وهو خطأ فاحش، قال ذو الرمة:

إذا هبّتِ الأرواحُ من نحو جانب ... به أهل ميّ زاد وجدي هبوبها وقالت ميسون بنتُ بحدل، لما نُقِلَتْ إلى معاوية بالشام،. تحنُّ إلى البادية من أبيات:

لبيتٌ نخفقُ الأرواحُ فيه ... أَحبُّ إليَّ من قَصْرٍ مُنيفِ والعلّة في ذاك أن أصل ريح روح، لاشتقاقها من الروح، لأنها تعيش بها.

وإنما أبدلت الواو ياء في ريح ورياح للكسرة التي قبلها، فإذا جمعت على أرواح فقد سكن ما قبل الواو وزالت العلّة التي نوجب قلبها، فلهذا وجب أن تعاد إلى أصلها، كما أعيدت لهذا السبب في التصغير فقيل رويحة.

قال خالد بن صفوان: الرياح أربع: الصبا ومهبّها فيما بين مطلع الشرطين إلى القطب، ومهبّ الشمال فيما بين القطب إلى مسقط الشرطين، وما بين مسقط الشرطين إلى القطب الأسفل مهبّ الدبور، وما بين القطب الأسفل إلى مطلع الشرطين مهبّ الجنوب.

وحكي عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب أنه قال: الرياح ستّ، القّبول وهي الصبا، والدّبور والشمال والجنوب والنكباء وريح سادسة يقال لها محوة، وجعل ما بين المغربين مخرج الدبور، وجعل ما بين مشرق الصيف إلى القطب مخرج النكباء، وجعل ما بين القطب إلى مغرب الصيف مخرج الشمال، وجعل ما بين مغرب الشتاء إلى القطب الأسفل مخرج الجنوب، وجعل ما بين القطب الأسفل إلى مشرق الشتاء مخرج مَحْوة، قال أبو حنيفة: والناس على قول خالد.

وأما الأصمعي فإنه قال: معظم الرياح أربع، وحدَّهُنّ بالبيت الحرام فقال: القبول التي تأتي من تلقاء الكعبة، يريد التي تستقبلها، وهي الصَّبا، والدبور التي تأتي من دبر الكعبة، والشمال التي تأتي من قبل الحجر، والجنوبُ من تلقائها، يريد تلقاء الشمال. قال: وكل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين من هذه فهي نكباء. والمنجمون على قول الأصمعي يجعلون مهبّ الصبا من وسط المشرقين اللذين هما مشرقا الصيف والشتاء، ومهبّ الدّبور من وسط المغرب، ومهبّ الشمال من نفس القطب الأعلى، ومهبّ الجنوب من نفس القطب الأسفل، وما هب بين هذه الحدود فهو عادل عن مهبّ الأربع ناكب عنها، فالقبول هي الشرقية لأنها تجيء من مطلع الشرق، والدبور تناوحها وهي الغربية، وهكذا هاتان الريحان في جميع الأرض: مهبّ الصّبا بكل بلد من قبل شرقه، ومهبّ الدبور من قبل مغربه، وكذاك الريحان الأخريان مهبُّهُما بكلّ بلدٍ من جهة القطبين.

وقال أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي: الرياح المعروفة أربع: الصّبا وهي تسلّي عن المكروب، والجنوب وهي تجمع السحاب، والشمأل وهي تعصره وتفرقه، فهي الرياح كلُّ واحدة منها فيها خير، والدبور تهدم البنيان وتقلع الشجر وهي المذكورة قي القرآن فقال: الريح العقيم، وريح عاصف، وريح صرصر. وكل موضع جرى فيه ذكر الرياح في القرآن فإنه يرجع إلى الثلاث التي تقدّم ذكرها، فيراد بها الرحمة، وإذا جرى ذكر الريح فالمراد به الدبور، والمراد بها العقوبة، وعنه ﷺ قال: " نُصِرْتُ بالصَّبا وأهلكتْ عاد بالدَّبور ". وقد نظم ذاك أبو شجاع السهروردي فقال:

" قال لنا يحيى الخطيبُ المصقعُوهو نقابٌ لوذعيٌّ مقنعُ
إن الرياحَ الذارياتِ أربعُمنها النعامى والصبا والزعزع
ثم الدبور مرُّها لا ينفعقد أهلكتْ عاد بها وتبّع
والريحُ في الوحي إليها يرجعوفي الثلاثِ الخيرُ حين تُجْمع مهدي بن الملوح:
إذا الريحُ من نحو الحبيب تنسَّمَتْوجدتُ لرياها على كبدي بَرْداً
على كبدٍ قد كاد بها الهوىصدوعاً وبعضُ الناسِ يحسبني جلدا هدبة بن خشرم:
ألا ليتَ الرياحَ مسخراتٌلحاجتنا تراوحُ أو تؤوب
فتبلغنا الشمالُ إذا اتتناوتبلغ أهلنا عنَّا الجنوب كلاب بن عقبة:
بنفسي وأهلي من تجنَّبتُ دارَهومن لا أرى لي من زيارته بُدَّا
ومَنْ لا تهبُّ الريحُ من نحوِ أرضهفتبلغني إلا وجدتُ لها بردا

شاعر:

ما هبَّتِ الريحُ من تلقاءِ أرضكمُإلا وجدتُ لها برداً على كبدي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا حب طال تمنينا زيارتكم»
ولا تنسمتُ أخرى أستفيقُ بهاإلا وجدتُ خيالاً منكِ بالرصد ابن الرومي:

ونسيمٍ كأنّ مسراهُ في الأروا ... ح مَسْرَى الأَروحِ في الأجسادِ قال ابن حمدون: كان الفتح بن خاقان يأنس بي ويطلعني على الخاصّ من أمره، فقال لي مرة: أعلمتَ أني انصرفتُ من مجلس أمير المؤمنين البارحة فلما دخلتُ منزلي اسقبلتني فلانة جاريتي، فلم أتمالك أن قبّلتُها، فوجدتُ من شفتيها هواءً لو رقد المخمور فيه لصحا، فكان هذا مما يُسْتَحْسَنُ من كلام الفتح بن خاقان، فسمع به أبو الفرج الوأواء الدمشقي فقال:

رعى الله ليلاً طاب إذ زار طيفهفأفنيته حتى الصّباحِ عناقا
بطيبِ نسيمٍ منه يستجلبُ الكرىفلو رقد المخمورُ فيه أفاقا الشريف الموسوي لغزاً في الريح:
وما شيءٌ ولا شيء تراهبلا جسدٍ بذي جسم لطيفِ
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «وما شيءٌ ولا شيءٌ تراهُ»
يسيرُ فليس تدكه المهارىولا هو بالسُّكَيْتِ ولا القطوف
ولا نَصَبٌ عليه إذا تمادىولا يخشى من السيرِ العنيف وله:
إذا خلا الجوُّ من هواءٍفعيشُهُمْ نقمةٌ وبوسُ
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «إذا خَلا الجوُّ من هواءٍ»

فهو حياةٌ لكلِّ حيٍّ ... كأن أنفاسَهُ نفوس مذاهب العرب في استطابة الريح مختلفة لأسباب: أحدها المساكن، فإن منها ما تطيب فيه الرياح الباردة كالأغوار والوهود، ومنها ما تطيب فيه الرياح

الدفيئة كالجبال والنجود، والسبب الآخر علاقتهم وهوى نفوسهم، فإن من كان له منهم محبوب نأى عنه أستطاب النسيم الهاب بينه وبينه كائناً ما كان من الأهوية فإن كان صادراً عنه حمله التحية والسلام، وإن كان وارداً عليه استشفى به من الآلام، كقول ذي الرمة:

إذا هبَّتِ الأَرواحُ من نحو جانببه أهلُ ميّ هاج شوقي هبوبها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي الدار قفرا جنوبها»

هوىً تذرفُ العينانِ منه وإنما ... هوى كلِّ نفسٍ أين حلَّ حبيبها والسبب الثالث: استطابة الهواء من حيث خصوصيته في نفسه، كما يستطيبون الصبا لأنها شتوية كثيرة الأمطار مباركة طيّبة ليّنة البرد قليلة العجاج، ويستطيبون الجنوب لأنها تجيء بالسحاب والمطر وفيه الحياة والخصب وهي دفئة ليّنة الدفء، وهي أدوم الرياح هبوباً، وتكون في الصيف والشتاء معاً.

فأما القبول فقد زعم بعضهم أنها كلُّ ريحٍ طيبة ليّنة لا أذى فيها كائنة ما كانت من الرياح، لا أنه اسم لريح بعينها مخصوصة،. وإنما سمّيت قبولاً لأنها طيبة تقبلها النفس وتلتذّ بها؛ قال: وليس ذلك بصحيح، بل القبول اسم يخصُّ الريح الشرقية، وهي الصّبا، سميت قبولاً لأنها تأتي من قبل الكعبة، كما سميت الدّبور دبوراً لأنها تأتي من دبرها.

فأما الدبور والرياح النُّكْبُ كلّها فإنهم لا يستطيبون شيئاً منها، ولا تجيء في أشعارهم إلا في معرض الذم لا المدح، وسبب ذلك أنّ الدبور من رياح القيظ، لا تكون إلاّ فيه، وهي مع ذلك مهياف.

والنكب أربع فنكباء الصبا والجنوب مهيافٌ ملواحٌ ميباسٌ للبقل، وهي تجيء بين الريحين، ونكباء الشمال معجاج مصراد لا مطر فيها ولا خير، ونكباء الشمال والدبور ريح قرة وربما كان فيها مطر قليل، ونكباء الدبور والجنوب ريح حارة وهي الهيف، وقد تتفرّع فتكون أكثر من أربع. وإذا ذكرت العرب في أشعارها الريح الشآمية فإنما يريدون بها الشمأل، لأنها تأتي من ناحية الشام، وإذا ذكروا الريح اليمانية فإنما يريدون بها الجنوب، لأنها تأتي من ناحية اليمن، والصبا شرقية لأنها تأتي من مطلع الشمس في الصيف.

الصبا:

قال ﷺ: " نصرت بالصّبا وأهلكتْ عادٌ بالدبور ".

تزوج رجل من تهامة امرأةً من أهل نجد، فقالت له يوماً: ما فعلت ريحٌ كانت تأتينا ونحن بنجدٍ يقال لها الصَّبا لا أحسبها عندكم، فقال لها: حجزها عنك هذان الجبلان، فقالت:

أيا جبليْ نَعْمانَ بالله خليانسيمَ الصبا يخلصْ إليَّ نسيمها
للشاعر أسماء المرية، من قصيدة «أيا جبلي نعمان بالله خليا»
أجدْ بَرْدَهَا أو تشفِ مني حرارةًعلى كبدٍ لم يبقَ إلا صميمها
للشاعر أسماء المرية، من قصيدة «أيا جبلي نعمان بالله خليا»
فإنّ الصبا ريحٌ إذا ما تنفَّسَتْعلى نَفْسِ مهموم تجلَّتْ همومها قال: ورأيت هذا الشعر منسوباً للمجنون

وللمجنون أيضاً:

ألا حبّذا يومٌ تهبُّ به الصبالنا وعشياتٌ تدانتْ غيومها
بنعمانَ إذ أهلي بنعمانَ جيرةٌلليلى وإذ ترضى بدارٍ نقيمها
ألا إنَّ أدوائي بليلى قديمةٌوأقتلُ أدواءِ الرجالِ قديمها
وإني لمجلوبٌ ليَ الشوقُ كلّمابدا ليَ من أعلام ليلى رسومها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا حبذا يوم يقر به الصبا»
وقد لامني من غيرِ جُرْمٍ أتيتهأقاربُ ليلى واستخف حلومها
يقولون لي دعها فليلى مشومةٌبنفسي وأهاب يُمْنُ ليلى وشومها شاعر:
أيا جبلي طيٍّ متى أنا نتظرٌبعينيَّ يوماً نظرة لا أراكما
لقد حُلْتُما دونَ الهوى لا سُقيتماودونَ الصَّبا لا بلَّ قطرٌ ثراكما آخر:
وإني لَتُحْيِيني الصَّبا وتميتنيإذا هبَّ من بعدِ الشمال جنوبُ
وأرتاحُ للبرقِ اليماني كأننيله حينَ يجري في السماء نسيب

مهيار:

يا نسيمَ الريحِ من كاظمةٍشدَّ ما هجتَ الأَسى والبُرَحَا
للشاعر ابن مهيار، اقرأ القصيدة
الصَّبا إن كان لا بُدَّ الصَّباإنها كانتْ لقلبي أروحا إبراهيم الصولي:
تمرُّ الصَّبا صفحاً بساكن ذي الغضاويصدعُ قلبي إذ يهبُّ هبوبها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
قريبةُ عهدٍ بالحبيب وإنماهوى كلِّ نفس أين حلَّ حبيبها معدّ بن حسن بن جبارة:
ما ترى الشرقَ كيف يُهدي نسيماًكلّما مسَّ يابسَ الصخرِ لانا

لم تدعه مجامرُ البرقِ حتى ... طبَّقتهُ من العبيرِ دخانا كان لبيد بن ربيعة قد آلى في الجاهلية أنْ لا تهبَّ صباً إلا أطعم. وكانت له جفنتان يغدو بهما ويروح على مجالس قومه، فهبّتِ الصّبا يوماً والوليد بن عقبة على الكوفة، فصعد الوليد فخطب ثم قال: إن أخاكم لبيداً نذر في الجاهلية أن لا تهبَّ صبا إلا أطعم، وهذا يومٌ من أيامه، فأعينوه وأنا أوّل كل من يفعل، وأرسل إليه مائة بكرة، وكتب إليه:

أَرى الجزّار يشحذُ شفرتيهإذا هبَّتْ رياحُ أبي عقيلِ
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
أشمُّ الأنفِ أَصْيَدُ عامريٌّطويلُ الباعِ كالسيفِ الصقيل
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
وَفَى ابنُ الجعفريِّ بحلفتيهعلى العلاتِ والماءِ القليل

بنحرِ الكُومِ إذ سحبت عليه ... ذيولُ صباً تجاوبُ بالأصيل فلما وصلت البكرات والأبيات إلى لبيد قال لابنته: أجيبي عنّي، فلعمري لقد كنت لا أعيها بجواب شاعر، فقالت:

إذا هبَّتْ رياحُ أبي عقيلدعونا عند هبَّتها الوليدا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إذا هبت رياح أبي عقيل»
أشمَّ الأنفِ أبيضَ عبشمياًأعان على مروءته لبيدا
بأمثالِ الهضاب كأنّ ركباًعليها من بني حام قعودا
للشاعر ابنة لبيد بن ربيعة العامري، اقرأ القصيدة
أبا وهبٍ جزاك الله خيراًنحرناها وأطعمنا الثريدا
للشاعر ابنة لبيد بن ربيعة العامري، اقرأ القصيدة

فَعُدْ إن الكريم له معاد ... ووظني بابنِ أروى أن يعودا فقال: لقد أحسنت يا بنية لولا أنك استزدتيه، فقالت: إنه ملك ولو كان سوقةً ما استزدته، فقال: أنت يا بنيّة في هذا أشعر.

الجنوب

روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " الجنوبُ من ريح الجنة ". وعنه ﷺ " ما جَرَتْ جنوبٌ إلا أرسل الله ﷿ بها عيشاً " وفي حديث: " ولا هبَّت جنوباً إلا سال منها وادٍ ".

أبو القمقام الأسدي:

لعمرك ما ميعادُ عينيك ولبكابداراءَ إلاّ أن تهبَّ جنوبُ
أَعاشرُ في داراءَ من لا أُحبّهوبالرمل مهجورٌ إليَّ حبيب
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
إذا هبَّ عُلويٌّ الرياحِ وجدتنيكأنّي لعلويِّ الرياحِ نسيب أبو العارم:
إذا هبَّتِ الأرواح من نحو أرضهاأضرَّتْ بنفسٍ قد أُطيلَ سقامها
على أنَّ نَفْحَاتِ الجنوبِ إذا جَرَتْيقرُّ بعيني بَرْدُهَا وانتسامها آخر:
وإن الكثيبَ الفردَ من جانب الحمىإليَّ وإن لم آته لحبيبُ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أقول وقد نامت على حر وجهها»
فيا حبَّذا ريحُ الصَّبا حين أعصفتْبقضبانه تحتَ الظلام جنوب
ولا خيرَ في الدنيا إذا أنت لم تَزُرْحبيباً ولم يطربْ إليكَ حبيب الأقرع بن معاذ القشيري:
يقرُّ بعيني أن أَرى ضوءَ برقةٍيمانية أو أن تهبَّ جنوب
وقد شعفتني أمُّ بكر وبغَّضَتْإليَّ نساءً ما لهنَّ ذنوب
وقد كنتُ قبل اليوم أحسبُ أننيذلولٌ بأيام الفراقِ ركوب
فما برحتْ نفسي تَساقَطُ أنفساًوتجمد روحي مرّةً وتذوب
يقولون لو عزَّيْتَ قلبك لارعوىفقلتُ وهلْ للعاشقينَ قوب جميل بن معمر:
فبالمسكِ تأتيك الجنوبُ إذا جرتأم الخمر أم ريَّا بثينةَ تنفحُ
منعّمة لو يدرجُ الذرُّ بينهاوبين حواشي دِرْعِها ظلَّ يجرح مالك بن الصّمصامة:
فيا نَخَلاتِ الحيِّ حيِّ ابنِ يكرمٍسقيتنَّ ما دامتْ لكنَّ جنوبُ
فيا خيرَ أسماءِ الرياحِ تركتنيكذي الداء ما يُدْعَى إليه طبيب حميد بن ثور الهلالي:
فلا يُبْعِدِ اللهُ الشبابَ وقولَناإذا ما صبونا صبوةً سنتوبُ
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
لياليَ أبصارُ الغواني وسمعهاإليَّ وإذ ريحي لهنَّ جنوب رفيع الوابلي:
وقد أُعْطِيَتْ فوقَ الغواني محبةًجنوبُ كما خيرُ الرياحِ جنوبُها
إذا هيَ هبَّتْ زادتِ الأرضَ بهجةًوبالسَّعْدِ والبشرى يكونُ هبوبها
وإن صعبت كانت شفاءً لذي الهوىيمانيةً يستنشرُ الميْتَ طيبها

ابن الدمينة:

هوى صاحبي ريحُ الشّمالِ إذا جَرَتْ ... وأهوى لقلبي أن تهبَّ جنوبُ كان للبحتريّ غلام يقال له نسيم، وكان بديع الجمال، وحفَّظه البحتري فنون العلوم وروَّاه الشعر، فصار واحد دهره، وكان البحتري إذا أعسر باعه، وإذا أيسر شكا حبّه ووجده به بالشعر إلى أن يُرَدَّ عليه، وكان هذا دأبه، فباعه على الحسن بن وهب. ولم يزل يمدحه ويذكر وجده وتأسّفه عليه إلى أن طال ذلك عليه، فكتب إليه:

أنسيمُ هل للدهر عهدٌ صادقُفيما يؤمّله المحبُّ الوامقُ
ما لي فقدتك في المنامِ ولم تزلْعونَ المشوق إذا جفاهُ الشائق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنسيم هل للدهر وعد صادق»
أَمُنِعتَ أنت من الزيارةِ رقبةمنهم فلمْ مُنِعَ الخيالُ الطارق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنسيم هل للدهر وعد صادق»
اليومَ جاز بي الهوى مقدارَهُفي أهله وعلمتُ أنّيَ عاشق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنسيم هل للدهر وعد صادق»

فليهنئ الحسن بن وهبٍ أنّه ... يلقى أحبَّته ونحن نفارق فقال الحسن بن وهب: أريحوني من البحتري، ورده عليه؛ فأخذه وأقام عنده مدة،. ثم أباعه على إبراهيم بن المدبّر، فحظىَ عنده وتمكَّن من قلبه، وجعل البحتريّ يقف له في الطرق ويرفع إليه الرقاع، ويستعطفه بالشعر، وبلغ ذلك إبراهيم فأمره أن لا يركب معه، وأن يلزم داره، وتقدّم بأن تُزاح كلّ علّة له، ولا توصل إليه رقعة من البحتري، ولا يدخل إليه، فأضرَّ ذلك بالبحتريّ، ولم يجد حيلةً لإيصال رقعة إليه إلاّ من جهة سقّاء كان يدخل دار الوزير، فأعطاه دراهم كثيرة، وسأله إيصال رقعته إلى نسيم، فأخذ الدراهم والرقعة، ودفعها إلى نسيم وفيها:

قل للجنوبِ أذا جريتِ فبلّغيكبدي نسيماً من جَنابِ نسيمِ
أَخُدِعْتُ عنكَ وأنت بدرٌ كاشفلليل من غَسَقٍ به يحموم
وأقمتَ في قلبي وشخصُكَ بائنٌلا تبعدنْ من ظاعنٍ ومقيم
كَرُمَ الزمانُ ولمتُ فيك ولن ترىعجباً سوى كرمِ الزمان ولومي
للشاعر البحتري، من قصيدة «قل للجنوب إذا غدوت فأبلغي»
وظلمتُ نفسي جاهداً في ظلمهافاسمعْ ندامةَ ظالمٍ مظلوم
لا كان صبري أين كان وأنت ليملكٌ وعهدي منك غيرُ ذميم

الآن أطمعُ في الوصال ودونه ... عينُ الرقيب وبابُ إبراهيمِ فقرأ الرقعة ورقّ للبحتري، وبكى بكاء شديداً، ودخل عليه إبراهيم الوزير فرآه كذلك فقال له: ضع يدك على رأسي وأصدقني، فدفع إليه الرقعة، فاستحسنها وقال: أتحبُّ أن ترجع إليه فقال: كيف لا أُحبُّ الرجوع إليه، وهو ربّاني وأدّبني وبتأديبه وصلتُ إلى خدمتك؟! فقال إليه إبراهيم: لله درّك، ثم أتى البحتري فقال له: قد فتحنا لك الباب، وصرفنا الرقيب، ونسيمٌ موهوبٌ لك، وجميع ما يحتوى عليه ملكه من مالٍ وبزٍ وكراع، ولكن على شرط، إنه وحقّ رأس أمير المؤمنين إن بلغني أنك بعته بعد هذا لأسترجعنّ منك جميع ما صار إليك ولآمرنّ بقتلك، قال: لك ذلك، فأخذ الغلام وجميع ما كان له، وحلف لا يبيعه أبداً، وكتب إلى الوزير يشكره:

يكلُّ لساني عن مديحك بالشعروأعجزُ أن أجزي صنيعكَ بالشكرِ
فإن رمتُ شعراً كنت فيه مقصراًوإن رمتُ شكراً حرتُ فيه ولا ادري
على أن ما تولي وتبلي وتبتليبقدرك والتقصيرُ فيه على قدري الشمال:

روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا تسبُّوا الشمالَ فإنّها تقتلُ الأفعى وتخرج أنف الربيع، ويجيء بعدها النتاج والثمار وتغيّر خبث نفس الإنسان.

سُحَيم العبد:

وهبَّتْ شمالٌ آخرَ الليل قَرّةٌولا ثوبَ إلا درعها وردائيا
فما زال بردي طيباً من ثيابهاإلى الحولِ حتى أَنهجَ البردُ باليا
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «فما زال بردي طيبا من ثيابها»

آخر:

وهبَّتْ لنا ريحُ الشمالِ غُدَيَّةًوعهدي بنفسي معجبٌ لي هبوبها
فأهدتْ لنا من نحوها صوتَ أنةٍعلى النأي ما يَفْنَى على النأي طيبها الحسن بن الزبير:
خليليَّ هل ريحُ الشمالِ شمولُصفت أم نسيمٌ كالنسيمِ عليلُ
كأنّي وما سُقِّيتُ خمراً إذا سَرَتْبِنَعْمانَ غصنٌ يستوي ويميل أبو فراس بن حمدان:
هبَّتْ لنا ريحٌ شآميّةمتَّت إلى القلبِ بأسبابِ

أدت رسالاتٍ لنا في الهوى ... عرفتها من بينِ أصحابي يحكى عن الصاحب بن عباد، رحمه الله تعالى، أنه كان إذا سمع هذين البيتين ترنَّحَ لهما.

أحمد بن فرج من شعراء المغرب:

وربَّتَ ريحٍ امتزجتْ بنفسيمزاجَ الراحِ بالماءِ الزلالِ
وجدتُ بها وبي للشوقِ ما بيكما وجدَ المهجِّرُ بالظلال
وبات ثرى العقيقِ ينمُّ عنهاإليَّ بمثلِ أنفاسِ الغوالي
للشاعر ابن فرج الجياني، اقرأ القصيدة
فقلْ في نشوةٍ من نفحِ ريحشفيتُ بها الشَّمولَ من الشمال
للشاعر ابن فرج الجياني، اقرأ القصيدة
سَرَتْ في نارِ أَشواقي سراهاإلى جَدَثِ الثرى تحيي العوالي إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:
قعيدَكِ أنَّى زرتِ ضوؤك شارقٌوطيبك نمامٌ وَحَلْيُكِ هادلُ
هبيك اغتررتِ الحيَّ واشيكِ هاجعٌوفرعُكِ غربيبٌ وليلك لائل
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «مرادهم حيث السلاح خمائل»
فأنَّى اقتحمتِ الهولَ: خَصْرُكِ مُدْمَجٌوردفُكِ رجراجٌ وَعِطْفُكِ مائل
خليليَّ ما لي كلما رمتُ سلوةًتعرَّضَ شوقٌ دونَ ذلك حائل
أراحُ إذا راح النسيمُ شآمياًكأنَّ شمولاً ما تُديرُ الشمائلُ القاسم بن مروان من أفريقية:
وهبَّ أريجُكُمْ من أرضِ نجدٍنسيماً شِيبَ بالمسكِ الفتيقِ
فأحيا مهجتي وشفى غليليوأطفأَ ما بقلبي من حريق
إذا ذَكَرَ الأحبّةَ بات شوقاًفؤادي كالجناحِ من الخفوق
سأُفني مهجتي أَسفاً عليهممعَ الزَّفَرات والدَّمعِ الدفوق

سلامُ الله ما هبَّتْ شمالٌ ... على الأحبابِ من صبٍّ مشوق كان أهل بثينة قد هدر لهم السلطان دم جميل، فضاقت الدنيا به، فكان يصعد في الليل على تلِّ رملٍ، ويتنسّم الريح من نحو بثينة ويقول:

أيا ريحَ الشمالِ أما ترينيأهيمُ وأنّني بادي النحولِ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أيا ريح الشمال أما تريني»
هبي لي نسمةً من ريحِ بَتْنٍوَمُنِّي بالهبوبِ على جميل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أيا ريح الشمال أما تريني»
وقولي يا بثينةُ حسْبُ نفسيقليلُكِ أو أقلُّ من القليل فإذا أصبح انصرف

قال الشيخ شرف الدين ﵀: حدثني بعض من دخل سجستان وكرمان أن جميع أرحائهم ودواليبهم تدور بريح الشمال، قد جُعِلَتْ منصوبة تلقاء الشمال، وأن هذه الريح تجري عندهم على الدوام صيفاً وشتاء، وهي في الصيف أكثر وأدْوَم، وربما سكنت في اليوم والليلة مرّة أو مرّات، فيسكن كل رحىً ودولاب بذلك الإقليم، ثم تتحرك فيتحرك. وذكر أنّ عدَّة الدواليب المنصوبة عندهم اثنا عشر ألف دولاب، يجرى بها مع جريان ريح الشمال اثنا عشر ألف نهر وتنقطع بانقطاعها.

قال: والخصبُ والقحط معتبر في بلادهم بكثرة جريان ريح الشمال وقلّته. قال: ولهم في الأرحاء مَنَافِسُ تُغْلَقُ وتفتح للريح فتقلّ وتكثر، وذلك أنها إن كانت قويّة حرقت الدقيق فيخرج أسود، وربّما حمي حجر الرحى فانفلق، فهم يحتاطون لذلك بما ذكرناه.

الدبور والنكب:

الريح الدبور والرياح النكب جميعها من الرياح العواصف غير المستطابة. ولا تجيء في أشعارهم إلاّ على سبيل الذم والتبرم لها. رَوَت عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ كان إذا كان اليوم ذو الغيم والريح عرف ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، وإذا كان المطر سُرَّ وذهب ذلك عنه، قالت: فسألته فقال: إني أخشى أن يكون عذاباً سُلِّط على أمتي.

وحدَّث عبد الله بن فرقد مولى المهدي قال: هبّت ريح زمن المهدي، فدخل المهدي بيتاً في جوف بيت فألزق وجهه بالتراب ثم قال: اللهم إني بريء من هذه الجناية، فإن كان هذا لخلق فاجعله غيري، فإن كنت أنا المطلوب من بين خلقك فها أنا ذا بين يديك، اللهم لا تُشَمِّت بي أهل الأديان، ولم يزل كذلك حتى انجلت الريح.

وقال شريح: ما هاجت ريحٌ قط إلا لسُقْمِ صحيح أو شفاء سقيم.

وأما الرياح النكب: فإن الرياح أجناسها أربع كما تقدم، الشمأل والجنوب والصعبا والدبور، وهاهنا ثمان رياح تسمى النكب، لأن كل ريح منها نكّبت عن مجرى الريح الأصليّة، ولكلّ ريح منها اسم يخصّها، وذلك أنه يهبّ مما يلي كل ريح من الرياح الأربع الأصلية ريحان، فتهبّ من ناحية الجنوب ريحان، إحداهما مما يلي المشرق وتسمى النعامى، والأخرى مما يلي المغرب وتسمى الهير؛ ويهبّ مما يلي الشمال ريحان: إحداهما مما يلي المشرق وتسمى المسع، والأخرى مما يلي المغرب وتسمى الجربياء؛ ويهب عن جنبتي المشرق ريحان إحداهما مما يلي الجنوب وهو المطلع الشتوي يقال لها الأزيب، والأخرى مما يلي الشمال وهو المطلع الصيفي ويقال لها المسع، والريحان الهابّتان عن جنبتي المغرب إحداهما مما يلي الشمال وهو المغرب الصيفي يقال لها محوة، والأخرى مما يلي الجنوب وهو المغرب الشتوي يقال لها الخريق، فجملة الرياح اثنتا عشرة ريحاً: الرياح الأصلية أربع، والنكب ثمان.

الغزيّ في الدبور:

لا يستوي البحرانِ بحرٌ خضرميبني وينمي للعلا ويهدِمُ

فكفُّ هذا ديمةٌ تهمهم ... وكفُّ ذا ريحٌ دبورٌ تحطم يتلفُ هذاك وهذا يَقْسِمُ ... ذو الرمة في النكباء:

سمعتُ الناسَ ينتجعون غيثاًفقلت لصيدحَ انتجعي بلالا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أراح فريق جيرتك الجمالا»
تناخي عند خير فتىً يمانٍإذا النكباءُ ناوحتِ الشمالا أكثم بن صيفي:
عن الدهرِ لا تسألْ ولكن عن الذيأباد جديداه من الشِّيبِ والمُرْدِ
طوتهمْ يداه تحت حرفِ خطوبهكما خَفِيَتْ في الطيِّ حاشيةُ البرد
كما لعبتْ نكباءُ بالغصنِ مرّةًتصرّفهمْ ما بين نَحْسٍ إلى سعد الفرزدق في الرياح الهوج غير المستطابة:
وركبٍ كأنَّ الريحَ تطلبُ عندهملها تِرةً من جذبها بالعصائبِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وركب كأن الريح تطلب عندهم»
سَرَوا يخبطون الليلَ وهي تلفُّهُمْإلى شُعَبِ الأكوارِ من كلِّ جانب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وركب كأن الريح تطلب عندهم»
إذا أنِسوا ناراً يقولون ليتهاوقد خَصِرَتْ أيديهمُ نارُ غالب المهلبي، وأبدع في التجنيس:
وريحٍ تُطيرُ الروحَ عن مستَقرِّهاوتستلبُ الركبانَ فوقَ الركائبِ
فلو أنها ريحُ الفرزدقِ لم تكنْلها ترةٌ من جَذْبها بالعصائب
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
نصبتُ لها وجهي وأنصبتُ صاحبيإلى أنْ حللنا في محلِّ الحبائب البحتري:
كأنَّ الريحَ والمطرَ المناجيخواطرها عتابٌ واعتذارُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أناة أيها الفلك المدار»

الحسن بن حسان السناط:

فجبت بساطَ الأرضِ لم أَكُ سامعاًبه عند شَدْوِ الحيِّ هَتْفاً إلى هتفي
كأنَّ حنينَ الريحِ في جَنَباتِهِحنينُ المثاني والمثالثِ في العزف ابن هذيل:

وكأنَّ الريح في إعجاجه ... نَفَسٌ أرهقه كدُّ الأَجلْ قال الشيخ شرف الدين المصنف: حدثني غير واحد من الفرس والترك والعرب المترددين إلى أقصى بلاد فارس والصين أن فيما بين الفرس مما تاخم بلاد التتار - خذلهم الله تعالى - وبين بلاد التتار مفازة، مسيرة نحو ستة أيام، إذا كان أوان معلوم في كل عام جرت في تلك المفازة ريح عاصف، مدة محدودة معلومة الوقت والمقدار، لا تمر بحيوان ولا نبات إلا أهلكته، قالوا: وإن اتفّق أن يسلك في ذلك الوقت عسكر أو قافلة بذلك المكان، وخرجت عليهم تلك الريح، اختطفت الفارس بفرسه، فصكّتْ به الفارس الآخر، وحملت الجمل بحمله، فصدمت به الجمل الآخر، حتى يهلك الجميع، وأن التتار وغيرهم من المسافرين يتنكبون المرور بذلك الموضع في ذلك الوقت المحدود.

الإعصار:

هذا هو الريح التي تلتف دائرة على نفسها، وتصعد نحو الجو ويسميه المحدثون " الزوبعة "؛ قال ابن المعتز يصف كلبةَ صيد:

وان أُطْلِقَتْ من رباطاتهاوطار الغبارُ وجدَّ الطَّلبْ
فزوبعةٌ من بناتِ الرياحتريك على الأرض شيئاً عجب ابن إسرائيل:
وتجمَّعتْ فإذا الرياحُ أثرنهارفعتْ إلى أُفُقِ السماءِ دخانا

وله:

لله فعلُ عارضِ النكباءلما أثار ساكنَ الغبراء
أبدى من التربِ لعين الرائيسارية شامخةَ البناء تجمعُ بين الأرض والسماء ... الشريف ابن دفتر خوان:
اعجبْ لزوبعةٍ تدورُ لوالباًفي الأرض تحكي وهي في جولانها

رقّاصةً هيفاءَ دارتْ خفّةً ... وثيابُها تلتفُّ في دورانها زكي الدين بن أبي الإصبع، ولم يَسْمَعْ بما قاله الشريف ابن دفتر خوان قبل ذلك:

علا وَهَجُ الإعصارِ عند التفافهفأعجلَ عيني أن تغمِّضَ جفنيها

كراقصةٍ قد أسرعت دورانها ... إذا انفتلتْ لَفَّتْ على الخصرِ كُمَّيْها فلما سمع الشريف قال على سبيل العرامة:

شاهدتُ للإعصارِ شكلَ عجاجةٍملتفّهٍ ثارتْ بجوٍّ مقفرِ
فظننتُ أنَّ البرَّ بحرُ الثغرِ إذأبدى إليَّ منارةَ الإسكندر
ورشاشُ موجِ البحرِ حَوْلَ رصيفهاكغبارِ دوّارِ العجاجِ الأكدر وله:
قام في قائم الظهيرة نَقْعٌمستطيلٌ أثاره إِعصارُ

مثلَ ظلِّ الأَشباحِ في الأرض يعلو ... مستطيلاً إذا تولَّى النهار قال: ومثل ما اتفق لهذين الفاضلين ما نذكره، قال أبو الحسن ابن سعيد الغماري:

تصادمتِ الرياحُ فثار منهاعجاجٌ قام في صَدْرِ الفضاءِ
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة
كأنَّ الأرضَ قد رَفَعَتْهُ صرحاًتطالعُ منه أسبابَ السماء
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة

وقال جلال الدين المكرم بن أبي الحسن الأنصاري، وهو والد محمد مختار هذا الكتاب:

وزوبعةٍ لما استدارتْ تعالياًإلى الجوِّ حتى ما أطقتُ لها شرحا
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
توهّمتُ فرعونَ الرِياح بعصفهيقولُ لهامانِ الغبارِ ابنِ لي صَرْحَا أبو الحسن الغماري:
للهِ زوبعةٌ أُثيرَ بها الثرىفتعلَّقَتْ بذوائِب الآفاقِ
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة
أتَرى الرياحَ وقد جَرَتْ في حَلْبَةٍرفعتْ لواءً بينها لِسِباقِ ولوالدي جلال الدين المكرم ﵀:
شكتِ الأرض مَحْلَها بلسانٍصاعدٍ من غبارها للعنانِ
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
فأغيثت من السماء بميزابٍ إلى الأرض واصلٍ في العيان وله ﵀:
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
أقولُ للناسِ وقد أَنذرَ الإِعصارُ مَنْ شاهده في الهواءْ
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
تعوَّذوا في الأرضِ من فتنةٍغبارها يصعدُ نحو السماء أبو الحسن ابن عبد الكريم الأنصاري:
قد وافتِ الريحُ بسلطانهاتحملُ تُرْبَ الأرضِ نحو السحابْ
تلفّها جاذبةً مثل ماتلفُّ بعد الدَّرج طيَّ الكتاب
فخلتُها إذ فعلتْ فعلَهاقد صنعتْ فوارةً بالتراب وله:
وذارياتٍ جُنَّ فيها الهوافَنَقْعُهُ في جوِّهِ راقي
كأنّها إذ رفعته غَدَتْتحملُ أجبالاً بأعناق
كثيفة البنيانِ لكنَّهليس على الأيام بالباقي
لو كان تحتَ الأرض ما فوقهالقامتِ الأرضُ على ساق

أحسن الاحتياط بقوله " ليس على الأيام بالباقي " بعد قوله " كثيفة البنيان "، وقوله " لو كان تحت الأرض ما فوقها " برز فيه على جميع من نظم في هذا المعنى.

الزلزلة:

قال: لما كان سبب الزلزلة إنما هو احتقان بخاريّ في بطن الأرض يطلب الصعود، فيتصاعد ويتموج، فيزعزع الأرض التي يحتقن فيها ويزلزلها حتى يخرق منها موضعاً، فتصعد منه ألحقته لسبب ذلك بالرياح.

قال أبو بكر الزيات:

إنَّ الزلازلَ قد تفاقم أمرهاوالناسُ منها في اتصالِ همومِ
والأرضُ في أقطارها مرتجَّةٌتحت الأنامِ كَرَعْدَةِ المحوم والدي جلال الدين المكرم:
قلتُ إذ زلزلتِ الأرضُ ومافوقها للعهدِ إلا ناقضُ
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
حُمَّتِ الدنيا من الغيظِ علىساكنيها فاعتراها النافِضُ وله:
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
هزَّتكمُ الأرضُ بزلزالهالما اشتغلتمْ باكتسابِ الحطامْ
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
كأنها قالتْ لقد طال ماغفلتمُ فانتبهوا يا نيام وله:
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
يا أيّها الناسُ افهموا ما قالهمَلَكُ الزلازل أو إليه أشارا
للشاعر جلال الدين المكرم، اقرأ القصيدة
ما الأرضُ إلاّ غَرْبَلَتْ سكانهاقصداً لتقبضَ منهم الأخيارا أبو الحسن ابن سعيد، وأجاد:
انظر إلى الأرضِ وقد زلزلتغب انسكابِ السُّحُبِ الغُرِّ
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة
كأنّها في فعلها طائرٌمنتفضٌ من بَلَلِ القطر وله:
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة
تقعقعتِ الآفاقُ رعداً وأَشْعَلَتْبروقاً ونادى بالقيامةِ داعي
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة
فأقبلتِ الحيطانُ تهوي تعانقاًمخافةَ بينٍ قبلَ ضمِّ وداع أبو المعالي ابن اسرائيل:
وزلزلةٍ تروِّعُ كلَّ شَهْمٍمخافتها وتزعجُ كلَّ ساكنْ
كأنَّ الأرضَ منها لُجُّ بحرٍترقّص مَوْجُهُ سُفُنَ المساكن وله:
يا رُبَّ زلزلةٍ تَزلزلُ خيفةًمن أن تُلَفَّ بغيثها الأفكارُ
لما غَدَتْ للأرضِ من صَوْبِ الحياكاساتِ راحٍ بالرياح تدار وله:
ويومِ قرٍّ قد غدا غَيمُهُيلفُّ قرصَ الشمسِ في بُرْدِهِ
كأنما الأرضُ وقد زلزلتتهتزُّ للرعدةِ مِنْ بَرْدِهِ الزكي بن أبي الإصبع:
شكا البخارُ ببطنِ الأرضِ محبسهعساهُ يُطْلَقُ فاهتزّتْ لشكواه
ونفستْ عنه كرباً عندما وَجَدَتْخوفاً من الخَسْفِ أنْ يقضي به الله
فكانتِ الأرض كالحُبْلَى إذا اختلجَ الجنينُ في جوفها يهتزُّ أعلاه وله:
ما اهتزَّتِ الأرض زلزالاً بساكنهاتبغي هلاكهمُ يوماً بذا السببِ
وكيف وَهْيَ لهمْ أمٌّ وبينهمُوبينها نَسَبٌ ناهيكَ من نسب
وإنما ذكرتْ ذاك الخطابَ لهامن خالقِ الخَلْقِ في الماضي من الحقب
وكونها امتثلتْ طوعاً أَوامِرَهُولم تخالِفْهُ فاهتزَّتْ من الطرب
والمرءُ يذكرُ شيئاً كان يعجبهفينثني عِطْفُهُ من ذلك العجب
لأجلِ ذا جُعِلَتْ طهراً يُدانُ بهومسجداً لمصلَّى سيّدِ العرب أبو الحسن ابن عبد الكريم الأنصاري وأجاد:
وزلزالٍ يهزُّ الأرضَ هزّاًكما هزَّ الكريمَ الابتهاجُ
يبشر وجهها بقدومِ غَيْثٍكما قد بشر العين اختلاج

أبو إسحاق ابن كاتب قيصر:

زدْتُ عجباً بقدرةِ الله لمّاأن عدا الأرضَ طارقُ الزلزالِ
فرأيت الجدرانَ قبّلتِ الأرضَ وعادتْ لحاها في الحال له:
آذارُ شهرٌ أشرسٌ نَزِقٌجهمٌ عَبُوسٌ وجهُهُ حَنِقٌ
والأرضُ قد مادتْ بزلزلةٍوالغيثُ قد غَصَّتْ به الطرق
فكأنها من فرطِ رعدتهاحُمَّت وأعقب هزَّها عرق للشيخ شرف الدين المصنف:
أما ترى الأرض في زلزالها عجباًتدعو إلى طاعةِ الرحمنِ كلَّ تقي
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
أضحتْ كوالدة خرقاءَ مرضعةٍأولادَها درَّ ثديٍ حافلٍ غدق
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
قد مهَّدتهُمْ مهاداً غير مضطربوأفرشتهم فراشاً غيرَ ما قلق
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
حتى إذا أبصرتْ بعضَ الذي كرهتْمما يشقٌّ من الأولادِ من خلق
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
هزَّتْ بهم مهدهم شيئاً تنهّضهمثم استشاطتْ وآل الطبعُ للخُرُق

فصكَّتِ المهدَ غضبى فهي لافظةٌ ... بعضاً على بعضهم من شدّةِ النزق ومما ورد في الأرض في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: " أكرموا الأرض فإنّها بكم بَرَّة " قال أبو عبيد: صلّوا عليها ولا تصلّوا على دابة ولا في محمل، ومعنى: " هي بكم برَّة " أي منها خلقتم وفيها معاشكم وإليها مصيركم، فيها الثمار والنبات، ومآرب الأحياء والأموات، والمعادن والكنوز والبحار والأنهار.

وخرج الشعبي إلى الجبّانات فقرأ: (ألم نجْعلِ الأرضَ كِفاتاً أحياءً وأمواتاً) وأشار إلى المقابر وقال: هذه الكفات.

واسم الأرض مشتق من الأَرَضِ وهو الهدوء والسكون، وذلك لسكونها وعدم حركتها، ومنه رياضة المدام وهو تذليلها.

خواص الرياح وما ورد فيها:

الصبا: خواصها ترطّب الأجسام القحلة وتنعمها، كائنةً ما كانت، من بَشَرةِ الإنسان وشعره، وشعر الحيوان ووبره، والكتان وغيره، ويبرد بها الحليُّ على النساء وهنّ في فرشهن ومضاجعهنّ، وتقبلها النفس وتطيب بها، وتسلي الحزين وتنفس عن المكروب، ويلتذّها الصحيح والخليّ والمريض والشجيّ.

الجنوب: من خواصها أنها تعفِّن اللحم حتى يسودّ، وتظهر كلّ ندى في الأرض حتى تلثق الأرض، وإذا صادفت بناءً بني في الشتاء والأنداء أظهرت نداءه حتى يتساقط، وتطيل الثوب القصير، ويضيق لها الخاتم في الإصبع الأيمن، ويسلس في الأيسر، والجنوب تسري بالليل، تقول العرب: إن الجنوب قالت للشمال: أنا أسرى وأنتِ لا تسرين، فقالت الشمال: إنَّ الحرّة لا تسري.

الشمال: من خاصيتها أنها تهبّ النهار كلّه، فإذا جاء الليل سكنت، قال الهذلي:

قد حالّ دون دريسيهِ مؤوبةٌ ... مسعلها بعضاهِ الأرض تهزيز المؤوَّبة: التي تهبُّ النهار كلّه إلى الليل ثم تسكن، وفي التنزيل: (يا جبالُ أوّبي معه والطَّيْر)، أي سبحي النهار كلّه إلى الليل، ومسعٌ: ريح الشمال، والدّريس: الثوب الخَلَقُ.

ومن خواص الشمال أنها يُستذرى منها بأدنى شيء ويشترك فيها الرحل وذرى الشجرة في الاستتار، والجنوب تدور ولا يستر منها شيء، وربما وقع الحريق في البادية في اليبيس فإن كانت الريح جنوباً احترق أياماً، وكان تحريقه طولاً وعرضاً، وإن كانت شمالاً فإنما يذهب خطاً لا يذهب عرضاً.

وللشمال ذرى الشجر، وذلك أن يجتمع التراب من قبلها فيستذرى بالشجر،

فإن كانت الشجر عظاماً كانت له جراثيم، وإن كانت صغاراً ساوى التراب غصونه، ولا ذرى للجنوب، ترى ما يلي الجنوب منها عارياً مكشوفاً منحفراً.

والشمال تُذَمُّ بأنها تقشع الغيم وتجيء بالبرد، ويُحْمَدُ منها أنها تُمسك الثرى، وأنها صاحبة الضباب، تصبح الأرض منها كأنها ممطورة، والغصون تنطُفُ، وأكثر ما يكون ذلك عن غب المطر، فإذا ارتفعت الشمس ذهب الندى، وانقطع الضباب.

والشمال أدوم الرياح في الشتاء والصيف.

الدّبور: مذمومة في الشتاء والصيف، وهي إحدى الهيفين، إلا أنها قليلة الهبوب، قالت العلماء: ما أهلك الله قوما إلاّ بالدّبور.

النكباء: ليس من الرياح شيء أكثر عجاجاً ولا أكثر سحاباً لا مطر فيه، وهي هيف تيبسُ الأرض، ويحرق العود من النكباء التي بين الدَّبور والجنوب التي تجيء من مغيب سهيل.

وخاصة الريح في الحكمة - أيّ ريح كانت - إذهاب النتن والعفن من الموضع الذي يكون فيه أي موضع كان من العالم. روي عن مطرّف أنه قال: " لو حبس الله ﷿ الريح عن الناس ثلاثة أيام لأنتن ما بين السماء والأرض ".

أبو إسحاق إبراهيم بن علي الأنصاري الحصري من إفريقية:

ولقد تنسَّمْتُ الرياحَ لعلَّنيأرتاحُ أنْ يبعثن منكِ نسيما
للشاعر أبو إسحاق الحُصْري، اقرأ القصيدة
فأَثَرْنَ من حُرَقِ الصبابةِ كامناًوأَذْعَنَ من سِرِّ الهوى مكتوما
للشاعر أبو إسحاق الحُصْري، اقرأ القصيدة

وكذا الرياحُ إذا مررنَ على لظى ... نارٍ خَبَتْ ضرَّمنها تضريما قال شرف الدين المصنف: رأيت أهل المشرق يستغربون لابن قسيم - شاعر مشرقي - أبياتاً يزعمون أنه ابتكر معناها وهي:

روَحني عائدي فقلتُ لهمه لا تزدني على الذي أجدُ
للشاعر الحاجب المصحفي، اقرأ القصيدة
أما ترى النارَ كلّما خمدتْعند هبوب الرياحِ تتقد

وإنما أغار ابن قسيم على شعر الحصري المتقدّم.

موسى بن سعيد الغرناطي:

الريحُ أقودُ ما رأيتُ لأنهاتبدي خبايا الرّدفِ والأَعكانِ
وتميلُ بالأغصانِ بعدَ علوّهاحتى تقبلَ عارضَ الغدران

ولذلك العشاقُ يتخذونها ... رُسُلاً إلى الأحبابِ والأوطان البيت الأول يقرب من معنى قول البها زهير الكاتب:

حبّذا نفحةُ ريحٍفرَّجَتْ عنّيَ غُمَّهْ
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «حبذا نفحة ريح»
ضربتْ ثوبَ فتاةٍأكثرتْ تيهاً وحشمه
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «حبذا نفحة ريح»
فرأيتُ البطنَ والسرّةَ والخصرَ وثمّه والجميع راجعٌ إلى قول الأول:
أبتِ الروادفُ والثديُّ لِقُمْصِهامسَّ البطونِ وأنْ تمسَّ ظهورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»

وإذا الرياحُ معَ العشيِّ تناوحت ... نَبَّهْنَ حاسدةً وهجن غيورا اشتدت بأبي العيناء ريح كانت تتعهده، فكتب إلى طبيب: أمّا بعد فإن جسدي مرتعُ الرياح الأربع، فأما صدري فمهبُّ القبول، وأما ظهري فمنشأُ الدبور، وأما جانبي الوحشي فمَدْرجة الجنوب، وأما شماله فَمَعْصَفَةُ الشمأل، والفؤاد من قوم عاد، والله علي من الشهود، أنني مؤمن بهود، فهل لي أمان من النذير، ورجاء من حسن التدبير؟.

قال أحمد المصنف: أورد القاضي أحمد بن مطرف الكناني في كتابه المسمى ب " الرتيب " للرياح مائةً وستة عشر اسماً في لغة العرب اختصرناها لأن كتابنا ليس كتاب لغة فنذكرها فيه.

قال: آراء الأطباء في تغييرالهواء: إعلم أن لكل ريحٍ من هذه الرياح

تغيَّر مزاج بالهواء إلى مزاجها وتؤثّر في الأبدان تأثيراً خاصاً لا تؤثره الأخرى.

فالشمأل تقوى الأبدان، وتصفي الأرواح والأخلاط والحواسّ

وتلطفها، وتصحح الدماغ، وتقوي الحركة،. وتزيد في شهوة الجماع، وتقوي الهضم، وتمنع انصباب المواد إلى الأعضاء، لأنها تبرّد ظاهر الأبدان وتعكس الحرارة الغريزية إلى الباطن، فتجمعها وتقوّيها، وتشدّ الأعضاء الباطنة وتصلحها، لأنها تهيّج السّعال ووجع الصدر بتجفيفها لآلة النفس وتَعْقِلُ البطن، وتُحدِث في الأعين لذعاً، وتضرُّ بالأبدان الباردة.

وأما الجنوب فإنها إذا هبّت بالضدّ مما وصفناه، تُرخي الأبدان والعصب، وتكدّر الأرواح والأخلاط والحواس، ويحدث لذلك ثقل في السمع وغشاوة في البصر، وتورث الكسل وترخي الحركة وتهيح صداعاً، وتحرّك نوائب الصرع وتُنقص من الشهوة، وتضعف الهضم، وذلك لأنها حارّة رطبة وهي تملأ الدماغ فضولاً رطبة.

وأما الصبا والدّبور فلاعتدال مزاجيهما تكون الأبدان فيهما معتدلة متوسطة صحيحة.

وأما الرياح النكب الباقية فإنّ كلّ واحدة منها تؤثر في الأبدان تأثيراً أسوأ

مما تؤثر الريح التي تهبّ من جانبيها.

قال: وآراء الفلاسفة في الهواء:

قال أبو علي الحسين ابن سينا البخاري: تأثير التغيرات الهوائية الخارجة عن المجرى يكون إما لاستحالة جوهر الهواء في نفسه، وإما لاستحالة كيفيته. فأما الذي في جوهره فهو أن يستحيل جوهره إلى الرداءة، لأنّ كيفيته أفرطت في الاشتداد أو النقص وهذا هو الوباء، وهو تعفّنٌ يعرض في الهواء شبيه بعفن الماء الآجن ولسنا نعني بالهواء الهواء البسيط المجرد، فإن ذلك ليس هو الهواء الذي يحيط بنا، وكلّ واحد من البسائط المجرّدة فإنه لا يعفن، بل إما أن يستحيل في كيفيته، وإما أن يستحيل في جوهره إلى البسيط الآخر، بأن يستحيل مثلاً الماء هواء، بل نعني بالهواء الجسم المبثوث في الجو، وهو جسم ممتزج في الهواء الحقيقي من الأجزاء المائية البخارية وومن الأجزاء الأرضية المتصعدة من الدخان والغبار ومن أجزاء أُخر ناريّة، وإنما نقول له هواء كما نقول لماء البحر والبطاحِ ماء.

وإن لم يكن ماء صرفاً بسيطاً، بل كان ممتزجاً من ماء وأرض ونار، ولكن الغالب فيه الماء؛ فهذا الهواء قد يعفن فيستحيل جوهره إلى الرداءة، كما أن ماء البطاح قد يعفن فيستحيل جوهره إليها، وأكثر ما يعرض الوباء وعفونة الهواء في أواخر الصيف والخريف. وأما الذي في كيفيّته فان يخرج في الحرّ والبرد إلى كيفية غير محتملة، حتّى يفسد الزرع والنسل، وذلك إما باستحالةٍ مجانسة كمعمعة القيظ إذا فسد، أو استحالة مضادة كزمهرير البرد في الصيف لعَرَضٍ عارض. والهواء إذا تغيّر عرضت منه عوارض في الأبدان: فإنه إذا تعفّن عفَّن الأخلاط، وابتدأ بعض الخلط المخصوص بالقلب، لأنه أقرب منه وصولاً إلى غيره، وإن سَخُنَ شديداً أَرخى المفاصل وحلّل الرطوبات، " وزاد في العطش، وحلّل الروح، وأسقط القوى، ومنعَ الهضم، بتحليل الحارِّ الغريزّي المستبطن الذي هو آلة الطبيعة وصفَّر اللون بتحليله الأخلاط المحمرة للّون، وتغليبه المرّة على سائر الأخلاط، وسخنَ القلب سخونة غير غريزيّة، وسيَّل الأخلاط وميَّلها عفنة إلى التجاويف وإلى الأعضاء الضعيفة، وليس بصالح الأبدان المحمودة، بل ربما انتفعبه به المستسقون والمفلوجون وأصحاب النَّزْلة الباردة والتشنّج الرطب واللقوة الرطبة. وأما الهواء البارد فإنه يحصر الحارّ الغريزيّ داخلاً، ما لم يفرطْ إفراطاً يتوصّل منه إلى الباطن، فإن ذلك يميت، والهواء البارد غير المفرط يمنع سيلان المواد ويحبسها، لكنه يُحدث النزلة، ويضعف العصب، ويضرُّ بقصبة الرئة ضرراً شديداً، وإذا لم يفرط شديداً قوَّى الهضم، وقوى الأفعال الباطنة كلّها، وأثار الشهوة، وهو أوفق للأصحّاء من الهواء المفرط الحرّ، ومضارُّهُ هي من جملة الأفعال المتعلّقة بالعصب وبسدِّه المسامَّ. والهواء الرطب صالح موافق لأكثر الأمزجة ويحسّن اللّون ويبقي المسام منفتحةً، إلا أنه رديء العفونة، واليابس بالضد.

وقال علي بن العباس المتطبّب: الهواء المعتدل هو النقي الصافي اللطيف الذي لا يخلطه شيء من البخارات، وإذا شممته وجدت له رائحة طيّبة لذيذة،

وليس بالحارّ الذي يعرق البدن منه، ولا بالبارد الذي يقشعرّ منه، بل يكون سريع التغيّر إلى البرد إذا غابت الشمس، سريع التغير إلى الحرّ إذا طلعتْ، وما كان من الهواء حاله هذه الحال فإنه يعدِّل المزاج، ويقوي الأبدان، ويصفي الأخلاط والأرواح، ويعين على جودة الهضم، وأما الهواء الخارج من الاعتدال في كيفيّته فيكون أحرّ أو أبرد، وأرطب أو أيبس من المعتدل، وأما في ذات جوهره فمثل الهواء الوبائي.

آراء الأطباء في الرياح والأهوية على التفصيل:

الريح التي تهبّ من ناحية القطب الشمالي، وهي ناحية الفرقدين وبنات نعش، باردة تصلِّبُ الأبدان وتقويها، وتُضْعِف الرأس، وهي أصلح الرياح وأدفعها للعفن، غير أنها تهيِّحُ العلل التي تكون في الرئة والحلق والننرلات والزكام، وتعقل البطن وتدرُّ البول.

والهابَّة من ناحية القطب الجنوبي، وهي ناحية سهيل، تُرْخي الجسد، وتكدِّر الحواس، وتهيج الصداع والرمد، ونوائب الصرع، والحميّات العفنة، غير أنها لا تخشِّنُ الحلق والصدر، وهي أجلب الرياح للأمراض، لا سيّما إذا كثر هبوبها في الصيف وآخر الربيع.

وأما الريح التي تهبّ من حدِّ المشرق الصيفيّ إلى المشرق الشتوي والتي تهبّ من حدّ المغرب الشتوي إلى المغرب الصيفيّ فمعتدلتان في الحرّ والبرد، إلاّ أن أصحّهما وأصلحهما الهابّة من المشرق، وأردأهما وأغلظهما الهابة من المغرب.

وأما الهواء فأصلحه الصافي اللطيف الذي ليس فيه بخارات كثيرة، ولا هو راكد مختنق، بل متحرِّك بهبوب الرياح، لذيذ المستنشق، يسرع إلى البرد إذا غابت الشمس عنه، وأشرُّه ما كان بالضدّ مما وصفنا، وما كان لغلظه كأنه يقبضُ على الفؤاد ويُمْسك النَّفَس، وما كان فيه بخارات من مجاورة بخارات وآجام فيها ماء راكد، وكان فيه عفونات وجيف، وكان شديد الحرّ ملتهباً، وكان مختنقاً لا تخترقه الرياح، فإن هذه الأهوية كلّها رديئة. ويكون الهواء مختنقاً في المساكن التي في الجوبات، وحيث يحيط بها جبال شاهقة وآجام، وحيث لا تهبُّ رياح كثيرة.

ومذاهب العرب والمنجين في الرياح وفعلها في الأجسام: فقد ذكرنا أن أصول الرياح أربعة الصَّبا والدَّبور والشمأل والجنوب:

فالصبا الريح الشرقية الهابة من حيث تطلع الشمس، وهي أعدل الرياح عند الأطباء، ومع كونها معتدلة تميل إلى الحر واليبس، واعتدالها لأن الشمس لا تقاطعها فتكون باردة، ولا تواصلها فتكون حارّة، ولاعتدالها تجعل الأبدان معتدلة، والأجسام صحيحة، والقوى قويّة، وألوان أهلها بيض مشربة حُمْرةً.

والدبور هي الريح الغربية الهابة من حيث تغرب الشمس وهي تشبه الصَّبا لمساماتها لها، إلا أنها مضطربة مع ميل إلى البرد واليبس. أما اضطرابها فلأن الشمس لا تلقي شعاعها بالغدوات عليها، فكأنها تستكن البرد بالغدوات والحرّ بالعشيّات.

والشمأل وجهة مهبّها مائل لجهة الجنوب عن يسار مطلع الشمس، ومزاجها بارد يابس، لبعد ممرّ الشمس عن هذا الموضع، لأن الشمس تصير إليه إذا صارت في فلك أوجها، وهي أبعد ما تكون من الأرض. وفعلها ضدّ فعل الجنوب لأنها تقوّي الأبدان وتصلِّبُها، وتصفّي الأرواح والأخلاط وسائر الحواس، وتصحّح الدماغ، وتقوّي الشهوة والهضم، وتمنع من انصباب المواد.

والجنوب جهتها عن يمين المستقبل مطلع الشمس، وهي حارة لانحطاط الشمس عن بعدها من فلك أوجها، رطبة لأجل البخار المتحلّل عن البحر العظيم المحيط بها، وهي ترخي الأبدان، وتكدر الحواس، وتهيّج الصداع، وتحرّك نوازل الصرع، وتملأ الدماغ فضولاً، ولا سيّما الأدمغة الرطبة، وتضعف الهضم وتوجب النوم، وتورث الحميّات المعفنة.

فراغ

النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.