من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)
الباب الرابع في السحاب الثقال والاستسقاء والحجا؟ وهي القواقع التي يرسمها قطر المطر
على الماء؟ ومنع المطر من تزاور الأخوان، وآراء الفلاسفة في المطر والثلج والبرد والجليد.
في التنزيل العزيز: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجي سحاباً ثم يؤلِّفُ بينه ثم يجعله ركاماً فترى الوَدْقَ يخرجُ مِنْ خِلالِهِ)، يزجي: أي يسوقه إلى حيث يشاء، ومنه زجي الخراج إذا انساق إلى أهله. فال النابغة:
إني أتيتكُ من أرضي ومن وطني ... أُزجي حُشاشة نفسٍ ما لها رَمَقُ ثم (يؤلّفْ بينه) أي يجمعه لتفرقه عند انتشاره، ليقوى باتصال بعضه ببعض، ثم (يجعلُهُ ركاماً) أي يركبُ بعضه بعضاً (فترى الودقَ يخرجُ من خلاله) فيه قولان: أحدهما أنَّ البرق، يخرج من خلل السحاب، والثاني أنه المطر يخرج من خلل السحاب. قال الشاعر:
فلا مزنةٌ ودقت وَدْقَها ... ولا أرضَ أَبقلَ إبقالَهَا وقوله ﷿: (وينزّلُ من السماءِ من جبالٍ فيها من بَرَدٍ)، فيه ثلاثة أوجه: أحدها أن في السماء جبال بَرَدٍ، فينزل من تلك الجبال ما يشاء، فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء. الثاني: أنه ينزل من السماء برداً يكون كالجبال، الثالث: إن السماء: السحاب، سماه سماءً لعلوه،
والجبال صفة السحاب أيضاً، سماه جبلا لعظمه تشبيهاً له بالجبال، فينزل منه برداً يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، فتكون إصابته نقمة وصرفه نعمةً.
وقال رسول الله ﷺ: إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عينٌ غديقة، ويروى عينُ غديقة - بالإضافة -. وفي حديث آخر أنه كان جالساً ذات يوم مع أصحابه إذ نشأتْ سحابة فقالوا: يا رسول الله، هذه سحابة، قال: كيف تَرَوْنَ قواعدها؟ قالوا: ما أحسنها وأشد تمكّنها، قال كيف ترون رحاها؟ قالوا ما أحسنها وأشدّ استدارتها قال: وكيف ترون بواسقها؟ قالوا: ما أحسنها وأشدّ استقامتها! قال: كيف ترون برقها أوميضاً أم يخفو أم يشق شقاً؟ قالوا: بل يشقّ شقاً، فقال ﷺ: الحيا.
قواعدها: أسافلها، ورحاها: وسطها ومعظمها؛ وإذا استطار البرق من قطرها
إلى قطرها فذلك الانشقاق، وإذا كان كالتبسّم في خلل السحاب فذلك الوميض، يقال منه: ومض البرق وأومض لغتان، والخفوُ أقلُّ من الوميض، يقال خفا يخفو خفواً، وهو أن يلمع تارةً ويسكن.
القطقط أصغر المطر، وبعده الرذاذ ثم الطش ثم النغش ثم الحلبة، والديمة: المطر الدائم الذي ليس فيه رعد ولا برق، وأقلّ الديمة ثلث نهار أو ثلث ليل، وأكثرها ما جاوزت اليوم والليلة إلى ما بلغت من العدة، والتهتان مثل الديمة، والهَطْلُ مثله.
النضر بن شميل: أول المطر رشّ وطشٌّ وطلٌّ ورذاذ ونضحٌ ونضحجٌ، وهو قطر بين قطرتين، ثم هَطْلٌ وتهتانٌ ثم وابلٌ وَجوْد.
فإذا أحيا الأرض بعد موتها فهو الحيا، فإذا جاء عقيب المحل أو عند الحاجة إليه فهو الغيث، فإذا دام مع سكون فهو ديمة، فإذا كان عامّاً فهو الجدا، فإذا كان يروي كل شيء فهو الجَوْد، فإذا كان كثير القطر فهو الهطل والتهتان، فإذا كان مستمراً فهو الوَدْق، فإذا رجع وتكرر فهو الرَّجْع، وقد نطق به القرآن العزيز، فإذا كان ضخم القطر شديد الوقع فهو الوبل، فإذا كان القطر صغاراً فهو القِطْقِطُ.
والعرب تقول: السحاب ما إذا ألفته الصَّبا، وألقحته الجنوب، ومرته الشمال، فالمطر سحّ طبق، ولهذا قال: الهذلي:
مَرَتهُ الصَّبا وَزَهَتْهُ الجنوبُ ... وانتجفته الشمالُ انتجافا قال: وهذا على طَبْعِ البقاع، فإنّ أبا كبير الهذلي جعل الشمال قاشعةَ السحاب، وجعلها النابغة مستدرةً، وبه اقتدى البحتريّ في قوله:
قُلْ للسَّحابِ إذا حَدَتها الشمألُ ... وسرى بليلٍ رَكْبُهُ المتحمّلُ قالوا: وأغزرُ السحاب ما نشأ يمين القبلة، وهي العين في قوله ﷺ: إذا نشأت بحريَّة ثم تشاءمت فتلك عينُ غديقة؛ وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: اللهم صيّباً نافعاً. وعن أنسٍ قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديثُ عهدٍ بربه.
قيل لأعرابيّ: هل كان من مطر؟ قال: نعم حتّى عفَّى الأثر، وهصر الشجر، ودهده الحجر.
خرج رجل من هذيل يرعى غنماً له وقد ضَعُفَ بصره، ومعه ابنةٌ له، فقال لها:
إني لأجدُ ريحَ المطر، فانظري إلى السماء، قالت: أرى السحاب كأنها ظُعُنٌ مقبلة، قال: ارعي واحذري، ثم قال: كيف ترينها، قالت: أراها قد انتصتْ كأنها بطن حمارٍ أصحر، فقال: إلجئي إلى الجبل ولا ملجأ لك، فلم تبلغ الجبل حتى دهمهم المطر.
قال العسكري: من الوصف الجيّد التامّ في تكاتف المطر قول
بعضهم: وقع قطرُ صغار وقطر كبار، فكان الصغار لحمة للكبار، جعل الهواء كالثوب المنسوج من كثرة القطر وتكاتفه.
قال العسكري، قال أبو عمرو لذي الرمة: أيّ قول الشعراء في المطر أشعر؟ قال: قول امرئ القيس:
ديمةُ هَطْلاءُ فيها وَطَفٌ ... طَبَقُ الأرضِ تحرَّى وَتَدِرّ قوله: طبق الأرض غاية في وصف عموم السحاب، أراد أنها على الأرض بمنزلة الطبق على الإناء، قال: ولا أعرف أحداً أخذه وأجاد فيه كإجادة ابن الرومي:
سحائبُ قيستْ بالبلاد فأَلَّفَتْغطاءً على أغوارها ونجودها
حَدَتها النعامَى مثقلاتٍ فأقبلتْ ... تهادَى رويداً سيرها كركودِهَا قوله: سيرها كركودها غاية في وصف ثقلها من كثرة مائها. والبيت البليغ المشار إليه من أبيات امرئ القيس هو قوله:
ويَرى الشَّجراء في ريِّقه ... كرؤوسٍ قُطِّعَتْ فيها خُمُرْ الشجراء: الأرض ذات الشجر، وإذا غرقت بَريّقه حتى لا يبين منها إلا فروعها فكيف يكون في شدّته؟ وريّق المطر: أوله وأخفّه؛ وشبَّه رؤوس الشجر خارجة من الماء برؤوس قطعت عليها عمائم، والخمار هاهنا العمامة.
قال أبو هلال: وأجودُ ما قيل في المطر:
كأنَّ أبانا في أفانينِ وَبْلِهِ ... كبيرُ أناسٍ في بجادٍ مُزَمَّلِ يقول: كأنّ أباناً - وهو جبل - من التفاف قطره وتكاثفه في الهواء شيخ مزمل في كساء، وخفض " مزملاً " على قرب الجوار، وهو نعتُ " كبير "، كما قالوا حُجْرُ ضبٍّ خَرِبٍ.
قال الأصمعي: قلتُ لأبي عمرو ما أحسن ما قيل في المطر؟ فقال: قول عبيد بن الأبرص:
دانٍ مسفٌّ فويقَ الأرض هَيْدَبُهُيكادُ يدفَعُهُ مَنْ قام بالراحِ
فمن بنجوته كمن بعفوتِهِ ... والمستكنُّ كمن يمشي بقرواح يقول: قد عمَّ هذا السحاب فاستوى في شَيْم برقه وإصابة مطره المنجد والغائر، المستكنُّ والمصحر، وقرب من الأرض لثقله بالماء حتى يكاد يدفعه القائم براحته، وهذا غاية الوصف.
والقرواح: الأرض الملساء، ومنه قيل: ماء قراح أي صاف.
شاعر في إطباق الغيم وقربه:
في مُزْنَةٍ أَطْبَقَتْ فكادَتْ ... تصافحُ التربَ بالعماءِ العماء - ممدود مهموز - السحاب، ومنه الحديث: كان الله في عماءٍ فوقه هواء.
كلثوم العتَّابي:
أرقتُ للبرق يخفو ثم يأتلقُبخفيه طوراً ويبديه لنا الأفقُ
كأنه غرةٌ شهباءُ لائحةٌفي وَجْهِ دهماءَ ما في جلدها بلق
أو ثغرُ زنجيةٍ تفترُّ ضاحكةًتبدو مشافرها طوراً وتنطبق
أو سَلّةُ البيضِ في جأواءَ مظلمةٍوقد تلاقَتْ ظباها البيضُ والدرق
والغيمُ كالثوب في الآفاق منتشرٌمن فوقه طَبَقٌ من تحته طبق
تظنّه مصمتاً لا فَتْقَ فيه فإنْسالت عزاليه قلتَ الثوبُ منفتق
إنْ مَعْمَعَ الرعد فيه قلتَ ينخرقُأو لألأ البرقُ فيه قلتَ يحترق
يستكُّ من رعده أذنُ السميع كماتَعْشَى إذا نَظَرَتْ من برقِهِ الحدق
فالرعدُ صَهْصَلِقٌ والريحُ منخرقٌوالبرقُ مؤتلق والماء منبعق
قد حاك حَوْلَ الربى ثوباً له أرجٌكأنه الوشي والدّيباجُ والسَّرَقُ
في صفرةٍ بينها حمراء قانيةوصفرٌ فاقعٌ أو أبيضٌ يقق وقال أبو هلال العسكري:
برقٌ يطرّز ثوبَ الليل مؤتلقُوالماءُ من ناره يهمي وينبعقُ
توقَّدَتْ في أديمِ الغيثِ جمرتُهُكأنها غرّةٌ في الطِّرْفِ أو بلق
ما امتدَّ منها على أرجائه ذَهَبٌإلا تحدَّر من حافاته ورق
كأنها في جبينِ المزنِ إذ لمعتسلاسلُ التبر لا يبدو لها حلق
فالرعدُ مرتجسٌ والبرقُ مُخْتلسوالغيث منبجسٌ والسيلُ مندفق
والضالُ فيما طما من مائه غرقٌوالجزْع فيما جرى من سيله شرق
والغيمُ خز وأنهاءُ اللوى زَرَدٌوالروضُ وشيٌ وأنوارُ الربى سرق
والروضُ يزهوه عشبٌ أخضرٌ نضروالعشبُ يجلوه نَوْرٌ أبيضٌ يقق
والغيمُ إذ صاغ أنوارَ الربى صنعوحين ينظمها فوق الربي خرق
والقطر دُرٌ خلالَ الروض منتثروقبل لأن يتلقى الروضَ متّسق
سقى ديارَ الذي لو متُّ من ظمأما كنتُ بالريّ من أحواضه أّثِقُ
من نازحٍ قلبُهُ دانٍ محلَّتهوالشملُ مجتمعٌ منه ومفترق
ما زال ينفرُ عنِّي وهو من نفريفالشكلُ مختلفٌ فيه ومتّفق
أشكو الهوى بدموعٍ قادها قَلَقٌحتى علقن بجفني ردها الفرق
ففي الفؤاد سبيلٌ للأسى جَدَدٌوفي الجفون مَقيلٌ للكرى قلق
لهيبُ قلبي أَفاضَ الدمعَ من بصري ... والعودُ يقطر ماءً حين يحترق حكى الأصمعيّ أنّ السبب الذي هاج بين ابن ميادة والحكم الخضري من محارب أن الحكم وقف لينشد بمصلَّى المدينة قصيدته في صفة الغيث، فمرَّ به ابن ميادة فسمع حتى انتهى إلى قوله:
يا صاحبيَّ ألم تشيما عارضاًنضحَ البلادَ بمائه المتفجِّرِ
ركب البلادَ فظلَّ ينهضُ مصعداً ... نَهْضَ المقيّد في الدهاسِ الموقر فحسده ابنُ ميادة فقال: أدهست وأوقرت لا أمَّ لك، فمن أنت؟ قال: أنا الحكم الخضري، قال: والله ما أنت في بيت نسب ولا أرومة شعر، قال: قلت ما قلت، فمن أنت؟ قال: أنا ابن ميادة، قال: قبّح الله والدين خيرهما ميادة، لو كان في أبيك خير ما انتسبت إلى أمك، أو لست القائل:
فلا برح الممدورُ ريّانَ ناعماً ... وجيدت أعالي منذرٍ وأسافلُهْ فاستسقيت لطرفيه وتركت صدره، وهو خير موضع فيه، فلم تستسق له. فتهاجيا بعد ذلك.
قال أبو هلال: شبَّه ثقل السحاب بسير بعير مقيد في دهاس، وهو موضع فيه رمل ليّن يصعب فيه المشي، وهذا من جيِّد الوصف لأن ثقل السحاب إنما هو لكثرة مائه.
الحسين بن مطير:
متضاحكٌ بلوامع مستعبرٌبمدامعٍ لم تَمْرِها الأَقذاءُ
فله بلا حُزْنٍ ولا بمسرَّةضحكٌ يراوحُ بينه وبكاء الحسن بن دعبل:
أما ترى الغيث قد سالت مدامعهكأنّه عاشقٌ يسطو به الذِّكَرُ
جاءتْ موقّرةَ الأحشاءِ خاشعةًتكادُ تؤخذ بالأيدي فَتُعْتَصَرُ
راحتْ رياحُ الصَّبا ينظمنَ عارضهاحتى إذا نَظَمَتْه ظلّ ينتثر
جادت بما ملكته من ندىً وغدتصفرَ اليدين إلى الآفاقِ تعتذر
أضحتْ له الأرضُ سكرى والثرى طربٌوالأفقٌ مبتسمٌ والجَذْبُ مستتر العلوي الحمّاني:
باتتْ سواريها تَمَخَّضُ في رواعدها القواصفْ
وكأنَّ لَمْعَ جفونهافي الجوِّ أسيافُ المثاقِفْ
ثم انبرتْ سحًّا كباكيةٍ بأربعةٍ ذوارف شاعر:
إذا ما عشارُ المُزْنِ شِيمَ وميضُهَاوهبَّ لها حادي النسيمِ يروضُهَا
وزمجر في أرجائها الرعدُ مثلمايُجَلْجِلُ للشَّربِ القداحَ مفيضها
ومَرَّتْ بما لا يُلْحِفَ الأرضَ هدبهاتكاد ضئيلاتُ النَّقَادِ تخوضها آخر:
وحاملةٍ ما تستقلُّ بحملهاولكنَّها للثقلِ لأياً وئيدها
تئِنُّ ولم تألمْ كأنّةِ فاقدٍمُوَلَّهَةٍ ثُكلاً أصيب وحيدها
فمرَّتْ كلمحِ البرقِ أو غمزِ حاجبٍعلى أنها قد أثقلتها قيودها علي بن الجهم:
وساريةٍ ترتاد أرضاً تجودهاوكلتُ بها عيناً قليلاً هجودُهَا
أتتنا بها ريحُ الصَّبا فكأنهافتاةٌ تزجّيها عجوزٌ تقودها شاعر مغربي:
راحتْ تذكِّر بالنسيم الراحاوطفاءُ تكسِرُ للجنوب جناحا
مرتجَّةُ الأَرجاءِ يحبس سيرهاثقلٌ فتعطيه الرياحُ سراحا
أَخفى مسالكَها الظلامُ فأوقدتمن برقها كي تهتدي مصباحا
فكأنَّ صوت الرعد خَلْفَ سحابهاحادٍ إذا وَنَتِ الركائب صاحا ابن وكيع:
وسحابٍ إذا همى الماءُ فيهأَلهبَ الرعدُ في حشاها البروقا
مثل ماءِ العيونِ لم يجرِ إلاّظلَّ يُذكي على القلوبِ حريقا ابن المعتز:
باكيةٌ تضحكُ عن بروقِسَرَتْ بجيبٍ في الدُّجَى مَشْقوقِ
مالَتْ إلى المحلِ اليبيس الريقكَمَيْلِ مشتاقٍ إلى معشوق
فاشتملتْ على الثرى كالزيقكأنّما تبكي بكا المشوق حتى غدا في منظرِ أنيق ... شاعر:
وبكٍر إذا ما حدتها الجنوبرأيتَ العشارَ تؤمُّ العشارا
ترى البرقَ يبسمُ سرًّا لهاإذا انتحب الرعدُ فيها جهارا
إذا ما تبسَّمَ وسميُّهاتعصفر بارقُها واستطارا
يعارضها في الهويِّ النسيمفينثر في الأرض دراً صغارا
فطوراً يشقُّ جيوبَ الحياء ... وطوراً يسحُّ دموعاً غزارا قال أبو علي حسن بن رشيق: تذاكرت أنا وعبد الله بن محمد التميمي ما قيل في دنوِّ السحاب، فعرض لنا قول محمود بن الحسين كشاجم في سحابةٍ وصفها:
دَنَتْ من الأرضِ على جلالها ... كأنَّما تسألها عن حالها فقلت: لو أشار إلى العناق لكان أوصف، فأنشدني في الغد من قصيدة:
يا ربَّ متأقةٍ تنوء بثقلهاتسقي البلادَ بوابلٍ غَيْداقِ
مرَّتْ فُوَيْقَ الأرضِ تسحبُ ذيلهاواللوحُ يحملها على الأعناق
ودنتْ فكاد البرقُ ينهضُ دونهاكنهوضِ مشتاقٍ إلى مشتاق
فكأنما جاءَتْ تُقَبِّلُ تُرْبَهاأو حاولتْ منها لذيذَ عناق وأبيات كشاجم:
مقبلةٌ والخصبُ في إِقبالهاوالرعدُ يحدو الورقَ من جمالها
بخطبةٍ أبدعَ في ارتجالهاكأنها في ثِقَلِ انتقالها
تجلُّها الريحُ عن استعجالهاإلا بما تجذبُ في أذيالها
فحين ضاق الجوُّ عن مجالهاوراحتِ الرياحُ من خلالها
جنوبُها تشكو إلى شمالهادنتْ إلى الأرضِ على كلالها
كأنما تسألها عن حالهاوالزَّهْرُ قد أَصغى إلى مقالها
وكاد أن ينهضَ لاستقبالهافسمحت بالريّ من زلالها
حتى لقال التربُ من تهطالها ... أنْ سجِّلا أني على سِجَالها ثم انثني يُثْني على أفعالها ... ابن المعتز:
ومزنةٍ جاد من أجفانها المطرُفالروض منتظمٌ والقطرُ منتثرُ
ترى مواقعه في الأرضِ لائحةًمثلَ الدراهمِ تبدو ثم تستتر أبو علي الضرير:
وعارضٍ ما شاءتِ الريحُ فَعَلْجاءتْ به من كلِّ سهلٍ وَجَبَلْ
تسوقه سَوْقاً حثيثاً معجلاًحثَّ الحُداةِ ليلةَ الورْدِ الإِبل
هبَّتْ وما في الأرضِ منه قَزْعَةٌوليس منه أحدٌ على أمل
فأنشأته قطعاً ثمَّتَ مازال وما زالتْ به حتى اتصل
وطأطأتْ للأرض من أكنافهوسدَّدَتْ منه الفروجَ والخلل
حتى إذا كان بعيداً فدناوكان في السير خفيفاً فثقل
وأسمع الأصمَّ صوتَ رعدهووقَّر السمعَ الصحيح أو أَعَلّ
وأبصر الأكمهُ ضوءَ برقهوخطف الطرفَ الحديدَ أو أكل
وضنَّ حتى قيل هذا حاصبٌمن السماءِ أو عذابٌ قد نزل
ونحن مصنوعٌ لنا مدبَّرٌفيه ولكنّا خلقنا من عجل
حُلَّتْ عزاليه بسرَّ من رأىفلم يزلْ يُعِلُّها بعدَ النهل
إذا تلكا هتفَ الرعدُ بهولمعتْ فيه البروقُ فهطل
ليلَ التمامِ والنهار كلَّهمتصلاً من غدوة حتى الأصل
فما ونى حتى اتقى الناسُ أَذّىإفراطِهِ وقالتِ الأرضُ بَجَلْ البحتري:
ذاتُ ارتجازٍ بحنينِ الرعدِمجرورةُ الذيلِ صدوقُ الوعدِ
مسفوحةُ الدمع لغيرِ وجدلها نسيمٌ كنسيم الورد
ورنّةٌ مثلُ زئيرِ الأُسْدِولمعُ برقٍ كسيوفِ الهند
جاءَتْ بها ريحُ الصَّبا من نجدِفانتثرتْ مثل انتثار العقد
فراحتِ الأرضُ بعيشٍ رَغْدِمن وشي أنوارِ الربى في برد
كأنما غُدْرانها في الوهدِيلعبنَ من حَبَابِها بالنَّرْدِ أبو العباس الكندي:
ساريةٌ في غَسَقِ الظلامِدانيةٌ من فَلَكِ الغمامِ
كأنها والبرقُ ذو ابتسامكتيبةٌ مُذْهَبَةُ الأعلام
دَنَتْ من الأرضِ بلا احتشامثم بكتْ بكاءَ مستهام
وانتثرتْ بسابغ الإنعاموثروةٍ تَحْكُمُ في الإِعدام آخر:
أَقبل كالذَّوْدِ رغت شواردُهْحتى إذا ما أبحرتْ رواعدُهْ
وذُهِّبَتْ بِبَرْقَها مطاردُهْعادَتْ بما سرَّ الثرى عوائده
وانتثرتْ في روضها فرائدهشاهدةً بفضله مشاهده منظومةً من شُكْرِهِ قلائده ... أبو العباس النامي:
خليليَّ هل للمُزْنِ دمعةُ عاشقٍأم النار في أحشائها وهي لا تدري
أشارتْ إلى أرضِ العراق فأصبحتْوكاللؤلؤ المنثور أَدْمُعُهَا تجري
تسربل وشياً من خزوز تطرّزتمطارفها طرزاً من البرق كالتبر
سحابٌ حكى ثكلى أصيبت بواحدٍفعاجت له ببن الرياضِ على قبر
فوشيٌ بلا رقمٍ ونقشٌ بلا يدٍودمعٌ بلا عينٍ وضحكٌ بلا ثغر السري الرفّاء:
غَرَّاءُ تنشرُ للورى أعلاماعمَّ البلادَ صنيعُها إنعاما
مرَّتْ بظمآنِ الثرى وبروقهاتسري وأدمعها تفيضُ سجاما
مثلَ المحبِّ ترقرقَتْ عَبَراتُهُوالشوقُ يُذْكي في حشاه ضراما
فَغَدَتْ عيونُ الزَّهْرِ فيه كأنهامُقَلٌ ترى طيبَ المنام حراما
أهدى الحيا للورد في عَرَصَاتِهِخجلاً وزاد الياسمينَ غراما
وتشقَّقَتْ قُمُصُ الشقيقِ فخلتهافي الروضِ كاساتٍ مُلئنَ مداما الباخرزي:
يومٌ تدرَّعَ جوُّهُ بغيومهفاسودَّتِ الآفاق بعدَ ضيائها
وتفجَّرَتْ فيه السحابُ وَحَلَّلَتْفيه العزالي كي تجودَ بمائها
وتجاوبَتْ فيه الرعودُ وسللتقضبُ البروقِ تلوحُ في أرجائها
فالجوّ ليلٌ والغيومُ تمدّهواليومُ صبحٌ مات في احشائها أبو الفوارس سعد بن محمّد حيص بيص:
دانٍ يكادُ الوحشُ يكرعُ وسطهوتناله كفُّ الوليدِ المرضَعِ
متتابعٌ جمٌّ كأنَّ رُكامهكَبّاتُ قيصرَ أو سرايا تبع
زجلُ الرعودِ يكادُ يخدج عندهشاءُ الملا ويموتُ سَخْل الموضع
فهمى فألقى بالعراء بَعاعَهُسحًّا كمندفعِ الأتيّ المترع
فتساوتِ الأقطار من أمواهِهِفالقارَةُ العلياء مثلُ المدفع
وغدا سرابُ القاع بحرَ حقيقةٍفكأنّه لتيقّنٍ لم يخدع
متعظماً غَصَبَ الوحوشَ مكانها ... تيارُهُ فالضبُّ جارُ الضفدع دخل الحسين بن مطير الأسدي على والٍ وليَ المدينة، فقيل له: هذا أشعر الناس، وكانت سحابة مكفهرّة ارتفعت وتتابع برقها ورعدها، فأراد أن يمتحن مادتهم له ووصفهم إياه، فقال له: صفها، فقال: بديها:
غُرٌّ محجّلة دوالحُ ضُمِّنَتْحَمْلَ اللقاح وكلُّها عذراءُ
سُحْمٌ فهنَّ إذا كظمن فواحمٌوإذا ابتسمن فإنّهنّ وضاء
مستضحكٌ بلوامعٍ مستعبرٌبمدامع لم تَمْرِها الأقذاء
فله بلا حزنٍ ولا بمسرّةضحكٌ يراوح بينه وبكاء
كثرت لكثرةِ ودْقِهِ أطباؤهُفإذا تحلَّلَ فاضت الأطباء
وكأنّ بارقَهُ حريقٌ تلتقيريحٌ عليه وعرفجٌ وألاء
لو كان من لججِ السواحلِ ماؤهلم يبق في لجج السواحلِ ماء فعلم الوالي فضيلته وصدَّقَ شهادتهم له
ابن المعتز:
روينا فما نزدادُ ريًّا على ظماوأنتَ على ما في القلوبِ شهيدُ
شقوفُ بيوتي صِرْنَ أرضاً أدُوسُهاوحيطانُ بيتي ركّعٌ وسجود محمّد بن هانئ:
ألؤلؤٌ دمعُ هذا الغيثِ أم نُقَطُما كان أحسَنَهُ لو كان يُلْتَقَطُ
بين السحابِ وبين الريح ملحمةٌقعاقعٌ وظبا في الجوِّ تُخْتَرط
كأنّه ساخطُ يرضي على عجلٍفما يدومُ رضىً منه ولا سخط
أبدى الربيعُ إلينا روضةً أُنفاًكما تفتح عن مكنونه السقط
غمائمٌ في نواحي الجوِّ عاليةٌجُعْدٌ تحدَّرَ منها وابلٌ سبط
والبرقُ يظهرُ في لألأءِ طَلْعَتِهِقاضٍ من المزن في أحكامِهِ شطط
والأرضُ تبسطُ في خدّ الثرى ورقاًكما تُنَشَّرُ في حافاته البسط
والريح تنفث أنفاساً معطَّرةً ... مثل العبير بماء الورد يختلط قال الشيخ شرف الدين التيفاشي ﵀ لم أسمع في سحاب أفرغ ماءه أبدع من قول أعرابي شاعر:
كأنه لما وهى سقاؤه ... فانهلَّ من كلِّ غمامٍ ماؤه حمَّ إذا حمّشه قلاؤه ... الحمّ: الشحم، وحمشه: قلاه حتى ذهب دهنه؛ شبه السحابة التي هراقت ماءها بقطعة شحم قليت حتى ذهب دهنها وبقي الشحم بلا دهن، وقد أبدع في هذا التشبيه.
ولابن المعتز:
جاءتْ بجفنٍ أكحلٍ وانصرفتمرهاءَ من إسبالِ دمعٍ منسكبْ الاستسقاء:
روي أن رسول الله ﷺ كان إذا استسقى قال: اللهم اسقنا سُقْياً واسعةً وادعةً نافعة، تسقي الأموال والأنفس طيباً هنيئاً مريّاً مريعاً طبقاً مجللاً، يشبع به بادينا وحاضرنا، تنزل لنا به من بركات السماء، وتخرج لنا به بركات الأرض ويجعلنا عندك من الشاكرين، إنك سميع الدعاء.
ومن خطبة أمير المؤمنين علي ﵇ في الاستسقاء: وإنَّ الله عزّ
وجلّ يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكّر متذكر، ويزدجر مُزْدَجر. وقد جعل الله سبحانه الاستغفار سبباً لدرور الرزق ورحمة للخلق، فقال ﷿ (استغفروا ربَّكُمْ إنَّهُ كانَ غفّاراً، يُرسِلِ السماءَ عليكمْ مِدْرَاراً) فرحم الله امرءاً استقبل توبته، واستقال خطيئته، وبادر منيَّته. اللهم إنا خرجنا إليك من تحت الأستار والأكنان، وبعد عجيج البهائم والولدان، راغبين في رحمتك، وراجين من فضل نعمتك، وخائفين من عذابك ونقمتك، اللهم فاسقنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسّنين، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا يا أرحم الراحمين. اللهم إنّا خرجنا إليك نشكو إليك ما لا يخفى عليك، حين ألجأتنا المضايق الوعرة، وأجاءتنا المقاحط المجدبة، وأعيتنا المطالب المتعسرة، وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة. اللهم إنا نسألك أن لا تردَّنا خائبين، اللهم انشر علينا غيثك وبركتك، ورزقك ورحمتك، واسقنا سُقيا نافعةً مرويةً معشبة تُخْلِفُ بها ما قد فات، وتحيى بها ما قد مات، تروى بها القيعان، وتسيل البطنان، وتستورقُ الأشجار، وترخص الأسعار، إنك على كل شيء قدير.
ومن دعاء آخر: اللهمَّ اسقنا ذُلُلَ السحاب دون صعابها.
وهذا من الكلام العجيب الفصاحة، لأنه شبّه السحاب ذوات الرعود والبوارق والرياح الصواعق بالابل الصعاب التي تقمص برحالها وتتوقص بركابها، وشبه السحاب الخالية من ذلك بالإبل الذلل التي تحتلب طيّعةً وتقتعد سمحةً.
شاعر:
مضى الناسُ يستسقون من كلِّ وجهةٍبها كلُّ مسموعِ الدعاءِ مجابِ
فوافاهم الغيثُ الذي سمحتْ بهلهم بعد ذاك المنعِ كلّ سحاب إسماعيل الحمدويي:
وفي ظنهم أَنْ قد أُجيبَ دعاؤهموما علموا أني غسلت ثيابي
ب - وقال آخر:
قد قلت إذ خرجوا لكي يستمطروالا تقنطوا واستمطروا بثيابي
لو في حزيرانٍ هممتُ بغسلهاغطَّى ضياء الشمس جَوْنُ سحاب شاعر:
خرجوا ليستسقوا وقد نشأتْمشمولةٌ شَرِقٌ بها السَّفْحُ
حتى إذا وقفوا لدعوتهمودموعهم بخدودهم سَحُّ
كُشِفَ الغمامُ إجابةً لهمُ ... فكأنّما خرجوا ليستصحوا دخل أعرابيٌّ المسجد وبه أبو علقمة النحويّ يدعو دعاء الاستسقاء، قال الأعرابي وألحّ في سؤاله، فقال أبو علقمة: ارفق حتى نفرغ من دعائنا ثم نعطيك أحمر اللون وازناً، ثم ابتدأ فقال: اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمدٍ وعظِّمْهُ وكرِّمْهُ اللهم من أرادنا بسوء فأحطِ السوء برأسه كإحاطة القلائد بترائب الولائد، وأرسِخْهُ على رأسه كرسوخ السجّيل على رؤوس أصحاب الفيل، اللهم اسقنا سقياً مغيثاً مريًّا مريعاً تاماً عاماً مثعجراً مجلجلاً هزجاً مسحنفراً ودقاً سحًّا سفوحاً طبقاً تخصُّ به حاضرنا وبادينا، تنبتُ به زروعنا وتحيى به ضُروعنا، إنك على كل شيء قدير. قال: فوثب الأعرابي مولياً، فقال أبو علقمة: يا أعرابي أين يراد بك؟ قال: إلى جبلٍ يعصمني من الماء، يا خليفة نوحٍ في قومه.
أبو على ابن مقلة الوزير:
لا يكن للكاس يومَ الغيثِ في كفِّكَ لبثُ
أو ما تعلمُ أنّ الغيثَ ساقٍ مستحثّ كشاجم:
باكر الصبحةَ هذايومُ عُودٍ وَمُدامِ
ما ترى بالله ما أَحسَنَ آداب الغمامِ
بدأ القطرُ بِطَلّثم ثَنَّى برهَامِ
وانجلى مثلَ انجلاءِ الغمدِ عن مَتْنِ الحسام
كافتتاحٍ حَسَنٍ زيَّنَهُ حُسْنُ ختام
مُسْتملاً منكَ أفعالَكَ في حُسْنِ النظام
فاشربِ الراحَ بأرطالٍ وطاساتٍ وجام
إنما الدنيا كوهمٍأو كأحلام منام
لا ترومَنَّ بعيداًوارضَ بالأمرِ الموامي
لا تدع وُسْطَى من الحال لأحوالٍ جسام
كلُّ شيءٍ يُتَوَقَّىنَقْصُهُ عندَ التمام منصور الهروى:
يومُ دجنٍ هواؤُهفاختيٌّ رداؤه
مطرتنا مسرّةًحين صابَتْ سماؤُهُ
أشبه الماءَ راحُهُوحكى الماء راحه محمد بن أبي أمية:
أما ترى اليوم قد رقَّتْ حواشيهوقد دعاك إلى اللذاتِ داعيه
فبادرِ اللهوَ واغنمْ طيبَ ساعتهفإن للدَّجْنِ ديناً يقتضينيه
وجاد بالقَطْرِ حتى خلتُ أنَّ لهإلفاً نآه فما ينفكُّ يَبْكيهِ ابن وكيع:
بكى الغيثُ عند ابتسام الزَّهَرْوهبَّ النسيمُ ورقَّ السَّحَرْ
ووافتْكَ أنفاسُ ريح الصَّبامسمكةً من ثمارِ الشجر
وأعلنتِ الأرضُ أخبارهافلم أر أطيبَ منها خبر
فناديتُ هل من فتىً فاتكٍيقومُ فيسطو بجيشِ الفِكَرْ
ويطَّرحُ العقلَ في جانبٍفما العيشُ بالعقلِ إلاّ كدر
فلبَّى دعائي فتىً عالمٌبأنَّ الزمانَ كثيرُ الغير
يبادرُ عَصْرَ الصما أنْ يفوتَوعصرُ الصبا فرصةٌ تبتدر
وقام وقمتُ إلى قهوةٍتميتُ الهمومَ وتحيي البطر
إذا الهمُّ حاولَ منها الفرارَفليس له دونها من وَزَرْ
يطوفُ بها غُصُنٌ ناضِرٌتمكَّنَ مهتزُّهُ مِنْ قمر محمود القوهستاني:
قمْ فاسقني فالأفق أغلظَ حجبهوتقطّبت فيه أسرَّةُ زاجِر
وتصادمَتْ صَدَفُ السحاب بنحرِهِفتكسَّرَتْ عن مُودعات جواهر
فتباشر الروضُ الأريضُ بلقطهافلذاك أقْبلها ثغورَ أزاهر
لا شيءَ أحلى من تهكّمِ كاسِنامتضاحكاً لبكا السحابِ الماطر ابن عنين، لغز في الميزاب:
وما مُسْبَطِرٌّ ماؤه متدفّقٌمن الطهر يأتي غيرَ زورٍ ولا كَذِبْ
يمجّ بما منه الخليقةُ كُلُّهُمْولا روحَ فيه إنَّ هذا من العجبْ شاعر في فواقع الماء:
كأنَّ غديرَ الماءِ بين حبابهوفيه شخوصٌ قُمْنَ مثلَ الأناملِ
مساميرُ تبرٍ تعتلي برؤوسهامراراً وطوراً تعتلي بالأسافلِ الغنوي فيها أيضاً:
كأنما القَطْرُ على مياههاإذا بدا يطلعُ من حيثُ انهبط
قبابُ درٍّ بينها وصائِفٌ ... في رقصهنَّ يرتمين بالليط الليط: قشرة القصبة، والجمع لِيَطٌ، شبَّه به ما تطاير من نقط المطر إذا وقعت على الماء.
ابن الخياط الدمشقي:
ويومٍ أخذنا به فرصةًمن العيش والعيشُ مستفرَصُ
لدى بركةٍ حركت راؤهافليست تزيد ولا تَنْقُصُ
تغنَّى لنا طرباً ماؤهاوقامتْ أنابيبها ترقص
يريك الجواهرَ تقبيبُهَاوهنَّ طوافٍ بها غُوَّصُ شاعر في الفواقع وهي الحجا:
لقد سُرَّ بهذا اليوم من منزلنا القاعُ
ففيه للحجا رقصٌوللميزابِ إيقاعُ بهاء الدين زهير الكاتب الصالحي:
على حُسْنِ النواعيروأصواتٍ الشحارير
وقد طاب لنا وَقْتٌصفا من كلِّ تكديرِ
فقم يا ألفَ مولايأدِرْهَا غيرَ مأمور
نزلنا شاطئَ النيلِعلى بُسْطِ الأزاهير
وقد أضحى له بالموج وجهٌ ذو أسارير
وفي الشطِّ حبابٌ مثل أَنصافِ القوارير محمد بن عبد المنعم الخيمي:
إذا ما رمى بسهام القطارعلى هَدَفِ الماءِ قوسُ الغمامِ
رأيتَ الفواقعَ في سَطْحِهِرؤوسَ نصالٍ لتلك السهام وله:
إذا ما الغديرُ رماه الغمامُبأسهمِ قطرٍ عليه وَكَفْ
تخالُ الفواقعَ في سطحهرؤوس نصالِ سهامِ الهدف
أبو المعالي ابن إسرائيل:
وطفاءُ غادرتِ الغدير بِصَوْبِها المتدفِّقِ
وكأنَّما أبدى الحباب بمائه المترقرق
درراً مجوّفة نثرن على فراشٍ أزرق الشريف ابن دفتر خوان:
كأنَّ قبابَ القطر من فوق مائِهِكراتٌ من البلّور تطفو وتغرقُ
كأنَّ نجوماً جُوِّفَتْ كلما بدتلنفحِ الصّبا من رقةٍ تتمزّق أبو الحسن ابن عبد الكريم الأنصاري:
تناثر فوق سطحِ الماءِ قَطْرٌله حُسْنٌ يجلُّ عن القياسِ
كأنَّ فواقعاً ظَهَرَتْ عليهتضاريسُ الزجاجِ بظهرِ كاس وله:
وبركةِ ماءٍ يُرى صَفْوُهَاكصفوِ زجاج غدا يلتمحْ
وحَبَّبَها نثرُ قطرِ السمافحبَّبَها وأثارَ الفرح
كأن الفواقعَ من فوقهافصوصُ الزجاج بظهرِ القدح ابن كاتب قيصر:
نهرٌ كنصلِ السيف أُحْكِمَ صَقْلُهُصافي المتونِ كمقلةِ الحرباءِ
جادَتهُ غاديةٌ فصاغ بقطرهاحبباً كحبِّ الفضةِ البيضاء
فتخالهنَّ لآلئاً قد فارقتْأصدافَها وَطَفَتْ بوجه الماء وله:
ونهرٍ تولَّى القطرُ صَوْغَ حبابهفأَطلعه مثلَ الجمان عيانا
كذا القطرُ فيما قيل والقولُ واسعٌإذا ما أصابَ البحرَ صار جمانا
يوسف بن حمدان:
ولقد ذكرتكِ والنسيمُ مُعَنْبِرٌوالبحرُ منبعثٌ بلا أمواجِ
والمزنُ يقطرُ فوقه فكأنهدرّ تساقَطَ فوق صَرْحِ زجاج كتب القاضي التنوخي إلى الوزير المهلبي:
سحابٌ أتى كالأمن بعد تخوُّفِله في الثرى فعل الشفاءِ بمدنفِ
أكبَّ على الآفاق إكبابَ مطرقٍتذكر أو كالنادم المتلهف
ببرقٍ لو المقرورُ أصبح يصطليمن الأرض في قلب الشتاء به دفي
ومدَّ جناحَيْه على الأرض جانحاًفراح علبها كالغرابِ المرفرف
غدا البحر بحراً زاخراً وانثنى الضحىبظلمته في ثوبِ ليلٍ مسجَّف
يعبِّسُ عن بَرِقٍ به متبسمعبوسَ بخيلٍ في تبسُّم مُعْتف
دُجَاهٌ إذا ما لاحتِ الشمسُ مُبْطِلٌسناها كمنٍّ مبطلٍ منَّ مسعف
كأنَّ التماعَ البرق في ظلماتههدىً في ضلالٍ يبتدي ثم يختفي
تحاولُ منه الشمسُ في الجو مخرجاًكما حاول المغلوبُ تجريد مرهف
إذا وَصَلَتْهُ شمألٌ صدَّ قاطعاًصدودَ المعنَّى عن عذولٍ معنِّف
فأفرغ ماءً قال واردُ شربهأسلسالُ ماء أم سلافةُ قرقف
غدا رحمةً للناس غيري فإنهعليَّ عذابٌ ماله من تَكَشُّف
سحابٌ عداني عن سحابٍ وعارضٌمُنِعْتُ به عن عارضِ متوكّف أبو تمام:
وعلمتُ ما يلقى المزورُ إذا همتمن ممطرٍ ذفرٍ وطينِ حفافِ
فجفوتُكُمْ وعلمتُ في أمثالهاأنَّ الوَصُولَ هو القَطُوعَ الجافي آخر:
منع الوحلُ أن نؤدي الحقوقاويزورَ الصديقُ منا الصديقا
سيّما العاجزُ الضعيفُ إذا قال له الراكبُ الطريقَ الطريقا
أبو بكر الأرَّجاني:
أمولانا الوزير دعاءَ عبدٍبِصَفْحِكَ من عقابك مستجيرِ
أَجِرني من زمانٍ قد حبانيبقربك ثم نافسَ في حضوري
إلى يمناكَ أشكو فيضَ سُحْبٍكما تشكو الجنودُ إلى الأمير
عداني القطر عن غيث بغيثٍوعوَّقني مطيرٌ عن مطير
وأظمأني إليكَ وهل سمعتمبغيثٍ ملهبٍ غُللَ الصدور الصاحب بن عباد:
إني ركبتُ ووجه الأرضِ كاتبةٌعلى ثيابيَ خطاً ليس ينفهم
فالأرضُ محبرةٌ والحبرُ من لثقوالطرسُ ثوبي ويمنى الأشهب القلم الشريف الموسويّ يعتذر عن الزيارة باللثق:
عذراً إذا الغيثُ طما وطنَّباوواصلتْ فيه الرياحُ السُّحُبا
حتى اكتسى منها النهارُ غيهباوجلَّل الوحلُ الربى والرحبا
إن قام فيه راجلٌ تجوربا ... وإنْ مشى المرءُ به تكبكبا كأنَّ تحت كلِّ رِجْلٍ لولبا ... آراء الفلاسفة في المطر والثلج والبرد والجليد:
قالوا: إن من هذه الأشياء المتولّدة في الجو ما يكون تولّده عن البخار المتصعِّد من الرطوبات التي في الأرض، بسبب حرارة الأشعة الواردة عليها من الأجرام العلوية وانعكاسها عنها إلى الجو، وأكبرها شعاع الشمس؛ ومنها ما يكون عن الدخان، ومنها ما يكون عنهما معاً. أما البخار فإن ما تصاعد منه ومادَّته ضعيفة والحرّ عليه غالب فإنه يستحيل إلى الهواء، وقلَّ ما يتكوّن منه شيء، وما تصاعد منه مستعلياً وله مادة وصادفه برد الليل قبل ترقيه إلى الطبقة الباردة من الهواء تكاثف ونزل
طلاٍّ، وهو ما يُحَسُّ به من الأنداء وقت الأسحار. وإن اشتد البرد على الطلّ بعد تكاثفه بحيث يجمده نزل صقيعاً، وهو ما تشاهده على وجه الأرض وقت الغدوات كالصِّفاح اللامعة. وما تصاعد منها إلى الطبقة الباردة تكاثف بالبرد سحاباً منضغطَ الأجزاء، وهو ما تشاهده في الجو كالجبال السائرة، فإن غلب عليه البَرد بحيث جمَّده قبل انعقاده، صار ملحاً متحللاً أبيض لمخالطة الهواء لأجزائه، وقلّ ما يكون في غير الشتاء، وإن انعقد ما نزل هابطاً لثقله من سعة محيط إلى ضيق مركز على خطوطٍ مستقيمة فتجتمع أجزاوه وتتشكل بقطرات المطر فينزل مطراً، وعلى حسب التفاوت في القرب والبعد والاجتماع يكون كثير القطرات، وأكثر ما يكون في الربيع لبعد المسافة التي ينعقد السحاب فيها، وان قوي البرد عليه بعد تشكّله بقطرات المطر جمد ونزل بَرَداً، وربما استولى على قطرات المطر من الجوّ حر أوجب حصر البرودة الشديدة في باطنها، فانعقد منه برد، ومثل هذا إنما يكون في أيام الربيع، ولهذا قد تشاهد البرد في الربيع وباطن حبّاتِه أشدّ جموداً من ظاهرها؛ وربما كانت مادة هذه الأشياء أيضاً الهواء، إلاّ أن تكاثف البخار واستيلاء البرد عليه لتلطفه بالحرّ يكون أسرع وأشدّ، ولهذا كان تكاثف بخار القدر وانعقاده بإضافة البرودة أسرع من بخار الحمام، لتفاوتهما في التلطف بالحرارة، وعلى حسب تفاوت المواضع في صعود الأبخرة منها وشدّة البرد وضعفه في جوّها يكون التفاوت في زيادة هذه الأشياء وقلّتها، حتى أن ما كَثُرَت أبخرته من البقاع كالبحار كان أكثر مطراً، وما قلت أبخرته كان أقلّ، وما كان برد جوه أشدّ، كان ثلجه وبرده وصقيعه أكبر، كقلل الجبال والمواضع المرتفعة.
الثلج:
شاعر:
أقْبَلَ الثلجُ في غلائلِ نوريتهادى كاللؤلؤِ المنثورِ
فكأنّ السماءَ زُفَّتْ إلى الأرضِ وكان النثارُ من كافور
أبو تمام:
من يزعم الصيف لم تذهبْ بشاشتهفغيرُ ذلك أمسى يزعمُ الجبلُ
غدا له مِغفَرٌ في رأسِهِ يَقَقٌلا تهتك البيضُ فَوْدَيْهِ ولا الأَسَلُ صرّدر:
يا طيبَ يومٍ حَجَبَتْ شمسهسحائبٌ تُمْطِرُ كافورا
لما توارتْ تحتَ أستارهامجَّتْ لنا من ريقها نورا المتنبي:
بيني وبين أبي عليٍّ مثلهشُمُّ الجبال ومثلهنَّ رجاءُ
وَعِقابُ لبنانٍ بهيف بقطعهاوهو الشتاءُ وصيفهنَّ شتاء
لبسَ الثلوجَ بها عليَّ مسالكي ... فكأنّها ببياضها سوداء طلب الموفَّق بالله في بغداد في سنة من السنين، وقد تغيّر فيها الهواء في آذار، ثلجاً فلم يوجد إلاّ عند إنسان واحدٍ ممن كان يبيع الثلج، فاستام فيه جملةً عظيمةً، إلى أن وكس إلى خمسين ديناراً، فأمر بها الموفق له من خريطة الركوب، فلما أُحضرت بين يديه قال: لا يراني الله أشرب شربةً بخمسين ديناراً، ثم أمر أن يتصدق بها، ودعا بطرخونٍ فمضغه وشرب الماء عليه، ولم يشترِ الثلج، فلما علم صاحب الثلج ذلك قال؟ لكنّي أنا لا أبخل على نفسي به، فشربه.
الصنوبري:
الجوُّ بين مضمّخ ومضرّجوالروضُ بين مزخرفٍ ومدبَّجِ
والثلجُ يهطلُ كالنثار فقم بنانلتذُّ بابنةِ كرمةٍ لم تمزج
ضَحِكَ النهارُ وبان حُسْنُ شقائقٍوزهت غصونُ الوردِ بين بنفسج
فكأنَّ يَوْمَكَ من غلائلِ فضّةٍوالنورُ من ذهبٍ على فيروزج كشاجم:
الثلجُ يسقطُ أم لجينٌ يُسْبَكُأم ذا حصى الكافورِ ظَلَّ يُفَرَّكُ
راحتْ به الأرضُ الفضاءُ كأنهامن كلِّ ناحيةٍ بثغرِكَ تَضْحَكُ
شابت مفارقُها فبيَّنَ شَيْبهاطرباً وعهدي بالمشيب يُنَسِّك
وتزيّتِ الأشجارُ فيه ملاءةعما قريبٍ بالرياحِ تُهَتَّكُ
والأرضُ من أرج الهواءِ كأنهاثوبٌ يعنبر تارةً ويمسَّكُ
كانت كعودِ الهندِ طُرِّيَ فانكفابعد النصاعة وهو أسودُ أحلك
فاستنطق العودَ الصموتَ فإنما ... تتحرّك الأَطرابُ حين يُحَرَّكُ قال أبو غسانة الشاعر المجيد: كان بمدينة السلام رجل وقّاد يلقب بغراب، واسمه بيان بن سعيد بن زلزل، وكان مفلسفاً، ثم غُلِبَ على عقله، ومن شعره أن البرد اشتدّ في سنة إحدى ومائتين وسقط ثلجٌ لم يُعْهَدُ بالعراق مثله، وغراب هذا يشرب مع ندمائه، قبل وسواسه، من أهل حرفته، وأقام الثلج يوماً وليلة، فقال بعضهم: قولوا في هذا اليومِ شيئاً، ثم ابتدأ هذا القائل فقال:
يا حبَّذا اليومُ اليقَقْوالقطنُ يندفُ في الأُفُقْ
حثّوا الكؤوسَ فإنَّهاتنفي عن القلبِ الحُرَقْ
انظرْ فقد نثرَ الغمائمُ وردَهُ البيضَ الورق
أو لؤلؤاً متتابعاًمن سلكه لمّا انخرق
وقال آخر منهم:
يومٌ أغرُّ مُحَجَّلٌيبكي على الأرض السما
والغيمُ ينثرُ لؤلؤاًقد خانه سلكٌ وهى
وكأنّما جمع السحائب ثغر ربات الهوى
فرمى بهنَّ مجمشاًأحبابهنّ وما ونى
أو مثل أهداب لريط تترامى إذ رمى
قمْ يا غلامُ فهاتهاودعِ المعاتبِ في لظى وقال آخر منهم:
يومٌ من الأيام معروفُوالبرْسُ برسُ الجوِّ مندوفُ
كأنَّ ما نُشِّرَ في أفقهريطُ ملاءٍ وهو مصفوف
ينثرُ دراً خانه سِلْكُهُفهو على الأَقطارِ مرصوف
فاشربْ وهاتِ الكاس اني امرؤقلبي عليها الدهرَ موقوف
في مجلسٍ غيّب عُذَّالُهُفهو بأهل الفضلِ محفوف وقال آخر منهم:
يومٌ من الأيام مشهورفيه علينا الدرُّ منثورُ
قد نَدَفَ المزنُ لآفاقهفانحطَّ نور بعده نور
أو قُطِعَ السوسنُ في جوِّهفهو على الأقطارِ محدور
فداركِ الشربَ أقيكَ الردىفأنت في شُرْبكَ معذور
وقد أتاكَ الثلجُ مستعجلاًفي كفِّه للحثِّ منشور وقال غراب:
احثثْ كؤوسك واسقنافالوردُ في الآفاق يُنْفَضُ
جاءت عروسُ الدَّجن تخطرُ في حُليِّ الدرِّ تُعْرض
وردُ الربيعِ مورَّدٌوالوردُ في كانونَ أبيض
قمْ يا غلام فهاتهاحمراءَ نحو الثغر تركض
أو ما ترى نِعَمَ السماء ويومنا يومٌ مفضَّضُ
وكأنما نَثَرَ السحائبُ فيه كافوراً مرضض
فقاموا كلهم فسجدوا لغراب فقال: ما علمت أنه يبلغ بكم من الجهل أن تعبدوا أسود طمطمانياً، أقسمت لأهجرنكم، ثم قال: وكيف أُنغص عيشي في يومي هذا بالبعد عنكم، أنا أحنث وأكفّر عن يميني، ثم قال:
كفّرْ يمينَكَ يا غرابْودع التقاضيَ في الشرابْ
وارجعْ إلى غُرَرِ الأنام وكلِّ مختارٍ لباب
واشربْ على الدرِّ الذييأتيك من نَثِر السحاب
درٌّ تجمد في الهواء وفي مساقِطِهِ يذاب
ثلجٌ أتاك مبرداًقلبَ المحبِّ عن التصاب
فإذا تجمد مطفئاًجدَّ الهوى لك في التهاب
وارفضْ مقالَ العاذلين وعدِّ عن جلِّ العتاب
واصمم عن القولِ الذيلا يُشْتَهَى ودعِ الخطاب
واركب هواكَ فإنه ... رغمٌ لعذّالٍ غضابْ قال شرف الدين: فأخذ ابن المعتز أبياته الضادية فأغار عليها، وربما رويت لغير ابن المعتز، فقال:
ذهِّبْ كؤوسك يا غلام فانَّ ذا يومٌ مفضَّضْ
الجو أحلى بالبياض وفي حليِّ الدرِّ يعرض
أظننتَ ذا ثلجاً وذادرٌّ من الأغصانِ ينفض
وردُ الربيعِ مورد ... والوردُ في كانونَ أبيض فزاد في أبياته بقوله " ذَهِّبْ كؤوسك " ليذكر الفضة والذهب.
ولبعض المحدثين:
ويومٍ واضحِ اللّونوضوءُ الشمسِ مستورُ
له جيبانِ من ثلجفمحلولٌ ومزرور
ووجهُ الأرضِ مبيضٌّعليه الثلجُ منثور
كأنَ الغيمَ كافورٌوظهر الأرض كافور
قال: ومما يناسب حكاية هذا الوقاد، وإن لم يكن من هذا الباب، ما يحس أن دويدة الوقاد - واسمه داود بن سلم - كان يحبّ غلاماً هاشمياً من ولد إبراهيم الإمام، وكان يلقّب بالعابد، وكان يكلّم " دويدة " سرّاً وينهاه أن يُعْلِمَ بخبره ومحبته له أحداً، فكان كذلك، ثم غلب عليه العشق فأخبر بعض من كان يأنس به، فأعاد ذلك الخبر على الغلام، فهجره ومنعه من قربه، وكان الغلام يبكّهر إلى الجمعة فيصلى ويقرأ إلى أن تصلّى الجمعة، ثم كذلك إلى العصر وينصرف، فسمي العابد لذلك، قال الطوسي: فإني لفي الجامع يوم الجمعة، والغلام إلى جانبي، ودويدة في بعض الصفوف يرى الغلام، والغلام لا يعلم، وهو في صلاته، إذ كتب دويدة رقعة ورمى بها في حِجْرِ الغلام فأخطأته، ووقعت بيني وبينه، وإذا فيها:
يا مفرداً في كمالِهِ واحدْوسيداً ليس فوقه سائدْ
وأكرمَ الناسِ في الورى والدْله طريفُ العلاءِ والتالد
هبني جَحَدْتُ الهوى مع الجاحدكم لي على ما جحدتُ من شاهد
قلبٌ حزينٌ ومقلتا ساهدوَسُقْمُ جسمٍ على الضنى زائد
رعيُ نجومٍ ومدنفٌ واجدْونومُ عينٍ وطرفه شارد
يا مكثراً في صلاته جاهدْرغَّبني فيك قلبك الزاهد
فاعفُ عن العبد أيها العابدفلستُ فيما كرهتَ بالعائد
يا نائماً عن بليّتي هاجد ... أسهرني منك طَرْفُكَ الراقد قال: فقال لي الغلام: ما هذه الرقعة؟ فكتمته حياءً منه، فأبى إلا أن يقرأها، فدفعتها إليه فقرأها وخجل، فقال: خطّ دويدة وشعره، وقد بلغ منّا ما يؤذينا وقد شهَّرنا في الناس، قال: فوجدت مساغاً فقلت: لو كلَّمته وأدنيته اشتريت بذلك لسانه، ومنعته من قول الشعر الذي يُحْفَظُ ويسير، قال: أفعلُ ما أشرت به، ثم انصرفا، ولقيتُ دويدة فعرَّفته، فشكر لي ذلك، وعاد الغلام إلى ما كان عليه.
خبر وقاد آخر:
كان ببغداد رجل وقاد يعرف بشعر الزنج، وكنيته أبو الجعد، وكان قد قام مع
سهل بن سلامة حين ظهر أمره لثلاثٍ بقين من شعبان سنة إحدى ومائتين، ودعا الناس إلى لقيام معه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان أبو الجعد هذا نقيب نقبائه، وكان ينتف لحيته لا يدعها تظهر، فعوتب في ذلك فقال:
يلومني الناس في حَصْدي مزارعَ لمتُنْجِبْ ولا أثمرتْ يوماً لجانيها
مزارعٌ سَلَبَتْ وجهي بشاشَتَهُلا بارك اللهُ ربُّ الناسِ لي فيها
فلستُ أتركها تنمي إذا نبتتفالنتفُ يحصدها والنتف ينشيها
إذا أمتُّ مناغيها بأنملتيتعرَّضَ الكيد لي فيها فيحييها
كأنها ويدُ الأيام تذكيهاأشب رميتَ بنار في نواحيها
ولو أردتُ بقاءً كان معترضاًمن دونه نار لبٍّ بتُّ اذكيها
وليس يَرْض به خلقٌ لِسَؤْأتِهِ ... فكيف أرضى لوجهي منه توجيها قال: أخذه من قول بعض المحدثين، وقد عوتب في نتف لحيته، فقال: أيرضى أحد أن يكون مثلها في استه؟ قالوا: لا، قال: فشيء لا يرضاه أحدٌ في استه كيف أرضاه أنا لوجهي؟.
الباخرزي:
يومٌ دعانا إلى حثِّ الكؤوسِ بهثلجٌ سقيطٌ وغيمٌ غيرُ منجابِ
وأفرطَ البردُ حتى الشمسُ ما طلعتإلا مزمِّلةً في فرْوِ سِنْجابِ السري الموصلي:
سكنت إلى الرحيل فكيف أثويبأرضٍ لم تكنْ مُلْقَى الرحالِ
ألمَّ بِرَبْعِها ثلجٌ فألقىمُلِمَّ الشيب في لمم الجبال
تلألأت الربى لمّا علاهاكأن على الربى أثواب آل
كأنَّ ذرى الغصونِ، لبسنَ منهحلى الكافور، رباتُ الحجال
تجولُ العينِ فيه وهو فيهاكَشُهْبِ الخيل رُحْنَ بلا جلال
وأُسْدٍ من أسودِ الراح تسطوشمائلها على أسدِ الرجال
وساقٍ كالهلالِ يديرُ شمساًعلى الندمانِ في مثل الهلال
يخطّ له بمسكٍ صولجانفتذهب نون وجنتِهِ بخال
ترى الأقداحَ من بيضٍ خفافٍيصرّفها ومن حُمرٍ ثقال كشاجم:
اشربْ فهذي صبيحةٌ قرّهواليومُ يومٌ سماؤهُ ثَرَّه
ثلجٌ وشمسٌ وصوبُ غاديةٍفالأرضُ من كلِّ جانبٍ زهره
باتتْ وقيعانُها زبرجدةٌوأصبحتْ قد تحوَّلتْ دُرَّه
كأنّها والثلوجُ تُضحكهاتُعارُ ممن أُحبّه ثغره
كأنَّ في الجو أيدياً نثرتورداً علينا فأسرعت نثره
شابتْ فَسُرَّتْ بذاك وابتهجتْوكان عهدي بالشيبِ يستكره
فاشربْ على الثلج من مشعشعةٍكأنها في إنائها جمره
قد جُلِيَتْ في البياضِ بلدتنافاجلُ علينا الكؤوسَ في الحمره البَرَدْ:
أبو بكر الصديق ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأكل البَرَدَ. وعن أنس بن مالك ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: " مثل المؤمنِ إذا صح من مرضه كمثل البردة تقع من السماء في صفائِها ولونها ".
أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة:
لله ندمانُ صدقٍ بات مصطلياًناراً من القدح الملآن تستعرُ
والأرضُ فضيّةُ الآفاقِ تحسبهاشمطاءَ حاسرةَ قد مسَّها كبر
وكلُّ نجدٍ ووهدٍ قد أطلَّ بهروضٌ تحلّى بِنَوْرٍ ماله زهر
وللأقاحي ثغورٌ فيه باسمةٌفيها من الثلج ريقُ باردٌ خَصِر
كأنّ في الجوِّ أشجاراً منورةًهبَّ النسيم عليها فهي تنتثر الصنوبري:
تعالى اللهُ خالقُ كلِّ شيءٍبقدرته وبارئ كلِّ نفسِ
لقد أضحى جميعُ الأرضِ تجريكواكبه بسعدٍ لا بنحس
ألمْ ترَ كيف قد لبستْ رباهامن الثلج المضاعف أيَّ لبس
ثياباً لا تزال تذوب ليناًإذا الأيديعَرَضْنَ لها بلمس
كأنَّ الغيم مما بُثَّ منهعلى أرجائها ندّافُ بِرس
فحاذرْ أنْ يفوتكَ يومُ دَجْنٍفيومُ الدَّجْنِ يعدلُ يومَ عرس
وغادِ الشّربَ بكراً لم ينلهابنان لا ولا قُرِعَتْ بلمس
كأنَّ يد الغلام إذا استقلّتإليَّ بكاسها خضبت بورس
إذا ما كان وجهك نصبَ عينيمتى تغشى فما أرجو بشمس؟! شاعر:
جاءتْ تهادَى في برودٍ من حِبَرْتنثرُ دراً كان لو ذاب مَطَرْ
يطيرُ في الجوِّ كنوار الزَّهَرْأو شررٍ لو كان للماءِ شرر المأموني:
وبيضاءَ كالبلّور جاد بها الحيافأَهوتْ تهادى بين أجنحةِ القطر
تذوبُ كقلبِ الصبِّ لكنّه جوٍبنارِ هواهُ وهيَ مثلجة الصدر
السري الموصلي:
كأنما سماؤُهُ ثاكلةٌتبكي علىالأرضِ بدمعٍ مُنْعَقِدْ
تبعثُهُ ريحُ الصَّبا فيبتديفي جوِّهِ روحاً وفي الأرضِ جسد الباخرزي:
ورزينة الحصيات غيَّض رحمهازهرَ الربيع فبات يتلو غيضها
ترمي بجامدةٍ كأنَّ تشتتييومَ استقلَّ الحيُّ أَجمدَ فيضها
بَرَدٌ حكى بَيْضَ الحمام ولم تزلْ ... من خوفه تُلْقي الحمامةُ بيضها العرب تقول: إن البرد إذا سقط اسقطت الحمامة بيضها.
الشريف الموسوي:
الثلجُ يسقطُ في أَثنائِهِ بَرَدٌفاقدحْ لنا لهباً وامزجْ لنا لهبا
فالجوُّ يمطرنا من سُحْبِهِ درراًونحن نشربُ في أرجائِهِ ذهبا أبو فراس:
والجو ينثر دراً غير منتظموالأرضُ بارزةٌ في ثوبِ كافور
والنرجسُ الغضُّ يحكي حُسْنُ منظرهصفراءَ صافيةً في كأس بلور أبو عامر ابن شهيد:
الا مَسَح الله القطارَ حجارةًتصوبُ علينا والغمامَ غموما
وكانت سماءُ الله لا تمطر الحصىلياليَ كنا لا نطيشُ حلوما
فلما تحولنا عفاريت جنةٍ ... تحوَّلَ شؤبوبُ الغمام رجوما قال أبو منصور الثعالبي: أول ما عُرِفَ به فضل السلامي في الأدب أنه لما دخل الموصل حسده شعراؤها، وقصدوه بالأذى، وادعوا عليه السرق
والانتحال، وأرادوا امتحانه، فقال لهم أحد الخالديَّين: أنا أكفيكم أمره، ثم اتخذ لهم مجلس شراب احتفل فيه ودعا السلاميَّ وأفاضل الشعراء بالموصل وطعموا وشربوا، فبينا هم كذاك إذ صابت السماء فتوقف جميع من بالمجلس، وانبرى السلاميّ فقال بديهاً:
لله درُّ الخالديِّ الماجد النَّدْبِ الخطيرِ
أَهدى لماءِ المزن عند جموده نارَ السعير
حتى إذا صدر العتابُ إليه عن حنق الصدور
بعثتْ إليه بعذرهمن خاطري أيدي السرور
لا تعتبوه فإنهأَهدى الخدودَ إلى الثغور فسلَّم جميعهم إليه واعترفوا بفضله
قال الشيخ شرف الدين المصنف: نزل بمصر برد عظيم في سنةٍ، وأقام يُباع في السّوق أياماً، ولم يُعهد مثله بمصر، وقتل طير الجوّ، فأنشدني أبو بكر ابن محمد بن عثمان الأسلمانيني في ذلك، وكان في شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة:
قلْ للرماة تنحَّوْا عن مقاعدكمفقد كفى الله رميَ الطير كلَّ يدِ
وأصبح الجوُّ يرميها فيصرعها ... من حالقٍ بمصيباتٍ من البرد وتوفي هذا الشاعر في رمضان من السنة المذكورة.
الأمير أبو الفضل الميكالي في الجليد:
ربِّ جنين من حياً نميرمهتَّكِ الأستارِ والضميرِ
سللته من رحم الغديركأنّه صحائفُ البلور
أو أُكَرٌ تجسَّمتْ من نورأو قِطَعٌ من خالصِ الكافور
لو بقيت سلكاً على الدهورلعطَّلَتْ قلائد النحور
وأخجلتْ جواهرَ البحوروسميت ضرائرَ الثغور
يا حُسْنَهُ في زمن الحرورإذ قَيْظُهُ مثلُ حشا المهجور
يُهدي إلى الأكبادِ والصدوررَوْحاً يحاكي نفثةَ المصدور الباخرزي ملغزاً في الجليد:
لا أُحاجي في زمرةِ الفضلاءغيرَ خلٍّ خصصته باخاءِ
في شبيهِ البلّور رُدَّ إلى الماء وقد كان قبلُ عَيْنَ الماء
ينذُر الحرَّ بالهزيمة برداًفهو المنذر بن ماء السماء ابن الرومي:
لبسَ الشتاءُ من الجليدِ جلوداًفاشربْ فقد عاد الزمانُ جديدا
كم مؤمنٍ قرصته أظفار الشتافغدا لسكِّانِ الجحيم حسودا
وترى طيورَ الجوِّ في أرجائهتختارُ حتى النارَ والسفودا
ولو أرتميتَ بفضل كاسك في الهوىرجعتْ إليك من العقيق عقودا
يا صاحبَ العودين لا تهملهماحَرِّقْ لنا عوداً وَحَرِّكْ عودا ابن شرف القيرواني:
لله ليلتنا وقد جَمَدَ الحيافي الأرض فيها والسماءُ تذوبُ
والكاسُ كاسيةُ القميصِ كأنهاقداً ولوناً معصمٌ مخضوب
مشروبةٌ للبِّ شاربةٌ وماشيء سواها شاربٌ مشروب
منِّي إليه ومن يديه إلى فمي ... فالكاسُ تطلعُ بيننا وتغيب وليَ حباب العجمي الأهواز لمعاوية، وكان طويل اللحية، فمرض فكان يأكل الثلج والجليد، فنهاه الأطباء عن ذلك فقال: أنا أمضغه وأرمي بثقله.
النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع