تجاوز إلى المحتوى

من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)

الباب الأول في الفصول الأربعة بقول كلي في فصل الربيع والصيف والخربف والشتاء

فصل الربيع: أوله نزول الشمس برج الحمل، وهو في خمسة عشر يوماً من آذار، ويوافقه من شهور القبط برمهات، ومن شهور الروم مارس. وطبعه معتدل لممرّ الشمس على خط الاستواء، وآخره نزول آخر جزء من برج الجوزاء. وهو أفضل الفصول لمناسبته لمزاج الروح والدم، ولذلك تحمر فيه الأبدان بما يحدثه من الدم المعتدل وعجزها عن تحليله، ولهذا السبب تهيج فيه الأمراض المزمنة لتحريكه لموادّها، ويكثر فيه الرعاف والخوانق والدماميل والصداع العروق، ويجب أن يستعمل في ابتدائه الفصد والإسهال والقيء بحسب الواجب، وكذلك الرياضة المعتدلة، ويتجنب الامتلاء من الطعام والأشربة والأشياء الحارة والحرّيفة، ويجب الميل فيه إلى المبردات المطفئة.

فصل الصيف: أوله نزول الشمس السرطان، وهو في خمسة عشر يوماً من حزيران، ويوافق من شهور القبط بؤونه، ومن شهور الروم يونيه. وآخرة نزول الشمس آخر جزء من السنبلة، وطبعه حار يابس لأن الشمس تكون في غاية ارتفاعها في الشمال وتسامت الرؤوس وتسخن، وهو أحرّ الفصول، وتكثر فيه المرّة الصفراء والسوداء ويقل فيه البلغم والدم، وتضعف القوى لتحليله، وتصفر فيه

الألوان، ويضعف الهضم، وتعرض فيه الحميات المحرقة والغب والرمد وما أشبهه، ويجب أن لا يستعمل فيه القيء أكثر لمن، يسهل عليه، وتقلل فيه الرياضة، ويمال إلى الراحة والسكون، وتستعمل فيه الأشياء المطفئة المطفئة المبردة أكثر مما تستعمل في الربيع.

فصل الخريف: أوله نزول الشمس أول الميزان، وهو سبعة عشر يوماً من أيلول، ويوافق من شهور القبط توت، ومن شهور الروم شتنبر، وآخره نزولها آخر القوس؛ وفيه تعود الشمس إلى الاعتدال، وطبعه بارد يابس باعتدال لتقدم فصل الصيف عليه، وقربه من الشتاء، وهو مضاد لمزاج الدم، وتكثر فيه الأمراض لاختلاف أحواله، وتكثر فيه حميات الربع والسرطانات القوابي، ويعظم فيه الطحال لتوليده السوداء ولذلك يجب أن لا يستعمل فيه الاسهال والقيء بل تسكن الأخلاط ويقلل الغذاء، ويلزم التدبير الجيد، وتحذر الفواكه، ويتجنب الجماع والاستحمام بالماء البارد والنوم على الامتلاء.

فصل الشتاء: أوله نزول الشمس الجدي، وهو في خامس عشر كانون الأول، ويوافق من شهور القبط كهك، ومن شهور الروم دجنبر، وهو نهاية انحطاط الشمس، وآخره نزولها آخر جزء من الحوت، وطبعه بارد رطب لبعد الشمس عن سمت الرؤوس، وهو أبرد الفصول وأعونها على الهضم لتقويته الحرارة الغريزية بحصره إياها، وأكثر الأمراض الحادثة فيه البلغمية وأمراض العصب ووجع الحلق والنحوحة والزكام وذات الجنب، ولذلك يزاد في الرياضات والغذاء وتكون الأغذية فيه إلى الغلظ والقوة كاللحمان وغيرها، وإن اضطر إلى استفراغ فالإسهال فيه خير من الفصد.

القول في الفصول بالتفصيل.

الربيع:

أفرد له المصنف مقالة قائمة بذاتها في سابع جزء من هذا الكتاب تتضمن تفضيله على سائر الفصول، وجعلها أبواباً عدة رأيت إيرادها في هذا المكان للجمع بينه وبين بقية الفصول مما تقدم القول عليها.

روي عن رسول الله ﷺ قال: " ثلاث يُحْيينَ

القلب: النظر إلى الماء الجاري وإلى الخضرة وإلى الوجه الحسن " وفي رواية " النظر إلى الخضرة، والإثمد عند النوم، والوجه الحسن ".

وعنه ﷺ: " النظر في وجه المرأة الحسناء والخضرة يزيدان في البصر ".

وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعجبه أن ينضر إلى الخضرة وإلى الحمام الأحمر.

وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أمراء الأجناد: مُروا الناس أن يخرجوا إلى الصحاري أيام الربيع فينظروا إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها.

وقال أمير المؤمنين علي ﵇: إذا دخلت البساتين فأَطِلْ تأمُّلها، فإن فيها جلاء للبصر، وارتياحاً للهم، وتكرمةً للطباع، وتسكيناً للصداع.

وقال بقراط: من لم يبتهج لرؤية الربيع وتبسم أنواره فهو عديم حسّ، أو سقيم نفس.

وقيل لماسرجس: لمَ أبصار أهل الرساتيق أصحّ وطعامهم ثقيل؟ فقال: ما أعرف لذلك علة إلاّ كثرة وقوع أبصارهم على الخضرة.

وقال بعضهم: الربيع بهجة الدنيا ومجمع المنى.

وقال الشاعر:

ثلاثة مُذهبة للحزنالماء والخضرة والوجهُ الحسن القاضي الجرجاني:
ألم ترَ أنوار الربيع كأنمانَشَرْنَ على الآفاقِ وشياً مذهباً
فمن شجرٍ أظهرنَ فيه طلاقةوكان عبوساً قبلَ ذاك مقطبا
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
ومن روضةٍ فضَّ الشتاُء حِدادَهافوشَّحَ عطفيها مُلاءً مطيبا
سقاها سلاف الغيث فأصبحتتَمايلُ سكراً كلما هبّتِ الصَّبا
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة

الأُسواري:

أوائل رُسْلٍ للربيع تقدَّمَتْعلى حُسْنِ وجه الأرض خيرَ قدومِ
فراقتْ لها بعدَ المماتِ حدائقٌكواسٍ وكانت مثلَ ظهر أديم
كأن اخضرار الروضِ والنورُ طالعٌعليه سماء زُيِّنَتْ بنجوم
إذا اقتصَّها طَرْفُ البصيرِ بلحظةٍتوهما مفروشةً برقوم
تردّت بظلٍّ دائمٍ وتضاحكتبضحكِ بروقٍ في بكاء غيوم الخليع:
ضحكتْ ضواحي الأرض لما رقرقتطهراً بهن مدامعُ الأنواءِ
فترى الرياضَ كأنّهن عرائسٌيُنْقَلْنَ من صفراءَ في حمراءِ البسامي:
أما ترى الأرض قد أعطتكَ زهرتهامخضرة واكتسى بالنور عاريها
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها»
فللسماء بكاءٌ في جوانبهاوللربيعِ ابتسامٌ في نواحيها أبو العلاء السروري:
أما ترى قُضُبَ الأشجار قد لَبِسَتْأغصانُها بعد عُرْيٍ كسوةَ الكاسي
منظومةً بسموط الدر لابسةًحسنا يبيح دمَ العنقودِ للحاسي
وغردت خطباءُ الطيرِ ساجعةًعلى منابر من وردٍ ومن آس أبو هلال العسكري:
انضر إلى الصحراء كيف تزخرفَتْوإلى دموعِ المزنِ كيف تُذْرَّفُ
وعلى الربى حُلَلٌ وشاهنّ الحيافمسّهم وَمُعَصَّبٌ ومفوّفُ
وملابسُ الأنواءِ منها سُنْدُسٌومضاجعُ الأنداء منها زخرفُ
نَمَّ الرياض على الرياح كأنماذكَّرْتَكَ الكافور حين يُدَوَّفُ
وعلى التلاعِ من الأقاحي حُلَّةٌوعلى البقاع من الشقائق مُطْرَفُ
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
والغيمُ تنفشُةُ الرياحُ عشيّةًكالقطن في زُرْقِ الثياب يُنَدَّفُ
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
والقَطْرُ يهمي وهو أبيضُ ناصعويصيرُ سيلاً وهو أغبر أكلفُ
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
والبرقُ يلمعُ مثلَ سيفٍ يتنضىوالسيلُ يجري مثلَ أفعى تزحفُ أبو بكر الصنوبري:
إن كان في الصيف أثماٌر وفاكهةٌفالأرضُ مُسْتَوْقَدٌ والجوُّ تنورُ
وإن يكن في الخريفِ النخلُ مُخترفاًفالأرضُ محصورةٌ والجوّ مأسور
وإن يكن في الشتاء الغيمُ متصلاًفالأرضُ عريانةٌ والأفقُ مقرر
ما الدهرُ إلا الربيع المستنيرُ إذاجاء الربيع أَتاكَ النَّوْرُ والنور
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
فالأرضُ ياقوتةٌ والجوُّ لؤلؤةوالنّبتُ فيروزجٌ والماءُ بلّور
لا تعدمُ الأرضُ كأساً من سحائبهفالنبتُ ضربان: سكرانٌ ومخمور
فيه جنى الورد منضودٌ مُوَرَّدَةٌبه المجالسُ والمنثورُ منثور
حيث التفتَّ فقمريٌّ وفاختةٌوبلبلٌ وَوَرَاشِينٌ وزرزور
يطيبُ حول صحاريه المقامُ كماتطيبُ في غيره الحاناتُ والدور
فكلُّ ظهرٍ علونا فيه دَسْكَرةٌوكلّ بطنٍ هبطنا فيه ماخور
تبارك الله ما أحلى الربيعَ فلايغْرُرْ مُقَايِسَهُ بالصيفِ مغرور
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
من شمَّ طِيبَ تحيَّاتِ الرّبيع يقلْلا المسكُ مسكٌ ولا الكافور كافور ابن وكيع:
فُرِشَ الفضاءُ بأحمرٍ وبأصفرٍوبدتْ لنا حُلَلُ الربيع الأَزهرِ
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
حُلَلٌ تُعَدُّ إذا اجتهدتَ مقصراًفي وصفها وتكونُ غيرَ مقصر
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
فترى الرياضَ كأنهن عرائسٌيخلطنَ بين تمايُلٍ وتبختر
في جوهرٍ فاتَ الجواهرَ قيمةًلو أنه يبقى بقاءَ الجوهر
سرٌّ أسرَّ به السحائب في الهوافأذاعه فانذاع أَجملُ منظر
سرٌّ طواه فلم يكن مستحسناًحتى أُشيعَ فكان أحسنَ مظهر
زمنٌ أغرّ لو اشتريتَ بطيبهطيب الحياة لكنتَ أَحسنَ مشتري
متزيِّن زَيناً ولم يقصد لهامتضمخ عطراً ولم يتعطّر
وافى على أَثَرِ الشتاء كأنهإِقبالُ جَدٍّ بعد أمرٍ مُدْبر
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
فكأنَّ ذاك كان وجه مهدِّدٍوكأن هذا جاء وَجْهَ مبشِّر وله:
انظرْ إلى حُسْنِ الربيع وما جَلَتْفيه عليك طرائفُ الأنوارِ
أبدتْ لنا الأمطارُ فيه بدائعاًشهدت بحكمة مُنْزِلِ الأمطار
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
ما شئت للأسحارِ في صحرائهمن درهم بَهِجٍ ومن دينار
وجواهرٍ لولا تغير حُسْنِهاجلَّت عن الأثمانِ والأخطار
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
من أبيضٍ يَقَقٍ وأصفرَ فاقعٍمثلِ الشموس ُقِرَّن بالأقمار
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

دارٌ لو اتصل البقاءُ لأهلها ... لتشوقوا لنعيم تلك الدار أستغفر الله تعالى عن ابن وكيع وعن المصنف في إيراد هذا أالبيت فإنه قال:

دارٌ لو اتصل النعيمُ لأهلها ... لم يحفلوا بنعيم تلك الدّار فلم أجسرْ على ذكره كما ذكراه، وغيّرتُهُ على هذه الصورة: إنهم مع اتصال النعيم لهم يشتاقون إلى نعيم تلك الدار. وصَّلَ الله تعالى إليها بكرمه.

ابن الرومي:

ونرجسٍ كالثغورِ مبتسمٍله دموعُ المحدّقِ الشاكي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ونرجس كالثغور مبتسم»
أَبكاه قَطْرُ الندى وأضحكَهُفهو من القَطْرِ ضاحكٌ باكي ابن طباطبا:
نظر إلى زهرِ الرياضِ كأنهوشيٌ تُنَشِّرُهُ الأكُفُّ مُنَمْنَمُ
والنَّوْرُ يهْوي كالعقودِ تبدَّدتوالوردُ يخجل والأَقاحي تبسم
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
ويكادُ يُذري الدمعَ نرجسُهَا إذاأضحى، ويقطر من شقائقها الدّم
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة

هذا معنى بديع في طلّ الشقائق لم يُسبق إليه، وذلك ان الحكماء قالوا:

إن لون الماء لون إنائه، فلما كانت الشقائق كالإناء لطلّها ظهر عليها أحمر كالدم.

الخباز البلدي:

وروضةٍ بات ساري الطلِّ ينسجُهَاحتى إذا التحمتْ أضحى يُدَبِّجها
يبكي عليها بكاءَ الصبِّ فارقهإلفٌ فيضحكها طوراً ويبهجها التنوخي:
ونرجسٍ كأنّه نواظرٌيَقْطُرْنَ عذباً بارداً على الظما
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
إذا بدا الطلُّ عليه خِلْتَهُغرقى عيونٍ في بحورٍ من بكا السَّروي:
غدونا على الروضِ الذي طَلَّهُ النَّدىسُحَيْراً وأودج الأباريق تُسْفَكُ
فلم أرَ شيئاً كان أحسنَ منظراًمن النَّوْرِ بجري دمعُهُ وهو يضحك الصيف:

هو أحدّ الفصول، وأكثرها أمراضاً وإضعافاً للقوى والأفعال، مع كثرة خشاش الأرض والذباب وَكَرْبِ الأنفاس فيه، بركود الهواء وعدم الالتذاذ للطعام والشراب، لضعف الهضم وقلة برد الماء، وكذلك النكاح يعظم ضرره فيه.

وإنما يُحْمَدُ من الصيف فاكهته وهي سبب استقامته، وأما معاقرو الشراب فالصيف عندهم عذاب لما يولّده الشراب فيه من إسخان البدن وإحماء المزاج، فهم

يمدحون الشرب في كل فصل من الفصول ويتزاورون فيه ويستدعون فيه المعاقرة إلا فصل الصيف فإنهم يذمونه، قال أبو نواس:

ثلاثةُ أشهرٍ فيها العذابُحزيرانٌ وتموزٌ وآبُ وقال ابن المعتز:
قد مضى آُب صاغراً لعنة اللهـ عليه ولعنةُ اللاعنينا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قد مضى آب صاغرا لعنة الله»

وأتانا أَيلولُ وهو ينادى ... أَلصبوحَ الصبوحَ يا غافلينا يقال للشيء إذا ضربته الشمس ولم يستره عنها شيء؛ صهرته وصقرته وصَخَدتْهُ وصَمَحَتْه، والوديقةُ شدّة الحر، يقال: أودقَ الناس إذا اشتدّ عليهم الحر، وأصل الوديقِ والتودُّقِ الدنوُّ والاقتراب، ومنه تودَّقت الأتان للعَيْرِ إذا أمكنت نفسها من النزو.

قال ابن الرقاع:

تودَّقَتْ شمسُهُ حتى إذا حميت ... منها الجماجمُ كادتْ يومَهَا تَقفُ قيل لأعرابي: كيف كان الهواء البارحة؟ قال: مات فلم يكن له نَفَس.

وقال آخر: سُدَّتْ طُرُقُ الرياح، وانسدّت بذلك طرق الأرواح.

شاعر:

ويومٍ كأنَّ المصطلينَ بحرّهوإن لم يكنْ جمرٌ قيامٌ على الجمرِ آخر:
ويوم من الشّعْرَى يذوبُ لعابُهُأَفاعيه في رمضائِهِ تتململُ
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدورَ مطيَّكمْ»

الكميت:

وخرقٍ تعزفُ الجنّان فيهلأفئدة الكُماةِ به وجيبُ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة « وخرق تعزف الجنان فيه»
قطعتُ ظلامَ ليلتِهِ ويوماًتكادُ حصى الاكامِ به تذوبُ ابن أبي الثياب:
وهاجرةٍ تشوي الوجوهَ كأنّهاإذا لَفَحَتْ خدّيَّ نارٌ تَوَهَّجُ

وماءٍ كَلَوْنِ الزيتِ ملحِ كأنَّه ... بوجديَ يُغلى أو بهجرك يُمْزَجُ قال أبو حنيفة الدينوري: أخبرني غير واحدٍ من العرب أنّ القيظ إذا أفرط عندهم وصهرت الهواجر الرمل آض مثل الملَّة لا يستطيع حيوان يعلوه، فربما راع الوحش ذعر ذلك الوقت فيقع فيه، فلا تلبث أطلاقُها أن تتصل. وهم يتحدثون عن شدة الحرّ بكلّ عجيب، وبذلك ينطق شعرهم، وكيف ما كان فهو أهون عليهم من البرد. والأطباء يحمدون الحر الشديد والبرد الشديد بالنسبة إلى الاقليم وجريان العادة فيه. وقال حكيمهم: خير شتائكم الشديد بردُهُ، وخير صيفكم الشديد حرّه. وكانوا يستعيذون من الشتاء السخن. قال الأصمعي: ما وقع الطاعون قطّ إلا في شتاءٍ سخن أو بعقبه

ومن لوازم الصيف المراوح، وهي ثلاثة أنواع: مراوح الخُوص، ومراوح الأديم، ومراوح الخَيْشِ.

قال السريّ الموصلي في مراوح الخوص:

ومبثوثةٍ في كلِّ شرقٍ ومغربٍلها أمهاتٌ بالعراقِ قواطنُ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ومبثوثة في كل شرق ومغرب»
تحرّكُ أنفاسَ الرياح حراكهاكأن نسيمَ الريح فيهنَّ كامن ابن أبي الندى المعري:
وقابضةٍ لعنان النسيمتصرِّفُةُ حيث شاءتْ هبوبا
فمن حيثُ شاءت أهبَّتْ صَباًومن حيث شاءت أهبَّتْ جنوبا
للشاعر أبو العلاء ابن ابي الندى المعري، اقرأ القصيدة
إذا أقبل القرّ كانت عدواًوإن أقبل الصيفُ كانت جيبا حسان بن نمير المدعو عرقلة:
ومحبوبةٍ في القيظ لم تخلُ من يدوفي القرّ تخفوها أكفُّ الحبائبِ
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة
إذا ما الهوى المقصورُ هيجّ عاشقاًأتت بالهوا المدودِ من كلِّ جانب ابن معقل:
ومروحةٍ أهدت إلى النفسِ روحهالدى القيظ مشبوباً باهداءِ ريحها
روينا صن الريح الشمال حديثهاعلى ضعفه مستخرجاً من صحيحها علي بن صاحب تكريت:
يا سائلي عن نسيمٍ طيَّ مروحةٍأهدتْ سروراً بترجيعٍ وترويحٍ

أما ترى الخوصَ أهدى من مراوحه ... ما أودعته قديماً نسمةُ الريح ومما يكتب على مروحة لشرف الدين التيفاشي المصنف:

أنا في الكف راحةٌلصحيحٍ وذي عِلَلْ
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
أنا سترٌ لعاشقعندما يخلسُ القبل
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
أنا مخفٍ لوجنةٍخجلت أيسرَ الخجل
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
أنا أُهدي إليكمُارجَ الزهر إنْ ذبل
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
أنا وحدي كروضةجادها واكفٌ هَطِلْ
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
أنا بي يُبْعَثُ النديمُ على الكاسِ إن غفل
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
مجلسٌ لا أزورهليس في قربه أملْ ومما يكتب على مروحة ملك:
تأملْ إلى ما قد حويتُ من الفخرلخدمةِ مَلْكٍ جلَّ في رفعةِ القدر
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
وفكّرْ تجدْ منه ومني روضةًيمرّ بها طيبُ النسيم على البحر
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة

قال شاعر:

دقيقةُ الجسم لها ساعدٌتسعد من تحييه أَنفاسُهَا
محبوبةٌ في القيظِ مهجورةفي القرّ لا يقربها ناسها

كأنها من بيتِ مال الهوا ... ان لوحت تنفضُ أكياسها قال أبو الفوارس سوار بن إسرائيل الدمشقي: كنتُ عند السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فحضر إليه رسول أمير المدينة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومعه قود وهدايا، فلما جلس أخرج من كمه مروحةَ سعفٍ بيضاء، عليها سطران من نساجةِ السَّعف الأحمر وقال: الشريف يخدم السلطان، وقال: خذْ هذه فما رأيت أنت ولا أبوك ولا جدُّك مثلها، فاستشاط صلاح الدين غضباً، فقال الرسول: لا تعجل بالغضب قبل تأملها، وكان صلاح الدين ملكاً حليماً، فإذا عليها مكتوب:

أنا من نخلةٍ تجاورُ قبراًساد مَنْ فيه سائر الناس طرا

شملتني سعادةُ القبرِ حتى ... صرتُ في راحة ابن أيوب اقرا وإذا هي من خوص النخل الذي في مسجد رسول الله ﷺ، فقبلها صلاح الدين ووضعها على وجهه.

مروحة الأديم: وتسمى الهندية وهي نوعان إحداهما مستديرة إلا موضع النصاب لا غير، والأخرى مستديرة ثم يقطع ربع دائرتها الذي يلي الوجه.

الشريف:

مروحة الهند إذا ما بَدَتْفوصفها من فلسفيٍّ حكيمْ
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «مروحة الهند إذا ما بدتْ»
كأنها البرجاسُ في دَوْرِهَالكنها دائرة من أديم
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «مروحة الهند إذا ما بدتْ»
وأعطتِ الجلاّسَ أنفاسَهاعدلا فكانت لولباً للنسيم الشيخ شرف الدين التيفاشي المصنف:
وبدر تمّ غدا ينفي الحرورَ كماينفيه مُشْبِهُهُ في الأفق إنْ طلعا
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
يهدي لأَرواحنا روحاً بمروحةمن الأَديم إذا ما حُسْنُها برعا
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
كالشمس ترعدُ من بدرٍ ألمَّ بهامقارناً كاسفاً من جرمها الربعا
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
حظ اللحاظ وحظّ الروحِ قد جمعافيه لكل جليسٍ يأتيان معا وله:
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
ومروحةُ الهند من فيلهمأُقيمُ على ذاك برهانَهُ
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
أَلستَ تراها إذا روَّحَتْكما روَّح الفيل آذانه
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة
وتعدلُ صاحبها في النسيمينال ويشمل جيرانه ولابن خروف:
ومروحةٍ إنْ تأملتهاترى فلكاً دائراً في اليدِ

وَتُطْوى وَثُنْشَرُ من حسنها ... فتشبه قُنْزُعَةَ الهدهد مروحة الخيش: هذه المروحة محدثة في زمن بني العباس؛ ذكر جحظة البرمكي في كتابه " في العطر " قال: كان سبب حدوث مروحة الخيش أن هرون الرشيد دخل يوماً على أخته علية بنت المهدي في قيظ شديد، فألفاها قد صبغت ثياباً بزعفران وصندل، ونشرتها على الحبال لتجف، فجلس هارون بمقربة من تلك الثياب المنشورة، فجعلت الريح تمرُّ على الثياب فتحمل منها ريحاً بليلة عطرة، فوجد لذلك راحة من الحرّ واستطابه، فأمر أن يصنع له في مجلسه مثله، فكثر واستعمله الناس.

ومن ملح ألغاز الصاحب بن عباد فيها قوله لأبي العباس الخازن في يوم قيظ: ما يقول الشيخ في قلبه؟ فلم يفهم عنه، أراد في قلب " الشيخ " وهو " خيش ".

كشاجم:

وبيتٍ نشيِّدُهُ في الهجيرعلى غير أسٍّ وثيقِ البناء
ونهجرهُ عند لفحِ الشتاءإذا كان عنّا قليلَ الغناء
فيا لك بيتاً بناهُ الحكيمحصيناً من الحرِّ رحبَ الفناء
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «وبيت نشيده للمصيف»
ويحملُ ماءً كحملِ السَّحابِوليس يجودُ بغير الهواء
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «وبيت نشيده للمصيف»
إذا قام قام على أربعٍومن بين أثوابهِ ثوبُ ماء
حكى فرساً باتَ في جُلِّهِوقد أسبلَ الغيثَ تحت السماء ابن حمدون مصنف " التذكرة ":
ومرسلةٍ معقودةٍ دون قصدهامقيّدةٍ تجري حبيساً طليقها
يمرُّ حفيفُ الريح وهي مقيمةويسري وقد سُدَّتْ عليها طريقها
لها من سليمان النبي وراثةٌوقد ضربت آل النبيط عروقها
إذا صدق النوءُ السماكيُّ أمحلتوتمطر والجوزاء دانٍ حريقها
تحيّتها إحدى الطبائع أنهالذلك كلُّ روحٍ صديقها شاعر:
وجاريةٍ نشأتْ بين الغصونِ غمامةٌمن الندّ إلا أنَّها ليس تهطلُ
وَعُلَّ بماءِ الوردِ خَيْشٌ كأنهعلى خِدْرِهِ ثوبُ العروسِ المصندل علي ابن صاحب تكريت ملغزاً في الخيش:
ما ذاتُ خدرٍ حصانٌ كان منشؤهابين الحواضرِ لا بين الأعاريبِ
منقادةُ طالَ ما أهدتْ أزِمّتهاروحاً إلى كلِّ محرور ومكروب
شدّت صليباً وزنّاراً وما عَرَفَتْدينَ المسيح ولم تركنْ إلى حُوب
تسري إذا قيل للقوم المسيُر ولاتسعى على أربعٍ كالخيل والنيب
مصلوبةٌ ما رأت عيباً ولا اجرحتْذنباً فتلحظها في زيّ مصلوب
ككاعبٍ يومَ عيدٍ تعتلى لَعِباًأرجوحةً بين أتراب كواعيب
تروى وتظمأ أحياناً وما عرفتكغيرها طَعْمَ مأكولٍ ومشروب
يميتها القرُّ في المشتى ويُنْعِشُهاحرُّ الهجيرِ بترجيع وتأويب
نواظبُ الغُسْلَ عن طُهْرٍ وما ارتكبتيوماً مباضعةَ الشبان والشيب
في ذيلها ديمةٌ في الصيفِ ساكبةٌبالقَطْرِ والقطرُ فيه غير مسكوب الخريف:

سمي خريفاً لأن الثمار تُخْرَفُ فيه أي تجنى وتقطع، ومنه اشتق الخَرَفُ للشيخ، وهو ذهاب العقل، كأن عقله انقطع. وقال أبو حنيفة: لم يذكر أحد من العرب الخريف في الأزمنة لأن الخريف عندهم ليس اسماً للزمان، وإنما هو اسم لأمطار أواخر الشتاء.

ووصف عليّ بن حمزة الخريف فقال: الخريف ثمرة الربيع، كالشجرة التي تُثْمِر ولولا الثمرة لم تكن في الشجرة منفعة.

وفي الخريف تحصل أصناف ما يتمول، وتدَّخر أقوات الخلائق الممسكة لأرواحها إلى الخريف القابل، وفيه يكون الزعفران، وله على جميع أنوار الربيع فضل، وله ورد يطلع كنصل السهم وقرن الخشف، في لون الياقوت الأزرق واللازورد المشُوف كالعيون الشهل وأعراف الطواويس، يتفتح عن شعر كخطوط الذهب وكشرر نار تلوح من حدائق البنفسج كألسن الحيات المنضنضة، ويطلع ورد الزعفران البري في السنة مرتين، غير أن البري ليس له زعفران ولا حشيش، وفيه يُجْتنى النخل وتحرز أعسال النحل وتقطف الأعيان التي فيها المنافع، وتُجْنى الأقطان التي قيها لباس الناس وزينتهم أحياء وسترتُهم أمواتاً، وفيه يقطف اللوز والجوز والعناب والزعرور وغير ذلك، وفيه تتناكح ذوات الأظلاف الانسيّة والوحشية، وفيه مطارح البزاة وسائر الجوارح، وفيه الأترجُّ وأوراقه، وله ورد كالفاغية وينفتق عن مثل خرز الزبرجد، ويعظم وتُشْرَبُ خضرته صفرةً، فإذا خلصت الصفرة صار كقلالٍ ظاهرها ذهب وباطنها فضة. فيها حبّ كاللؤلؤ والمرجان، وقشره ينفع الممعود، وله إذا عُرِكَ أريجٌ ذكي، ويستخرج منه دهنٌ أذكى من الند، وله حماض لذيذ يطيب للمقرور وينفع المحرور، وإذا تصرمت الرياحين في البساتين فالأترجّ غضٌّ طري، وقد اجتمع فيه وفي العنب الطبائع الأربع.

وقال أبو محمد ابن المقتدر: وفيه يكال الأرز، وهو أحد الأقوات المحتاج إليها، ولا يقوم مقامه شيء لأنه أولى أغذية بني آدم صغاراً وكباراً، وقد يُستغنى به عن الحنطة ولا يستغنى بها عنه، لأنه يغذو المراضيع في الأوقات لتي لا يصلح لهم أكل الخبز فيها، وبغلَّته وعظمها وكثرة ريعها يضرب المثل.

وفي الخريف يبلغ قصب السكر الذي هو قوام أبدان الناس، وحاجتهم إليه ماسة، ولا يعتاضون بغيره، فهو أطعمة الأصحاء وحلواهم، وفيه شفاء المرض وأقواتهم، لأنه أصل سائر الأشربة والمعاجين الحارة والباردة والمزوّرات والأغذية، وهو قوام الناس في صحتهم وغَناؤهم في أمراضهم؛ وفيه تخرج الجوارح من قرنصتها ويُستحبّ الصيد وتكثر محاليف الدراج، ويمكن الصيادين من جهات كثيرة: أحدها أن الغلات تكون قصاراً لم تطل فتمنع وتستر ما يستتر بها من الطير والوحش، وأخرى أن الجوارح لا تعمل في الحرّ إلا ساعةً في برد الهواء، وقد تعمل في الخريف والشتاء طول نهارها، والكلاب فلا تعمل في الحرِّ بوجه ولا سبب ولا تطعم نهاراً، والملوك والمترفون الذين يخرجون إلى الصيد بالجوارح لا يعرّضون بنفوسهم لحرّ الهواجر، ولا يخاطرون بمهجتهم من أجل الصيد، ولا ينشطون له إلا في البرد وطيب الهواء والزمان.

وفي الخريف يقدم طير الشتاء من الجبال والبلاد الباردة، مثل الكراكي والإوز واللغالغ مما يتصيّد بالجوارح وسائر آلات القنص والرمي بالبندق وغيره.

وفيه تُقطَع أنابيب الأقلام وتجلب من كلّ مكان، وهو أوان إدراكها وصلابتها واستقامتها، ولولا الأقلام وقفت أمور الناس ولم تنمَّ لهم شهادة ولا قضيّة ولا بيع ولا شراء، ولا تُضْبَط العلوم وتقيّد الأخبار إلا بها.

وفي الخريف يكون الدرّ الذي جعله الله زينةً للعباد، وحبِّبَ للناس وتجمَّل بلبسه سائر الأمم. وفُضِّل على سائر الأحجار النفيسة من الذهب وغيره، مع ما فيه من المنافع والبرء من الأمراض الصعبة وإدخاله في الأكحال، وهو أنفسُ ذخيرة وأخفُّها محملاً. وقد يمكن الانسان أن يحمل معه من الجواهر ما قيمته خمسمائة ألف درهم لا تعييه ولا تؤذيه. ولا يمكنه حملُ ألف درهم إلا بمشقة ولا يستتر ولا يخفى، ولذلك أدّخره الملوك وجعلوه عدّة للشدائد.

والخريف أصحُّ السنة زماناً وأسلمها أواناً، والشمس فيه بالميزان، وهو أحد الاعدلين المتوسطين حين أطلعت السماء حوافل انوائها، وتأذَّنت بانسكاب مائها،

وصَفَت الموارد من كدرها، وتهذّبت من عكرها، وخلصت الأرض من حمارة قيظها ورمضائها؛ وإجماع الناس على محبة ريح الشمال وإيثارها على الرياح الأربع مشهور لا اختلاف فيه، وإنما تحمد في الخريف لا في الربيع لأنها في ذلك الزمان تقوي النفوس، وتجذب للناس النشاط والظرف، وتصلح عليها المرضى وتقوى أجسامهم، وكل علّة يطول مكثها إنما تحدث في إقبال الصيف وتُقلع في إقبال دخول الشتاء، وهي تستحيل في الربيع بخلاف هذا لأنها تتلف الغلاّت وتفسدها، ولا يكون سقوط البَرَد فيه إلا في الشمال ولا تكون الزلازل والصواعق إلاّ معها، وقوله ﷿: (فأهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتية)، قال المفسرون هي ريح الشمال.

وفي الخريف إقبال كل خير، وفيه المطر الوسميّ الذي يتباشر به الناس ويتبركون به، وتكثر عليه العمارة وتزيد فيه الأنهار، ويكره المطر في الربيع لأنه يفسد الغلاّت ويهدم المنازل، فهو في الخريف سقيا وشراب، وفي الربيع صواعق وعذاب، وفي هذا غيثٌ يُرجى صلاحه، وفي ذاك غيث يُخشى فساده؛ وبرد ماء الخريف مستطاب دون ماء سائر السنة؛ وكانت العرب تقول في من مات في أول الخريف: مات ولم يشرب ماء الخريف. وكان ابن الرومي يفضل الخريف على سائر فصول السنة، وقال وهو يجود بنفسه: ما آسى من دنياكم إلاّ على ثلاث: هواء التشارين والرطبِ الأزاد كأنه أولادُ الملوك في الغلائل الممسكة، واطلاعةٌ في وجه نجاح.

أبو نواس:

أتى أيلولُ وانقشعَ الحرورُوأخبتْ نارها الشعرى العبورُ
فقوما فالقحا خمراً بماءٍفإن نتاج بينهما السرور
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «مضى أيلول وارتفع الحرور»
نتاجٌ لا تدر عليه أمّوحملٌ لا تُعَدُّ له الشهور
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «مضى أيلول وارتفع الحرور»
إذا الكاسات كر بها عليناتكوّنَ بيننا فَلَكٌ يدور شاعر:
انظر دمشقَ وقد رقت محاسنهاكغادةٍ أَعْصَرَتْ بالحسنِ في الغيدِ
أجرى الخريفُ أصيلاً في الغصون بهاصبحاً فأثْمرَ تبراً كلُّ أُملود
تمَّتْ بها ذهبياتٌ ذهبن بألبابِ الذين سبوا ماءَ العناقيد
وسلسل البرد في السّلسال من بردىنفحُ النسيم سرى من فوقَ يَبرودِ جحظة البرمكي:
ما بالُ أيلولَ يدعوني وأتبعهإلى الصَّبوح كأني عبدُ أيلولِ
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ما ذاك إلاّ لأنّ العيشَ مقتبلوالليلُ ملتحفٌ بالبرد والطول
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وقد بَدَتْ طَلَّةٌ شجواً تخبرناعن الخريف بقصْفٍ غير مملول
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

ولاح وجهُ سهيلٍ فهو جوهرة ... حمراء قد ركبتْ في وسط إكليل عبدان بن عبد الله الأصفهاني يصف الخريف ويفضله على الربيع:

راب الربيعُ عيونَ قومٍ أغفلواطيبَ الخريفِ وسجسجَ الأَشجارِ
لما عن اغباش الشتا قد سرحواأنسوا بنور الحرِّ والأنوارِ
فلها نثارٌ في الخريفِ يفوقهاحُسناً على الجنّاتِ والأنهار
تحكي دنانيراً لنا أوراقُهاولها فضيلةُ مطعمِ الأثمار
وخلا الربيعُ من النعيم فما لنافيه سوى الأرواحِ والأمطار
ومخافة الهدّارِ إثرَ صواعقترمي البلادَ وأهلَها بالنار
فاسعدْ بتشرينين وانعمْ فيهمامتعوذاً بالله من آذار
واشرب على ورديهما مشمولةًمن زعفران طالعٍ وبهار
يغنيك عن وردِ الربيع، وعرفُهُعن شمِّ عَرْفِ لطيمةِ العطَّار أحمد بن إبراهيم:
قمْ بنا نصطبحْ وقد برد الليلُ لشرابها ورقَّ الأصيلُ
وبدا للعيونِ يزهر في الصبح سُهَيْلٌ كأنّه قنديل
وتولَّتْ حرارةُ القيظِ عنَّاحين ولّى مُوَدِّعا أيلول شاعر:
باكرنا الدهر بِسَرَّائِهِوكفَّ عنّا بأسَ بأسائِهِ
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
وجاءنا أيلول مستبشراًيُثني على الزَّهرِ بآلائه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
أما ترى الرقة في جوهتناسب الرقَّةَ في مائه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
انظرْ إلى أنواعِ أثمارهقد ضمَّها في بَرْدِ أحشائه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
راحتْ عليها نسماتُ الصباتقرصها في برد أفيائه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
انظر إلى رمَّانِهِ ضاحكاًحمراؤه في وجه بيضائه
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
أيلولُ عضوٌ من زمان الصبالكنه من خَيْرِ أعضائه أبو سعد الأصبهاني:
يهناك إِقبالُ الخريف عليك بالوجه الرضيِّ
تمّ اعتدالاً في الكمالِ فجاء في خُلُقٍ سَوِيِّ
وينوبُ ورد الزعفران به عن الوردِ الجني
أهدى إليك المهرجانَ يميسُ في زي الهدي
قد ضُمِّخَتْ بالزعفران وهيئت في حُسْنِ زي
وتحلَّتِ التفاحَ والاترج في نظمِ الحلي الباذاني:
وأسعدك الله بالمهرجانإذا ما انقضى عنك عاماً يَكُرّ
ولا زلتَ في عيشةٍ كالخريففإن الخريفَ جميعاً سحر
ترى الماءَ فيه وذاك الهواءيجلوهما نَسْمُ ريحٍ عطر
وأترجّه عاشقٌ مدنفٌإذا ما رجا طيبَ وصلٍ هُجِرْ
ولونُ سفرجله حائلٌوأحسبه من صدودٍ حذر
وتفاحهُ فوقَ أغصانهخدودٌ خجلن لوحي النظر
وما كنتُ أحسبُ أن الخدودَتكونُ ثماراً لتلك الشجر ابن المعتز:
هات كأسَ المدامِ في أيلولِبَرَدَ الظلُّ في الضحى والمقيلِ
وخَبَتْ جَمْرَةُ الهواجرِ عنّاواسترحنا من النهارِ الطويلِ
وخرجنا من السموم إلى روح شمالٍ وطيبِ ظلٍّ ظليل
ونسيمٍ يبشر الأرضَ بالقطر كذيلِ الغلالة المبلول
وكأنّا نزدادُ قرباً من الجنّة في كلِّ شارقٍ وأصيل
ووجوهُ البلادِ تنتظر الغيثَ انتظار المحبِّ رَجْعَ الرسول شاعر:
قم فاسقني يا خليليمن المدام الشَّمولِ
أوْلَى الشهورِ بقصفٍشعبانُ في أيلول جحظة البرمكي:
لا تُصْغِ للعذل إنَّ العذلَ تضليلُواشرب ففي الشرب للأحزان تحليلُ
فقد مضى القيظُ واجتثت رواحلهوطابتِ الراح لما آل أيلول
فليس في الأرضِ نبتٌ يشتكي مَرَهاًإلا وناظرُهُ بالطلِّ مكحول شاعر:
أيلولُ وقتُ مسرَّةِ الإنسانوأوانُ طيب الراح والريحان
فصلٌ له بنسيمه ونعيمهصِفَةٌ تحاكي جنَّةَ الرضوان ابن الحجاج:
أيلولُ والعيدُ واعتلال الهواءِ في الليلِ والنهارِ
وشهرُ شوَّالَ في تكافيساعاتِ أيامِهِ القصار
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «أيلول والعيد واعتدال الهواء»
أربعةٌ تقتضيك دِيْنَ السماع واللهو والعقار
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «أيلول والعيد واعتدال الهواء»
فاشرب لها بالكبير إنَّ الكبير للسادةِ الكبار الباخرزي:
ألا فاسقني الراحَ مشمولةًأُرَوّحْ بها القلبَ من كلِّ غمّ
فانَّ الخريفَ أعار الرياضمن الحُسْنِ والطيبِ أوفى القسم
فأصبح صَفْصافها بينهاكما بان عن مَوْضع الفصْدِ دم
وشُبِّه غربانُ أشجارهابسودِ القلانس فوق القمم الشريف الطوسي:
حلَّ الخريفُ على الأَغصانِ وانتثرتأوراقُهُ غيرَ ما يبقى على الحِقَبِ
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «حلّ الخريفُ على الأغصانِ وانتثرتْ»
كانتْ غلائلها خُضْراً وقد صُبِغَتْبصفرةٍ مثل لونِ الورس والذهب
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «حلّ الخريفُ على الأغصانِ وانتثرتْ»
واستطردَ القيظُ إذ ولّت عساكرهواستبردَ الظلُّ فاقدحْ جمرةَ العنب
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «حلّ الخريفُ على الأغصانِ وانتثرتْ»
واغنمْ بها العيشَ في تشرينَ منتهزاًفالقيظُ في رحلةٍ والقرّ في الطلب وله:
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «حلّ الخريفُ على الأغصانِ وانتثرتْ»
خُذْ في التدبر في الخريفِ فإنهمستوبَلٌ ونسيمُهُ خَطَّافُ
للشاعر ابن دفتر خوان، من قصيدة «خُذْ في التدبّر في الخريف فإنَّهُ»
يجري مع الإنسان جَرْيَ حياتهكصديقه ومن الصديقِ يُخافُ التيفاشي المصنف:
أبدى الخريفُ لنا حسناً وإحساناًإذ بزَّ من كسوةِ الأوراقِ أغصانا
للشاعر شرف الدين التيفاشي، اقرأ القصيدة

فأصبحتْ كرشيقِ القدِّ ذي هيف ... نشوانَ أَملحَ ما يأتيكَ عريانا تأخر الحسن بن سهل عن مجلس محمد بن عبد الملك الزيات بغير سبب، فكتب إليه محمد:

قالوا جفاكَ فلا عهدٌ ولا خبرٌماذا تراه دهاهُ قلتُ أيلولُ
شهرٌ تحولُ حبالُ الوصلِ فيه فلاعَقْدٌ من الوصلِ إلا وهو محلول فأجابه الحسن:
أَنى يحولُ فتىً أَعليتَ رتبتَهُفناله بكَ تعظيمٌ وتبجيلُ
فأنت عُدَّتُهُ في نيلِ نعمتهوأنت في كلّ ما يخشاه مأمول
ما ليس لعهده من والدٍ ولدٌولا أخٌ من أخ والحبلُ موصول
ما غالني عنك أيلولٌ ولذتهوطيبه ولنعمَ الشهرُ أيلول
الليلُ لا قِصَرٌ فيه ولا طولُوالجوُّ صافٍ ورحلُ الكاسِ مرحول
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
والعودُ مستنطَقٌ عن كلِّ معجبةٍيضحي بها كل سيف وهو مسلول
لكنْ توقع وشك البينِ عن بلدٍتحلُّ فيه فسلكُ الدمع محلول قال ذلك لأنه كان مزمعاً سفراً

والخريف عند معاقري الخمر أخو الربيع، لبرد مائه، واعتدال هوائه، وكثرة أزهاره وثماره، واستواء ليله ونهاره، واستطابة المدام، بعد تكرهها في زمن القيظ، وطيب الندام.

الشتاء:

الشتاء جامع لذَّات أرباب النعم، وامتع أوقات ذوى الهمم، لأن فيه تظهر هممهم، وعند هجومه تتبيّن نعمهم، من أنواع المطاعم والمشارب والملابس والمساكن وغير ذلك مما يظهر فيه خلل حال منْ دون طبقتهم، حتى أنه لتجتمع لهم فيه فواكه الصيف والخريف ومشمومات الربيع، ويُمكنهم من الإلتذاذ بالاستكثار من الطعاج والشراب والنكاح، والتنعم بأصناف الملابس مما لا يمكن استعماله في الصيف وحمارة القيظ، فلأجل ذلك يثلبون الصيف ويمدحون الربيع والشتاء والخريف.

قال: ولم اسمع في مدح الشتاء كقول أبي هلال العسكري:

لستُ أَنسى منه دماثةَ دَجْنٍثمَّ من بعده نضارةَ صَحْوِ
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
وجنوباً تبشرُ الأرضَ بالقطر كما بُشِّرَ العليلُ ببرو
وغيوماً مطرزاتِ الحواشيبوميضٍ من البروقِ وخفو
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
كلما أرختِ الجنوبُ عراهاجمع القطرُ بين سفلٍ وعلو
وهو يعطيك حين هبَّتْ شمالاًبردَ ماءٍ منها ورقةَ جو
واستعار العراءُ منه لباساًسوف يمنى من الرياح بنضو
وكأنَّ الكافور موضعُ تربوكأنَّ الجمانَ موضع مرو
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

وله:

وإذا شَتَوْتَ أمنتَ لسعةَ عقربكالنار طارتْ من زنادٍ قادح
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
قد خِلْتَها تسعى بِسُبْحةِ عابدٍكلاَّ لقد تمشي بصعدة رامح ابن عبد السّلام خطيب سنجار:
أظنّ آذار أهدى من خمائلهلشهر كانونَ أنواعاً من الحللِ
أو الغزالةُ من طول المدى خرفتفما تفرِّقُ بين الجدى والحمل أبو تمام:
رقَّتْ حواشي الدهر فهي تمرمروغدا الثرى في حَلْيِهِ يتكسَّرُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»
نزلت مُقَدَّمةُ المصيفِ حميدةًويدُ الشتاءِ جديدةٌ لا تكفر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»
لولا الذي غرس الشتاءُ بكفّهقاسى المصيفُ هشائماً لا تثمر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»
مطرٌ يذوب الصحوُ منه وبعدهصحوٌ يكادُ من الغضارة يمطر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»
غيثان فالأَنواء غيثٌ ظاهرٌلك وجهه والصحوُ غيثٌ مضمر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»

وندىً إذا ادَّهنتْ به لممُ الثرى ... خِلْتَ السحابَ أتاه وهو معذّر روى أبو هريرة ﵁، أن رسول الله صل الله عليه وسلّم قال: " اشتكت النارُ إلى ربّها ﷿ فقالت: أيْ ربّ أكلَ بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف. قال: فأشدّ ما تجدون من الحرّ من حرّها، وأشد ما تجدون من البرد من بردها ".

وعن أبي عاصم قال: أتيت أصحاب النبيّ ﷺ في الشتاء فوجدتهم يصلّون في البرانس والأكسية وأيديهم فيها.

أحمد بن فارس اللغوي:

إذا كنت يؤذيك حرُّ المصيفِويبسُ الخريفِ وبردُ الشتا
ويلهيك حُسْنُ زمانِ الربيعفأَخْذُكَ للعلم قلْ لي متى
للشاعر أحمد بن فارس، اقرأ القصيدة

يحيى بن صاعد:

يشتهي الإِنسانُ في الصيفِ الشتافإذا جاء الشتا أنكرَهُ
فهو لا يرضى بحالٍ أبداًقُتِلَ الإنسانُ ما أكفره علي بن عبد الله الطوسي:
هجم البردُ والشتاءُ وما أَملك إلا روايةَ العربيّه

وقميصاً لو هبَّتِ الريحُ لم يب ... قَ على عاتقيَّ منه بقيه ويقلُّ الغَناءَ عني فنونُ العلم إن أَعصفتْ شمالٌ عَرِيَّه ... وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: " الشتاء ربيع المؤمن ".

وعن عمر بن الخطاب ﵁: " الشتاء غنيمةُ العابدين ".

وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " خير صيفكم أشدُّهُ حرًّا، وخير شتائكم أشدُّه برداً، وإن الملائكة لتشتكي الشتاء رحمةً لبني آدم ". وعن إسحاق الخطيب قال: " الرأي في الشتاء أجمع، والوعظ في القلوب أنجع ".

قيل لأعرابي وقد هجم القرّ: ما أعددتَ لهذا الفصل الضارب، بجرانه، الجاري إلى أوانه ملء عنانه؟ قال: " أعددتُ له عُرْيَ المتنين، وحفاء القدمين، وقلقلة الفكّين، ودمعَ العينين، وسيلانَ المنخرين، مع شدّة الرعدة، وقرفصاء القعدة، وذرب المعدة، وكسوفِ البال، وفرطِ البلبال، وقلَّةِ المال، وكثرةِ العيال ".

وعن ابن عباس قال: " إنَّ الملائكة لتفرحُ بذهاب الشتاء رحمةً للمساكين ".

دخل أعرابيٌّ خراسان فلحقه الشتاء فأقام بسمرقند، فلما طاب الزمان عاد إلى وطنه، وكان ينزل البصرة، فسأله أمير البصرة عن خراسان فقال: جنّة في الصيف وجهنم في الشتاء؛ فقال له: صف لي الشتاء بها، فقال: تهبُّ الرياح، وتضجر الأرواح، وتدوم الغيوم، وتكثر الغموم، وتسقط الثلوج ويقلُّ الخروج، وتغور الأنهار، وتجفُّ الأشجار، فالشمس مريضة، والعين غضيضة، والوجوه عابسة، والأغصان يابسة، والمياه جامدة، والأرض هامدة، يفترشون اللبود، ويلبسون الجلود، نيرانهم تثور، ومراجلهم تفور، لحاهم صُفْرٌ من النيران، وثيابهم سود من الدخان، والمواشي من البرد كالفراش المبثوث، والجبال من الثلج كالعهن المنفوش، فأما من كثرت نيرانه، وَثَقُلَ ميزانه، فهو في عيشة راضية، وأمّا من قلّت نيرانه، وخفَّ ميزانه، فأمّه هاوية، وما أدراك ما هيه، نارٌ حامية، فقال له الأمير: ما تركت عذاباً في الاخرة إلاّ وصفته لنا في الدنيا.

وكان عمر ﵁ إذا حضر الشتاء تعاهد الناس، وكتب إليهم بالوصيّة، إن الشتاء قد حضر وهو عدوّ، فتأهبوا له أهبةً من الصوف والجباب والجوارب والخفاف المنعلة، واتّخذوا الصوف شعاراً، والقطن دثاراً، فإن البرد عدوّ سريعٌ دخوله، بعيد خروجه.

قال كعب الأحبار: أوحى الله ﷿ إلى داود ﵇ أن تأهبْ لعدوّ وقد أظلَّكَ، قال: يا ربِّ من عدوي وليس يحضرني، قال: بلى، الشتاء.

قال الأصمعي: كانت العرب تسمّي الشتاء الفاضح.

وقيل لامرأة منهم: أيّما أشدّ عليك القيظ أم القرّ؟ قالت: يا سبحان الله من جعل البؤس كالأذى؟! فجعلتِ الشتاء بؤساً والقيظَ أذىً.

قال يحيى بن صالح: كنّا نأتي إسماعيل بن عياش فيكرمنا ويبرُّنا ويقدم لنا من الفواكه ما يتخيّره ويقول: كلوا فإن الله تعالى وصف الجنّة بصفة الصيف لفواكهها، لا بصفة الشتاء، فقال ﷿ (في سِدْرٍمَخْضُودٍ وطلحٍ منضود وظلٍّ ممدود وماءٍ مسكوب وفاكهة كثيرة).

خرج مسعر بن حزام يوماً فإذا أعرابيّ في الشمس يقول:

جاء الشتاءُ وليس عندي درهمولقد يَغَصُّ بمثلِ ذاك المسلمُ

قد أُلْبِسَ الناسُ الجبابَ وغيرها ... وكأنّني بفناءِ مكةَ مُحْرم وعن أنس بن مالك ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: استعينوا على حرّ الصيف بالحجامة، واستعينوا على برد الشتاء بأكل التمر والزبيب.

وعن مجاهد قال: مَثَلُ المؤمن كمثل النملة تجمع في صيفها لشتائها.

الحسن بن مسعود بن الوزير الدمشقي الحافظ بمرو:

يا سادتي ما عاقني عنكمُقلىً ولكنْ قلّةُ الكُسْوَه
بردٌ وثلجٌ ووحولٌ ولاخفّ ولا لبدٌ ولا فروه
وكيف من أحوالُهُ هكذابمروَ في بحبوحة الشتوه منصور بن أحمد الأزدي:
فذدْ بردَ الشتاء بحرِّ راحٍكوردِ الخدِّ ضُرِّجَ بالحياءِ
فبردي والشتاء وبردُ زهديشتاءٌ في شتاء في شتاء

فراغ

النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.