تجاوز إلى المحتوى

من «الفلك الدائر على المثل السائر» لابن أبي الحديد (ت ٦٥٦هـ)

الفلك الدائر على المثل السائر (٨)

فمراد الشاعر إذن أنني نلت معالي الأمور بالسعي والآثار والتوصل، لا بالميراث ولا الاقتصار على شرف الأنساب.

والوجه الثاني لو أراد الإبانة عن كثرة الأسفار لكان لقوله الثنايا مزية ظاهرة على غيرها من الأرض؛ لأن الثنايا والعقاب والروابي أشق الأرض سيرا، قال الشاعر:

وثنية قذف يحاربها القطاويضل فيها حين يغدو الأحقب

وقال:

ومزناة لا تستطاع قطعتهابهيق كتابوت النصارى شمرول

وأشعارهم في هذا الباب كثيرة جدا.

الوجه الثالث أنه أدعى أن لفظة المطايا هي الفضلة الزائدة، ثم برهن على ذلك بأن قسم المعنى إلى قسمين، ثم بين أن أحد القسمين إن كان هو المراد فالمطايا فضلة زائدة، وهو المطلوب، ثم قال: وإن كان القسم الثاني هو المراد

فالثنايا فضلة زائدة، فإذن استدلاله لا ينتح المطلوب؛ لأنه إنما كان ينتج المطلوب لو ثبتت زيادة قوله بالمطايا على كلا القسمين، فأما إذا كان أحد القسمين لا يقتضي زيادتها، بل زيادة غيرها، فقد بطل قوله ودعواه أن ذكر المطايا فضلة لا حاجة إليها، على كلا الوجهين.

قال المصنف: فأما بيت أبي تمام وهو:

يتجنب الآثام ثم يخافهافكأنما حسناته آثام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

فإنه قد جاء في بعض النسخ:

يتجنب الآثام خيفة غيهافكأما حسناته آثام

وليس بشيء؛ لأن المعنى لا يصح به، والوجه الرواية الأولى.

وقد خطر لي في معناه أنه نظير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة﴾ وتقديره أنه يتجنب الآثام، فيكون قد أتى بحسنة، ثم يخاف تلك الحسنة، فكأنما حسناته آثام، وهو على طباق الآية سواء.

أقول: إن هذا التفسير يكاد يكون التفسير، ولكنه لم يوضحه؛ لأنه قال ثم يخاف تلك الحسنة، ولا ريب أن الحسنة التي صدرت منه هي تجنب الآثام، وهي طاعة لا يخافها أحد، فما باله خاف التجنب حتى صار كأنه من الآثام؟

فقد بان أنه قد أعوزته كلمة لم يذكرها، وهو أنه لا يخاف الآثام، بل يخاف ألا يُقبل منه وألا يُثاب عليه، فيكون خوفه من ذلك خوفه من الآثام نفسها، ويكون هذا من باب حذف المضاف، كأنه قال يتجنب الآثام ثم يخاف ردها أو يخاف إحباطها، والضمير إلى مصدر قوله يتجنب، لأن يتجنب قد دل على التجنب.

فإن قلت ضمير المؤنث ههنا كيف جاء والتجنب مذكر؟ قلت: هو محمول على المعنى؛ لأن التجنب كالجفوة والهجرة والمفارقة، وإعادة الضمير على المعنى في باب التذكير والتأنيث كثيرة مشهورة.

وعلى هذا التحقيق ظهرت مطابقته بالآية على أحد تفسيريها.

فأما قوله إن رواية "خيفة غيها" لا يصح المعنى بها، فإن بعض المفسرين قال إن هذا البيت محمول على القلب، وتقديره: فكأنما آثامه حسنات، قال ومعناه كأن آثامه حسنات وغيره؛ لأنه من الأبرار الأولياء الذين حسنات الناس سيئات بالنسبة إلى عباداتهم، ومن كلامهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين، يعنون علو طبقة المقربين على طبقة الأبرار.

والقلب قد جاء في الكلام كثيرا نحو قولهم: أدخلت الخاتم في إصبعي، والتحقيق أدخلت إصبعي في الخاتم؛ لأن الإصبع هي التي أدخلت في الخاتم، وقولهم كأن الزنا فريضة الرجم، وقال الآخر:

وبلد عامية أعماؤهكأن لون أرضه سماؤه
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

وقد جاء في التنزيل شيء من ذلك قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ أي فإني عدو لهم وعداوته تعالى لهم يراءته منهم ولعنته لهم، وإذا ثبت هذا فالرواية التي أفسدها وزعم أنها لا تصح صحيحة غير منكرة ...

قال المصنف: فأما بيت أبي نواس، وهو قوله:

سنه العشاق واحدةفإذا أحببت فاستكن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»

ومن الناس من يرويه فاستنم بالنون، وهذا لا معنى له؛ لأنه إذا لم يبين سنه العشاق ما هي، فبأي شيء يستن المستن منها؟.

أقول: إن البيت الذي قبله يوضح العشاق التي أمره أن يستن بها، ألا ترى أن من قال لغيره إذا دخلت على الملك فاسجد، ثم قال عقيب ذلك عادة عبيد الملك وخوله مشهورة، فإذا أحببت أن تكون منهم فاعمل بها، فإنه يفهم من هذا الكلام أنه إشارة بالعادة إلى ما قدمه أولا من السجود للملك.

قال المصنف: بعد أن ذكر آيات كثيرة من الكتاب العزيز تتضمن حذف جمل مفيدة وغير مفيدة: ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ، قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ لأن الأمر بتفكيره لا يكون إلا بعد أن جيء به إليه.

أقول: تقدير هذا الحذف غير محتاج إليه في هذه الآية؛ لأنا إن جعلنا الضمير في "رآه وفي عنده" راجعا إلى الذي عنده علم من الكتاب جعلنا الضمير في "قال نكروا لها" راجعا إلى سليمان، فيكون تقدير الكلام: فلما رأى الرجل الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس مستقرا عنده، قال: هذا من فضل ربي إلى آخر الآية، ثم هذا يحكي قول سليمان "نكروا لها عرشها" فلا تحتاج الآية إلى حذف ولا إضمار.

وإن جعلنا الضمائر كلها راجعة إلى سليمان لم يحتج أيضا إلى الحذف الذي ذكره، بل يكون قوله نكروا لها عرشها إما معطوفا حذف منه حرف العطف، تقديره وقال نكروا لها عرشها، كما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾

أو جوابا ثانيا للم، أو كلاما مستأنفا، كأنه فرغ من تلك القصة، ثم شرع في جملة أخرى، وهي أنه لا حاجة إلى حذف المذكور؛ لأنه لما قال فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي، وهذا يغني عن أن يقدر مرة ثانية "فلما جيء به" لأن معناهما واحد.

قال المصنف: وقد نص أبو الفتح ابن جني على أن حذف الفاعل لا يجوزه قال: وبيت حاتم يشهد بخلاف قوله وهو:

أماوى ما يغني الثراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ولم يذكرها.

أقول: إن البصريين كلهم قد منعوا حذف الفاعل لقاعدة مقررة عندهم، وهي أن الفاعل ينزل منزلة جزء من الكلمة؛ لأنهم سكنوا لام الفعل إذا اتصل به ضمير الفاعل، نحو ضربت، كي لا تتوالى أربع متحركات لوازم في كلمة واحدة، فإن ذلك لا يوجد إلا أن يكون قد حذف حرف من الكلمة للتخفيف، نحو علبط، فإسكانهم لام الكلمة تنزيل لضمير المتكلم وهو الفاعل منزلة حرف من نفس الكلمة، ولذلك لم يسكنوا

لام الفعل إذا اتصل به ضمير المفعول كقوله تعالى: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُه﴾ لأنه في نية الانفصال، بخلاف قوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ قالوا وكذلك جعلوا النون في يفعلان وبابه علامة الرفع، فلولا أن الألف بمنزلة حرف من نفس الكلمة لما جعلوا الإعراب بعده، ولأنهم ألحقوا علامة التأنيث بالفعل في قولهم: قامت هند، والفعل لا يؤنث، فلو لم يكن الفاعل بمنزلة جزء من الفعل لما جاز إلحاق علامة التأنيث به.

وقد نسبوا إلى "كنت" فقالوا كنتي قال الشاعر:

فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجناوشر خصال المرء كنت وعاجن

فأثبتوا الياء، ولولا تنزيلها منزلة جزء من الكلمة لم يثبتوها في النسب، ولهم على هذه القاعدة أدلة، كثيرة مذكورة في مواضعها.

وإذا كان الفاعل بمنزلة جزء من الكلمة لم يجز حذفه، كما لا يجوز حذف الدال من زيد، ولكنه يضمر، فتارة يرجع إلى شيء متقدم في اللفظ، كقولنا زيد قام، وتارة إلى ما يدل عليه لفظ مصرح به، وإن لم يكن المضمر راجعا إلى ذلك اللفظ، كقولهم: من كذب كان شرا له،

فاسم كان مضمر دل عليه لفظ كذب، والمعنى كان الكذب شرل له، قال الله سبحانه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ أي بدالهم بداء، فأضمر الفاعل لدلالة بدا عليه.

وقد أضمره الشاعر فقال:

لعلك والموعود حق لقاؤهبدا لك في تلك القلوص بدء
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «لعلك والموعود حق لقاؤه»

وقد تقدم أن قوة العلم بالفاعل في بعض المواضع تقوم مقام ذكره أو ذكر ما يدل عليه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ وقول حاتم: "إذا حشرجت".

والضابط في ذلك ألا يزيد ذكر الفاعل في قوة العلم به على ما يحصل من قوة العلم وهو غير مذكور كما في الآية والبيت، فإنه لو ذكر الشمس والنفس لم تزد قوة العلم على ما نجده الآن، وإن لم يذكرهما، وهذا هو الفرق بين حذف الفاعل وحذف غيره، فإن هذا الضابط، غير معتبر في شيء من المواضع إلا في الفاعل إذا لم يذكر.

قال المصنف: وقد يحذف الفعل لدلالة المفعول عليه، كقولهم: "أهلَكَ والليلَ" بنصبهما معا أي الحق أهلك وبادر الليل.

أقول: ظاهر هذا الكلام أنه انتصب اللفظان بإضمار فعلين، وهو خلاف ما تقوله النحاة؛ لأنهما عندهم منصوبان بفعل واحد، تقديره بادر أهلك والليل، ومعناه بادر أهلك قبل الليل، وتحقيق ذلك أن معنى المبادرة مسابقتك الشيء إلى الشيء، كقولك بادرت زيد للمنزل، كأنك سابقته إليه، فلما عطف الليل على الأهل وجعلهما مبادرين أمره بمبادرتهما قبل أن يسقه أحدهما إلى الآخر.

قال المصنف: حذف الفعل ينقسم إلى قسمين: أحدهما يظهر بدلالة المحذوف عليه، كما ذكرناه من قولهم أهلك والليل، وكقول المتنبي:

وما أرضى لمقلته بحلمإذا انتبهت توهمه ابتشاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
ولا إلا بأن يصغي وأحكيفليتك لا يتيمه هواكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

فقوله ولا إلا بأن تصغي فيه محذوف، تقديره ولا أرضى إلا بأن تصغي وأحكي.

قال: والقسم الثاني لا يظهر فيه الحذف، لأن هناك منصوبا يدل عليه، بل بالنظر إلى ملاءمة الكلام، كقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ وكقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ فتقدير ذلك كله: وقلنا لقد جئتمونا، وقلنا أذهبتم طيباتكم، وقلنا وإن جاهداك.

أقول: لا فرق بين هذا القسم وبين قوله إلا بأن تصغي وأحكي؛ لأنه لو أظهر "وقلنا" لكان ما بعده منصوبا لأنه مفعول به، كما لو أظهر المفعول فقال ولا أرضى شيئا إلا بأن تصغي، فالقول ينصب ما بعده إذا كان كلا مقولا كما ينصب الفعل مفعوله، وكما أن موضع "لقد جئتمونا" هو المنصوب لا لفظه، ولا فصل بين الموضعين، فدعواه أن هذه الآيات علم الحذف منها بالنظر إلى ملاءمة الكلام لا بأن في الكلام مفعولا يدل على حذف الفاعل، وأن قوله "ولا إلا أن تصغي وأحكي" خلاف ذلك دعوى غير مقبولة.

لو كنت من مازن لم تستبح إبليبنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
للشاعر محمد المهدي المجذوب، من قصيدة «رقصة الحمامة»
إذا لقام بنصري معشر خشنعن الحفيظة إن ذو لوثة لانا

فجواب الشرط قد استوفاه في البيت الأول، فلا بد في البيت الثاني من تقدير لو دفعة ثانية، أي لو كنت منهم إذن لقام بنصري معشر خشن.

أقول: إن هذه المسألة تنبني على أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه أم لا، فإن لم يثبت ذلك لم يصح هذا الكلام؛ لأنه جاز أن يكون قوله "إذن لقام بنصري" بدلا من قوله "لم تستبح إبلي" لأنه في معناه، والفعل يبدل من الفعل إذا كان في معناه، نحو ادن يا فتى أحسن إليك أعطك سالا، وإذا لم يحتج في البدل إلى تكرير العامل لم يحتج هنا إلى تكرير لو، وإن لم تثبت هذه القاعدة فإن ما ذكره صحيح لا ريب فيه.

قال المصنف في باب التكرير: التكرير على قسمين تكرير في اللفظ والمعنى جميعا، وتكرير في المعنى فقط دون اللفظ، فالأول نحو قولك لمن تستدعيه أسرع أسرع، ونحو قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ومثل قول أبي الطيب المتنبي:

ولم أر مثل جيراني ومثليلمثلي عند مثلهم مقام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

أقول التمثيل باللفظة المذكورة وبالآية تمثيل جيد.

وأما التمثيل بالبيت فغير جيد؛ لأنه لم يتكرر فيه اللفظ والمعنى حسب

تكرره في الآية وفي اللفظة المذكورة؛ لأنه لم يذكر في صدر البيت إلا في نفي رؤية مثله ومثل جيرانه، ولم يبين في ماذا، ولا هذه المثلية والمشابهة في أي شيء، فمن الممكن أنه كان يعني أر مثلي ومثلهم في حب بعضنا لبعض، أو في بغض بعضنا لبعض، أو في جودنا لم أر مثلي، ومثلهم في حب بعضنا لبعض، أو في بغض بعضنا لبعض، أو في جودنا أو في شجاعتنا، أو في ديانتنا، فلما قال في عجز البيت "لمثلي عند مثلهم مقام" كشف ذلك الإجمال، وأزال ذلك الإبهام، وأبان عن أن مراده لم أر مثلي مقيما بين ظهراني مثلهم، يعني أنهم على غاية الإساءة لعشرته، وأنه على غاية الصبر عليهم، والاحتمال لهم، وأن مقامه عظيم لا يصلح أن يكون مثله مقيما بين هؤلاء الرعاع.

فالشاعر لم يكرر كما تكررت ألفاظ الآية، ولا وجد اللفظ والمعنى معا مرددين مكررين في هذا البيت، ولكن أول ألفاظه يعطي معنى مجملا، والثاني يعطي معنى مفصلا، وهو شرح ذلك المجمل، فلم يكن ذلك تكريرا مشتملا على إعادة اللفظ والمعنى معا، فلم يجز إدخاله في هذا القسم، وذكره في جملة أمثلته.

قال المصنف: فأما قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فليس كما يتوهم من أنه تكرير فقط، بل المراد به إيجاب صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق على الفورلا عند الوصول إلى البلد، كما ذهب إليه بعض الفقهاء، وقال: لأن الأمر إذا صدر بلفظ التكرير مجردا عن قرينة تخرجه عن وصفه، ولم يكن مؤقتا بوقت معين،

كل ذلك حثا للمأمور على المبادرة على الفور، كما تقول لصاحبك قم قم، فإنما تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في الحال الحاضر.

أقول: إن المذهب الذي قد اختاره هو مذهب مجاهد، والاحتجاج الذي قد احتج به لنصرته ضعيف؛ لأن فحوى كلامه أنه يذهب إلى أن الأمر إذا ورد مجردا عن التكرير لم يدل على الفور، ألا تراه كيف قد قيد كلامه فقال إذا صدر بلفظ التكرير غير مؤقت، فلو كان ممن يذهب إلى أن الأمر يقتضي على الفور مجردا لم يحتج إلى هذه القيود.

وإذا كان كذلك فأدلة القائلين بأن الأمر لا يقتضي الفور جميعها موجودة في أن الأمر المكرر قرينة يفهم منها الفورية، مثل أن يقول له قمْ قمْ قول غضب أو إرهاق، أو يشاهد وجهه أو يسمع كلامه، فيدرك منها ما يدل على ذلك، أو يظهر من حركاته وقرائن أحواله أمارات تقتضي ذلك.

فأما مجرد فقط فلا يدل تكريره على الفورية؛ لأن الزمان من ضروريات وقوع الامتثال، كما أن المكان من ضرورياته أيضا، وكما لا يدل تكرار الأمر على وجوب إيقاع المأمور به في مكان معين، فكذلك لا يدل تكرار على وجوب إيقاعه في زمان معين.

ولا حيلة في دفع هذا لمن ذهب إلى أن الأمر يقتضي الفور سواء كرر

أو لم يكرر، فإنه يتكلم على هذا الدليل كلام من أثبت الفورية للأمر، حيث كان أمرا لا باعتبار التكرير.

ثم يقال له لو سلمنا أن الأمر المكرر اللفظ يدل على الفور، لكن ليس قوله "فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة" مثل قول الإنسان لغيره قم قم، ولا تكون السبعة والثلاثة والحكم بأنها عشرة كاملة كذلك التكرير اللفظي في مبادرة الأفهام إلى أن المراد منه تعجيل امثتال المأمور به، فإنما نظيره أن يقول من تمتع بالعمرة إلى الحج فقد أوجبت عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.

فأما قوله سبحانه ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فلا يعطي هذا المعنى؛ لأنه ليس إعادة لفظ الأمر كقولك قم قم، ولا معناه كقولك قم لا تقعد، وإنما هو نعت المأمور به فقط.

وقد اختلف الناس في فائدة هذا النعت، فقال قوم معناه عشرة كاملة ثواب الهدى، أي إذا وقعت بدلا منه استكملت ثوابه، وقال قوم غير ذلك، والمقصود أنه ليس قوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ تكرير الأمر بلفظه لإفادة الفورية منه؛ إذ ثبت أنه لا يفيد الفورية.

قال المصنف: فإن قلت بل الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه مراد منه، وليس الغرض الحث على المبادرة إلى امثتال الأمر قلت

في الجواب: المرة الواحدة كافية في تعريف المأمور أن المأمور به مراد منه، فالزيدة على المرة الواحدة إن دلت على ما دلت عليه المرة الواحدة لا غير كان ذلك تطويلا لا فائدة فيه، وهو ينافي إعجاز القرآن وفصاحته، وإن دلت على أمر زائد فتلك الزيادة ليست إلا لحث على المبادرة إلى الامتثال، وإلا فليبين الخصم معنى هذه الزيادة، ولا سبيل إلى ذلك.

أقول: إنه قد قال قبل هذا الموضع بأسطر إن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أن هذه الألفاظ كلها بمعنى واحد، وإنما كررها للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده والزوج عن زوجته.

وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه﴾ وزعم أن ذلك من باب البلاغة.

فإذا كان هذا قوله فما المانع من أن يكون المراد بالمرة الثانية والثالثة في الأمر زيادة التكرير في نفس المأمور، وأن المأمور به مراد منه؟ فإن هذا غرض صحيح، لأنه لو قال له اعلم أن هذا الشيء مما أريده منك، وكرر هذا مرتين أو مرارا لم يكن قبيحا، إذا قصد تأكيد تلك الحال وتقريرها في نفس المخاطب فلم يذهب إلى أن المرة الثانية أفادت عين ما أفادته المرة الأولى من غير زيادة، بل أفادت زيادة بينة، وهي قوة اعتقاد المخاطب أن ذلك الشيء المأمور به مراد لا محال، ما أفاد قوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾

زيادة تحسين العفو كما ذكره، فقد بطل قوله: فليبين الخصم معنى هذه الزيادة، ولا سبيل إلى ذلك، وقد بينت أن سبيل الخصم إليها أوضح سبيل.

قال المصنف: وقد قال قوم إن الواو ها هنا أكدت قوله تلك عشرة كاملة، لئلا يتوهم أنها بمعنى "أو" قال: وهذا باطل؛ لأن الواو تجعل بمعنى "أو" مخالفة لأصلها، لمرجح يرجح على كونها عاطفة الذي هو الأصل، ولا مرجح ههنا.

أقول: صاحب هذا القول إنما يقوله بعد ثبوت مقدمات، منها أنه لا بد في كلام الله من فائدة، ومنها لا فائدة إذا جعلناها عاطفة، فإذا ثبت ذلك له قال صحت حينئذ، وجعلها بمعنى أو، ولا نزاع أنه إذا ثبت له ذلك كانت بمعنى أو.

قال المصنف: وأيضا فإن القرآن منتهى البلاغة الفصاحة، فهلا قال: "وبدأ بيننا وبينكم العداوة"، ولم يقل والبغضاء، وهلا قال إنما "أشكو بثي"، ولم يقل وحزني.

قال المصنف: وأيضا فإن الصوم عبادة يجب فيها الاحتياط والإتيان بها على أكمل صورة، فكيف يظن أن الواو ههنا بمعنى "أو".

أقول: أليس قد وردت الواو بمعنى أو في قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاع﴾ وهو في النكاح، والخطأ فيه أصعب من الخطأ في هذا الصوم، فيجوز أن يكون سبحانه قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة﴾ لإزالة توعم من يتوهم أن هذه الواو كتلك الواو.

قال المصنف: وأيضا فالسبعة ليست مماثلة للثلاثة حتى تجعل مقابلته، لأن معنى الآية إذا كانت الواو فيها بمعنى "أو": إما أن تصوموا ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم.

أقول: ولا إطعام المساكين يماثل في الصورة لكسوتهم، ولا لعتق الرقبة، فكيف قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فليس من شرط "أو" أن تتوسط بين المتماثلين في الصورة، وهذا الكلام ناقص جدا.

قال المصنف: فأما عطف لفظة على لفظة ومعناهما واحد فكثير، كقول المنخل اليشكري:

الكاعب الحسناء ترفل فل الدمقس وفي الحرير

فإن الدمقس هو الحرير، وكقول آخر من شعراء الحماسة:

إني وإن كان ابن عمي غائبالمقاذف من خلفه وورائه

فإن الخلف هو الوراء.

أقول: المثال الأول لا بأس به، والثاني غير جيد؛ لأن الوراء قد وردت والمراد القدام في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ لأنه لو لم يكن قدامهم ما خافوا منه، ولا احتاج إلى خرق السفينة.

وقال لبيد:

أليس ورائي إن تراخت منيتيلزوم العصا تحني عليها الأصابع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»

ومنه أيضا قوله ﷾: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّم﴾.

وقال آخر:

أثر جو بنو مروان سمعي وطاعتيوقومي تيم والفلاة ورائيا

قال المصنف: فأما حد الكناية فهي ما إذا وردت تجاذ بها جانبا حقيقة ومجاز، ومجاز حملها على الجانبين معا لوصف جامع، كقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإنه يصح المعنى ولا يختل بالحمل على كل واحد من المعنيين وهما الجماع وإلصاق الجسد بالجسد، ولذلك ذهب أبو حنيفة والشافعي إلى كل واحد من القولين.

ولهذا الحد تنفصل الكناية عن التشبيه والاستعارة وسائر المجازات؛ لأنه لا يجوز حمل ذلك أجمع إلا على الجهة المجازية فقط، كقولنا زيد أسد، فإنه لا يجوز حمله إلا على المجاز خاصة؛ لأنه يستحيل أن يكون زيد سبعا حقيقة.

قال: والدليل على صحة ما قلناه أن الكناية أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، فإما أن يكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة.

ولا يصح أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة؛ لأن ذلك هو

اللفظ المشترك، وإذا أطلق من غير قرينة تخصصه كان مبهما غير مفهوم، وإذا أضيف إليه القرينة صار مختصا بشيء بعينه، والكناية أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وذلك مخالفا للفظ المشترك إذا أضيف القرينة؛ لأنه يختص بشيء واحد لا يتعداه.

وكذلك لا يصح أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز؛ لأن المجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها؛ لأنه فرع عليها.

وذلك اللفظ الدال على المجازين إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أولا يكون لها شركة في الدلالة، فيكون اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء: أحدها الحقيقة، وهذا مخالف لأصل لوضع، وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا للوضع أيضا؛ لأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره.

وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به، وهذا محال.

فتحقق حينئذ أن الكناية أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز.

أقول: إنا ما عرفنا أن الحدود يبرهن عليها، ولا هي من باب الدعاوي التي تحتاج إلى الأدلة لأن من وضع لفظ الكناية لأمر من الأمور لا يحتاج إلى دليله،

ثم يقال له: ألم تعد في أمثلة الكناية قول النبي للحادي بالحث: "رفقا بالقوارير" يعني النساء؟ وقول عبد الله بن سلام لمن رأى عليه ثوبا معصفرا "لو أن ثوبك في تنور أهلك أو تحت قدورهم لكان خيرا" وقول الشاعر:

إن لم تكن نصلا فغمد نصال.

يعني امرأة هلكت، فهل هذه المواضع مما يتجاذبها الجانبان، ويجوز حملها على كل واحد منهما؟ وهل يتوهم عاقل أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أنجشة أن يرفق بالزجاج؟ وأن عبد الله بن سلام أمر صاحب الثوب المعصفر أن يحرق ثوبه؟ والبيت الشعري أبعد؛ لأن المرأة إنسان، والإنسان لا يكون غمدا للسيف؛ لأن الحيوان لا يكون جمادا، فإن جاز أن تكون هذه المواضع كنايات مع أن الأذهان لا تحملها إلا على محمل واحد، ولا يسوغ حملها على غيرها جاز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ وقول الشاعر:

"ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب"

كناية، وإن كان لا يجوز حمله على كلا المحملين، وإلا فما الفرق؟

ثم يقال: أهذا الاستدلال هو استدلال على أن الكناية هي ما جاز حمله على واحد من محملي الحقيقة والمجاز، أم على الكناية لا بد أن يتجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، مع قطع النظر عن جواز الحمل عليهما وعدم جوازه؟ فإن أردت الأول فالاستدلال لا يماثل ذلك بحال، ولا تعلق له به، وإن أردت

الثاني فإن أصحاب علم البيان قبلك لم يخالفوك في ذلك لتحاجهم وتعيب عليهم، وأنت لما حكيت أقوال أصحاب هذه الصناعة لم تحك عنهم أنهم لم يشترطوا ذلك في الكناية، أعني أن تكون مترددة بين محمل حقيقي ومحمل مجازي، وإنما حكيت عنهم أنهم لم يشترطوا أن يجوز حمل الكلام على كلا المحملين، فهذا هو الذي حكيت عنهم، وخالفتهم، وزعمت أنك استنبطت وتكلفت الدلالة عليه، فكيف تتركه جانبا، وتستدل على ما لا تعلق له به أصلا؟

ثم يقال له: قد نزلنا على ما تريد، ونحن نكلمك فيما يتعلق دليلك به، لم قلت إنه لا بد أن يتردد لفظ الكناية بين محملي حقيقة ومجاز، ولم يتردد بين مجازين؟ والذي تكلمت به على ذلك ليس بشيء، أما أولا فإنك أردت أن تقول: إما أن يكون اللفظ الدال على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة التي هي أصل لهما، فأما قولك هذا فإنه يقتضي أن يكون الإنسان متكلما بشيء، وهو يريد تبيين غيره، وأصل الوضع أن يتكلم بشيء وهو يريد شيئا غيره، فيقال لك: أليس معنى قولك الكناية أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره أن قولك "شيئا" تريد واحدا غيره؟

كلا، ليس هذا هو المقصود أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، فإن أردت شيئا واحدا فقط أردت غيره، وإن أردت شيئين أو ثلاثة أشياء أو ما زاد فقد أردت غيره؛ لأن كل ذلك غير ما دل عليه ظاهر لفظك، فليس في لفظة "غير" ما يقتضي التوحيد والإفراد.

وأما ثالثا فلم لا يجوز ألا يكون اللفظ الدال على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة أصلا، بل لا يدل إلا على المجازين فقط؟

فأما قولك إذا خرجت الحقيقة من أن يكون لها في ذلك شركة لم يكن الذي تكلمت به دالا ما تكلمت به، وهو محال، فيقال لك: لم قلت ذلك؟ ولم لا يجوز أن يكون للحقيقة مجازان قد كثر استعمالهما حتى نسيت تلك الحقيقة، فإذا تكلم الإنسان بذلك اللفظ كان دالا به على أحد دينك المجازين، ولا يون له تعرض ما لتلك الحقيقة، فلا يكون الذي تكلم به حقيقة، لأن حقيقة ذلك اللفظ قد صارت منسية، فلا يكون عدم إرادتها موجبا أن يكون اللفظ الذي قد تكلم به المتكلم غير دال على ما تكلم به؛ لأنها قد خرجت بترك الاستعمال عن أن تكون هي ما تكلم به المتكلم.

قال المصنف: فأما حد الألغاز والأحاجي فهو معنى يستخرج بالحزر والحدس لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجازا ولا تعريضا، كقول القائل في الضرس:

وصاحب لا أمل الدهر صحبتهيشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعتعيني عليه افترقنا آخر الأبد

قال: فهذا كلام لا يفهم منه أن الضرس حقيقة ولا مجازا ولا من طريق المفهوم، بل هو شيء يحدس ويحزر، والخواطر تختلف في الإسراع والإبطاء عند عثورها عليه.

أقول: هذا يلزم عليه أن يكون كلام الزنجي إذا تعاطى العربي حزر معناه من باب الأحاجي والألغاز، والصحيح أن يقال عوض هذا: هو كل معنى يستخرج لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجازا ولا تعريضا، بل بالحدس من صفة أو من صفات تنبه عليه.

وعلى هذا فالضرس إنما عرف من هذا الشعر حدسا من مجموع هذه الصفات، وهي كونه صاحبا لا تمثل صحبته، وأنه يسعى لينتفع به الإنسان، وأن الإنسان لا يراه، فإذا رأه فقط افترقا فراق الأبد، ومجموع هذه الصفات ليست إلا للضرس، فتنبه الذهن من هذه الصفات والخصائص على مراد الملغز.

قال المصنف: ومن الحذاقة في هذه الصناعة أن تجعل التحميدات في أوائل الكتب السلطانية مناسبة لمعاني تلك الكتب، قال: ووجدت أبا إسحاق الصابي على تقدمه في فن الكتابة في فتح بغداد وهزيمة الأتراك عنها الذي أوله "الحمد لله رب العالمين الملك الحق" ثم ذكر منه نحو عشرة أسطر سنذكرها في الجواب عن كلامه، ثم قال: وهذه التحميدة لا تناسب هذا الكتاب، ولكنها

تصلح أن توضع في صدر كتاب مصنفات أصول الدين كالشامل للجويني أو الاقتصار للغزالي أو ما جرى مجراهما، فأما في كتاب فتح فلا.

أقول: إن إبا إسحاق ﵀ لم يخل هذه التحميدة من الإشارة إلى معنى الكتاب الذي هو مغزاه ومقصده، وذلك أن هذا الكتاب كتب في انتصار عضد الدولة أبي شجاع وعز الدولة أبي منصور على الأتراك الذين ترأس عليهم سبكتكين الحاجب الذي كان أمير جيوش معز الدولة أبي الحسين وعز الدولة أبي منصور بعده، وهما سلطانا الحضرة ببغداد، وكان مع هؤلاء الأتراك الطائع لله الخليفة العباسي والمطيع لله والفتكين القائد الجليل المشهور بالشجاعة بين الأتراك وبأيديهم بغداد وأعمالها، فإن عضد الدولة وعز الدولة تضافرا على المسير إلى هؤلاء من فارس والأهواز، وصدها الأتراك صدمة عظيمة فطحنوهم، وانحاز الطائع لله إلى تكريت متحصنا بالقلعة، وطار الأتراك وهم زيادة على عشرة آلاف فارس إلى الشام ومصر، ودخل عضد الدولة ومعز الدولة إلى مدينة الشام، واستقر على سرير المملكة، بعد أن وقع اليأس من ذلك.

فقول أبي إسحاق الصابي: "الأبدي بلا انتهاء" وقوله: "الدائم لا إلى أجل معدود" وقوله: "لا تخلقه العصور، ولا تغيره الدهور" وقوله: "لا تزاحمه مناكب القرناء، ولا تحاذيه أقدام النظراء" وقوله: "الصمد الذي لا كفء له،

والفذ الذي لا توءم له" وقوله: "الحي الذي لا تختزمه منون، والقيوم الذي لا تشغله الشئون" وقوله: "القدير الذي لا تئوده المعضلات، والخبير الذي لا تعيبه المشكلات" كل ذلك إشارة إلى أن الملك ليس إلا لله تعالى، وأن ملك البشر لا حقيقة له، لسرعة زواله وانقضائه، وأن كل أحد من ملوك الأرض وإن عظم شأنه وقهر الملوك سلطانه يزول سريعا، وينقضي وشيكا، فهؤلاء الملوك الذين طحنهم الدهر بكلكله في هذه الواقعة فإن منهم من مات كالمطيع لله، وسبكتكين وهما خليفة وملك ماتا في الطريق قبل الواقعة، ومنهم من فر ولاذ بالمعاقل، ونحصن خوفا على نفسه كالطائع، ومنهم من حمله الرعب على أن صار برعيه، وسوقة تحت أيدي ملوك أخر كالفتكين، فإنه لم يبن وجهه إلا بمصر، وصار من جملة رعية العزيز نزارين معد صاحبها، ومنهم من تشرد في البلاد، وفارق الأموال والأولاد، كالأتراك، فجميع ما أوما إليه الصابئ ملائم للواقعة التي كتب هذا الكتاب فيها، وغير خارج عن مقصدها ومغزاها.

والعجب قوله ينبغي أن تكون هذه التحميده في صدر كتاب من أصول الدين كالشامل للجويني والاقتصار للغزالي، وأين الاقتصار من الشامل حتى يجمع بينهما في التمثيل، والاقصتار مقدمة في نحو خمسة كراريس، والشامل كتاب كبير في أكثر من خمسة مجلدات؟.

وهذا مثل أن يقال: هذا ينبغي أن يكون في كتاب فقهي كالبغية لأبي إسحاق الشيرازي أو الحاوي للماوردي، ومثل أن يقال: هذا ينبغي أن يكون في كتاب نحوي كاللمع لابن جني أو شرح سيبويه للسيرافي، ومثل أن يقال:

هذا ينبغي أن يكون في كتاب لغوي كالفصيح لثعلب أو تهذيب اللغة للأزهري، وكان الواجب حيث ذكر الشامل أن يذكر ما يناسبه كالهداية لابن الباقلاني وإذ ذكر الاقتصار ضم إليه ما يجري مجره كالإرشاد للجويني، وهذا يدل على أنه قد سمع بهذين الكتابين سماعا ولم يرهما عيانا.

قال المصنف: فأما المطابقة فهي اصطلاح أهل هذه الصناعة على أنها الجمع بين الشيء وضده، كالليل والنهار، والسواد والبياض.

قال: ولا أعلم من أي شيء اشتقوا هذا الاسم، ولا وجة مناسبة بينه وبين مسماه، ولعلهم قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن.

أقول: الطبق في اللغة المشقة قال الله سبحانه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق﴾ أي مشقة بعد مشقة، فلما كان الجمع بين الضدين على الحقيقة شاقا بل متعذرا، ومن عادتهم أن تعطي الألفاظ حكم الحقائق في نفسها توسعا سموا كل كلام جمع فيه بين الضدين مطابقة.

قال المصنف: فأما ترتيب التفسير فمثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَة﴾ فقد الليل ثانيا لما قدمه أولا، وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ،

فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار﴾، فابتدأ بتفصيل أحوال الأشقياء؛ لأنه ابتدأ بذكرهم أولا.

قال: ومن ذلك قول أبي تمام:

وكان لهم غيثا وعلما فمعدمفيسأله أو باحث فيسائله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «جوى ساور الأحشاء والقلب واغله»

وقول علي بن جبلة:

فتى وقف الأيام بالسخط والرضاعلى بذل عرف أو على حد منصل
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

أقول: إنه سها في إدخال بيت علي بن جبلة في جملة هذه الأمثال؛ لأن الشاعر لما فسر قدم بذل العرف وهو المراد بالرضا وأخر حد المنصل، وهو المراد بالسخط، وهما في صدر البيت على خلاف هذا الترتيب، ولكن هذا نظير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.

قال المصنف: وفيما يؤخذ على الأعشى قوله:

وما مزبد من خليج الفرات جون غواربه تلتطم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»
بأجود منه بما عونهإذا ما سماؤهم لم تغم

قال: فمدح ملكا بالجود بالماعون، والماعون كل ما يستعار من قدوم أو قصة أو قدر وما أشبه ذلك، ومدح الملوك بل السوقة بذلك قبيح.

أقول: إن الماعون هنا هو الصدقة، ذكر ذلك علماء التفسير، وأنشدوا بيت الراعي.

قوم على الإسلام لما يمنعواما عونهم ويصيعوا التهليلا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ما بال دفك بالفراش مذيلا»

وقال صاحب ديوان الأدب: الماعون الزكاة، وقال أبو عبيدة: الماعون المنافع كلها.

قال المصنف: وقد وقعت على كلام لأبي إسحاق الصابي في الفرق بين المترسل والشاعر، ثم ذكر الفصل وهو منثور، وسيأتي في حكاية اعتراضه، وقال في آخر حكايته: وقد عجبت من ذلك الرجل الموصوف بذلاقة اللسان وبلاغة البيان، كيف يصدر عنه مثل هذا القول الناكب عن الصواب، الذي هو في باب ونصى النظر في باب "اللهم غفرا.

قال: أما قوله إن خير المترسل ما وضح معناه، وأعطاك سماعه في أول وهلة ما تضمنت ألفاظه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه، فإن هذه دعوى لا مستند لها، بل الأحسن في الأمرين معا هو الوضوح والبيان، فإن احتج أبو إسحاق بما قد ذكره في نصرة ذلك من قوله إن الشعر بني على حدود مقررة، وأوزان مقدرة، وفصلت أبياته، فكان كل بيت منها قائما بذاته، فليس يحتاج إلى غيره إلا ما جاء على وجه التضمين، وهو عبث، فلما كان النفس لا يمتد في البيت الواحد بالنثر من مقدار عروضه وضربه وكلاهما قليل، احتيج إلى أن يكون الفضل في المعنى، واعتمد أن يلطف ويدق، والترسل مبني على مخالفة هذه الطريق إذ كان كلاما واحدا لا يتجزأ ولا يتفصل إلا فصولا طوالا، وهو موضوع وضع ما يمر على أسماع شيء من خاصة ورعية وذوي أفهام ذكية، وأفهام غبية، فإذا كان سهلا

ساغ فيها وقرب، فجميع ما يستحب في الأول يكره في الثاني حتى إن التضمين عيب في الشعر، وفضيلة في الترسل، فإن هذا الذي ذكره أبو إسحاق ليس بجواب.

وهب أن الشعر كان كل بيت منه قائما بذاته فلم كان مع ذلك غامضا؟ وهب أن الكلام المنثور كان واحدا لا يتجزأ فلم كان مع ذلك واضحا؟ ثم سلمت إليه هذا فماذا يقول في الكلام المسجوع الذي كل فقرة منه بمنزل بيت من الشعر.

أقول: إن من أظرف الأشياء أنك تحكي جواب أبي إسحاق، من أوله إلى آخره، ثم تعيد السؤال الأول بعينه الذي قد حكى جوابه، وذلك أن أبا إسحاق قد سأل نفس فقال: ولم صار الأحسن في الشعر الغموض وفي الرسائل الوضوح؟ وأجاب عنه بما قد ذكره، ومن يحكي ذلك الجواب لا يحسن له أن يقول في الاعتراض عليه: وهب أن الشعر كان كل بيت قائما بذاته، فلم كان مع ذلك غامضا؟ وهب أن الكلام المنثور كان واحدا لا يتجزأ فلم كان مع ذلك واضحا؟

وذلك أن الجواب قد أتى على الفرق بين الموضعين، ونحن نعيده فنقول إن البيت الشعري لما كان محجورا على الشاعر أن يزيد فيه أو ينقص منه أو يلحق به بيتا آخر فيحصل أحدهما مرتبطا بصاحبه بخلاف الرسائل،

فكان المعنى قد يساوي ألفاظ البيت تارة، ويزيد عليها تارة، وينقص عنها أخرى، فكان الأحسن أن يزيد المعنى؛ لأن اللفظ الحسن بغير معنى كامرأة ميتة حسنة الصورة.

وكلما كانت معاني الكلام أكثر، ومدلولات ألفاظه أتم كان أحسن، ولهذا قيل خير الكلم ما قل ودل، فإذا كان أصل الحسن معلولا لأصل الدلالة.

وحينئذ يتم إشعاع الجملة، لأن المعاني إذا كثرت، وكانت الألفاظ تفي بالتعبير عنها احتيج بالضرورة إلى أن يكون الشعر يتضمن ضروبا من الإشارة وأنواعا من الإيماءات والتنبيهات، فكان فيه غموض، كما قال البحتري:

والشعر لمح تكفي إشارتهوليس بالهذر طولت خطبه
للشاعر البحتري، من قصيدة «لا الدهر مستنفذ ولا عجبه»

ولسنا نعني بالغموض أن يكون كأشكال إقليدس والمجسطي والكلام في الجزء، بل أن يكون بحيث إذا ورد على الأذهان، بلغت عنه معاني غير مبتذلة، وحكما غير مطروقة، فلا يجوز أن يكون الشعر الذي يتضمن الحكم ليس بالأحسن، فثبت أن الشعر الذي يتضمن الحكم هو أحسن الشعر، ومعلوم أن

أحسن الشعر الذي يتضمن الحكم هو المعنوي كشعر أبي تمام ومن أخذ أخذه، فذلك القدر من المعنى هو لذي يعنيه أبو إسحاق بالغموض لا غير.

فأما قوله: "فماذا تقول في الكلام المسجوع الذي كل فقرة منه بمنزلة بيت من الشعر؟ فجوابه أن السجع ليس شرطا في المنثور فقد تكون الرسائل غير مسجوعة، ولا يمكن أن يكون الشعر إلا وزنا محدودا.

وبعد فالرسائل المسجوعة لا يلزم فيها ما ذكرناه في الشعر؛ لأن الفقرة الواحدة قد يطيلها الكاتب، وقد يقصرها، وقد يأتي بفقرتين طويلتين، ثم يأتي بعدهما باثنتين قصيرتين، ثم يأتي بعد ذلك بفقرتين إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، فهو يضرب يمينا وشمالا، ويمد نفسه تارة ويقصره أخرى، وليس كذلك القصيدة، فإن صاحبها عند ابتدائها يلتزم عروضا واحدة، ولو زاد فيها حرفا واحدا أو نقصه لكان شعره فاسدا، فأين أحد النوعين من الآخر؟

قال المصنف: قال أبو إسحاق: والفرق بين المترسلين والشعراء أن الشعراء إنما أغراضهم التي يرمون إليها وصف الديار والآئار، والحنين إلى الأهواء والأوطان، والتشبيب، النساء، والطلب، والاستدعاء، والمدح والهجاء، فأما الكتاب فإنما يترسلون في سداد ثغر، أو إصلاح فساد، أو تحريص على جهاد، واحتجاج على فئة، أو مجادلة لملة، أو دعاء لألفة، أو نهي

عن فرقة، أو تهنئة بعطية، أو تعزية. قال: وهذا من أبي إسحاق تحكم محض لا يستند إلى شبهة فضلا عن بينة.

وأي فرق بين الشاعر والكاتب في هذا المقام؟ وكما يصف الشاعر الآثار والديار ويحن إلى الأهواء والأوطان، فكذلك يكتب الكاتب في الاشتياق إلى الأوطان، ومنازل الإخوان والأحباب، ولهذا كانت الكتب الإخوانيات بمنزلة الغزل والتشبيب من الشعر، وكما يكتب الكاتب في إصلاح فساد أو سداد ثغر أو دعاء إلى ألفة أو نهي عن فرقة أو تهنئة أو تعزية فكذلك الشاعر. فإن ندت عن الصبابي قصائد الشعراء في أمثال هذه المعاني فكيف خفي عنه قصيدة أبي تمام في استعطاف مالك بن طوق على قومه التي مطلعها:

حسم الصلح ما اشتهته الأعادي

وقصيدة البحتري التي يذكر فيها غزو البحر، ومطلعها:

ألم تر تغليس الربيع المبكر

والقصائد التي تجري على هذا المجرى كثيرة.

أقول: السؤال في هذا المقام قد يقع عن أمرين أحدهما أن يقال ما الفرق بين الشعر والكتابة؟ والثاني أن يقال لم كانت منزلة الشاعر دون منزلة الكاتب؟ وأحد هذين السؤالين غير الثاني، وكلام أبي إسحاق هو في السؤال الثاني؛ لأنه هكذا قال: إنما كانت حقيقة الشاعر دون الكاتب لكذا وكذا، وهذا جواب صحيح.

أما أولا فإنه بنى الشعر على الاجتداء والطلب حتى إن امرأ القيس وهو الملك ابن الملك اجتدى سعد بن الضباب بالشعر، وقد كان ابن المنصور الخليفة ابن الخلائف يجتدي بالشعر من عبيد الله بن سليمان بن وهب ومن ولده القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد والمكتفي، فإن لم يكن يجتدي مالا فإنه كان يجتدي جاها.

ولم تبن الكتابة على هذا، ولا عرفت بهذا.

وأما ثانيا فلأن المراد من الكتابة ومقصدها الذي وضعت لأجله ماذكره أبو إسحاق من سداد الثغور، وإصلاح الأمور، والدعاء إلى الألفة، والنهي عن الفرقة، والاستعداد لحرب، والإعلام بفتح، ولم يوضح الشعر لذلك.

ألا ترى أنا ما رأينا ولا سمعنا ملكا كتب إلى ملك آخر في إصلاح فساد، أو استمداد على عدو، أو إعلام بفتح قصيدة من الشعر، وإنما كتب الرسائل؟.

وأما القصائد التي ذكرها هذا الرجل لأبي تمام وأبي عبادة وأبي الطيب فإنا لم ننف كون الشعر قد يشتمل على ذلك، ولكنا قلنا إنه ليس هو الغرض الأصلي الذي وضع الشعر له ولا يكون أصلا فيه بل عارضا وطارئا، والرسائل بخلاف ذلك؛ لأن هذا المعنى هو الغرض الأصلي فيها.

وكذلك نجد هذا الفن في الديوان الذي حجمه عشرون كراسا في قصيدة أو قصيدتين، ونجده في الرسائل التي حجمها عشرون كراسا في خمسة عشر كراسا.

ونحن فما عرضنا إلا الفرق بين مقصدي النوعين، وقد اتضح.

فأما قوله قد يكتب كاتب الإخوانيات، ويذكر فيها الحنين والشوق، فهي في المنثور كالنسيب في المنظوم، فيقال له إن القصائد التي وضعت للمدح يستحب أن يكون أولها نسيبا وغزلا، وهكذا وجدنا كتابا في فتح أو استنجاد أو تعريض أو تخذيل في صدره رسالة إخوانية تتضمن الحنين والبكاء وذكر الآثار والديار، فيكفي أبا إسحاق في الفرق بينهما هذا القدر فقط، فإن ذلك من أدل الدلائل على أن الشعر في الأصل موضوع لهذا المعنى، والاجتداء والطلب، فلذلك لم يحتج أحدهما للآخر، وجعل منه الرسائل بخلاف ذلك.

قال المصنف: فهذه الفروق كلها ضعيفة، والذي عندي أن الفرق بين النوعين من ثلاثة أوجه:

أحدها أن هذا منظوم، وذاك منثور، والآخر أن من الألفاظ ألفاظا لا يحسن استعمالها في الكتابة ويحسن في الشعر، كبعض الألفاظ العربية.

والثالث أن الشاعر إذا أطال في شرح معان متعددة واحتاج أن يأتي بمائتي بيت أو أكثر فإنه لا يحتذي في الجميع، بل في الأول، والكاتب لا يأتي من ذلك جميعه.

أقول: قد بينا أن إسحاق الصابي لم يتعرض لبيان الفرق بين الكتابة

والشعر من حيث هما كتابة وشعر، وإنما تكلم عن العلة التي كانت لأجلها مرتبة الكاتب أعلى من مرتبة الشاعر، فأما الفرق بين الكتابة والشعر فهي كثيرة، وليست مقصورة على هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرها هذا الرجل.

فإن من جملة الفروق أن للشاعر أن يُطري نفسه ويمدحها في شعره، وليس ذلك للكاتب.

ومنها أن للشاعر أن يبالغ ويوغل حتى يدخل في الإحالة، وليس ذلك للكاتب.

ومنها أن الشعر يحسن فيه الكذب ولا يستحسن في الكتابة.

ومنها أن الشاعر يخاطب الملك بالكاف كما يخاطب السوقة، ويدعوه باسمه، وينسبه إلى أمه، وليس ذلك للكاتب.

والفروق بين الشعر والكتابة كثيرة، وإنما نبهنا على بعضها إبطالا لقوله إن الفروق هذه الثلاثة فقط.

فهذا ما سنح لي بأدنى النظر من الاعتراض على هذا الكتاب، وقد اعترضت على مواضع كثيرة منه للقول فيها مجال فلم أذكرها إيثارا للإيجاز، ومواضع يرجع كلامه فيا إلى الجدل ومحض العناد، لا في المعنى، فكان الاشتغال بها والبحث فيها تضييعا للوقت من غير فائدة.

ورأيت أن يتم الكتاب ههنا حامدا الله، ومصليا على خير خلقه

"محمد النبي الأمي صلوات الله عليه وسلامه"

النص من طبعة دار نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفلك الدائر على المثل السائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.