تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

أنا تئق وأنت مئق فكيف نتفق

؟

التئق: الممتلئ غضبا. واصله في الإناء يقال: تئق الإناء يتأق إذا امتلأ وأتأقته أنا ملأته. ويقال: التئق السريع إلى الشر. ويقال: هو الحديد قال الشاعر يصف كلبا:

أصمعُ الكعبينِ مهضومُ الحشاسرطمُ اللحيينِ معاجٌ تئقْ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

وقال الآخر: يصف فرسا:

ضافي السبيبِ أسيل الخدِ مشترفٌحابي الضلوعِ شديدٌ أسره تئقُ

وقال الأخر يصف فرساً:

ضافي السبيب أسيل الخد مشترفحابي الضلوع شديد أسره تئق

والمئق: الباكي يأخذ شبه الفواق عند البكاء والنشيج. يقال: مئق الرجل والصبي يأمق مأقا وماقة باتحريك وامتاق. قال رؤبة.

كأنما عولتها بعد التأقعولة ثكلي ولولت بعد المأق

وشأن التئق النزوع إلى الشر لغضبه، وشأن المئق ضيق الصدر عن الاحتمال، فلا يجتمعان. فيضرب للمتخالفين خلقا.

أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب لمّا قبض النبي ﷺ اجتمعت الأنصار إلى بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فأتاهم أبو بكر وعمر من المهاجرين - رضي الله تعالى عليهم جميعاً - فتكلم أبو بكر، والقصة مشهورة. وتكلم رجل من الأنصار، وفي رواية وهو الحباب بن المنذر فقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير. والجذيل تصغير جذل بكسر الجيم وتفتح، وبالذال المجمعة الساكنة. والجذل: ما عظم من أصول الشجر أو أصل الشجر وغيرها بعد ذهاب الفرع. والجمع أجذال وجذولة. قال امروء القيس:

كأن على لباتها جمر مصطليأصاب غضا جزلا وكف بالجذال

والجذال أيضاً: عود ينصب للجربى لتحكك به، وهو المقصود هنا. ويقال: هو عود ينصب في مبرك الإبل للتحكك به لتزيل ما عليها من قراد وكل ما لزق بها فتشتفي بذلك، ويكون كالتمرغ للدابة. وقال الراجز:

لاقت على الماء جذيلا واتد

ويضرب مثلا للرجل فيقال: هو جذل محاكة وجذل حكاك. وقال الأصمعي:

قلت لأعرابي: ألك بنون؟ قال: نعم، وخالقهم لم تقم على مثلهم منجبة. قلت صفهم لي. قال: جهم وما جهم! ينصي الوهم، ويصد الدهم، ويفري الصفوف، ويعل السيوف. قلت ثم من؟ قال: غشمشم وما غشمشم! ماله مقسم، وقرنه مجرجم، جذل حكاك ومدرة لكاك. قلت: ثم من؟ قال: عشرب وما عشرب! ليث محرب، وسماهم مقشب؛ ذكره باهر، وخصمه عاثر؛ وفناؤه راحب، وداعيه مجاب. قلت: فصف لي نفسك. قال: ليث أبو ريابل، ركاب معاضل، عساف مجاهل؛ حمال أعباء، ناهض ببزلاء.

قوله: ينضي الوهم أي يهزل الوهم، وهو الجمل الضخم من قوته؛ ويصد الدهم أي يكف الدهم، وهو العدد الكثير من العدو. ويفري الصفوف أي يشقها في القتال مقدما. ويعمل السيف أي يوردها دماء الأقران مرة ثانية من العلل في الشرب.

وقوله: قرنه مجرجم أي مبارزه مجرجم أي مصرع؛ وجذل حكاك أي يستشفي به في الأمور كالجذال المنصوب الذي يستشفي به الإبل الجربى والمدره: لسان القوم. واللكاك: الزحام. والليث المحرب: المغضب، وهو أشد ما يكون؛ والمقشب: المخلوط. والباهر: الغالب. واليابل جمع ريبال يهمز ولا يهمز، وهو الأسد. والمعاضل: الدواهي؛ والعساف: الركاب الطريق على غير هداية. والمجاهل: الفلوات؛ والأعباء: الأثقال؛ والبزلاء: الرأي الجيد، وهو مثل سيأتي. وأما العذيق فهو تصغير عذق، وهو بالفتح: النخلة بحملها، وبالكسر القنو منها. والمقصود هنا الأول. والمرجب: المعظم. يقال: رجبته ترجيبا: عظمته. ومنه رجب لتعظيمهم إياه. ويقال: إنّ فلان لمرجب أي عظيم. وحدث الأصمعي قال: مررت في بلاد بني عامر بحلة في غائط يطؤهم الطريق، فسمعت رجلا ينشد في ظل خيمته له ويقول:

أحقا عباد الله أن لست ناظراًإلى قرقرى يوماً وأعلامها الغبرِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
كأنَّ فوأدي كلما مر راكبٌجناحُ غرابٍ رام نهضاً إلى وكرِ
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
إذا رحلت نحو اليمامة رفقةٌدعاك الهوى واهتاج قلبكَ للذكرِ
فيا راكب الوجناء أبت مسلماًولا زلتَ من ريبِ الحوادثِ في سترِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
إذا ما أتيتَ العرضَ فاهتف بجواهِسقيتَ على شحطِ النوى سبلَ القطرِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحقا عباد الله أن لست ناظرا»
فانك من وادٍ إلى مرجبٍوإن كنت لا تزدار إلا على عفرِ

قال فلما رآني مصغيا إليه أشار إلي فاستأنسني وأنزلني ووضع طعاما فقلت: أنا إلى غير هذا أحوج، قال: ماذا؟ قلت: تنشدني، قال: أفعل. فلما أصبت من الطعام قلت: الوعد، فأنشدني:

لقد طرقت أمُّ الخشيف وإنهاإذا صرع القوم الكرى لطروقُ
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
فيا كبداً يحمى عليها وإنهامخافةَ هيضات النوى لخفوقُ
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
أقام فريقٌ من أناسٍ يودهمبذات الغضا قابي وبان فريقُ
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
لحاجة محزون يظل وقلبهرهين ببيضات الحجال صديقُ
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
تحمان أن هبت لهن عشيةًجنوبٌ وأن لاحت لهن بروقُ
كأن فضول الرقم حين جعلنهاغدياً على أدمِ الجمال عذوقُ
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة
وفيهن من بخت النساء ربحلةٌتكادُ بها غرُ السحاب يرقُ
هيجانٌ فأما العصُ من أخرياتهافوعثٌ وأما خصرها فدقيقُ

فقوله: فإنك من وادٍ إلى مرجبٍ أي معظم. وقوله في القطعة الثانية:

كأن فضول الرقم حين جعلنهاغديا على أدم الجمال عذوقُ
للشاعر يحيى بن طالب الحنفي، اقرأ القصيدة

أي نخلات، جمع عذق وهو النخلة كما ذكرنا قبل، أو قنوانها، وهو تشبيه مشهور عند القدماء، يشبهون الحمول والبرود المرقومة فيها بالنخيل إذا أينع ثمرها فأحمر وأصفر. قال امرؤ القيس:

أو المكرعات من نخيل أبن يامنٍدوين الصفا اللائي يلين المشقرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»
سوامق جبارٍ أثيتٍ فروعهُوعالين قنوانا من البسرِ أحمرا

وقال أيضاً:

علوانَ بأنطاكية فوق عقمةٍكجرمة نخلٍ أو كجنة يثربِ

والترجيب في النخل أن يجعل للنخلة دكان تعتمد عليه اة يدعم بشيء إذا كثر حملها لئلا تنكسر. ويسمى ذلك الطكان الرجبة بضم الراء. وقيل أن يغرز الشوك حولها حتى لا يوصل إليها. وقيل أن تضم قنوانها إلى سعفاتها وتشد بالخوص حتى لا

ينفضها الريح فيقال: نخلة مرجبة، وعذاق مرجب. ويقال: نخلة رجيبة بتخفيف الجيم وتشديدها.

ليست بسنهاء ولا رجبيةولكن عرايا في سنة الجوائح

ولا يرجب من النخل إلاّ الكريمة. واعلم أن التصغير في كل من الجذيل والعذيق للتعظيم على ما اثبت الكوفيون من ورود التصغير للتعظيم كقول لبيد:

فويق جبيل شامخ لن تنالهبهمته حتى تكل وتعملا

وقيل للتقريب كما في بني أخي. وقد تحصل في معنى الكلام بجملته إنه يقول: أنا الذي يرجع إليه في النائبات، ويستشفى بفضل رأيه في المعضلات المعوصات، كالجذيل الذي تستشفي بالاحتكاك به الإبل؛ وأنا لي أيضاً عشيرة يحفظوني ويؤووني، وعصبة ينصروني ويمنعوني، كالنخلة الممتنعة برجبتها، الكريمة على أهلها إذ لا يرجب من النخل إلاّ الكرام كما مر. وقد علم اشتمال الكلام على مثلين وليس مثلاً واحداً؛ إلاّ إنّهما يقرن بينهما كثير. وفي مقامات البديع قوله: حتى إذا مال الكلام بنا ميله، وجر الجداك بينا ذيلة، قال أصبتم عذيقة، ووافيتم جذيلة الخ. وقيل معنى أنا جذيلها المحككك أنا صاحب رهان. والمحكك المعاود لها، كما قال الراجز: جذل رهان في ذراعيه حدب أي السير ويقال أيضاً. رجل محكك: أي مجرب للأمور بصير بخيرها وشرّها. وهو مدح في الرجال، ذم في النساء قال الحماسي:

لا تنكحن الدهر ما عشت أيمامجربة قد مل منها وملت
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة

ويقال أيضاً: أنا جحيرها المأرب، وعذيقها المجرب. والجحير تصغير جحر وهو الغار؛ والمأرب المقور الململم، ومعناه واضح من الذي قبله.

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.