تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

إنّ البغاث بأرضنا يستنسر

البغاث، مثلث الباء الموحدة في أوله بعدها غين معجمة فثاء مثلثة: طير أغبر؛ ويطلق على شرار الطير كلها، وما لا يصيد منها. قال الشاعر:

إذا كر فيهم كرة افرجوا لهفرار بغاث الطير صادفن اجدلا
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

وقال دريد أبن الصمة:

وترى الفوارس من مخافة رمحهمثل البغاث خشين وقع الأجدلِ
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «ما إن رأيت ولا سمعت بمثله»

وقال الحماسي:

بغاث الطير أكثرها فراخاوأم الصقر مقلات نزورُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

وسيأتي تمام هذا الشعر في محله. واستنسر: صار نسرا، والنسر: الطائر المعروف. وسمي نسرا لأنه ينسر اللحم.

ومعنى المثل إنّ الضعيف من الناس إذا حل بأرضنا ووقع في جوارنا عز بنا وتقوى، كما إنّ البغاث الذي هو ضعاف الطير إذا عاد نسرا فقد تقوى. وقيل معناه، إنّ الضعيف يستضعفنا وتظهر قوته علينا، وعلى هذا إذا أريد الافتخار قيل: إنّ البغاث في أرضنا لا يستنسر.

ولشعر دريد المذكور قصة عجيبة رأيت أن اذكرها، وهي إنّ دريدا خرج في فوارس من قومه بني جشم بن بكر حتى إذا كانوا بواد لبني كنانة رفع لهم رجل في ناحية الوادي معه ظعينة. فلما رآه دريد قال لفارس من أصحابه: دونك فصح به: خل الظعينة وانج بنفسك! فلحقه الفارس فصاح به وألح عليه، فلما أبى أن ينكف عنه

ألقى زمام الراحلة وقال للظعينة:

سيري على رسلك سير الآمنسير رداح ذات جأش ساكنِ
إنّ أنثنائي دون قرني شائنيأبلى بلائي واخبري وعايني

ثم حمل على الفارس فطعنه طعنة جعلته كأمس الدابر وأخذ فرسه وأعطاه الظعينة. فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما فعل صاحبه، فلما انتهى إليه فرآه صريعا صاح على الرجل فتصامم عنه فظن أن لم يسمع فغشيه. فالقى الرجل زمام الراحلة إلى الظعينة ورجع إليه وهو يقول:

خل سبيل الحرة المنيعةانك لاقٍ دونها ربيعه
في كفه خطية مطيعةأولا فخذها طعنة سريعه

والطعن مني في الوغى شريعة

ثم حمل عليه فصرعه. فلما أبطأ الأمر على دريد بعث فارسا ثالثا لينظر ما صنعا، فلما انتهى إليهما رآهما صريعين، ونظر إليه يقود ظعينته ويجر رمحه فقال له: خل سبيل الظعينة! فقال الرجل للظعينة: اقصدي قصد البيوت! ثم اقبل على الفارس فقال:

ماذا تريد من شتيم عابسألم تر الفارس بعد الفارس

أرداهما عامل رمح يابس

ثم حمل عليه فصرعه وأنكسر رمحه. ثم إنّ دريدا ارتاب وظن إنّ الفوارس قتلوا الرجل وذهبوا بالظعينة، فجاء حتى لحق بالرجل وقد دنا من الحي، ووجد أصحابه صرعى فقال له: أيهما الرجل، إنّ مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحا، والخيل ثائرة بأصحابها. فخذ رمحي هذا، فأني منصرف إلى أصحابي فمثبطهم عنك. فرجع دريد إلى أصحابه وقال لهم: إنّ صاحب الظعينة قد حماها وقد قتل أصحابكم وأنتزع رمحي ولا مطمع لكم فيه، فانصرفوا، فقال دريد بن الصمة:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهحامي الظعينة فارسا لم يقتلِ
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «ما إن رأيت ولا سمعت بمثله»
أردى فوارس لم يكونوا نهزةثم استمر كأنه لم يفعلِ
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «ما إن رأيت ولا سمعت بمثله»
متهلهلا تبدو أسره وجههمثل الحسام جاءته كف الصيقلِ
يزجي ظعينة ويسحب ذيلهمتوهجاً يمناه نحو المنزلِ
وترى الفوارس من مخافة رمحهمثل البغاث خشين وقع الأجدلِ
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «ما إن رأيت ولا سمعت بمثله»
يا ليت شعري من أبوه وأمهيا صاح من يكُ مثله لا يجهلِ
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «ما إن رأيت ولا سمعت بمثله»

وقال صاحب الظعينة في ذلك، وهو ربيعة بن مكدم، أحد بني فراس بن كنانة:

إن كان ينفعك اليقين فسائليعني الظعينة يوم وادي الأخرمِ
إذ هي لأوّل من أتاها نهبةلولا طعان ربيعة بن مكدمِ
إذ قال لي أنى الفوارس ميتةخل الظعينة طائعا لا تندمِ
فصرفت راحلة الظعينة نحوهعمدا ليعلم بعض ما لم يعلمِ
وهتكت بالرمح الطويل أهابهفهوى صريعا لليدين وللفمِ
ومنحت آخر بعده جياشةنجلاء فارغة كشدق الأضجمِ
ولقد شفعتهما بآخر ثالثاوأبى الفرار لي الغداة تكرمي

ثم لم تلبث كنانة أن أغارت على بني جشم، فقتلوا وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى نفسه. فبينما هو عندهم محبوس إذ جاءته نسوة يتهادين نحوه، فصاحت إحداهن وقالت: هلكتم وأهلتم. ماذا جر عليها قومها؟ هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة! فألقت عليه رداءها وقالت: يا آل فراس! أنا له جارة. فسألوه من هو فقال: أنا دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالوا: ربيعة بن مكدم. قال: فما فعل؟ قالوا: قتلته سليم، قال: فما فعلت الظعينة؟ قالت المرأة أنا هي، وأنا امرأته. فحبسه القوم ووامروا أنفسهم. فقال بعضهم: لا ينبغي أن تكفر نعمة دريد على صاحبنا. وقال آخرون: والله لا يخرج من أيدينا إلاّ برضى المخارق الذي أسره. فلما أمست المرأة، وهي ريطة بنت جذل الطعان، رفعت عقيرتها وقالت:

سنجزي دريدا عن ربيعة نعمةوكل امرئ يجزى بما كان قدما
للشاعر ريطة بنت جذل الطعان، اقرأ القصيدة
فإنَ كان خيرا كان خيرا جزاؤهوإنّ كان شرا كان شرا مذمما
للشاعر ريطة بنت جذل الطعان، اقرأ القصيدة
سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرةبإعطائه الرمح الطويل المقومى
للشاعر ريطة بنت جذل الطعان، اقرأ القصيدة
فقد أدركت كفاه فينا جزاءهوأهل بأن يجزى الذي كان أنعما
للشاعر ريطة بنت جذل الطعان، اقرأ القصيدة
فلا تكفروه حق نعماه فيكمولا تركبوا تلك التي تملأ الفما
للشاعر ريطة بنت جذل الطعان، اقرأ القصيدة
فلو كان حيا لم يضق بثوابهذراعا غنيا كان أو كان معدما
للشاعر ريطة بنت جذل الطعان، اقرأ القصيدة
ففكوا دريدا من إسار مخارقٍولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلما
للشاعر ريطة بنت جذل الطعان، اقرأ القصيدة

فلما أصبحوا وأطلقوه، فكسته وجهزته ولحق بقومه. ولم يزل كافا عن غزو بني فراس حتى هلك. قلت: وفي بني فراس هؤلاء يقول علي كرم الله وجهه مخاطبا لأهل العراق إذ تخاذلوا عنه: يا ليت لي من بني فراس واحدا بعشرة منكم صرف الدينار بالدرهم!.

ولربيعة المذكور قصة أخرى في حماية الظعن تأتي في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.