تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

سرك أسيرك، فإنَّ نطقت به كنت أسيره

هذا من الأمثال الحكيمة في حفظ السر.

ومثله ما روي أنَّ معاوية ﵁ أسر إلى الوليد بن عقبة حديثا فقال الوليد لأبيه: يا أبت إنَّ أمير المؤمنين أسر إلى حديثا وما أراه يطوي عنك ما بسط إلى غيرك. قال: فلا تحدثني به فإنَّ من كتم سره كان الخيار له ومن أفشاه كان الخيار عليه! قال: قلت: يا أبت وإن هذا لديك بين الجل وبين أبيه؟ قال: لا والله يا بني! ولكن أحب أن لا تلل لسانك بأحاديث. قال: فأتيت معاوية فحدثته فقال: يا وليد أعتقك أخي من رق الخطأ!.

وحكى الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال: اجتمع أربعة ملوك: ملك الهند والصين وكسرى وقيصر فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل. وقال الآخر: إني إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها وإذا لم أتكلم ملكتها ولم تملكني. وقال الثالث: عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته وإن لم ترجع لم تنفعه. وقال الرابع: أنا على رد ما لم أقل أقدر على رد ما قلت.

وسيأتي إتمام هذا المعنى في الحكم بأشبع من هذا إن شاء الله تعالى.

أسرع من نكاح أم خارجة السرعة بالضم والسرع بفتحتين والسرع بوزن عنب ضد البطء. سرع الرجل بالضم فهو سريع؛ وأسرع أيضاً فهو مسرع. قيل: وأصل الرباعي التعدي بنفسه أي أسرع نفسه أو مشيه كما في الحديث: فليسرع المشي! لكنه يحذف لظهوره.

والنكاح بالكسر: الوطء والعقد أيضاً. يقال: نكحها ينكح بالفتح والكسر؛ ونكحت هي أيضاً فهي ناكح أي ذات زوج قال تعالى: حتى تنكح زوجا غيره. وقال الشاعر:

لصلصلة اللجام برأس طرفٍأحب إلي من أن تنكحيني

واستنكحها بمعنى نكحها؛ وأنكحها: زوجها والاسم منه النكح بالكسر والضم وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها. يقول الخاطب: خطبٌ بكسر الخاء وضمها ويقول المخطوب: نكح بكسر النون أيضاً وضمها؛ وأم خارجة امرأة من بجيلة ولدت قبائل كثيرة من العرب واسمها عمرة بنت سعد وخارجة ابنها.

قال في الصحاح: ولا يعلم ممن هو ويقال هو خارجو بن بكر بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان. وكانت أم خارجة من الشهوة والشبق إلى الرجال في غاية. فكان يقال لها: خطبٌ فتقول: نكحٌ فقالوا: أسرع من نكاح إم خارجة.

ويحكى أنَّ السيد الحميري خرج يوما سكران، فلقي بنت فجاءة بن عمرو بن قطري الخارجية، وكانت حسناء. فأوقفها وانشد من شعره، فأعجب كل واحد منهما صاحبه ثم خطبها، فقالت: كيف يكون هذا ونحن على ظهر الطريق؟ قال: يكون كنكاح أم خارجة، قيل لها: خطب، قالت: نكح. فاستضحكت وقالت: ننظر في هذا، وعلى ذلك فمن أنت؟ فقال:

إنَّ تسأليني بقومي تسألي رجلاًفي ذروة العز من أجواد ذي يمن
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
ثم الولاء الذي أرجو النجاة بهمن كبة النار للهادي أبي حسن
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

فقالت: لا شيء أعجب من هذا: يماني وتميمية، ورافضي وإباضية، فكيف يجتمعان؟ فقال: بحسن رأيك في تسخو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا. قالت: أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور؟ قال: إنّما أعرض عليك. قالت وما هي؟ قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد. قالت: تلك أخت الزنى. قال: تلك أخت الزنى. قال: أعيذك بالله إنَّ تكفري بعد الإيمان! قالت: وكيف؟ قال لها:) فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة (. فقالت: استخير الله وأقلدك إذ كنت صاحب قياس وتفتيش. فانصرفت معه وبات معرسا بها. وبلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعدوها بالقتل وقالوا: تزوجت بكافر. فجحدت وكانت تخلف إليه مرة وتواصله.

قلت: وأين هاتان المرأتان من أم حكيم الخارجية؟ وكانت اجمل نساء زمانها ومن أشجع الناس وأحسنهم بديهة. خطبها جماعة من أشراف الخوارج، فردتهم. وهي القائلة

ألا إنَّ وجها حسن الله خلقهلأجدر أنَّ تلقى به الحسن جامعا
للشاعر أم حكيم الخارجية، اقرأ القصيدة
وأكرم هذا الحرم عن أنَّ ينالهتورك فحل همه أنَّ يجامعا

وكانت مع قطري بن الفجاءة في عسكر الأباضية. فكانت ترتجز في تلك الحروب وتقول:

أحمل رأساً قد سئمت حملهوقد مللت دهنه وغسله
للشاعر أم حكيم الخارجية، اقرأ القصيدة

ألا فتى يحمل عني ثقله؟

والخوارج يفدونها بالآباء والأمهات. وكان قطري يشبب بها وفي ذلك يقول في وقعة دولاب:

لعمرك إني في الحياة لزاهدٌوفي العيش ما لم ألق أم حكيمِ
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
من الخفرات البيض لم ير مثلهاشفاء لذي بث ولا لسقيمِ
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
لعمرك إني يوم ألطم وجههاعلى نائبات الدهر جد لئيمِ
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرتطعان فتى في الحرب غير ذميمِ
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
غداة طفت علماء بكر بن وائلوعجنا صدور الخيل نحو تميمِ
فلم أر يوما كان أكثر مقطعاًيمج دماً من فائضٍ وكليمِ
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
وضاربةٍ خداً كربواً على فتىأغر نجيب الأمهات كريمِ
أصيب بدولاب ولم يك موطناًله أرض دولاب ودير حميمِ
فلو شهدتني يوم ذاك وخيلناتبيح من الكفار كل حريمِ
رأت فتية باعوا الإله نفوسهمبجنات عدنٍ عنده ونعيمِ
للشاعر عبيدة اليشكري، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.