من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
فصل في الرثاء (٣)
قلت في رثاء المهدي خلف الخلف الصالح وقد توفي في بلاد فارس وجيء بنعشه ليدفن في النجف:
أغارء دمعك أم منجدقد رحل الصبر ولا منجد
يا رابط الأحشاء في راحةقد نضجت بالجمر ما تقصد
لا تلتمس قلبك في جذوةما بقيت منك عليها يد
أخلت يبقى لك قلب علىفاغرة الوجد ولا يفقد
وإنّ قلباً تحت أنيابهاطاح شظايا كيف لا يزرد
حسبك منها زفرة لو غدتفي جلمد منها نزا الجلمد
كم هزَّ أظلاعك من فوقهاحتّى تلاقين جوىً مكمد
فساقطت منك الحشا أدمعاًحمراً على ذوب الحشا تشهد
لو تعلم الأيّام ماذا جنتإذاً لودّت أنّها تنفد
لقد أحلت بكرّ رزء لهافي كلّ قلب مأتم يعقد
إذ كوّرت شمساًبنوا المصطفىفيها ترجّوا أفقهم يسعد
الله يا دهر أبينا همفي زهو بشرى للعدى تكمد
إذ يرد الناهي إليهم بأنجاء ابن نعش ذلك الفرقد
فيغتدي ذاك الهنا حنّةفرائص الدنيا لها ترعد
نعشٌ أُتي يُحْمَلُ فيه النهىميتاً عليه يندب السؤدد
وخلفه العلياء في صرخةتدعو إلى أين به يقصد
يا حاملي إنسان عيني قفوانشدتكم بالله لا تبعدوا
دعوه لي حسبي لتجهيزهعيني عليه طرفها أرمد
دموعها الغسل وأكفانهالبياض والجفن له ملحد
غدرت يا دهر ومنك الوفالا العذر بالأمجاد مستبعد
فاذهب ذميماً إنّها غدرةوجهك ما عشت بها أسود
مالك بالسوء لأهل الحجىوردت لا طاب لك المورد
يا ناهداً بالشرّ من جهلهتعلم بالشرّ لمن تنهد
وطارقاً بيت ندىً يتقيببابه المتهم والمنجد
فمقعداه للتقى والندىوحاجباه العزّ والسؤدد
ألم تجده حرمناً آمناًيحجّه الأبيض والأسود
فكيف تسعى فيه لا محرماًكأنّما أنت به ملحد
ما هو إلاّ بيت فخر لهقبيلة المعروف قد شيّدوا
بيت أبوالندب الرضى ربّهأكرم من تحت السما يقصد
مولىً درت أهل العلى أنّهدون الأنام العلم المفرد
وأنّه لولا ندى كفّهلم يرَ لا رفدٌ ولا مرفد
تلقاه طلق الوجه في هيبةيفرق منها الأسد الملبد
محبّب من حسن أخلاقهحتّى إلى من مجده يحسد
ما سهرت من خائف مقلةٌإلاّ وبالأمن لها يرقد
يا أُسرة المعروف لا نابكممن بعد هذا الرزء ما يكمد
وهذه النكبة مع أنّهافيها ثواب الصبر لا ينفد
لا يحمد الصبر على مثلهالكنّه من مثلكم يحمد
وقال عمّنا المهدي يرثي الرضا نجل مصباح الشرف الواضح الماجد الصالح ويعزّيه به:
لا تلمني لم تجد ما أجدنابني ما عزَّ فيه الجلد
كفَّ عنّي إنّ منّي بغتةًحطم الظهر وشلَّ العضد
سلَّ من عينيَّ إنسانهماوانطوى في اللحد منّي الكبد
قد أراني الدهر مالم يرهمن عظيمات الرزايا أحد
ذهبت أيدي الليالي بالذيهو لي لو حارب الدهر يد
كنت أنشي للرضا مدحاً فياحزني اليوم رثاه أنشد
عبجاً كيف لساني ناطقوهو في شطن الأسى منعقد
ولفكري وهو في إذهالهللئالي نظمه ينتقد
يالساني قل به ما شئتهعلّني أشفي به ما أجد
طارح الورقاء في النوح عسىهي إن طارحتها لي تسعد
عدمت نفسي ظلّي إن يكنكبدي عنه يزول الكمد
فلأعطي كمدي من كبديحقّه حتّى يذوب الكبد
فالأسى آيست منه حيث ماللأسى إلاّ لقاه موعد
هو نفسي كيف أسلو بعدههل سلا حوباه قبلي أحد
هو من بيت رفيع في العلاأبداً ما لعلاه أمد
سكنته عترة المجد التيطاب منها في القديم المحتد
قد دهتها نكبة أحلمهاظلَّ من دهشته يرتعد
ولعمري رزءُ آل المصطفىما خلا في الأرض منه بلد
تعس الدهر أهل مطروفةٌعينه أم قد عراها رمد
فرمى من حيث لا يبصر منغرر الأيّام فيه تسعد
يا أبا المهدي إن ضلَّ الورىعن سبيل الصبر أنت المرشد
فقبيحٌ إنْ أقلْ صبراً لمنْسنن الصبر إليه تسند
وعلى أطهر من ماء السمامنه أطراف حباه تعقد
لا دهاكم بعد هذا فادحما غدى في الأرض راس وتّد
وبقيتم سرمداً عيشكمهو في عزّ علاكم رغد
تمّ بعون الله وتوفيقه الجزء الأوّل من كتاب "العقد المفصّل" تأليف الشاعر الكبير المفلق الشهير أبي الحسين السيّد حيدر بن السيّد سليمان الحسيني الحلّي ويليه الجزء الثاني أوّله الباب التاسع: حرف الذال.
@الجزء الثاني الحمد لله الذي جعل محمّداً حسن السجايا، وفضّله على جميع البرايا، وخصّه من بين العرب بغاية الفصاحة ونهاية الأدب.
وبعد؛ فهذا هو الجزء الثاني من الكتاب المرسوم ب "العقد المفصل" في قبيلة المجد المؤثل، وهو كسابقه في فصوله وأبوابه ونكات أغرابه وإعجابه، قد جمع من فنون النظم والنثر ما يزري بعقود الدر، وحوى من الإستحسانات البديعية والإستظرافات الأدبيّة والنوادر الغريبة والحكايات العجيبة ما يرتاج إليه أهل الأدب، وتسكن إليه نفوس ذوي الفضل، والله أسأل أن يقع منهم موقع الإعجاب والإطراب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع