من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
فصل في المديح (٣)
قلت فيه هذه الغادة الحسناء:
عيشك غضٌّ والزمان أغيدوطرف حسّادك فيه أرمد
يا لابس النعماء هنّئت بهاملابساً كساكهنَّ أمجد
أقبح شيء أن تذمَّ زمناًحسبك فيه حسناً محمّد
يا أعين الوفّاد قرّي بفتىًفي مطلع العلياء منه فرقد
ذاك الذي كلتا يديه لجّةقد طاب للعافين منها المورد
مبارك الطلعة مرهوب الحمىفي بردتيه قمرٌ وأسد
موقّر المجلس ذو ركانةحسوته على شمام تعقد
بالفصل في صدر الندي ناطقكأنّما لسانه مهنّد
سقيط طلٍّ لك من بيانهأو لؤلؤٌ في سلكه منضد
روضة فضل يجتني رائدهازهراً بطيب النشر عنه يشهد
ينمي لقوم في الزمان خلقواجواهراً يزان فيها الأبد
هم خير من رشحه لسؤددمجدٌ وأزكى من نماه محتد
أقول: وقد اشتمل قولي: أقبح شيء أن تذمّ زمنا، على المقابلة وذلك أنّي قابلت اثنين باثنين؛ الذمّ والقبح بالحسن والحمد، وقال الصغرائي في لاميته:
حلو الفكاهة مرّ الجدَّ قد مزجتبقسوة البأس منه رقّة الغزل
فجمع بين ثمانية أشياء لم تجتمع لغيره بهذا الإنساجام والسلاسة، وهي: الحلاوة والمرارة والفكاهة أي المزاح، والجد والقسوة والرقّة والبأس والغزل. وقال أبوالطيب المتنبّي وأحسن غاية الإحسان:
أزورهم وسواد الليل يشفع ليوأنثني وبياض الصبح يغري بي
ومن النادر قول بعضهم وقد قابل ستّةً بستّة:
على رأس عبد تاج غرٍّ يزينهوفي رجل حرٍّ قيد ذلّ يشينه
فإنّه قابل لفظة على ب "في"، والرأس بالرجل، والعبد بالحرّ، والتاج بالقيد، والعزّ بالذلّ، والزين بالشين.
حكي أنّ شرف الدين مستوفي إربل أنشد هذا البيت لغيره، وكان أبوبكر محمّد بن إبراهيم الإربلي حاضراً فقال على البديهة وقابل أربعةً بأربعة:
تسر لئيماً مكرمات تعزّهوتبكي كريماً حادثات تهينه
وكلّما كثر عدد المقابلة كان أبلغ وأحسن.
وممّا نظمته في أبيه محمّد الصالح هذه القصيدة:
لا زلت يا ربع الشباب حميداباق وإن خلق الزمان جديدا
ما أنت للعشّاق إلاّ جنّةصحبوا بها العيش القديم رغيدا
أيّام كان العيش غضّاً ناعماًوالدهر مقتبل الشباب وليدا
والدار طيبة الثرى ممّا بهايسحبن ربّات الجمال برودا
يستاف زائرها ثراها عنبراًفيكذبن طرفاً يراه صعيدا
يعطو إلى عذبات فرع أراكهاظبيٌ تفيّأ ظلّها الممدودا
غنخٌ يسلُّ من اللواحظ مرهفاًيغدو عليه قتيله محسودا
هو منتضىً في الجفن إلاّ أنّهبين الجوانح يغتدي مغمودا
أضحت ضرائبه القلوب تعدُّ أدماها به وهو الشقيُّ سعيدا
وشقيق خدّيه النديّ من الحياأضحى بعقرب صدغه مرصودا
يمسي سليماً يشتفي بالريق مَنْفي الثم بات بقطفه معمودا
كم بتُّ معتنقاً له في ليلةبات العفاف بها عَلَيَّ شهيدا
وكأنّما في الأُفق هالة بدرهاوبها الكواكب قد طلعن سعودا
ناد محمّد حلَّ فيه وولدهبعلاه حفّت ناشئاً ووليدا
هو دارة الشرف التي قد مهّدتأبد الزمان بعزّهم تمهيدا
متعاقدين على المكارم أحرزواشرفاً تماثل طارفاً وتليدا
وعليهم قطباً فقطباً دائرٌفلك الفخار أبوةً وجدودا
كانوا قديماً والعلى صدفٌ لهمدرّاً تناسق في الفخار نضيدا
وأبوهم البحر المحيط وقد بدوامنه على جيد الزمان عقودا
هو لجّة المعروف ما عرف الورىإلاّ نداه منهلاً مورودا
يمسي بنفس لا تميل مع الهوىلله يحيى ليله تهجيدا
وإذا تجلّى الليل أصبح باسطاًللوفد كفّاً ما تعبّ الجودا
نسكٌ كما شاء الإله وأنعمٌلم يحصها إلاّ الإله عديدا
تنميه من سلف المعالي أُسرةغلبوا على الشرف الكرام الصيد
من كلّ معصوم البصيرة لم يزلمنه الرداء على التقى معقودا
يا من تعذّر أن يحيط بوصفهمنظمٌ ولو ملأ الزمان قصيدا
والجامعين المكرمات بوفرهممذ أكثروا في شمله التبديدا
ولهم بأندية العلاؤء إذا بدواتهوي الأعاظم ركّعاً وسجودا
أهدت لجيد علاكم ابنة فكرتيدرر الثناء قلائداً وعقودا
جليت محاسنها عليكم فاجتلوامنها لمجدكم كعاباً رودا
هي نشرة تضفو على أحسابكمزغف خلفت بنسجها داودا
قد خلّدت لكم الثناء وسؤلهاأنّ الثناء لكم يدوم خلودا
فبقيتم في غبطة من ربّكملكن بقاء لم يكن محدودا
قولي: هي نثرة، البيت وقعت فيه التورية لأنّ المعنى الظاهر من هذا اللفظ أنّي خلّفت بنسجها داود نبي الله من حيث أنّه كان ينسج الدروع، وأنا أُريد أنّي خلّفت جدّي السيّد داود بن السيّد سليمان بنسج زغف بدايع الشعر. وقد نظم عمّي المهدي قصيدة داليّة في الماجد الصالح وجارى بها قصيدة قالها الشريف أبو أحمد السيّد صالح القزويني فيه، ولها قصّة ذكرها عمّي في كتابه مصباح الأدب الأزهر، فسمطت قصيدة عمّي المشار إليه وقدّمت قبل التسميط هذه الفقرات: بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على أشرف أنبيائه محمّد وآله الطاهرين، وبعد؛ فيقول الراجي عفو ربّه الغني حيدر بن سليمان الحسيني: إنّي لمّا جارى عمّنا وسيّدنا المهدي السيّد صالح القزويني في قصيدة مدح بها زعيم الفضلاء الجحاجح الحاج محمّد صالح أحببت أن أشطر قصيدة سيّدنا السيّد مهدي كما شطر قصيدة السيّد صالح المذكور الشيخ إبراهيم صادق العاملي، فوجدتها في دقائق معانيها وسلاسة ألفاظها وقوافيها فوق ما قلته فيها:
ومعربة عن فضل من صاغ لفظاوأودع فيها من بدايعه اللحنا
بديعة حسن لو سواه يرومهالكان التقاط الشهب من نيلها أدنى
تودّ قلوب السامعين لو أنّهاإذا أنشدت في محفل كانت الأُذنا
فما هي إلاّ وردة مااتّفقتكمائم حسن الشعر عن مثلها حسنا
ولا ولدت أُمُّ القريض نظيرهاولا فتحت يوماً على مثلها جفنا
فما روضة غنّاء راقت بزهرهاوما برحت أزهارها ترضع المزنا
بألطف من مدح بها لمحمّدوإنّي وفيه فاقت الروضة الغنّا
مسدّدة الأقوال يمسي معيبهالخجلته بين الورى يقرع السنّا
يودُّ إذا ما أنشدوها بمحفلله منشىء الأجساد ما خلق الأُذنا
ولو رزق الله السكوت معيبهالكان له من نطق مذوده أهنى
فوا رحمتاه لحاسدها إذا تليت في نادي ذي القدر العلى، فما أراه إلاّ كما قال مهيار الديلمي:
يظهر منها السرور حاسدهاضرورة الحقّ وهو مكتئب
يطريه البيت وهو يحزنهومن أنين الحمامة الطرب
وإنّها وحرمة الفصاحة في طولها وأعجازها وأحكام صدورها بأعجازها لمستحيلة التشطير على البارع في الفهم، الماهر في النظم، ولذلك عدلت عن تشطير إلى تخميسها فوجدته أيضاً في غاية الصعوبة لتجنيس كلماتها، وارتباط كلّ بيت بما بعده من أبياتها، كقوله فيها:
أُناس يرى في الكرخ من فيه طوّحتإليهم بنات الشدقميّات من بعد
جدباً على دارالسلام بيوتهملكعبة جدواهم لمن أمّها تهدي
وكقوله منها:
تراه ولو قد كان يخفض نفسهلآمله عطفا ويبسم للوفد
ثبيراً على جنب الوثير قد اتّكىودون لقاه هيبة الأسد الورد
على أنّ في هذين البيتين ما فيهما من التعليق والمقابلة المعنويّة التي لا تخفى على أولي التحقيق، وهي أنّه لمّا أتى بذكر الخفض في البيت الأوّل قابله بضدّه معنىً في البيت الثاني وذلك قوله: ثبير اتّكى على جنب الوثير، من حيث أنّ ثبير هو الجبل، والجبل من شأنه أن يكون مرتفعاً، فقابل الخفض لفظاً بالرفعة معنىً ليكون حسن نظامه مبتدعاً، وكذلك لمّا ذكر في البيت الأوّل أنّه يبسم للوفد، قابله بهيبة الأسد الورد، من حيث أنّ الإبتسام أمنٌ للقلب، والمهابة مخافة له ورعب، وهذا النوع عند علماء البديع يُسمّى: الملحق بالطباق وهو الراجع عند الجمهور إلى الضدّين كقوله تعالى: (أَشدّاءُ على الكفّار رُحماءُ بَيْنَهُمْ) فإنّه تعالى شأنه طابق الأشدّاء بالرحماء لأنّ الرحمة فيها معنى اللين، وكقول بعض شعراء الحماسة:
لهم جلُّ مالي أن تتابع لي غنىًوإن قلّ مالي لا أُكلّفهم رفدا
فقوله: تتابع مالي بمعنى كثر مالي، ويقابله قولي: قلّ مالي فهو مقابلة من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وكقول أُمّ سعد بن قرط وقد تزوّج امرأةً كانت نهته عنها فقالت أبياتاً تذمّها، وهي من شعراء الحماسة:
تربّص بها الأيّام علَّ صروفهاسترمي لها في جاحم متسعّر
فكم من كريم قد مناه إلههبمذمومة الأخلاق واسعة الحر
فقولها: بمذمومة الأخلاق ليس مقابلاً لقولها: واسعة الحر من جهة اللفظ، بل من حيث المعنى لتأوّله بضيقة الأخلاق لتصحّ المقابلة، ونظائره كثيرة على أنّ في القصيدة من نظائر هذا التعليق الصعب التخميس ما يخرس الفصحاء، ويحير البلغاء، وقد أضربت صفحاً عن ذكره خوف الإطالة، واكتفيت عنه بما قدّمته في هذه المقالة ومع ذلك فقد أقدمت بتخميسها على مجاراته، ومقابلة بدايعه ومخترعاته، وقلت: ما يمنعني عنه وقد أنحلني أدبه، وشربت من نطاف هذا النظام مشربه، فكنت وإيّاه في إطرادنا فيها كما قالت الخنساء في مساواة أخيها لأبيها:
جارى أباه فأقبلا وهمايتعاوران ملائه الحضر
حتّى إذا نزت القلوب وقدلزت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف الناس أيّهماقال المجيب هناك لا أدري
برزت صحيفة وجه والدهومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويهلولا جلال السنّ والكبر
وهما كأنّهما وقد برزاصقران قد حطّا إلى وكر
فجاء تسميطاً ترتاح له أهل الأدب والفضل، وتعجّب منّي إذ حذوت فيه حذو الأصل، فلو لم يكن تسميطاً لما فرق من نظامه، ولا من حسن لامه، ولقيل إنّهما نتيجة فكر واحد، لعدم التمييز بين تلك الفرائد، ولا غرو إن حذوت مثاله، وشابهت أقوالي أقواله، فإنّ من حياضه مشربي، ومن أدبه كان أدبي، فترانا حربين بقول المؤمّل بن أميل الكوفي:
وجئت ورائه تجري حثيثاًوما بك حيث تجري من فتور
وقال الناس ما من ذين إلاّبمنزلة الخليق من الجدير
فإن سبق الكبير فأهل سبقله فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى كبيرفقد خلق الصغير من الكبير
وهذا هو التخميس المذكور، فانظر في ألفاظه ومعانيه، فإنّها أعدل شاهد على ما أدّعيه، وصلّى الله على محمّد وآله.
إذا عنَّ لي برقٌ يُضيء على البعدنزت كبدي من شدّة الشوق والوجد
وناديت معتلَّ النسيم بلا رشدنسيم الصبا استنشقت منك شذى الندّ
أهل سرت مجتازاً على دمنتي هندي
وهل لسيم الحبّ أقبلت راقياًبنشر فتاة الحيّ إذ كان شافيا
فما كنت إلاّ للصبابة داعيافذكرتني نجداً وما كنت ناسيا
ليال سرقناها من الدّهر في نجد
نواعم عيش مازج الأُنس زهرهارطاب أديم خالط المسك نشرها
رقاق حواش قرّب الوصل فجرهاليال قصيرات وياليت عمرها
يمدُّ بعمري فهو غاية ما عندي
رياح الهوى فيها تنشقت عرفهاوفيها مدام اللهو عاقرت صرفها
لدى روضة لا يبلغ العقل وصفهابها طلعت شمس النهار فلفّها
ظلامان من ليل ومن فاحم جعد
سوادان يعمى الفجر عند دجاهماهما اثنان لكن واحد منتماهما
أتت تتخفّى خفية في ذراهماولو لم تبرقع خدّها ظلمتاهما
لشقَّ عمود الصبح من وجنة الخدّ
فأبصرت منها إذ سهت عنه غرَّةًمحيّاً هو الشمس المنيرة غرّةً
ولاح لها خدّ هو النّور نضرةًقد اختلست منه عيوني نظرةً
أرتني لهيب النّار في جنّة الخلد
تحيّرتُ في بدر من الوجه زاهريلوح على غصن من القدّ ناظر
وأسياف لحظ في الجفون بواتروفي وجنتيها حمرة شكَّ ناضري
أمن دم قلبي لونها أم من الورد
فبالشذر أيدي الحسن طرّزن صدرهاوبالنجم لا بالدرّ وشّحن خصرها
لها مقلة هاروت ينفث سحرهاوفي نحرها عقد توهّمت ثغرها
لئالؤه نظمن من ذلك العقد
بنفسي خمصاء الوشاح من الدمىسقتني حميا الراح صرفا من اللما
فأمسيت في وصف المدام متيّماوما كنت أدري ما المدام وإنّما
عرفت مذاق الراح من ريقها الشهد
وقبل ارتشاف الثغر ما لذّة الهناوقبل سنا الخدّين ما لامع السنا
وقبل رنين الحلي ما رنّة الغناوقبل اهتزاز القد ما هزّة القنا
وقبل حسام اللحظ ما الصارم الهند
لها كلُّ يوم عطفة ثمّ نبوةوما علقت عنها بقلبي سلوة
ومن بعدها زادت بقلبي صبوةومن قربها مالت بقلبي نشوة
صحوت بها يا ميّ من سكرة البعد
ولا عجب إن يشف في عطف قلبهاسقام جفاها يوم بتّ بجنبها
هي الداء طوراً والشفاء لصبّهاوإن زال سكر البعد من سكر قربها
فلا طبَّ حتّى يدفع الضدُّ بالضد
فمذ كنت ذرّاً قد تعلّقت زينباوفي عالم الأصلاب زدت تعذّبا
وكنت بها في ظلمة الرحم مطرباتعشّقتها طفلاً وكهلاً وأشيبا
وهما عرته رعشة الرأس والقد
أغار عليها إن يمرَّ بشعبهانسيم الصبا أو يكتسي طيب تربها
وأدري بحبّي كيف بات بقلبهاولم تدر ليلى أنّني كلف بها
وقلبي من نار الصبابة في وقد
وأخفيت عن نفسي هوىً سقمه شكتولم تدر أحشائي بمن نارها ذكت
وكفّي لأسناني لمنْ أسفاً نكتوما علمت من كتم حبّي لمن بكت
جفوني ولا قلبي لمن ذاب في الوجد
إذا ما تذاكرنا الهوى بتشبّبأتيت بتشبيب عن الشوق معرب
وموهت في ضرب من اللحن مطربفأذكر سعدي والغرام بزينب
وأدفع في هند ومية عن دعد
وإن قلت إنّي واجد في جاذرفوجدي بريّا لا بوحش نوافر
وإن قلت أروى فالمنى أُمّ عامروإن قلت شوقي باللوى فبحاجر
أو المنحني فاعلم حننت على نجد
فيحسب طرفي في هوى تلك قد قذيوإنّ بهاتيك العذارى تلذّ ذي
وفي ذكر أوطان لها القلب يغتذيوما ولعت نفسي بشيء من الذي
ذكرتُ ولكن تعلم النفس ما قصدي
وأكرم أرباب الغرام الأولى خلواأُناسٌ أسرّوا سرّه مذ به ابتلوا
وقالوا لقوم للإذاعة ما قلواكذا من تصدّى للهوى فليكن ولو
تجرّع من أحبابه علقم الصدّ
فإنّ الفتى من يحكم الرأي فكرهويعجز أرباب البصيرة صبره
وذوالحزم من يخفي على النّاس أمرهوليس الفتى ذوالحزم من راح سرّه
تناقله الأفواه للحرّ والعبد
إذا لم يصنه عن خليل وحسّدتحدّث فيه النّاس في كلّ مشهد
وغنّت به الركبان في كلّ فدفدفيسري إلى القاصي كما بمحمّد
سرت بنت فكري بالثناء وبالحمد
لقد جمدت دون القريض القرائحوماتت بموت الماجدين المدائح
فما لرتاج النظم الآي فاتحوما للثناء إلاّ محمّد صالح
لقد ضلَّ مهديه لغير أبي المهد
يظهور العلى في مثله ما استقلّتله رتبة عنها الكواكب حطّت
فتىً إن يرم إدراكه العقل يبهتهمامٌ إلى علياه حدّة فكرتي
بعثت فلم تبصر لعلياه من حد
له خلق ما شاب سلساله القذاولا هو في غير الفخار تلذّذا
وغى رالعلى منذ الولادة ما اغتذىتربّى بحجر المجد طفلاً وقبل ذا
براه إله العرش من عنصر المجد
فعلّم صوب الغيث أن يتهلّلاووازن منه الحلم رضوى ويذبلا
وفات جميع السابقين إلى العلىترقّى النهى قبل الفطام به إلى
نهاية إدراك الفطام إلى الرشد
تجمّع شمل الزهد لمّا تشتّتاوعاش التقى من بعد ما كان ميّتا
بذي نسك ما زال لله مخبتاومعتصم ممّا يشان به الفتى
بعفّة نفس تربه وهو في المهد
فلا غرو لو عمّت نوافله الملاوطبقن ظهر الأرض سهلاً وأجبلا
وفاق الورى فخراً ومجداً مؤثّلافذا واحد الدنيا انطوى برده على
جميع بني الدنيا فبورك من برد
عظيم محلّ كان للفضل جوهراله رتبة طالت على الشمّ مفخرا
وكيف تضلّ النّاس عن ماجد ترىعلى شرفات المجد مغناه والورى
بحصبائه لا بالكواكب تستهدي
إذا هو بالإيحاش بدّل أنسهتبيت صروف الدهر تنكر مسّه
همام عليه يحسد الغد أمسهتراه ولو قد كان يخفض نفسه
لآمله عطفاً ويبسم للوفد
رفيعاً بحيث النجم لم يك ممسكاًبأذياله والفكر لم يك مسلكا
وتلفيه في القنادي ولست مشكّكاثبيراً على جنب الوثير قد اتّكى
ودون لقاه هيبة الأسد الورد
عليم له نفس عن الله لم تملومن ذكر ما لم يرضه لم يزل وجل
ومنه وعنه العلم بين الورى نقللقد ضاق صدر الدهر في بعض بثّه
العلوم وما يخفيه أضعاف ما يبدي
وعمياء سدّت عن ذوي الرشد سبلهاتساوى بها علم الأنام وجهلها
جلاها فتى تدري العلوم وأهلهاإذا انعقدت عوصاء أشكل حلّها
فليس لها إلاه للحلّ والعقد
وغامضة فهم الورى دونها انقطعوليس لهم في حلّ معقودها طمع
إذا اعوصت في كشف غامضها صدعفيوضحها بعد الغموض ولم يدع
لمعترض باباً بها غير منسد
ومن كلّ طخياء جلا كلّ غبرةبإيضاح قول من لسان كزبرة
ولم يك إلاّ مجدة فكرةرشيد بعين الحزم أوّل نظرة
يرى ما به ضلّت عقول ذوي الرشد
تردُّ أمور النّاس في كلّ مشكلإلى قلب إن أشكل الرأي حوّل
ومن كلّ أمر فاتح كلّ مقفليسدّد سهم الرأي في كلّ مشكل
إذا طاشت الآراء فيه عن القصد
فتىً معه المعروف يرحل إن رحلوتنزل آمال الورى حيث ما نزل
ببرد التقى فوق العفاف قد اشتملترى نفسه من جها الله لم تزل
بطاعته لله في غاية الجهد
حليف التقى ماانفكّ الله شاكراوللنوم من حبّ العبادة هاجرا
وفي ورده ما زال لليل عامرايقوم إلى ما كان ندباً مبادرا
مبادرة الهيم العطاش إلى الورد
إذا لم يفض يوماً على الدهر عفوهأتاه منيباً يقبض الخوف خطوه
ونادى بصوة لى يرفع نحوهفيا سابقاً لا يدرك العقل شاوه
ولا تهتدي الأوهام منه إلى قصد
ألا إسق رياضي إنّها اصفرَّ زهرهاوضوء لياليَّ التي حلن غرّها
أنر وجه أيّامي التي اسودّ فجرهافشمس سما العلياء أنت وبدرها
أخوك ربيع الخلق في الزمن الصلد
ونفسكما من كلّ إثم تقدّستوداركما قدماً على الجود أسّست
وجودكما بالنور منه الربا أكستوحلمكما منه الجبال لقد رست
وبطبع من عزميكما الصارم الهندي
وإنّكما عقدان للفضل حلّياوبدران في أُفق المعالي تجلّيا
وصقران في جوّ المكارم جلّياوغيثا عطاء أنتما يفضح الحيا
فيعول إعلاناً من الغيظ بالرعد
كرامٌ على كلّ الأنام لهم يدوبيت علاهم في الزمان مشيد
وليس عليهم زاد في الفضل سيّدلئن زاد في معنىً طريف محمّد
عليهم فذا فرع لمجدهم التلد
وإن هم ببطن الأرض من قبل أضمروافإنّ لعلياهم معاليه مظهر
وطيُّ مساعيهم به عاد ينشروإن درّجوا موتى بعلياه عمروا
بعمر لأقصى غاية الدهر ممتدّ
فمن جوهر العلياء كانوا فرندهوأوّل من أورى من الجود زنده
درى الحيّ فيهم والذي حلَّ لحدههم شرّعوا للجود في النّاس نجده
ولولاهم ما كان للجود من نجد
فهل لسواها الزاخرات قد اعتزتوهل غيرها سحت إذا السحب اعوزت
لقد أحرزت بالوفر حمداً فبرزتولو لم تحزبا لوفر حمداً لأحرزت
حسان سجاياها لها أوفر الحمد
إذا في الشتاء الشول غبراء روّحتومصّ الثرى ماء الرياض فصوحت
فإنّهم فيها سيول تبطّحتأُناس يرى في الكرخ من فيه طوّحت
إليهم بنات الشدّ قميات من بعد
سنا نارهم قد صيروه نعوتهملمسترشد الظلماء كي لا يفوتهم
ويبصر من وافى لكي يستبيتهمجدباً على دارالسلام بيوتهم
لكعبة جدواهم لمن أُمّها تهدي
لهم أوجه يستصبحون بها الملاكأنّ بدور التم منهنّ تجتلى
فلو قابلوا فيها دجى الليل لانجلىولو وزنت فيهم شيوخ بني العلى
لما عدلوا طفلاً لهم كان في المهد
فطفلهم حذو المسنّ قد احتذىوعزّتهم أضحت لعين العدى قذى
وكلٌّ من الحسّاد فيها تعوّذاوكلاًّ إذا أبصرت منهم تقول ذا
محمّد فيه شارة الأبّ والجد
رفيع علىً لا يطلع الفكر نجدهحليف تقىً لا يعلق الإثم برده
أخو الحزم ما حلّت يد الدهر عقدهإذا انعقد النادي تراه وولده
لناديه عقداً وهو واسطة العقد
كأنَّ عقاباً فيه بين قشاعموليث عرين فيه بين ضراغم
وصلّ صفاة فيه بين أراقمعلى أنّهم فيه نجوم مكارم
تحفُّ ببدر المجد في مطلع السعد
وجودهم في المحل من جود كفّهوإن شمخت آنافهم فبأنفه
وعرف علاهم فاح من طيب عرفهتضوع من أعطافهم ما بعطفه
لطائم فخر ينتسبن إلى المجد
أعزُّ بني الدنيا وأطيب عنصراًبهم عاد عود الفضل فينان شمّرا
وفيهم غدا صبح المكارم مسفراسلالة مجد هم مصابيح للورى
بكلٍّ إذا استهدت فذاك هو المهد
ييبيت على حفظ العلى غير جاهدويبذل فيها من طريف وتالد
وتبصر منه عين كلّ مشاهدفتىً قد رقى العليا بهمّة ماجد
له أحرزت شأو العلى وهو في المهد
ومنّي ساعة الميلاد في حبّها صباوكانت له أُمّاً وكان لها أبا
فإن تعتجب من ذا تجد منه أعجباإذا ما ترآئى محتب شكّ في الحبا
على رجل معقودة أو على أحد
فإن قلت هذا مرهفاً كان أرهفاوأخلاقه هنّ الصبا كنّ ألطفا
وإن قلت ذا ماء السما لست منصفالعمرك ما ماء السماء وإن صفا
بأطيب ممّا منه قد ضمّ في البرد
أولي الحمد في غالي الثناء شغفتمواوإن عنه في معروفكم قد غنيتمو
تهشّون شوقاً إن دعا من دعوتموابني المجد من أبكار فكري خطبتم
فتاة عن الخطّاب تجنح للصد
بدايع أفكار لها الصيد أذعنتوفي حجب الأبصار عنهم تحصّنت
لها مارنت يوماً ولا لهم رنتولكن رأتكم كفوها فتزيّنت
لكم وأتت تختال في حلل الحمد
فلو شامها الأعشى تحير وامتحنوإنّ زهيراً لو رآها بها افتتن
وأنّى لحسّان كمنظومها الحسنلها من بديع القول نظم إذا جرى الن
نوابغ من مضمار إعجازه تكدي
فينظم من ألفاظه الدرّ مقوليوفي النظم يبديه كعقد مفصّل
بديع معان إنْ فيه ينقلإذا ما تلوه في العراق بمحفل
سرت فيه أفواه الرواة إلى نجد
فكم قد تبدّت منه للنّاس درّةٌوكم قد تجلّت منه لشمس ضرّةٌ
ومبصره قد قال هل هو زهرةٌوسامعه قد شكّ هل فيه خمرةٌ
أو إنّ بنظم الشعر ضرب من الشهد
أرمّ لدى إنشاده المفصح اللسنوطاش حجى الفهّامة الحاذق الفطن
فما أنا في إنشائه قطّ مفتتنولست بإطرائي له مزده وإن
غدا طرفة بن العبد من حسنه عبدي
ولا أنا من يعلي القريض محلّهولا من يزيد النظم والنثر فضله
حويت بقومي المجد والفضل كلّهوما في نظام الشعر حمدٌ لمن له
سنامٌ على ينمي إلى شيبة الحمد
وقال عمّنا المذكور في مدح محمّد الصالح أيضاً وقد حلّ يناديه في بغداد ورأى ما فيه من أُبّهة العظمة:
حللت من الكرخ في معهدتسامى علاءً على الفرقد
فواجهت فيه من الماجدينوجوهاً بها يستضيء الندي
فقرَّت عيونك في ربعهمبكلّ فتىً منهم أصيد
حمىً زهرت من بني المصطفىبه أنجم المجد والسؤدد
يقوم مقام ذكاً في الضحىأو البدر في الدامس الأسود
يضيء لمن بأقاصي البلادكمن جاء من أُمم يجتدي
له الوفد من كلّ فجّ تسيرعلى كلّ زيّافة جلعد
يسابق متّهمهم في السرىلقطع الهضاب خطا المنجد
فيزدحمون على باب ازدحام الجمال على المورد
ومن وسع ساحته الوفد فيهـ كخردلة هي في فدفد
وأوسع منه ببذل الجدىأكفّ محمّد للمجتدي
يرى كلّما كثر القاصدونكأنّ بعدُ نعماه لم تقصد
فتىً أقسم الغيث أن لا تقومعزالاه منه مكان اليد
ومن يمطر الماء أنّى يكونكمن هي تمطر بالعسجد
يدٌ لا تملُّ العطاء الخطيرإذا ملّه كفّ مسترفد
وذاالغيث من سئم إن همىحياه بصيبه يرعد
يميناً بأنعمها السابغاتوما في الأنام لها من يد
وما طوّقت من مجيد مجيدبهنَّ ومن سيّد سيّد
وما هي أحيت من المجدبينميتاً من البؤس في ملحد
قد اصطحبت هي والجود حتىإذا أعسرت عنه لم تفرد
ولو سألت وهي صفر لأعطتأناملها للذي يجتدي
ولولا مست جلمداً فجّرتينابيع ماء من الجلمد
يودُّ لحبّ العطا أن تكوننقيبته جدّة المجتدي
يرى الوعد نقصاً ومن شأنهيجيد العطاء بلا موعد
وقبل السؤال لوفّادهبأسنى مواهبه يبتدي
فكحل مآقيه مرأى الغريبإذا اكتحل الناس بالأثمد
عظيم المهابة بين الملوكومهما ترائى لها تسجد
وبالحلم تنظر منه الحباعلى غير ثهلان لم تعقد
وآيات عليائه الباهراتتتلى بألسنة الحسّد
له الله من جامع للعلومشمل عواز بها الشرّد
إذا أورد الفكر في مشكلله أعلم النّاس لا يهتدي
فقبل الصدور له فكرةتريه الغوامض في المورد
وفي صدر أمس يرى ماانطوىعليه مغيَّب ظهر الغد
وفي الإحتجاج بليل الخصالله منهجٌ واضح المقصد
فإن فاه بالقول لم تعرفنَّالحسام الصقيل من المذود
ولم يبق للخصم غير السكوتلديه ونقش الثرى باليد
ووجهق علت صفرة الرعب فيهوقلب بحرقته مكمد
فيغدو لدى الناس أحدوثةتنقّل في مشهد مشهد
فياعجباً من جهول جرىبحلبة ذا الماجد الأوحد
أهل قد رأى تولباً في الرهانشأى عدوة الصافن الأجرد
بني المجد من بحر فكري لئاليالثناء تساقطن من مذودي
وقلّدت نحر علاكم بهافضائت على النحر كالفرقد
تظنّ الحواسد فيكم غلوتومن لي بما ظنّه حسّدي
لقد ضلّ من ظنّ أعلا النظاميكون لكم غاية المحمد
ولكنّما هو في مدحكممتى أنشدته الورى يحمد
ومن الشعر الأجنبي في هذا الباب ما سألني نظمه إنسان حدقة الدهر، وواسطة عقد الفخر الشريف أبو موسى الميزا جعفر نجل علاّمة العلماء ورئيس المحقّقين الفضلاء أستاذ الكلّ في الكلّ الشريف أبو جعفر السيّد محمّد مهدي الحسيني القزويني الحلّي دام علاه في الثناء على الشهم الماجد حسام الدين وقد أرسله بعض الوزراء حاكماً في الحلّة الفيحاء، فنظمت امتثالاً لأمره هذه القصيدة:
أطلع شمس الراح ليلاً أغيدكأنّه من نورها مجسّد
وزفّة اتحت الدجى فأشبهتمدامه وخدّه المورد
فلست أدري أجلا لامعةًبكفّه به المدام عسجد
أُمّ كفّه البيضاء من رقّتهابها شعاع خدّه يتّقد
ساق من الجوزاء وهو المشترينطاقه وعقده المنضّد
شمس الضحى تودُّ لو كان ابنهاوهي لها بدر السماء ولد
إذا أدارت كفّه لثامهخلت الثريّا للهلال تعقد
من لي بقطف زهرة في خدّهوعقرب الصدغ عليها رصّد
مورّد الوجنة ما استخجلتهإلاّ وماء الورد منها بدّد
مطرّدٌ في خدّه ماء الحياماء الحيا في خدّه مطرّد
علّقته نشوان من خمر الصباسبط القوام فرعه مجعّد
أهيف كم تعطّفت قامتهوهو لألحان الغنا يردّد
تعطّف البانة تثنيها الصباوفوقها قمريّة تغرّد
بدر ولكن في الجمال يوسفلحسنه بدر السماء يسجد
وشوقي الكامل ليس حرّهيطفيه إلاّ ريقعه المبرّد
ماالحسن إلاّ جمرة بخدّهوجمرة في القلب منّي تقد
أبرد هاتيك بلثم هذهيا من رأى ناراً بنار تبرد
نارٌ ولكن هي عندي جنّةمن لي لو فيها فمي يخلّد
كم ليلة بات بها منادميإلى الصباح والوشاة رقّد
وسنان لم أجذب إليّ خصرهإلاّ ثنى أعطافه التميّد
حتّى يرى وخصره من رقّةعليَّ في انعطافه منعقد
أعد عَلَيّ صاحبي ذكر الطلاوعدّ عمّا يزعم المفنّد
راحك يابن النشواة فاغتنمحظّك منها والعذار أسود
وعصر أطرابك في اقتبالهوالعيش غضٌّ لك فيه رغد
وعاقر الرح يحييك بهاشريكها في اللب إذا يغرّد
ما ولدت أُمُّ الجمال مثلهوأقسمت بأنّها ما تلد
ما استجمع اللذّات إلاّ مجلسعلى معاطاة الكؤس يعقد
ماهو إلاّ للندامى فلكبه من الكأس يدور فرقد
أو روضة فيها الخدود مجتنىًمن السقاة والشفاه مورد
وشادن وفّرته ريحانةبطيب ريّاها النسيم يشهد
يا طالب العدل هلمَّ ظافراًفالعدل شخصٌ قد حواه بلد
أما ترى الفيحاء كيف أصبحتوالجور من ورائها مشرّد
هذا حسام الدين بين أهلهاأصبح والملك بها مقلّد
سيف بكفّ الملك منه قائممقام حدّيه الطلى والعضّد
وأنت حيث باسمه شاركتهلا تفتخر يا أيّها المهنّد
فهو على هام العداة منتضىدأباً وأنت تنتضى وتغمد
إن أشعرتك رهبةً هيبتهفمنه في صدر النّديّ أسد
أغلب لا يطمح في حضرتهطرفٌ ولا ينطق فيها مذود
مصوّر في شخصه روح النهىعليه أبراد الفخار جدّد
وغيره يغريك حسن شكلهومنه ما في البرد إلاّ جسد
أبلج عنه وإليه في النّدىتروى أحاديث الندى وتسند
لهم نداه مشرك في وفرهومدحهم حقّاً له موحّد
يا خير من زار الثناء ربعهفزار أزكى من نماه محتد
إليكها سيّارة مع الصّباتتّهم في نشر الثنا وتنجد
سحّارة الألفاظ بابليّةأُمّ الكلام مثلها ما تلد
بل كلّ معنىً جاهليّ قد غدايودّ منها أنّه مولّد
لا تحمد العود على قافيةما كلُّ عود في الأُمور أحمد
أنت فدم سيّد أبناء العلىونظمها للشعر فيك سيّد
ومنه أيضاً ما سألني نظمه من دون هذا الكتاب لأجله، وقد سبقت في أوائل الكتاب إشارة إلى قصّته وذلك أنّه ولد مولود لبعض الرؤساء من أهل الشام وكان علويّاً فهنّاه بمولده بعض شعرائها وفي المجلس جماعة من أهل بغداد فعابوا ذلك النظم وافتخروا عليهم بشعراء العراق فأدّى ذلك إلى أن أرسلوا إليه يطلبون مجاراة تلك القصيدة بقصيدة بديعة فريدة ليطولوا بها عليهم ولمّا وصلت إليه أرسلها إليّ وعزم في مجاراتها عليّ، فنظمت هذه العقود النفيسة وأرسلتها إلى حضرته الأنيسة وهي:
بشرى العلاء فذي مطالع سعدهولدت هلالاً زاهراً في مجده
وحديقة المعروف هاهي أنبتتغصناً سيثمر للعفاة برفده
ونشت بأُفق المكرمات سحابةمن ذلك البحر المحيط لوفده
الآن ردّ على الزمان شبابهغضّاً فأصبح زاهياً في ردّه
وجلت لك الدنيا غضارة بشرهاعن منظر شغل الحسود بوجده
وجلا اصطباح الراح من يد أغيدفي خدّه تزهو شقائق ورده
تجلى بكفّ رقيق حاشية الصبامتمايل الأعطاف ناعم قدّه
يكسوا الزجاجة خدّه فيديرهاحمراء تحسب أنّها من خدّه
رقص الحباب على غناء نديمهاطرباً وودَّ يكون موضع عقده
شهد الضمير بأنّها من ريقهمزحت بأطيب لذّة من شهده
فاشرب فدا الساقي عذولك واسقنيكأساً وفي فيها الزمان بوعده
وانهض كما اقترح السرور مهنياًبفتىً به الوهّاب جاد لعبده
ميلاده الميمون بورك مولداًقد أصبح الإقبال خادم سعده
تتوسّم العلياء وهو بحجرهافيه مخائل من أبيه وجدّه
جدٌّ له انتهت العلى من هاشموعلاء هاشم لا انتهاء لحدّه
وكساه في عصر الشبيبة والصبابرد النهى والحمد شيبة حمده
فالبدر ودّ بأن يكون له أخاًوالشهب تهوى أنّها من ولده
نضت الحميّة منه سيف حفيظةماء الحيا الرقراق ماء فرنده
لمّا رأيت الشام يبعد قصدهعن ركب فيحاء العراق ووخده
أودت تهنيتي إليه رسالةًتهدى على شحط المزار وبعده
ودعوت حاملها لأشرف منزلبالشام خذ عنّي السّلام فأدّه
حيي السعيد محمّداً فيه وقلبشرى بأشرف طالع في سعده
بأغرَّ ينميه إلى عمرو العلىحسب محمّده عليّ معدّه
حملته أُمّ الفخر سيّد قومهوأتت به والفضل ناسج برده
ولدٌ يرفع من علاك بولدهويشدّ أزرك في بلوغ أشدّه
لولم يكن فلك المجرّة مهدهلم تطلع الشعرى العبور بمهده
قرّت به عين الفخار لأنّهالم تكتحل أبداً برؤية ندّه
فليهنينّ حمى السيادة أنّهقد أطلعت شبلاً عرينة أسده
وانشقّ مسك ثرى النبوّة فيه عنريحانة الهادي ووردة مجده
فاليوم كفّ لويّ عاد بنانهافيها وسلّ حسامها من غمده
وتباشرت طير السماء كأنّمانشر ابن هاشم للقرى من لحده
وكأنّما الدنيا لتهنية العلىناد تأنّقت السعود بعقده
وكأنّ كلّ النّاس منطق واحديشدو ليهن الفخر مولد فرّه
وبديعة في الحسن قد أهديتهاجهد المقل لمكثر من حمده
خطبت له بلسان أشرف من بنىفي الكرخ بيتاً سقفه من مجده
بيت يظلّل بالنعيم إذا أوىظيف إليه رآه جنّة خلده
وإليكها غرّاء يأرج عطفهابنسيم غالية الثناء وندّه
نطقت بنا ديك العليّ وأرّختولد الندى للفضل أسد ولده
ومنه ما هنّيت به علم الشريعة الغرّاء، وعليم المعروف والسخاء الشريف أبو جعفر سيّدنا السيّد محمّد مهدي الحسيني القزويني بزواج ولده السيّد حسين وهو هذا:
سقتك يا ربع العلى عهّادهاوطفاء بشر أطلقت مزادها
تلمع للزهو بها بوارقتقدح في القلب العدى زنّادها
لاطفها فيك نسيم فرحإلى حماك ساقها وقادها
فألبستك زهرها وأنبتتمابين أجفان العدى فتّادها
وأبرزت منك لأحداق الورىحديقة نوءُ السرور جادها
يا رائد الأفراح في دار العلىقد صدّقتك نفسك ارتيادها
باكرْ مناك فارتشف رياضهاكما اشتهيت واقتطف أورادها
وحيّ في الدست زعيم هاشموخير من سادت به وسادها
القائم المهديّ أقضى من ثنترياسة الدين له وسادها
وقلْ ولا تحفل بغيظ أنفسقد تركت لغيّها رشادها
ما علماء الأرض إلاّ رجلٌقد جمع الله به آحادها
فاستلّها صوارماً فواعلاًفعل السيوف ثكلت أغمادها
الموقد النار عشيّاً للقرىوبشره يتّقد اتّقادها
والمرخص الزاد وكان جدّهلراكبي ظهر الفلاة زادها
قد فاخرت جفانه شهب السمابضوئها وكاثرت أعدادها
بشراك وضّاح الدجى بفرحةقد بلغت فيها العلى مرادها
حلّت نطاق الليل عن صبيحةقد نسجت أيدي الهنا أبرادها
أنت الذي قد عقد الله بهعرى الهدى وأحكم انعقادها
منك أعدّت هاشم لمجدهامن نشر الله به أمجادها
فقللت فيك مريدي فخرهاوفي بنيك كثرت حسّادها
أبناء مجد نشأوا سحائباًسقى الإله خلقه عهّادها
بيض المساعي ومساعي غيرهمبيضٌ وصفرٌ أحسنوا انتقادها
عقدت أطناب العلى وابتدروايرفع كلّ منهم عمادها
وغيرهم يهدم علياه التيسعى أبوه قبله فشادها
قومٌ إذا شبّ ابن مجد منهمألقت لكفّيه العلى قيّادها
أو زوّجوه فبأخت شرفيحكي طريف مجدها تلادها
لولم تجد منه المعالي كفوهالم ترض إلاّ في الخبا انفرادها
يا من يروم بأبيه هضبهمونفسه قد سكنت وهادها
خلفك والفخر بنار ذهبتبضوئها وخلّفت رمادها
بني العلى دونكموها غادةًعذراء قد أصفتكم ودادها
جلّت بكم قدراً فما أنشدتهاإلاّ ازدهت جبريل فاستعادها
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع