إذا عنَّ لي برقٌ يضيء على البعدِ

الشاعر: حيدر الحلي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة شوق

هذه القصيدة من شعر حيدر الحلي، من العصر الحديث، وتقع في 228 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة شوق.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

إذا عنَّ لي برقٌ يضيء على البعدِ ... نزت كبدي من شدَّة الشوقِ والوجدِ

وناديتُ معتلَّ النسيمِ بلا رُشد ... نسيمَ الصَبا استنشقتُ منك شذا الندِّ

فهل سرتَ مجتازاً على دِمنتي هِند ... وهل لسليمِ الحبِّ أقبلتَ راقيا

بنشرِ فتاة الحيِّ إذ كانَ شافيا ... فما كنتُ إلاَّ للصبابةِ داعيا

فذكَّرتني نجداً وما منتُ ناسيا ... ليالٍ سرقناها مِن الدهرِ في نجدِ

نواعمَ عيشٍ مازَجَ الأُنسُ زهرَها ... رِطابَ أديمٍ خالطَ المسكُ نشرَها

رقــــاقَ حــــواشٍ قــــرَّب الوصلُ فجرَها ... ليالٍ قصيراتٍ ويا ليتُ عمرَها

يُمدُّ بعمري فهو غايةُ ما عندي ... رياحُ الهنا فيها تنشَّقتُ عرفَها

وفيها مدامُ اللهوِ عاقرتُ صِرفَها ... لدى روضةٍ لا يبلغُ العقلُ وصفَها

بها طلعت شمسُ النهارِ فلفَّها ... ظلامانِ من ليلٍ ومن فاحمٍ جعد

سوادانِ يعمى الفجرُ بينَ دُجاهما ... هما اثنانِ لكن واحدٌ منتماهُما

أتت تتخفَّى خيفةً في رداهما ... ولو لم تُغطِّيـــ خدَّها ظُلمتاها

لشُقَّ عمودُ الصبحِ في وجنةِ الخدِّ ... فأبصرتُ منها إذ سهت منه غُرَّةٌ

محيًّاـــ هو الشمسُ المنيرةُ غُرَّةً ... ولاحَ لهــــا خــــدٌّ هــــو النــــورُ نُــــضــــرةً

قد اختلست منها عيونيَ نظرةً ... أرتني لهيبَ النارِ في جَنَّةـ الخُلد

تَــــحيَّرتُ في بدرٍ من الوجهِ زاهر ... يلوحُ على غصنٍ من القدِّ ناضرِ

وأسيافِ لحظٍ في الجفونِ بواتر ... وفي وجنتيها حمرةٌ شكَّ ناظري

أمــــن دمِ قلبي لونُها أم من الورد ... فبالشذرِ أيدي الحُسن طرَّزن صدرها

وبالنجمِ لا بالدرِّ وشَّحن خصرَها ... لها مقلةٌ هاروتُ ينفثُ سحرَها

وفي نحرها عقدٌ توهمت ثغرَها ... لئالئهُ نُـــــظّـــــمــــن مــــن ذلك العِــــقــــدِ

بنفسي هيفاءَ الوشاحِ مِن الدمى ... سقتني حميّا الراح صرفاً من اللّمى

فأمسيتُ من وصفِ المدام متيَّماً ... وما كنتُ أدري ما المدامُ وإنَّما

عرفتُ مذاق الراح من ريقها الشَهد ... وقبلَ ارتشافُ الثغر ما لذَّةُ الهنا

وقبلَ سنا الخدَّينِ ما لامعُ السنا ... وقبل رنينِ الحُلي ما رنَّةُ الغنا

وقبل اهتزازِ القدِّ ما هزَّةُ القَنا ... وقبل حسام اللحظ ما الصارمُ الهندي

لهــــا كلَّ يومٍ عَطفةٌ ثمَّ نَبوةٌ ... وما علقت فيها بقلبي سَلوةٌ

فمِن بُعدِها زادت بقلبي صبوةٌ ... ومن قُربِها مالت برأسي نَشوةٌ

صحوتُ بها يا ميُّ من سكرةِ البعد ... ولا عجبٌ إن يشفَ في عَطفِ قلبها

سقامُ جفاها يومَ بُتُّ بجنبِها ... هــــي الداءُ طــــوراً والشفاءُ لصبِّها

وإن زالَ سكرُ البعدِ من سكر قربِها ... فـــــلا طـــــب حـــــتَّى يُـــــدفــــعُ بــــالضــــدِّ

فمذ كنتُ ذرًّا قد تعشّقتُ زينبا ... وفــــي عــــالمِ الأصــــلابِ زدت تــــعذُّبا

وكنتُ بها في ظلمةِ الرحمِ مطربا ... تعشّقتُها طِفلاً وكهلاً وأشيبا

وهِــــمًّاـــ عرته رعشةُ الرأسِ والقدِّ ... أغارُ عليها أن يمرَّ بشِعبها

نسيمُ الصَبا أو يكتسي طيبَ تُربها ... وأدري بحبي كيف بات بقلبها

ولم تــــدرِ ليــــلى أنــــني كَلِفٌ بها ... وقلبيَ من نار الصبابة في وقدِ

وأخفيتُ عن نفسي هوىً سقمه شكت ... ولم تدرِ أحشائي بمن نارُها ذكت

وكفّي لأسناني لمن أسفاً نكت ... وما علمت من كتمِ حبي لمن بكت

جفوني ولا قلبي لمن ذابَ في الوجدِ ... إذا ما تذاكرنا الهوى بتشبُّبٍ

أتيتُ بتشبيبٍ عن الشوقِ معربٍ ... وموَّهتُ في ضربٍ من اللحن مطربٍ

فــــاذكــــر سعدي والغرام بزينبٍ ... وأدفــــعُ فــــي هندٍ وميَّةَ عن دعدٍ

وإن قــــــلتُ إنـــــي واجـــــدٌ فـــــي جـــــآذرِ ... فــــوجــــدي بريّاً لا بوحشٍ نوافرِ

وإن قــــلتُ أروى فــــالمنى أمُّ عامرِ ... وإن قلتُ شوقي باللوى فبحاجر

أو المنحنى فاعلم حننتُ إلى نجدِ ... فيحسب طرفي في هوى تلك قد قذي

وأنَّ بـــــهـــــاتــــيــــك العَــــذارى تــــلذُّذي ... وفي ذكرِ أوطانٍ لها القلبُ يغتذي

وما ولعت نفسي بشيءٍ سوى الذي ... ذكرتُ ولكن تعلمُ النفس ما قصدي

وأكــــرمُ أربــــابِ الغــــرامِ الأُلى خــــلوا ... أناسٌ أسرُّوا سرَّه مُذ به ابتلوا

وقـــــال لقـــــومٍ للإذاعـــــةِ مـــــا قــــلوا ... كذا من تصدّى للهوى فليكن ولو

تــــجــــرَّع عن أحبابِه علقمَ الصدّ ... فإنَّ الفتى من يحكم الرأيَ فكرُه

ويعجزُ أربابَ البصيرةِ سبرُه ... وذو الحزمِ من يخفى على الناسِ أمرُه

وليس الفتى ذو الحزمِ من راح سرُّه ... تُــــناقلُهُ الأفواهُ للحرّ والعبد

إذا لم يــــصــــنــــهُ عــــن خــــليلٍ وحُسَّدِ ... تحدَّثَ فيه الناسُ في كلّ مشهد

وغنَّتـــ به الركبانُ في كلِّ فدفد ... فيسري إلى القاصي كما بمحمد

سرت بنتُ فكري بالثناءِ وبالحمدِ ... لقد جمدت دون القريضِ القرايحُ

وماتت بموتِ الماجدين المدايحُ ... فــــمــــا لرتــــاج الشعرِ إلاَّيَ فاتحُ

ومـــــا للثـــــنـــــا إلاَّ مـــــحــــمَّدُ صــــالحُ ... لقد ضلَّ مهديه لغير أبي المهدي

ظهورُ العُلى في مثله ما استقلّتِ ... له رتبةٌ عنها الكواكبُ حُطّت

فتىً إن يرم إدراكه العقلُ يَبهتِ ... همامٌ إلى العلياءِ حدّة فكرتي

بعثتُ فلم تُبصِر لعلياهُ من حدّ ... مليكٌ عليه طائرُ الوهمِ لم يَحمُّ

وكلُّ ابنِ مجدٍ شأوَ علياهُ لم يَرُم ... تحدَّر من أصلابِ فخرٍ غدت عُقم

وعــــن مثله أمُّ المكارِم لم تقمُ ... فــــأنّــــى تــــرى ندًّا لجوهرِه الفَردِ

له خُــــلُقٌ مــــا شــــابَ ســــلساله القذا ... ولا هــــو في غير الفخارِ تلذَّذا

وغيرَ العُلى منذُ الولادةِ ما اغتذى ... تربَّى بحجرِ المجدِ طفلاً وقبلُ ذا

براهُ إلهُ العرشِ من عنصرِ المجدِ ... فــــعــــلَّمَ صوبَ الغيثِ أن يتهلَّلا

ووازنَ مــــنــــه الحلمُ رضوى ويذبلا ... وفات جميعَ السابقينَ إلى العُلى

ترقّى النهى قبل الفِطامِ به إلى ... نــــهــــاية إدراكِ الأنامِ من الرشدِ

تجمَّعـــ شملُ الزهدِ لمَّاــ تشتَتا ... وعاشَ التقى من بعدِ ما كان ميّتا

بــــذي نُــــسِكٍ ما زال للهِ مُخبتا ... ومعتصمٍ ممّا يُشانُ به الفتى

بعفّة نفسٍ تِربِهِ وهو في المهد ... فلا غروَ إن عمَّتـــ نوافلُهُ الملا

وطبَّقن ظهرَ الأرضِ سهلاً وأجبلا ... وفاتَ الورى فخراً ومجداً مؤثّلا

فذا واحدُ الدنيا انطوى بردُه على ... جميعِ بني الدنيا فبوركَ من بُردِ

عليه العلا قد دار إذ هو قطبُه ... وفــــي فــــخــــرِه من دهرِه ضاقَ رحبُه

وبيتُ علاهُ سامَت الشُهب كثبُه ... رفــــيــــعُ مقامٍ أين ما حلَّ تُربُه

من الشهبِ تمسي تِربَها أنجمُ السعد ... عظيمُ محلٍّ كان للفضلِ جوهرا

له رتبةٌ طالت على الشمّ مفخرا ... وكيف تضلُّ الناسُ عن ماجدٍ ترى

على شرفاتِ المجدِ مغناهُ والورى ... بحصبائه لا بالكواكب تستهدي

إذا هـــــو بـــــالإيــــحــــاش بــــدَّلَ أُنــــسَه ... تبيتُ صروفُ الدهرِ تُنكر مسَّه

همامٌ عليهِ يَحسِدُ الغدُ أمسَه ... تراه ولو قد كان يخفض نفسَه

لآمِــــلهِ عِــــطــــفــــاً ويــــبــــسمُ للوفدِ ... رفيعاً بحيثُ النجمُ لم يكُ ممسكا

بأذيالِه والفكرُ لم ير مَسلَكا ... وتُلفيه في النادي ولستَ مشكَّكا

ثبيراً على جنبِ الوثير قد اتكا ... ودون لقـــــاه هـــــيــــبــــةُ الأســــد الوَردِ

أعزُّ الورى نفساً وأزكى نجابةً ... وأسبقُ في الآراءِ منهم إصابةً

وأبــــلَغُهــــم وســــط النــــديِّ خِــــطــــابــــةً ... له الفصحاءُ المفلقونَ مهابةً

إذا سُــــئِلوا لا يستطيعونَ للردِّ ... عــــليمٌ له نفسٌ عن اللهِ لم تمل

ومن ذكرِ ما لم يرضِه لم يزَل وَجِل ... ومنه وعنه العلمُ بين الورى نُقِل

لقد ضاقَ الدهر من بعض بثّه العلومَ ... وما يخفيه أضعافُ ما يبدي

وعمياءَ سُدَّت عن ذوي الرشد سُبلُها ... تساوى بها علمُ الأنامِ وجهلُها

جلاها فتًى تدري العلومُ وأهلُها ... إذا انعقدت عوصاءُ أُشكلَ حلُّها

فــــليــــس لهــــا إلاّهُ للحــــلِّ والعــــقــــد ... وغامضةٍ فهمُ الورى دونها انقطع

وليس لهم في حلِّ معقودِها طمع ... إذا أعوصت في كشفِ غامضها صَدع

فيوضحها بعد الغموضِ ولم يَدع ... لمعترضٍ باباً لها غير مُنسدِّ

وكانت متى فاهت ذوو الحزم تخزِهم ... فيرضوا بذلِّ العجزِ من بعدِ عزِّهم

وحتَّى تحاماها الفحولُ برمزِهم ... وعــــنــــه أرَّم الناطقونَ لعجزِهم

ومذودُه في القولِ منشحذُ الحدِّ ... تراه به عضبَ المضاربِ مُرهفا

إذا هو أمضى الحكمَ لن يتوقفا ... فيمسي عليه طالبوا العلم عُكَّفا

فيلقي إلى أذهانِها علمَ ما اختفى ... ويُــــفرغ في آذانها لؤلؤَ العِقد

ومن كلِّ طخياءٍ جلا كلّ غبرةٍ ... بــــإيــــضاحِ قولٍ عن لسانٍ كزُبرةٍ

ولم يـــــــكُ إلاَّهُ بـــــــحــــــدَّةِ فــــــكــــــرةٍ ... رشــــيــــدٌ بعينِ الحزمِ أوَّل نظرةٍ

يرى ما به ضلَّت عقولُ ذوي الرُّشد ... تُردُّ أُمورُ الناس في كلِّ مشكلٍ

إلى قُــــــلَّبٍ إن أشــــــكــــــل الرأي حُــــــوَّلِ ... ومــــن كلِّ أمرٍ فاتحٌ كلَّ مُقفَلِ

يُسدِّدُ سهمَ الرأي في كلِّ معضل ... إذا طاشت الآراءُ فيه عن القصد

فتًى معه المعروفُ يرحلُ إن رَحَل ... وتنزل آمالُ الورى حيثُما نزل

ببُرد التقى فوق العفاف قد اشتمَل ... ترى نفسَه من حبِّها الله لم تزل

بطاعَته لله في غايةِ الجهدِ ... حليفُ التقى ما انفكَّ لله شاكراً

وللنــــومِ من حبِّ العبادةِ هاجرا ... وفـــــي وِردِه مـــــا زال لليــــل عــــامــــرا

يقوم إلى ما كانَ نَدباً مبادرا ... مبادرةَ الهيمِ العطاشِ إلى الوِرد

فيجلو ظلامَ الليلِ منه إذا سجى ... بــــغــــرَّةِ وجــــهٍ كالصباحِ تبلَّجا

وعن قلبِ مسجورِ الحشى يظهر الشجا ... وفي عينِ عاصٍ نادمٍ يسهرُ الدجا

وما همَّ بالعصيانِ للواحدِ الفردِ ... فكم شادَ بالتقوى بيوتَ هدًى دُرُس

وقام بعينٍ جفنَها النوم لم يُدَس ... بأورادهِ يقضي دجا الليلِ في أُنس

فيقصرَ عن أورادهِ ولوَ انَّهــ استدام ... بـــــجـــــنــــحٍ ســــرمــــد الدهــــر مــــســــوَّد

إذا لم يُفِض يوماً على الدهرِ عفوَه ... أتاه منيباً يقبضُ الخوفُ خُطوه

ونــــادى بــــصوتٍ ليس يُرفعُ نحوَه ... فيا سابقاً لم يدرِكِ العقلُ شأوَه

ولا تهتدي الأوهامُ منه إلى قصد ... ألا اسقِ رياضي إنَّها اصفرَّ زهرُها

وضـــــوء ليـــــاليَّ التــــي حُــــلن غــــرُّهــــا ... أَنر وجهَ أيَّامي التي اسودَّ فجرُها

فشمس بني العلياءِ أنت وبدرها ... أخوك ربيعُ الخلقِ في الزمنِ الصلد

ونفسُكما من كلِّ إثمٍ تقدَّست ... وداركما قدماً على الجودِ أُسّست

وجودكما بالنورِ منه الربا اكتست ... وحلمُكما منه الجبال قد رست

ويُطبَعُ من عزميكما الصارمُ الهندي ... وإنَّكــــمــــا عِــــقــــدانِ للفضلِ حليّا

وبدرانِ في أُفقِ المعالي تجلَّيا ... وصــــقــــران فــــي جوِّ المكارمِ جليَّا

وغيثا غطاءٍ أنتُما يفضحُ الحيا ... فيعولُ إعلاناً من الغيظِ بالرعدِ

ضــــلالٌ لذي قــــصدٍ لغيرِكما رحل ... وأمسى له في غيرِ جودِكما أمل

ألم يدرِ مذ جودُ الكرام قد اضمحل ... بقيَّةــ جودٍ للورى ذخَروكُما الكرام

لمن مِن بعدِهم جاءَ يستجدي ... وأبقوكما في الأرضِ للخلقِ مقصدا

ليمسي عَلاهم فيكما مُتجدِّدا ... ويبقى نَداهم في الزمانِ مخلَّدا

لعــــلمِهم في موتِهم يدرجُ الندى ... بأكفانِهم ميتاً ويدفَن في اللحد

كأَنَّ الورى كانوا بينهم وأنتما ... أقاموكما فيهم كفيلاً وقيِّما

ومِن بعدِهم في ذلك العبء قمتُما ... فأحييتما ميتَ الندى فكأَنَّما

همُ بكما رُدُّوا إلى الجودِ والمجد ... توارثتُما منهم سماءَ مفاخرٍ

وزيــــنتموها في نجومٍ زواهرٍ ... وقد حزتُما ما أحرزا من ذخائرٍ

وأحرزتما ما خلَّفوا من مآثرٍ ... ولم تدعا شيئاً من الحسبِ العدِّ

كــــرامٌ عــــلى كــــلِّ الأَنــــامِ لهــــم يــــدُ ... وبيتُ علاهم في الزمانِ مشيَّدُ

وليس عليهم زادَ في الفضلِ سيِّدٌ ... لئن زادَ في معنًى طريفٍ محمَّدُ

عليهم فذا فرعٌ لمجدِهم التَلد ... وإن هم ببطنِ الأرضِ من قبلُ أضمروا

فإنَّ لعلياهُم معاليه مظهرُ ... وطيُّ مساعيهم به عادَ يُنشر

وإن دُرِجوا موتى بعلياه عُمّروا ... بعمرٍ لأقصى غايةِ الدهرِ ممتدِّ

فمن جوهرِ العلياءِ كانوا فِرندَه ... وأَوَّلَ مــــــن أورى مــــــن الجـــــودِ زنـــــدَه

درى الحــــيُّ فــــيهم والذي حلَّ لحدَه ... هم شَرَعوا للجودِ في الناسِ نجدَه

ولولاهم ما كانَ للجودِ من نجدِ ... فهل لسواها الزاخراتُ قد اعتزت

وهل غيرُها سحبٌ إذا السحبُ أعوزت ... لقد أحرزت بالوفرِ حمداً فبرَّزت

ولو لم تحز بالوفرِ حمداً لأَحرزت ... حسانُ سجاياها لها أوفرَ الحمد

إذا في الشتاءِ والشولِ غبراءُ روَّحت ... ومــــصَّ الثرى ماءَ الرياضِ فصوَّحت

فإنَّهما فيها سيولٌ تبطَّحت ... أُناسٌ يرى في الكرخِ مَن فيه طوَّحت

إليهم بناتُ الشدقميَّاتِ من بُعدِ ... سنا نارِهم قد صيَّروه نُعوتَهم

لمسترشدِ الظلماء كي لا يفوتَهم ... ويُبصر مَن وافى لكي يستبيتهم

جُــــدَّياً على دارِ السلامِ بيوتَهم ... لكعبةِ جدواهم لمن أُمَّها تهدي

لهم أوجهٌ يستصبِحونَ بها الملا ... كأَنَّ بدورَ التمِّ منهنَّ تُجتلَى

فلو قابلوا فيها دُجى الليلِ لانجلى ... ولو وُزنت فيهم شيوخُ بني العُلى

لما عدلوا طفلاً كان في المهدِ ... فطفلِهم حذوَ المسنِّ قد احتذى

وعزَّتُهم أضحت لعينِ العِدا قَذا ... وكلٌّ مِن الحسَّاد فيها تعوَّذا

وكلاًّ إذا أبصرتَ منهم تقولُ ذا ... مـــــحـــــمَّدُ فــــيــــه شــــارةُ الأبِ والجــــدِّ

رفيع عُلًى لا يطلعُ الفكرُ نجدَه ... حليفُ تقًى لا يعلقُ الإِثمُ بردَه

أخو الحزمِ ما حلَّت يدُ الدهرِ عقدَه ... إذا انــــعــــقــــدَ النــــادي تــــراهُ ووِلدَه

لناديه عِقداً وهو واسطةُ العقدِ ... كأَنَّ عُقاباً فيه بين قشاعمٍ

وليــــثَ عرينٍ فيه بين ضراغمٍ ... وصــــل صَــــفــــاةٍ فــــيــــه بــــين أراقمٍ

عــــلى أنَّهــــم فــــيــــه نجومُ مكارمٍ ... تحفُّ ببدرِ المجدِ في مطلعِ السعدِ

بروقُ عُلاهم من سناها تكشَّفت ... وكــــفُّهم للوفدِ من سيبهِ كَفت

وفي رحمةٍ منه عليهم تَعطَّفت ... وأخلاقهُم من حسنِ أخلاقهِ صفت

ومنها اكتسى لطفاً نسيمُ صبا نجدِ ... فلو نَفحت ميتاً لأحيته حقبةً

ولو كنَّ في المسبوبِ لم يرَ سبَّةً ... ولو كنَّ في المكروبِ لم يرَ كربةً

ولو ذاقها الأعداءُ كانوا أَحبَّةً ... لنوعينِ فيها من رحيقٍ ومن شهدِ

وجودُهُم في المحل من جودِ كفِّه ... وإن شــــمــــخــــت آنــــافُهــــم فــــبأنفِه

وعَرفُ عُلاهم فاحَ من طيب عرفِه ... تضوَّع من أعطافِهم ما بعطفِه

لطائمَ فخرٍ ينتسبن إلى المجدِ ... أَعزُّ بني الدنيا وأَطيبُ عنصرا

لهم عادَ عودُ الفضلِ فينانَ مُثمرا ... وفيهم غدا صبحُ المكارمِ مُسفِرا

سلالةُ مجدٍ هم مصابيحُ في الورى ... بكلٍّ إذا استهدت فذاك هو المهدي

له راحــــةٌ للوفــــدِ تــــبــــســــطُ أنملا ... يشيّمون منها العارضَ المُتهلّلا

فتًى مذ نشا تَدري جميعُ بني العُلى ... له مفخرٌ لو بعضَه اقتسمَ الملا

لزادَ ومـــــا قـــــد زادَ جــــلَّ عــــن العــــدِّ ... وسادوا بما حارَ النُهى في عجيبِه

وبدرُ السما استغنى بهم عن مَغيبه ... فأمسوا وكلٌّ مُشرقٌ في غروبه

وأصبح طلٌّ سامياً في نصيبه ... عَلاً ماله من انتهاءٍ ومن حدِّ

وشــــأوٌ ذوو العــــلياءِ لا يعلقونَه ... وكــــنــــهٌ ذوو الأفهامِ لا يُدركونَه

وقــــدرٌ يــــغضُّ الدهرُ عنه جُفونَه ... وعــــزٌّ أكــــفُّ الدهــــر تُــــحــــســــمُ دونــــه

فيرنو إليه الدهرُ في مُقلٍ رمد ... وحــــلمٌ يُــــراديــــه الزمــــانُ بــــخطبِه

فيُلفيه أرسى من أبانٍ وهضبِه ... وفهمٌ لسقمِ الجهلِ شافٍ بطبِّه

ورأيٌ يرى ما غاب من خلف حجبه ... كأَنَّ بابُه عن رأيه غيرُ مُنسدِّ

يَبيتُ على حفظِ العُلى غيرَ هاجد ... ويبذلُ فيها من طريفٍ وتالد

وتبصرُ منه عينُ كلِّ مُشاهد ... فتًى قد رقت العليا بهمَّةِ ماجد

له أحرزت شأوَ العُلى وهو في المهد ... ومن ساعةِ الميلادِ في حبِّها صبا

وكــــانــــت له أُمًّاــــ وكــــان لهــــا أَبــــا ... فإن تعتجب مِن ذا تَجد منه أعجبا

إذا ما تراءى محتبٍ شُكَّ في الحُبا ... عــــلى رجــــلٍ مــــعقودة أو على أُحد

فإن قلتَ هذا مرهفٌ كان أرهفا ... وأخــــلاقُه هــــنَّ الصــــبا كنَّ ألطفا

وإن قلت ذا ماءُ السما لستَ منصفا ... لعمرُك ما ماءُ السماءِ وإن صفا

بأَطيبَ ممَّاــ منه قد ضمَّ في البُرد ... وَهوبٌ لوَ انَّ البحرَ في كفِّهــ فُني

وآملهُ عن صيّبِ المزنِ قد غُني ... حميدَ سجاياً للمكارمِ يقتني

فريدةُ هذا الدهرِ لو لم نجد بني ... أبيه تعالى عن شيبةٍ وعن ندِّ

كــــرامٌ بــــهــــم ربعُ المكارمِ رُوّضا ... وصبحُ العُلى من نورِهم عادَ أبيضا

همُ في علاهم خيرُ من ضمَّهـ الفضا ... فُروعُ عُلىً منها محمدٌ الرضا

مزايا علاه ليسَ تُحصرُ بالعدِّ ... ســــحــــابٌ عــــلى الوُفَّادِ نائلهُ مُطِل

وسحبانُ يمشي في فصاحتِه ثَمِل ... فإن تُقصرنَ في مدحِ علياهُ أو تُطِل

فلا أحنفٌ يحكيه بالحلم لا وبالفصاحة ... قـــــسّ بـــــل ولا مـــــعـــــن فـــــي الرفـــــد

فــــعــــاديُّ غرسِ المجدِ لُفَّ بغرسه ... وأسُّ العُــــــلى مــــــذ كــــــانَ تــــــربٌ لأُسّه

وإن يــــومُه أثــــنى عليهِ كأَمسه ... فهمَّتهُ في الجودِ طبقٌ لنفسه

ومــــذودُه والحــــزمُ ســــيَّاــــن في الحدِّ ... فــــلا وفــــدَ إلاَّ غــــيــــثُ جــــدواهُ عَــــمَّهُ

وشـــــابَهَ فـــــي الجـــــدوى أبـــــاهُ وعــــمَّه ... ومـــــذ بَـــــشَّرت فــــيــــه القــــوابــــلُ أُمَّه

ســــعى طالباً أوجَ المعالي فأَمَّه ... أخوه كأَن كانا جميعاً على وعدِ

ولمَّاــ هما قد أبصرا غايةَ الأمل ... تلوحُ إذا بالمصطفى فيهما اتصل

فحلَّوا جميعاً رتبةً دونَها زُحل ... وكلّهم جاءوا على نسقٍ من العُلى

واحــــدٍ مــــا عــــن تــــساويه من بُدِّ ... أُولي الحمدِ في عالي الثناءِ شفعتمُ

وإن عنه في معروفِكم قد غنيتمُ ... تهشُّون شوقاً إن دعا من دعوتمُ

بني المجدِ من أبكارِ فكري خطبتمُ ... فتاةً عن الخُطَّابِ تجنحُ للصدِّ

بدايعُ أفكارٍ لها الصِيدُ أذعنت ... وفي حجبِ الأفكارِ عنهم تحصَّنت

لها ما رَنوا يوماً ولا لهمُ رنت ... ولكــــن رأتكم كفوَها فتزيَّنت

لكم وأتت تختالُ في حُللِ الحمدِ ... فلو شامَها الأعشى تحيَّر وامتحن

وإن زهيراً لو يراها بها افتَتن ... وأَنَّى لحسَّانٍ كمنظومِها الحسَن

لها من بديعِ القول نظمٌ بكم إذا النوابغُ ... فـــــي مـــــضــــمــــارِ أعــــجــــازِه تــــكــــدي

على فترةٍ في الشعر إن قيل يُنبذِ ... وإن قــــد بدا لا طَرفَ إلاَّ وقد قُذي

ظهرتُ بنظمٍ فيه ماقِتُهُ غُذي ... ولي أذعـــــنـــــت آيـــــاتـــــهُ وأنــــا الذي

بقيتُ له من بعد أربابه وحدي ... فَــــنــــظَّمــــ من ألفاظِه الدرَّ مِقولي

وفي النظم يبديه كعقدٍ مفصَّلِ ... بديعَ معانٍ إن أفه فيه يُنقل

إذا ما تلوه في العراقِ بمحفل ... سرت فيه أفواهُ الرواة إلى نجدِ

فكم قد تبدَّت فيه للناسِ دُرَّةٌ ... وكم قد تجلَّت منه للشمسِ ضَرَّةٌ

ومــــبــــصرُه قد قالَ هل هو زُهرةٌ ... وسامعُه قد شكَّ هل فيه خمرةٌ

أو أنَّ بنظمِ الشعرِ ضربٌ من الشهدِ ... حكى الروضةَ الغنَّاءَ حسنُ بهائه

وفاقَ على شهبِ الدجا بسنائِه ... وأخفى ضياءَ الشمسِ نورُ ضيائِه

وقد زادَ في تضميخهِ بثنائِه ... عليكم شذا قد طبَّقــ الأرضَ بالندِّ

أَرمَّ لدى إنشادها المفصحُ اللسِن ... وطاشَ حجى الفَهّامةِ الحاذِقِ الفَطِن

فما أنا في إنشائِه قَطُّ مغتبنِ ... ولســـــــتُ بـــــــإطــــــرائي له مــــــزدهٍ وإن

غدا طرفةُ ابنُ العبدِ من حسنِه عبدي ... ولا أنا مَن يُعلي القريضُ محلَّه

ولا مَن يزيدُ النظمُ والنثرُ فضلَه ... حويتُ بقومي المجدَ والفضلَ كلَّه

وما في نظامِ الشعر حمدٌ لِمن لَه ... سنامُ عُلًى ينمى إلى شيبةِ الحمدِ

ومــــفخرهُ سامي السما بعَليِّه ... وعـــــــزتُه مـــــــوصــــــولةٌ بــــــقُــــــصــــــيِّه

وســــــــــــــــؤددُهُ إرثٌ له مِــــــــــــــــن لويِّه ... وبين النبيّ المصطفى ووصيِّه

لنا النسبُ الوضَّاحُ في جبهةِ المجد ... وإن نــــظــــامــــاً أنتجته رويّتي

لنأنف أن يستام عزَّةَ نخوتي ... فما سمحت إلاَّ لكم فيه فِكرتي

فدونكموه فهو في زُبُري التي ... طوت ذكرَ من قبلي فكيفَ الذي بعدي

ولا نضُبت مِن كفِّكم أبحرُ الندى ... ولا أَفَلت من أُفقِكم أنجمُ الهدى

ولا زالَ ربعُ المجدِ فيكم مشيَّدا ... ولا برحت علياكُم تُسخِطُ العِدى

فتكثر عَضَّ الكفِّ من شدَّة الحِقدِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • استنشقت: نشق: النَّشْقُ: صَبُّ سَعوط فِي الأَنف. ابْنُ سِيدَهْ: النَّشُوق سَعُوط يُجْعَلُ أَوْ يُصَبُّ فِي المُنْخُرين، تَقُولُ: أَنْشَقْتُه إنْشاقاً. وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ لِلشَّيْطَانِ نَشوقاً ولَعُوقاً وَدَسَامًا، يَعْنِي أَ … (لسان العرب)
  • الند: (نَدَّ) النُّونُ وَالدَّالُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى شُرُودٍ وَفِرَاقٍ. وَنَدَّ الْبَعِيرُ نَدًّا وَنُدُودًا: ذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ شَارِدًا. وَمِنَ الْبَابِ النِّدُّ وَالنَّدِيدُ: الَّذِي يُنَادُّ فِي الْأَمْرِ، أَي … (مقاييس اللغة)
  • بنشر: نشر: النَّشْر: الرِّيح الطيِّبة؛ قَالَ مُرَقِّش: النَّشْر مِسْك، والوُجُوه دَنانِيرٌ، ... وأَطرافُ الأَكفِّ عَنَمْ أَراد: النَّشْرُ مثلُ رِيحِ الْمِسْكِ لَا يَكُونُ إِلا عَلَى ذَلِكَ لأَن النَّشْرَ عَرضٌ وَالْمِسْكَ جَوْ … (لسان العرب)
  • خالط: خلط: خَلَطَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَخْلِطُه خَلْطاً وخَلَّطَه فاخْتَلَطَ: مَزَجَه واخْتَلَطا. وخالطَ الشيءَ مُخالَطة وخِلاطاً: مازَجَه. والخِلْطُ: مَا خالَطَ الشيءَ، وَجَمْعُهُ أَخْلاطٌ. والخِلْطُ: وَاحِدُ أَخْلاطِ الطِّ … (لسان العرب)
  • دمنتي: دمن: دِمْنةُ الدَّارِ: أَثَرُها. والدِّمْنة: آثارُ النَّاسِ وَمَا سَوَّدوا، وَقِيلَ: مَا سَوَّدوا مِنْ آثَارِ البَعَر وَغَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ دِمَن، عَلَى بَابِهِ، ودِمْنٌ، الأَخيرة كسِدْرة وسِدْر. والدِّمْن: البَعَر. ود … (لسان العرب)
  • رطاب: رطب: الرَّطْبُ، بالفَتْحِ: ضدُّ اليابسِ. والرَّطْبُ: النَّاعِمُ. رَطُبَ، بالضَّمِّ، يَرْطُب رُطوبَةً ورَطابَةً، ورَطِبَ فَهُوَ رَطْبٌ ورَطِيبٌ، ورَطَّبْتُه أَنا تَرْطِيباً. وجارِيَةٌ رَطْبَة: رَخْصَة. وَغُلَامٌ رَطْبٌ: ف … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة