من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الأوّل في المديح (٤)
قلت في مدحه هذه القطعة:
أيّامنا بك بيض كلّها غرروعيشنا بك غضّ مونق نضر
ووجهك المتجلّي للندى مرحاًمن نوره تستمدّ الشمس والقمر
يا شمس دارة أُفْق المجد كم لك منصنايع لم تكن في العدّ تنحصر
لله كم لك من معنىً تحير فيإدراكه العقل والأوهام والفكر
قد قلت للمبتغي جهلاً علاك لقدجريت لكنَّ عنها شأنك القصر
تبغي على ماجد ما رامه أحدإلاّ وعاد بطرف عنه ينحسر
ذاك الذي ما جرى يوماً لنيل علىًإلاّ وقصّر عن إدراكه البصر
كم زرته فرأيت الأرض قد جمعتفي مجلس لفتىً فيه استوى البشر
في العسر واليسر فيه لم يخب أملٌولا تغيّر من أخلاقه الغير
كأنّما صلة الوفّاد واجبةعليه نصّت بها الآيات والسّور
لولاه أصبحت الدنيا بأجمعهاما للسماح بها عين ولا أثر
فليس في السحب من بخل إذا انقشعتلكنّها لحياء منه تستتر
أقول: قد اشتملت هذه المقطوعة على القسم الثاني من الإبداع، والإبداع هو أن يخترع المتكلّم معان غير مسبوق إليها.
قال عبد الحميد: خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً.
وهو أي الإبداع ضربان: أحدهما: ما يبتدع عند الحوادث المتجدّدة.
لمّا بنى عبد الملك باباً للمسجد الأقصى والحجّاج آخر مثله بإزائه فاحترق باب عبد الملك بالصاعنة دونه فشقّ ذلك عليه، فكتب إليه الحجّاج: وما مثلي ومثلك إلاّ كمثل ابني آدم إذ قرّبا قرباناً فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر، فسري عنه.
ولمّا عصفت الريح بخيمة سيف الدولة وكانت خيمة كبيرة، سقطت، فتطيّر من ذلك، فقال المتنبّي من جملة قصيدة:
تضيق بشخصك أرجاؤهاويركض في الواحد الجحفل
ولا تنكرنَّ لها صرعةًفمن فرح النفس ما يقتل
ولمّا أمرت بتطنيبهاأشيع بأنّك لا ترحل
فما اعتمد الله تقويضهاولكن أشار بما تفعل
أي أشار بما تفعله من الإرتحال.
وممّا اتّفق لي في وصف خيمة تنصب على صحن دار سيّدنا المهدي الشهير بالقزويني في العشر الأوائل من المحرّم لإمامة مأتم الحسين ﵇ وكانت الخيمة أوّل عام سوداء ثمّ جعل مكانها في العام الثاني بيضاء، فقلت في ذلك:
اليوم قد صوّت ناعي الهدىيفصح بالنعي ولا يكنّي
بنعي قتيل الطف عند ابنهالمهدي مولى الإنس والجنِّ
وقائل ذا السقف ما بالهابيضَّ وعهدي فيه كالدجن
قلت رأى المهدي مستشعر السواد حزناً باكي الجفن
فصار عيناً كلّه للبكاوها هي ابيضّت من الحزن
وكان الإمام فخرالدين الرازي يجلس للوعظ إذ أقبلت حمامة وخلفها صقر فألقت نفسها في حجر الإمام، فقال ابن عنين:
جائت سليمان الزمان حمامةوالموت يلمع من جناحي خاطف
من نبأ الورقاء إنّ محلّكمحرمٌ وإنّك ملجأ للخائف
وزارني بعض الأكابر ليلاً فاشتدّ هبوب الريح وارتفع غبار كثير، فقلت في ذلك:
بوركت عشيّة زار فيهافمرّ المجد ربعنا فأضاء
وأظنّ الرّياح قد حسدتنافهي وجداً تنفّس الصّعداء
وروى المرزوقي أنّ أبا تمام أنشد المعتصم قصيدته التي يقول فيها:
إقدام عمرو في سماحة حاتمفي حلم أحنف في ذكاء إياس
وكان إسحاق الكندي حاضراً فقال: أمير المؤمنين أكبر من كلّ من شبّهته به، فزاد بديهاً:
لا تنكروا ضربي له من دونهمثلاً شرودا في الندى والبأس
فالله قد ضرب الأقلّ لنورهمثلاً من المشكاة والنبراس
فتعجّب الحاضرون من فطنته وذكائه.
وثانيهما: ما يبتدع من غير شاهد حال. قال المتنبّي في كافور:
فجائت بنا إنسان عين زمانهوخلت بياضاً خلفها ومآقيا
وقال أيضاً:
صدمتهم بخميس أنت غرّتهوسمهريّته في وجهه غمم
فكانت أثبت ما فيه جسومهميسقطن حولك والأرواح تنهزم
وقال التهامي:
ألا إنّ طيّاً للمكارم قبلةوحسان منها ركنها ومقامها
تزاحم تيجان الملوك ببابهويكثر في يوم السلام زحامها
إذا عاينته من بعيد ترجّلتوإن هي لم تفعل ترجّل هامها
وجاء قول بعض المغاربة في الحمر أبدع ما يكون:
ثقلت زجاجات أتتنا فرّغاًحتّى إذا ملأت بصرف الراح
خفّت فكادت أن تطير بما حوتوكذا الجسوم تخفّ بالأرواح
وروي أنّ أبا نؤاس مرّ على أديب يفيد النّاس بشعره، فلمّا افتتح قوله في الخمر:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمرولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر
وقف وقال: أُنظر ما عساه يقول. فقال الأديب: أشار الشاعر بقوله: وقل لي هي الخمر إلى حظّ حس السمع ليحظى بتمام حسّه، فتعجّب منه أبو نؤاس وقال: ما هجس هذا المعنى في خلدي.
وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: قد أحسن الأخطل في قوله:
تدبّ دبيباً في العظام كأنّمادبيب نمال في نقاً يتهيّل
فقلت: أحسن منه قول أبي نؤاس:
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتىدعا همّه من صدره برحيل
والإبداع في هذه المقطوعة من هذا القسم قولي:
وليس بالسحب من بخل إذا انقشعتلكنّها لحياء منك تستر
نبذة من بدايع النحويّين: دخل رجل مجلس كافور فقال: أدام الله أيّام سيّدنا - بكسر الميم - ففطن الناس فقال:
لا غرو إن لحن الداعي لسيّدناوغصّ من دهش بالريق أو بهر
فقد تفألت من هذا لسيّدناوالفال مأثورة عن سيّد البشر
بأن أيّامه خفضٌ بلا نصبوإنّ أوقاته صفو بلا كدر
وقال المتنبّي:
حولي بكلّ مكان منهم خلقتخطي إذا جئت في استفهامها بمن
وقال أيضاً:
إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاًمضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
أي إذا نوى أمراً يفعله مضى قبل أن يقال لا تفعل أو لم تفعل لأنّه لم يسبق إلى ما يهمّ به نهي أو فتور. ولمح الصفي في هذا المعنى في قوله وهو ما نحن فيه:
ما شدّد النون الثقيلة إنّهإن قال يسبق فعله التأكيدا
وقال بعضهم:
كأنّ النوى إذ نادت الدمع رخّمتولا أثر فيها أجاب على العين
وأوضح هذا المعنى من قال:
عجبت من دمعتي وعينيمن قبل بين وبعد بين
قد كان عيني بغير دمعفصار دمعي بغير عين
وقال الآخر:
طيب الهواء ببغداد يشوّقنيقدماً إليها وإن عاقت معاذيري
فكيف صبري عنها الآن إذ جمعتطيب الهوى بين ممدود ومقصور
وقال ابن عنين:
مال ابن مازة دونه لعفاتهخرط القتادة أو مناط الفرقد
مالٌ لزوم الجمع يمنع صرفهفي راحة مثل المنادي المفرد
وقال ابن أبي الأصبع:
أيا قمراً من حسن وجنته لناوظلّ عذاريه الضحى والأصائل
جعلتك بالتمييز نصباً لناظريفهلاّ رفعت الهجر والهجر فاعل
تنقّلت من طرفي لقلبي مع النوىوهاتيك للبدر التمام منازل
فلقد أبدع في قوله: من طرفي لقلبي، لأنّ القلب والطرف من منازل القمر، والطرف رائد القلب. وقال الأرجاني في هذا المعنى وإن لم يكن ممّا نحن فيه:
إن تغش طرفي وقلبي نازلاً بهمافالطرف والقلب كلٌّ منزل القمر
واستأذن رجل سيبويه فلم يأذن له وقيل: ينصرف. فقال: اسمي أحمد وهو لا ينصرف. فقيل: أحمد في المعرفة لا ينصرف وأمّا في النكرة فمنصرف.
ولنرجع إلى ذكر المدائح: قلت في مدحه هذه القصيدة وأرسلتها إليه:
عين فتّانة لها القلب خدرسحرتني وأعين الغيد سحر
طفلة الحيّ شأنها اللهو لكنْحالتا لهوها خضابٌ وعطر
أقرأتني الجمال حرفاً فحرفاًوهو في صدرها المطرّز سطر
وجلت لي وما سوى الثغر كاسٌوسقتني وما سوى الريق خمر
وهدتني بوجهها وهو بدرتحت ليل أضلّني وهو شعر
نشرته دلاً على ولفتنيعناقاً فلذَّ لفٌّ ونشر
ياسقى عهدها حيّاً من ثناياها ودمعي له وميض وقطر
جرحتني بلحظها ثمّ قالتهل لجرح الهوى بقلبك سبر
لا وكاسي محمد حسن الفخربقلبي جرح الهوى مستمرّ
حيّ في مطلع السماح هلالاًعن عيون الراجين لا يستسرّ
مستهلاًّ على يد اليمن فيهبارك السعد وهو طهرٌ أغرّ
ونمى في العلاء غصن صباهوهو من ريق المحاسن نضر
ما نضى بردة الشباب ومنهملؤ برد الزمان مجد وفخر
خلفكم يا مشائخ الحزم عجزاًفات سبقاً كهل التجارب غرّ
من إذا حلبة الخطابة فيهافمّه والخصوم سبق وحضر
قال بالفصل ناطقاً فأرمواوادّعى الففضل سابقاً فأقرّوا
ورأوا نثره الفريد فقالواأكلامٌ يفيه أم فيه درّ
يده ليس تألف الدرهم المضروب مكثاً لكن عليها يمرّ
كره البخل مذ ترعرع حتّىسمعه عن سماع لا فيه وقر
وإلى الآن ليس يدري سوى قول"بلى" منذ قالها وهو ذرّ
ذو محيّاً يكاد يقطر ماء البشر منه لو كان للبشر قطر
وسجاياً كالروض باكره الطلُّنسيم الصبا عليه يمرّ
فهو والمكرمات روح وجسمووشاح يزينها وهي خصر
وبإيداعها له السرّ لطفٌوبتفويضها له الأمر جبر
يا أخا المكرمات وهو نداءأجد المكرمات فيه تسرّ
هاك سيّارة مع الريح لكنتلك شر رواحها وهي دهر
بنت فكر على النوى لك أمتلم يلد مثلها لمثلك فكر
كلّما أثقل الحيا من خطاهاخفّ فيها هوىً إليك مبرّ
حيّها خير ما اجتليت عروساًبنت يوم قبولها منك مهر
أخت عذر جائت على العتب تسعىألها إن تأخّرت عنك عذر
وقلت في أبيه محمّد الصالح هذه القصيدة الفائقة بمحاسنها الرائقة:
بنور وجهك لا بالشمس والقمرأضاء أُفق سماء المجد والخطر
وفي البريّة عن معروفك انتشرترواية الشاهدين السمع والبصر
تحدّثوا عنك حتّى أنّ كلَّ فمبه عبير شذىً من نشرك العطر
وخلقك الروضة الغنّاء ترهم فينطاف بشرك لا في ريق المطر
وكفّك البحر ما غاض الرجاء بهإلاّ وأبرز منه أنفس الدرر
ودار عزّك تغدوا الوفد ناعمةفيها بأرغد عيش مونق نضر
بها الضيوف تحيي منك أكرم منيعطي الرغائب من بدوِ ومن حضر
حيث الجفان على بعد تضيء بهاللطارقين ضياء الأنجم الزهر
لقد غدا الأُفق العلويّ يحسدهاعلى مواقدها في سالف العصر
وودّض لو أنّها كانت له بدلاًمن الكواكب حتّى الشمس والقمر
فالشهبوالبدر يطفي الصبح ضوئهماوالشمس في الليل لم تشرق ولم تنر
لكنَّ دارك لم تبرح مواقدهامضيئة تصل الأصباح بالسحر
ما زلت ترفع فيها للقرى كرماًناراً شكا الأُفق منها لافح الشرر
يا مقرض الله في عصر به وثقتبنوا الزمان بكنز البيض والصفر
يفدي يديك ابن حرص لا حياء لهيلقى العفاة بوجه قدَّ من حجر
جرى لعلياك من جهل فقلت لهلقد جريت ولكن جري منحدر
سما بك الحظ لكن عن علاء أبي المهدي حطّك ذلّ العجز والخور
أنت المعذّب بالأموال تجمعهاخوف البغيضين من فقر ومن عسر
وهو المفرّق ما يحويه مدّخراكنز الخطيرين من حمد ومن شكر
مهذّب يتبع النعمى بثانيةدأباً وجود سواه بيضة العقر
يا ناظراً سير الأمجاد دونك خذمنه العيان ودع ما جاء في السير
تجد به من أبيه كلّ مأثرةما للحيا مثلها في الجود من أثر
له مناقب مجد كلّها غررفي جبهة الدهر بل أبهى من الغرر
ينمى إلى طيبي الأعراق من عقدواعلى العفاف قديماً طاهر الأزر
خذوا بني الشرف الوضّاح كاعبةمولودة الحسن بين البدو والحضر
لم تجلَ في مجلس إلاّ بوصفكمتبسّمت كابتسام الروض بالزهر
أن يصد نقص أناس فكر مادحهمففضلكم صيقل الألباب والفكر
لا زال بيت علاكم للورى كرماًتحجّه الوفد مأموناً من الغير
ومن الشعر الأجنبي القصيدة الرائيّة التي قلتها في الثناء العاطر على صدر الوزارة الأعظم وقد سبقت الإشارة إليها في حرف الحاء عند ذكر الحائية التي قلتها في صبحي بك، والرائيّة هذه:
أحقُّ بالعزّ من لا يرهب الخطراولا يعاقد إلاّ البيض والسمرا
والسيف أجدرُ أن يستلّه لوغىًمن ليس يغمده أو يدرك الظفرا
وأبيض العرض من في كفّه صدرتبيض القواضب من فيض الدما حمرا
لم تقض من وصله بكر العلى وطراًحتّى من الهام يقضي سيفه وطرا
وحوزة الملك أولى في حياطتهامن بات في حفظها يستعذب السهرا
وذي الرعيّة أحرى في سياستهامن بالتجارب غور الدهر قد سبرا
ولى يملك يوماً رقَّ مملكةمن ليس يملأ منها السمع والبصرا
ولا تراض أقاليم البلاد لمنلم تسق من خلقيه الصفو والكدرا
والحلُّ والعقد لم يورد صوابهماإلاّ الّذي ثقةً عن رأيه صدرا
أما نظرت لسلطان البريّة منعلى الرعيّة ظلّ العدل قد نشرا
كيف اغتدى مورداً أسرار حضرتهصدراً أحاط بأسرار النهى خبرا
فقال خذ منصباً أُمّ العلى نصبتأسرّة لك فيه الأنجم الزهرا
هذي الوزارة فاحلل في ذوائبهافالحزم للشمس إن تستوزر القمرا
فقام في رأيه والسيف يجمع منأطراف مملكة الإسلام ما انتُشرا
مؤيّداً بجنود من مهابتهقد انتضى معه آرائه زبرا
إن يجر في حلبات الرأي مبتدراًأخلت له الوزراء الورد والصدرا
وسلّمت لعلاه الأمر مذعنةًلما يقول نهى أن شاء أو أمرا
ذو غرمة مثل صدر السيف باترةلو لاقت الدهر قرناً عمره انبترا
رعى المحبّين فيها البدو والحضراوروّع المبغضين الروم والخزرا
قد قلّد الملك منه سيف ملحمةلو يقرع الصحر بأساً بالدما انفجرا
كم خاض بحر وغىً بالحزم محتزماًبالنقع ملتثماً بالصبر متّزرا
في جحفل إن سرى ضاقت بأوّلهالدنيا وآخره لم يدرَ أين سرى
وجاء والهمّة العلياء فيه أتتكالسيل من قلل الأجبال منحدرا
فعال منتصر لله قام بهافي الله منتهياً لله مؤتمرا
إن ينتقم فحقوق الله يأخذهاوليس يلغي حقوق الله إن غفرا
حلو السجايا رقيق طبعه عذبتله خلائق ينفي صفوها الكدرا
خلائق كالحميا لو ترشفهامن كان يبغضه في حبّه سكرا
آنستِ يا وحشة الدنيا بذي كرمأحيى بجدواه ميت الجود فانتشرا
ليس السحائب تحكيه وقد علمتمن كفّه ماؤها قد كان معتصرا
ولا البحار تضاهيه وإن طفحتأمواجها فهي بخلاً تكنز الدررا
يا من نرى النّاس أنّى عاب غائبةًجميعها وحضوراً أينما حضرا
أمجلساً لك هذي الأرض قد جمعتأم أنت قد ضمنت أبرادك البشرا
إنّ الصدارة لم يصلح سواك لهاكأنّها أبداً عينٌ وأنت كرى
لا زال سعدك بالإقبال مقترناًيستخدم المبهجين الفتح والضفرا
وكان عبد الباقي أفندي العمري نظم قصيدة في مدح النبي ﵌ وأرسلها إليّ طالباً تخميسها فخمّستها وأرسلتها إليه، فبعث إليّ بمقطوعة يمدحني بها على ذلك - وستأتيان في حرف القاف - فبعثت إليه بهذه القصيدة شاكراً:
باتت تروّحني بنشر عبيرهابيضاء تجلو النيّرين بنورها
وجلت عَلَيّ مدامةً بمفاصليمنها وجدت فتور عين مديرها
ورأيت شعلة خدّها من كأسهاقد أوجستها مهجتي بضميرها
ودنت إليّ فأسفرت عن وجنةحسداً تموت الشمس عند سفورها
ورنت بناظرتي عقيلة ربرببكرت تريع إلى نطاف غديرها
وصفت لعيني في بدايع حسنهاحور الجنان فخلتها من حورها
ثمّ انثنت غنجاً تصدُّ بمقلةسرقت من الآرام لحظ غريرها
وتستّرت بضفائر لو تحتهاسرت الكواكب مااهتدت لمسيرها
باتت ترفرف بين أنفاس الصباوتضوع بين ورودها وصدورها
حتّى لقد حملت شذىً من عرفهاأشفقت تعرفه الورى بعبيرها
فوددت أقطع كفَّ ماشطة الصباكي لا ترجّل جعدها بمرورها
ولئن ضننت على النسيم بها فلاعجبٌ ولو وافى بوقت هجيرها
فبمقلتي لو لم أخف إنسانهالحجبتها عن لحظ عين سميرها
وكذبت ما في العين إنسان ولافي العالمين صغيرها وكبيرها
من أين إنسان لعيني غيرهاوالناس غير أبي الحسين أميرها
ألها أميرٌ في البلاغة غيرهوبها تشير إليه كفّ مشيرها
ولئن إليه غدت تشير فإنّهاما أدركته بفكرها لقصورها
فرأت مناقب منه فاروقيّهًما إن تزيّنت العلى بنظيرها
ومآثراً عمريّة بقليلهاكثرت عداد الشهب لا بكثيرها
نفحت بعارفة عَلَيّ خطيرةقد أفحمت منّي لسان شكورها
جذبت بضبعي فارتقيت بها علىهام المجرّة رافلاً بجبيرها
فلو أنّ أعضائي تحوّل ألسناًتثني عليه إلى انقطاع دهورها
بقصائد حبّات قلبي لفظهاوسواد أحداقي مداد سطورها
ما كنت أبلغ شكرها فيه ولوأنّي ملأت الكون في تحريرها
هو ذاك منتجع الفصاحة مجتنىثمر البلاغة مستمدّ غزيرها
ربّ القوافي السائرات بحيث لميقطع نهاية سيرها ابن اثيرها
وكميُّ مزبرة ترى لسن الضباخرساً إذا نطقت بآي زبورها
من عن لسان الروح أصبح ناطقاًلا عن لسان لبيدها وجريرها
بزواهر نجمت فأطفأ ضوئهاشعل النجوم الزهر عند ظهورها
وكأنّما طبعت بمرآة السمابدل الكواكب شكلهنّ بنورها
لم ينشها إلاّ عقوداً ناثراًلنظيمها أو ناظماً لنثيرها
مدحاً يفصّلهنّ مابين الورىلنذيرها الهادي وآل نذيرها
إنّ القوافي ما برحن فواركاًلم تمنح الشعراء غير نفورها
واليوم قد صارت طروقة فحلهامنه وفرّ نفارها بمصيرها
مسكت خطام قيادها يده وهملم يمسكوا إلاّ خطام غروّها
فله ذكور اللفظ دون إناثهاولهم إناث اللففظ دون ذكورها
لا زال منها ناظماً مالم يدعفضلاً لأوّلها ولا لأخيرها
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع