تجاوز إلى المحتوى

من «نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد» لمحمد بن عبد القادر الجزائري (ت ١٣٣١هـ)

الفصل الأول في العربي

اعلم أن الخيل على أربعة أقسام: عربي وهجين ومقرف وبرذون، فالعربي هو الذي أبوه وأمه متساويان في الأصل، ويسمى: عتيقاً لعتقه من العيوب وسلامته من الطعن فيه، والغالب أن يكون متوسط الجسم متناسب الأعضاء يعجب كل من رآه. قال الأعشى:

تدر على غير أسمائهامطرفة بعد إتلادها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أجدك لم تغتمض ليلة»

المطرف: كريم الآباء والأمهات، والتلاد: المال القديم المورث عن الآباء، وقال البحتري:

وافي الضلوع يشيد عقد حزامهيوم اللقاء على معم مخول

وقال أبو تمام:

وتهب لي بعجاج موكبك الصباإن السماحة تحت ذاك القسطل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ليس الوقوف بكفء شوقك فانزل»
بالراقصات كأنها رسل القضاوالمقربات بهن مثل الأفكل
من نجل كل تليدة أعراقهطرف معم في السوابق مخول
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ليس الوقوف بكفء شوقك فانزل»

المقربات: ما تقرب من البيوت لكرمها، والأفكل: الرعدة.

وقال آخر:

فلما رأوا ما قد رأته شهودهتنادوا ألا هذا الجواد المؤمل
أبوه ابن زاد الركب وهو ابن أختهمعم لعمري في الجياد ومخول

وقال ابن الخطيب الأندلسي:

أو من كميت لا نظير لحسنهسام معم في السوابق مخول

المعم: كريم الأعمام، والمخول: كريم الأخوال. ويقال: كرم الفرس، إذا رق جلده ولان شعره وطابت رائحته، ويكنى الفرس العربي بأبي شجاع وأبي مدرك وأبي المضمار وأبي المنجي.

روي عن عبد الله بن عريب الملكي عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "الجن لا تخبل أحداً في بيته عتيق من الخيل". وقال ﷺ: "إن الشيطان لا يخبل أحداً في دار فيها فرس عتيق". وقال ﷺ: "إن الشيطان لا يدخل داراً فيها فرس عتيق"، وروي أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أرجم بالليل، فقال له ﷺ: "اربط فرساً عتيقاً" فلم يرجم بعد ذلك. وروي "أن إبليس أتى عيسى بن مريم ﵇ فقال له: عيسى إني سائلك عن شيءٍ فهل أنت صادق فيه؟ فقال: يا روح الله سلني عما بدا لك. فقال: أسألك بالحي القيوم الذي لا يموت ما الذي يسبل جسمك ويقطع ظهرك، قال: سهيل فرس في سبيل الله في قرية من القرى، أو حصن من الحصون، ولست أدخل داراً فيها فرس عتيق". وعن عمر بن عبد العزيز قال أثبت لي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من كان له فرس عربي فأكرمه أكرمه الله تعالى، وإن أهانه أهانه الله تعالى". وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من فرس عربي إلاّ يؤذن له عند كل سحر بدعوتين: اللهم خولتني من خولتني من بني آدم وجعلتني له فاجعلني أحب أهله وماله إليه". وعن عمر بن خديج أنه قال: "لما فتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها خيولهم، فمر معاوية بأبي ذر وهو يمرغ فرساً له فسلم عليه ووقف فقال: يا أبا ذر! ما هذا الفرس لا أراه إلاّ مستجاباً؟ قال: وهل تدعو الخيل؟ قال: نعم ليس من ليلة إلاّ والفرس يدعو ربه فيها، فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسك هذا إلا مستجاباً". وعن وهب بن منبه قال: "ما من تسبيحة ولا تكبيرة تكون من راكب فرس، إلا والفرس يسمعها ويجيبه بمثل قوله". وعن مكحول: "أن النبي ﷺ هجن الهجين يوم خيبر وعرب العربي: للعربي سهمان وللهجين سهم". وعن أبي موسى أنه كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁: "إنا وجدنا بالعراق خيلاً عراضاً دكاً فما ترى يا أمير المؤمنين في سهماتها فكتب له: تلك البراذين، فما قارب منها العتاق فاجعل له سهماً واحداً، والغُ ما سوى ذلك". وعن أبي الأنمر قال: "أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادي ضحى الغد، ورئيس الخيل المنذر بن أبي خصمة الهمداني فقال: لا أجعل التي أدركت من يومها مثل التي لم تدرك. فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هبلت الوادعي أمه، لقد أذكرت به ولقد أذكرني أمراً كنت نسيته أمضوها على ما قال".

قوله: هبلت الهبل الهلاك، والعرب تطلق هذه الكلمة ونظائرها من الدعاء بالمكروه ولا تريد بها شراً، وقد تجريها مجرى المدح عند استعظام الشيء، كقولهم ما له قاتله الله، وقولهم: هبلته أمه، وقوله: لقد أذكرت به، أي: جاءت به ذكراً شهماً. وقد فرقوا بين الإنسان والخيل، فقالوا في الإنسان: عرب وأعراب، وفي الخيل والإبل: عراب، وهي خلاف البراذين والبخاتي. والمعرب من الخيل: الذي ليس في عرقه هجين، والأنثى: معربة، وأعرب الفرس: إذا عرف عتقه من صهيله، والإعراب: معرفة الناس العربي من الهجيم إذا صهل قال الجعدي:

ويصهل في مثل جوف الطوىصهيلاً تبين للمعرب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

(أي ظهر أنه من العراب حين سمع صهيله)

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في بيان أنواعها وفضل الذكر منها على الأنثى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.