من «نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد» لمحمد بن عبد القادر الجزائري (ت ١٣٣١هـ)
المطلب الثالث في ترتيب خيل الحلبة وذكر أسمائها
الحلبة - بالتسكين - خيل تجمع للسباق من كل أوب، لا تخرج من موضع واحد، وتجمع على حلائب وحلبات. قال الشاعر:
نحن سبقنا الحلبات الأربعاالفحل والقرح في شوطٍ معا
وقال سويد بن شداد العبسي يخاطب فرسه:
أناصح أبرز للسباق فإنهاغداة رهان جمعته الحلائب
فإنك مجلوب علي ضحى غدومالك إن لم يجلب الله جالب
وقال عتاب بن الأصم:
يا حزم قد جد الرهان بالقدمليس عليك اليوم في جري لوم
إن أنت جليت الوجوه ذي اليوم
وموضع المسابقة، يسمى: المبطان، أي: موضع الذي يوطن لترسل منه الخيل، ويسمى: المضمار، قال أبو عبيد الله بن الخطيب:
ما ضرني إن لم أكن متقدماًفالسبق يعرف آخر المضمار
ولأن غدا ربع البلاغة بلقعاًفلرب كنز في أساس جدار
والمبنى والمبدا: هي غاية مدى السبق المتفق عليه، ويقدرونه بالغلوات قال غيلان الربع:
أمسوا فغادرهن حول المطاءبمئتين بغلا الغلاء
والغلوة: منتهى غاية المريح، وهو سهم خفيف يوضع في القوس ويرمى به، بشرط أن يرفع راميه يديه بقدر ما أمكنه، ويضعون السبق على رؤوس قصب الرماح عند منتهى الغاية.
روي أن سعيد بن العاص سابق بين الخيل في الكوفة فجعلها مئة قصبة، وجعل لأخيرها قصبة ألف درهم. ومنه قولهم: (حاز فلان قصب السبق) أو: يبنون في منتهى الغاية بناء يشبه المنارة، ويضعون السبق عليه ويسمونه: (الطربال)، قال دكين:
حتى إذا كان دوين الظربالرجعن منه بصهيل صلصال
مطهم الصورة كالتمثال
وينصبون قبل إرسال الخيل حبلاً يسمونه: (المقوس) يجعل في صدورها لتكون متساوية عند الإرسال، قال الشاعر:
إن البلاء لدى المقوس مخرجما كان من عيب ورجم ظنون
وقال المتنبي:
وما الخيل إلا كالصديق قليلةوإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتهاوأعضائها فالحسن عنك مغيب
أي: أن منزلة الخيل من الإنسان كمنزلة الصديق، فالجياد منهل قليلة وإن كثرت في العدد عند من لم يجربها، وعند الامتحان يكرم الشيء أو يهان. وفي الحديث: "الخيل تجري بأعراقها وعنقها، فإذا وضعت على المقوس جرت بجدود أربابها"، وفي الطلب: على إقبال فرسانها، وفي الهزيمة: على آجالهم، ومن الأمثال: (عند الرهان تعرف السوابق). وقال الشاعر:
ولا يسبق المضمار في كل موطنمن الخيل عند الجد إلا عرابها
وقد "نهى النبي ﷺ عن الجلب والجنب في المسابقة"، والجلب: أن يتبع الرجل فرسه، فغن قرب من الغاية زجره وجلب عليه، وهذا مما يعين الفرس على الجري. والجنب: أن يجنب مع الفرس الذي سابق عليه فرساً آخر، فيرسل حتى إذا دنا تحول راكبه على الفرس المجنوب، فأحرز السبق. والأول: من نوع الخديعة وكانوا يرسلون خيل الحلبة عشرة عشرة ولكل واحد منها اسم، فالأول: المجلس ثم المصلي ثم المسلي ثم التالي ثم المرتاح ثم العاطف ثم المؤمل ثم الخطي ثم اللطيم ثم السكيت - بتشديد الكاف، وقد تخفف -.وقال الجاحظ: كانت العرب تعد السوابق ثمانية ولا تجعل لما وراءها حظاً. فأولها: السابق، ويسمى: متجرداً؛ لأنه انجرد من الحلبة وتقدمها، ثم المصلي، ثم المقفي، ثم التالي، ثم العاطف، ثم المزمر، ثم البارع، ثم اللطيم، وما جاء بعد ذلك لا يعتد به. وكانت العرب تلطم وجه التاسع وإن كان له حظ. وقال أبو عبيدة: لم نسمع في سوابق الخيل ممن يوثق بعلمه أسماء لشيءٍ منها، إلا المصلي للثاني، والسكيت للعاشر، وما سوى ذلك يقال له: الثالث والرابع وهكذا إلى التاسع، وحكى المسعودي قال: جاء غلام الرقي إلى المتقي بالله العباسي فتحادثا واتصل الحديث بأخبار الحلائب ومراتب الخيل فيها فقال الغلام: يا أمير المؤمنين أذكر لك قولاً جامعاً أخبرني به كلاب بن حمزة العقيلي قال: كانت العرب ترسل خيلها عشرة عشرة أو أسفل، والقصب تسعة، ولا يدخل الحجر المحجر إلا ثمانية، وهذه أسماؤها: الأول السابق: وهو المجلي؛ لأنه جلى عن صاحبه ما كان فيه من الكرب والشدة، والثاني: المصلي؛ لأنه وضع جحفلة على قطاة المجلي، وهي صلاته، والصلاة: عجب الذنب، والثالث: المسلي؛ لأنه سلى عن صاحبه بعض همه، والرابع: لأنه تلى المسلي، والخامس: المرتاح مأخوذ من راحة الكف؛ لأن فيها خمس أصابع والعربي إذا أومأ إلى خمسة من العدد فتح يده وفرق أصابعه، فالخامس: مثل خامسة الأصابع. والسادس: حظيّاً، فقد أعطى النبي ﷺ السادس قصبة. ذكر ابن بنين: "أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل، والمصلي حلتين، والثالث حلة، والرابع ديناراً، والخامس درهماً، والسادس قصبة. وقال: بارك الله فيك وفي كلكم وفي السابق". ويسمون السابع: العاطف؛ لأنه قد عطف بشيءٍ وإن قل ودخل المحجرة، أي: الحظيرة التي اتخذوها لدخول السابق منها، والثامن: المؤمل تفاؤلاً، كما يسمون الفلاة: مفازة، واللديع: سليماً، لأنه يؤمل سبقه حيث قرب من بعض ذوات الحظوظ، والتاسع: اللطيم؛ لأنه لو رام المحجرة للطم دونها. والعاشر: السكيت؛ لأن صاحبه يسكت حزناً وحياءً، وكانوا يجعلون في عنق السكيت حبلاً، ويجعلون عليه قرداً، ويعطون للقرد سوطاً، فيركضه تعييراً لصاحبه، قال الوليد بن حصين الكلبي:
إذا أنت لم تسبق وكنت مخلفاًسبقت إذا لم تدع بالقرد والحبل
وإن تك حقاً بالسكيت مخلفاًفتورث مولاك المذلة بالنبل
وأشر بقوله: (فتورث مولاك المذلة بالنبل) إلى ما يفعله البعض من رمي السكيت بالنبل حتى ينجعف، كما يفعل النعمان بن المنذر بفرسه النهب، وكانوا يمسحون وجه السابق. قال ابن عبد ربه:
وإذا جياد الخيل ما طلها المداوتقطعت في شأوها المبهور
فالووا عناني في الحلائب وامسحوامني بغرة أشقر مشهور
وقال جرير:
إذا شئتم أن تمسحوا وجه سابقجواد فمدوا في الرهان عنانيا
وقال كلاب بن حمزة: لم نعلم أحداً من العرب في الجاهلية والإسلام وصف خيل الحلبة العشرة بأسمائها وصفاتها ومراتبها غير محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان بقوله:
شهدنا الرهان غداة الرهانبجمعية ضمها الموسم
نقود إليها مقاد الجميعونحن بصنعتها أقوم
غدونا بمقوورة كالقداحغدت بالسعود لها الأنجم
مقابلة نسبة في الصريحفها هي للأكرم الأكرم
فمنهن أحوى طمر أغريفوت الخطوط إذا يلجم
تلألأ في وجهه قرحةكأن تلألؤها المرزم
ومنها كميت بهي الصفاتوأشقر ذو غرة أرثم
وأدهم ليس له غرةلقد حاز من فضلها الأدهم
فقيدت لمدخور ما عندهالمنتظري أنها تنجم
عليهم سحم صغار الشخوصوكالأسد صوتاً إذا تنجم
كأنهم فوق أثباجهازرازير في نعف حوم
فصفت على الحبل في محضريلي أمره ثقة مسلم
تراضوا به حكماً بينهمفبالحق بينهم يحكم
وربك بالسبق عن ساعةمن الناس كلهم أعلم
فقلت ونحن على جدةمن الأرض نيرها مظلم
لقد فرغ الله مما يكونومهما يكن فهو لا يكتم
فأقبل في إثرنا نافركما يقبل الوابل المنجم
وأتبع فوضي مرفضةكما أرفض من سلكه المنظم
أو السرب سرب القطا راعهمن الجو شواذنق أظلم
فواصل من كل سقط لهكأن عنابيبها العندم
وللمرء من قدح ما تستثيرسنابكهن سنا يحذم
فجلى الأغر وصلّى الكميتوسلى فلم يذمم الأدهم
وأردفها رابع تالياوأين من المنجد المتهم
وما ذم مرتاحها خامساًوقد جاء يقدم ما يقدم
وجاء الحظي لها سادساًفأسهم حصته المسهم
وسابعها العاطف المستحيريكاد لحيرته يحرم
وجاء المؤمل فيما نجيبوغنى له الطائر الأشيم
حذى سبعة وأتى ثامناًوثامنه الخيل لا تسهم
وجاء اللطيم لها تاسعاًفمن كل ناحية يلطم
يخيب السكيت على إثرهحياؤه من خزيه أعظم
كأن جوانبه بين ذيجمانة نيط بها قمقم
على ساقة الخيل يعدو بهمليماً وسائسه ألوم
إذا قيل من رب ذا لم يجبمن الخزي بالصمت مستعصم
ومن لا يقد للحلاب الجيادوشيكاً لعمرك إن يندم
وما ذو اقتضاب لمحمولهاكمن ينتميها ويستلزم
فرحنا بسبق شهرنا بهونيل به الفخر والمغنم
وأحرزنا عن قصبات الرهانرغائب أمثالها تقسم
بروداً من القصب موشيةوأكيسة الخز والملحم
فراحت عليهن منشورةكأن حواشيهن الدم
ومن ورق صامت بدرةينوء بها الأغلب الأعصم
ففضت لهن خواتيمهاوبدرتنا الدهر لا تختم
نوزعها بين خدامهاونحن لها منهم أخدم
وإنا لنرتبط المعربات في اللدنات فلا ترزم
نعدلها المحض بعد الثليثكما يصلح الصبية المطعم
ونخلطها بصميم العيالبمن لم يخب وهو المحرم
مشاربها الصافيات العذابومطعمهن هو المطعم
فهن بأكناف أبياتناصوافهن يصلهن أو حؤم
ونظمها الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي بقوله:
قالوا المجلي أول ثم المصلي بعدهثم المسلي ثالث والتالي طرف رابع
والخامس المرتاح ثم عاطف سادسهمثم الحظي بعده وهو الجواد السابق
والثامن مؤمل ثم اللطيم تاسعسكيتهم عاشرهم أهلة طوالع
فكلهم آخرهم فلا يعد فيهم=إن المجلي أول وتسعة توابع ثم قال: المحفوظ عن العرب السابق ثم المصلي والسكيت الذي هو العاشر، والسابق هو الأول وهو المجلي والمبرز، وسائر ما ذكر من الأسماء؛ فإن بعض الحفاظ من أهل اللغة قال: أراها محدثة، والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع