من «نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد» لمحمد بن عبد القادر الجزائري (ت ١٣٣١هـ)
المطلب الرابع فيما ورد فيها عن الملوك والأمراء
اعلم أن أكثر ما يتفاخرون باقتنائه ويتباهون بالاعتناء به، ارتباط كرائم الخيل يجلبونها من الآفاق، ويسبرون عتاقها بحسن السباق، ويتخذون طراد الحلبة ميدان مراحهم ومضمار انشراحهم، ويحتفلون ليومه، ويستدعون لشهوده الأعيان، ويستحضرون لمشاهدته ذوي الخبرة والفرسان. ولا ريب في أن الملوك بهذه الوسيلة يتوصلون إلى حماية ملكهم إذ لا يحامي عنه إلاّ كل شجاع جواد على متون الصافنات العتاق فبها يملؤون قلوب الأعداء رعباً، ويذيقونهم نكال الحرب طعناً وضرباً.
ذكر أبو الفرج الأصبهاني أن المهدي العباسي أجرى الخيل فسبقها فرسه الغضبان، فطلب الشعراء فلم يجد منهم أحداً غير أبي دلامة، فقال له: قلده يا يزيد، فقلده عمامته ليضحكه بذلك، فقال له المهدي: يا ابن الخنا أنا أكثر منك عمائم، إنما أردت أن تقلده شعراً، ثم قال: يا لهفي على العماني، فأحضروه فقال له: قلد فرسي هذا فقال:
قد غضب الغضبان إذ جد الغضبوجاء يحمي حسباً فوق الحسب
من إرث عباس بن عبد المطلبوجاءت الخيل به تشكو النصب
له عليها ما لكم على العرب
فقال المهدي: أحسنت والله! وأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال ابن الأعرابي: أجرى هارون الرشيد خيله فجاء فرسه المشمر سابقاً، وكان معجباً به، فأمر الشعراء أن يصفوه فقال أبو العتاهية:
جاء المشمر والأفراس يقدمهاهوناً على رسله منها وما انبهرا
وجاء الريح حسرى وهي جاهدةومر يختطف الأبصار والنظرا
وذكر المسعودي: أن الرشيد أجرى الخيل، فلما أرسلت صار إلى مجلسه في صدر الميدان حيث توافى إليه الخيل، فكان في أوائلها سوابق من خيله، يقدمها فرسان في عنان واحد، لا يتقدم أحدهما على صاحبه فتأمل أحدهما فقال: فرسي والله، ثم تأمل الآخر فقال: فرس ابني المأمون. فكان فرسه السابق وفرس المأمون ثانية فسر بذلك. فلما انقضى المجلس وهم بالانصراف، قال الأصمعي: - وكان الفضل بن الربيع حاضراً - فقلت: يا أبا العباس! هذا يوم من الأيام، فأحب أن توصلني إلى أمير المؤمنين. فقام الفضل وقال: يا أمير المؤمنين هذا الأصمعي يذكر شيئاً من الفرسين يزيد الله بن أمير المؤمنين سروراً، فقال: هاته فلما دنا قال: ما عندك يا أصمعي؟ قال: يا أمير المؤمنين كنت وابنك اليوم والفرسين كما قالت الخنساء:
جارى أباه فأقبلا وهمايتعاوران ملاءة الحضر
حتى إذا بدت القلوب وقدلزت هناك القدر بالقدر
وهما كأنهما وقد برزاصقران قد حطا على وكر
برزت صحيفة وجه والدهومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويهلولا جلال السن والكبر
وذكر المقريزي: أن العزيز بالله سابق بين الطيور، فسبق طائر الوزير يعقوب طائر العزيز، فشق ذلك على العزيز، ووجد أعداء الوزير سبيلاً إلى الطعن فيه، فكتبوا إلى العزيز أنه قد اختار من كل صنف أعلاه، ولم يترك لأمير المؤمنين إلاّ أدناه حتى الحمام فبلغ ذلك الوزير فكتب إلى العزيز:
قل لأمير المؤمنين الذيله العلا والمثل الثاقب
طائرك السابق لكنهلم يأت إلاّ وله حاجب
فأعجب العزيز ذلك، ولم يلتفت للواشي. وقال ابن ظافر: ركب المعتمد على الله أبو القاسم بن عباد للنزهة بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه وخواص شعرائه: فلما أبعد أخذ في المسابقة فجاء فرسه بين البساتين سابقاً فرأى شجرة تين قد أينعت وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت، فسدد إليها عصا كانت بيده فأصابها وثبتت على أعلاها، فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها، ثم التفت إلى ابن جامع الصباغ فقال له أجز:
كأنها فوق العصا فقالهامة زنجي عصى
فزاد سروره بحسن ارتجاله وأجزل جائزته. وقال الوزير عبد الغفور الكاتب يصف فرساً أشهب للأمير يحيى بن سير جاء سابقاً:
يا ملكاً لم يزل قديماًبكل علياء جد وامق
وسابقاً في الندى أتتناجياده في المدى سوابق
لله منها أسيل خدٍّأهريت شدقيه كالجوالق
حديد قلب حديد طرفذو منكب يشبه البواسق
ذو جشة في الصهيل دلتمنه على أكرم الخلائق
أشهب كالرجع مستطيركأنه الشيب في المفارق
خب غداة الرهان حتىأجهد في إثره البوارق
ما أنس لا أنس إذ شالهامشربات مثل البواشق
وبدها شزباً عتاقاًلم ترض عن خصرها العواتق
فقمن يمسحن منه رشحاًمطيبات به المخانق
أفديه من شافع لبيضقد كن عن بغيتي عوائق
أنضع منه لرأي عينيسود عذار الفتى الغرانق
وحكي أن الحجاج كتب إلى قتيبة بن مسلم، أنه قد اجتمعت جياد خيل العرب بخراسان فاكتب إلى أهل الكور وأمرهم بإجراء الخيل وابعث إلي بسوابقها. فبعث إليه بفرسه الأشقر والرؤاسي وهما أبناء الحميراء، فجاءت بهما رسله، فعرض لهما لص يسمى أشكاب، فسرق الأشقر وجاؤوا بالرؤاسي إلى عبد الملك بن مروان فاستوهبه منه أخوه بشر فوهبه إياه. فكانت خيل بشر من بناء الرؤاسي، وهي سوابق الخيل في العراق. وحكي أن بشراً سابق بفرسه من بنات الرؤاسي خيل يوسف بن عمر فسبقها فشق عليه ذلك. وبعد مدة قيل ليوسف بن عمر ألا تجري الخيل؟ فقال: الآن ابعثني وابعث بالسبق إلى عبد الملك، لأن بشراً حمل بعض الرؤاسي على بعض، فرققن وضعفن، والزائدية أغلظ منها وأقوى، وسمي الرؤاسي لأن رجلاً من سليم يسمى عبد الملك رأس استوهب ما في بطن الحميراء من معقل بن عروة فوهبه إياه. فلما وضعته أعجب معقل، فقال لعبد الملك: دعه وأهب لك ما شئت، فأبى فقال معقل: إذن لا ألبؤه لك فقال: هاته. فأخذه واشترى له برزونة، حين وضعت فألبأه منها ثم خدمه حتى أجدع، فأرسله في الحلبة فلم يصنع شيئاً ثم أثنى فأرسله في الحلبة فلم يصنع شيئاً. فأعاره إلى رجل من دهاقين خراسان، فابتذله فانتسب أي رجع إلى نسبه ونزع إلى عرقه بعد ما أربع، فكان سابقاً لا يجارى، وكان معقل خبيراً بالخيل، فإذا أجريت استدبرها فأيها كان أدنى سنبكاً من الأرض سابق عليه، فالزائدية سوابق خيل الشام، والرؤاسية سوابق خيل العراق. وحكى المسعودي: أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك كان مغرماً بالخيل وجمعها للحلبة؛ وكان فرسه السندي جواداً سابقاً إلاّ أنه يقصره في الحلبة عن فرس هشام المعروف بالزائد. وربما جاء معه مصلياً، فأجرى الوليد الخيل يوماً بالرصافة، وكانت الحلبة ألف قارح، فوقف بها ينتظر الزائد ومعه سعيد بن العاص، وكان جواده المصباح فيها فلما طلعت الخيل قال الوليد:
خيلي ورب الكعبة المحرمةسبقن أفراس الرجال اللومة
كما سبقناهم وحزنا المكرمه
فأقبل فرس يسمى الوضاح أمام الخيل فلما دنا صرع فارسه وأقبل المصباح فرس سعيد يتلوه وعليه فارسه فقال سعيد:
نحن سبقنا اليوم خيل اللومهوصرف الله إلينا المكرمه
كذاك كنا في الدهور المقدمهأهل العلا والرتب المعظمه
فضحك الوليد لما سمعه، وخشي أن يسبق فرس سعيد فركض فرسه حتى ساوى الوضاح، فقذف بنفسه عليه ودخل سابقاً. ثم عرضت على الوليد الخيل في الحلبة الثانية، فمر به فرس لسعيد فقال: لا نسابقك أبا عنيسه وأنت القائل: (نحن سبقنا اليوم خيل اللومة) فقال سعيد: ليس كذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت (نحن سبقنا اليوم خيلاً لومه) فضحك الوليد وضمه إلى نفسه وقال: لا عدمت قريش أخا مثلك. وقال الأصمعي: حدثني ابن قتب قال: قدم أعرابي من أهل نجد على الوليد بن عبد الملك وقد ضمر الخيل للمسابقة، فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين أريد أن أرسل خيلي مع خيلك، فقال: كيف تراها فقال: حجازية لو ضمها مضمارك ذهبت. فقال له الوليد: ما اسمك؟ قال: أسيلم بن الأحنف، فقال له: إنك لمنقوص الاسم أعوج اسم الأب. ثم أرسلت الخيل فسبق الأعرابي على فرسه حزمة. فقال له الوليد: أواهبها أنت لي؟ قال: إنها قديمة الصحبة ولها حق، ولكني أحملك على مهر لها قد سبق عاماً أول، وهو في بطنها له تسعة أشهر والمهر إذا أتت عليه عشرة أشهر في بطن أمه ربض، أي: تحرك. وقال أيضاً: كان ابن هشام بن عبد الملك يعتني بشأن الخيل حتى أن خيله لا تكاد تسبق فسبقت له فرس وصلت أختها ففرح بذلك، وقال: عليَّ بالشعراء، قال أبو النجم فدعينا له فقال: قولوا في هذه الفرس وأختها. فطلب الشعراء منه المهلة، وقلت مرتجلاً:
أشاع للغراء فينا ذكرهاقوائم عوج أطعن أمرها
وما نسينا بالطريق مهرهاحين نقيس قدره وقدرها
وصبره إذا عدا وصبرهاوالماء يعلو نحره ونحرها
مملومة شد المليك أسرهاأسفلها وبطنها وظهرها
قد كان هاديها يكون شطرها
قال أبو النجم: فأمر لي بجائزة وانصرف القوم. وقال أيضاً:
ثم سمعنا برهان نأملهقيد له من كل أفق جحفله
فقلت للسائس قد أعجلهعدواً ولعناً في الرهان نرسله
نعلو به الحزن ولا نسهلهإذا علا الأخشب صاح جند له
ترنم النوح يبكي مثكلهكان في الصوت الذي يفصله
زمار دف يتغنى جلجلهحتى وردنا المصر يطوي قنبله
طي التجار العصب إذ تنخلهوقد رأينا فعلهم فنفعله
وأبتع الأيدي منه أرجلهقمنا على هول شديد وجله
نمد حبلاً فوق خط نعد لهنقول قدم ذا وهذا أدخله
وقام مشقوق القميص يعقلهفوق الخماسي قليلاً يفضله
أدرك عقلاً والرهان عملهحتى إذا أدرك خيلاً مرسله
ثار عجاج مستطير قسطلهتنفش منه الخيل ما لا تغزله
مرا يغطيها ومرا تجعلهمر القطا صب عليه أجدله
وهو رخي البال سام دهلهقدامها ميلاً لمن يمثله
تطيره الحن وحيناً ترجلهتسبح أخراه ويطفو أوله
ترى الغلام ساجياً ما تركلهتعطيه ما شاء وليس يسأله
كأنه من زبد تسربلهفي كرسف النداف لولا بلله
تخال مسكاً عله معللهثم تناولنا الكلام نشرله
عن مقرع الكتفين حلو عطلهمنتفخ الجوف عريض كلكله
فوافت الخيل ونحن فشكلهوالجن عكاف به نقبله
ومما أدرك عليه قوله: "تسبح أخراه ويطفو أوله" مع أنه كان وصافاً للخيل، لأن اضطراب مؤخره قبيح. قال الأصمعي: إذا كان الفرس كذلك، فحمار الكساح أسرع منه، وإنما الوجه فيه ما قيل في وصف فرس أبي الأعور السلمي:
مر كلمع البرق سام ناظرهيسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمس الأرض منه حافره
وقال المسعودي: إن هشاماً. كان يستجيد الخيل وأقام الحلبة مرة، فاجتمع فيها من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس، ولم يسمع بمثل ذلك جاهلية ولا إسلاماً. ونقل الأصمعي: أن الرشيد ركب في سنة خمس وثمانين ومئة إلى الميدان لشهود الحلبة، فدخلت فيمن شهدها من خواص أمير المؤمنينوالحلبة يومئذ أفراس الرشيد ولولديه الأمين والمأمون وسليمان بن أبي جعفر المنصور، وعيسى بن جعفر، فجاء الأدهم فرس الرشيد سابقاً. فظهرت علامة السرور بوجهه، وقال عليَّ بالأصمعي. فأقبلت سريعاً حتى مثلت بين يديه فقال: خذ بناصية هذا الريد، ثم صفه من قونسه إلى سنبكه، فإنه يقال أن في الخيل عشرين اسماً من أسماء الطير، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأنشدك شعراً جامعاً من قول أبي حرزة قال: فأنشد لله أبوك، فأنشدته:
وأقب كالسرحان تم لهما بين هامته إلى النسر
رحبت نعامته ووقر فرخهوتمكن الصردان في النحر
وأناف في العصفور في سعفهام أشم موثق الجذر
وازدان بالديكين صلصلهونبت دجاجته عن الصدر
والناهضان أمر حلزهمافكأنما عثما على كسر
مسحنفر الجنبين ملتئمما بين شيمته إلى الغر
وصفت سماناه وحافرهوأديمه ومنابت الشعر
وسما الغراب لموقعيه معاًفأبين بينهما على قدر
وتقدمت عنه القطاة لهفنأت بموقعها عن الحسر
واكتن دون قبيحه خطافهونأت ثمامته عن الصقر
وسما على نقويه دون حداثهخربان بينهما مدى الشبر
يدع الرضيم إذا جرى قلقاًبقوائم كمواسم سمر
ركبن في محض الشوى سبطكفت الوقوب مشدد الأسر
الأقب: الضامر، والسرحان: الذئب، والهامة: أعلى الرأس، والنسر: لحمة في باطن الحافر، وهما اسما طائرين، والنعامة: جلدة الرأس، والفرخ: مقدم الدماغ، والصردان: عرقان ملتفان في باطن اللسان، وبياض يكون في الظهر من أثر الدبر، وهما من أسماء الطير، والعصفور: أصل منبت الناصية، وعظم ناتئ في الجبين، والغرة إذا سالت ورقت ولم تتجاوز العينين, وهو اسم طائر، والسعف: سيلان الناصية، وهام: انتشر، والأشم: المرتفع، والموثق: الجديد القوي، والجذر: الأصل من كل شيء، والديكان: عظمان ناتئان خلف الأذنين، والصلصل: بياض في طرف الناصية، والدجاجة: لحمة زوره، والناهض: لحم العضد من أعلاه، واسم لفرخ الطائر الذي وقر جناحه. وقوله (أمر حلزهما): أي أحكم فتلهما، وعثما: أي جرى، والمسحنفر: المنتفخ، والملتئم: المعتدل، والشيمة: المنخر، والفر: عضلة الساق، وهي اسم الرخمة والسماني: الدائرة التي في صفحة العنق، وهو اسم طائر يشبه الخطاف، والغراب: رأس الورك، ويقال للصليان: غرابان، وهما مكتنفا عجب الذنب، والقطاة: مقعد الردف، وهي من أسماء الطير، والحر: سواد في ظاهر الأذنين، وهو اسم ذكر الحمام، والخطاف: ما أدرك عقب الفارس إذا حرك رجليه، ويقال له: المركن، وهو اسم طائر، والصقر: دائرة خلف موضع لبد الدابة، وهو اسم طير، والنقم: عظم الورك، واسم ذكر الحبارى، والحدأة: سالفة الفرس، وهي اسم طائر، والرخيم: الحجارة، والتوائم: الحوافر، والموسم: موسم الحديد شبهها به في الشدة، والشوى: القوائم.
ونظمها جلال الدين السيوطي فزادت على الثلاثين بقوله:
الفرخ والناهض والنعامهوالصقر واليعسوب والحمامه
والنسر والعصفور ثم الهامهوالديك والكرسوع والسمانه
والصر والفراش والغرابوالخرب والفرة والذباب
والزرق والصلصل والسحاةوالساق والخطاف والقطاة
والحر والأسقع والسعدانهوالجراد والعقاب والسمانه
كذاك ثم حدأة وورشانومثله رخمة إنسان
هذا تمام نظمي المهذبوالحمد لله بنيل المطلب
وقال أبو سراج الضبي إن صرد بن شداد اليربوعي عم مالك بن نورة سابق أبا سراج على فرس له تسمى بذوة، وفرس صرد تسمى: القطيب فسبق أبو سراج وقال:
ألم تر أن بذوة إن جريناوجد الجدو منا والقطيبا
كأن قطيبهم يتلو عقاباًعلى الصلعاء رازنة طلوبا
ثم سرى الشر بينهما إلى أن احتال أبو سراج على صرد وسقاه منيّ عبدٍ له في عس حلب عليه فشربه، فانتفخ فمات.
قال الأخطل فيهم:
يعب الخمر وهي شراب كسرىويشرب قومك العجب العجيبا
منيُّ العبد عبد أبي سراجأحق من المدامة أن تعيبا
وقال العلامة أبو عبد الله محمد بن يوسف الثغري كاتب سلطان تلمسان من أعمال الجزائر، أبي حمو موسى بن يوسف الزياتي يصف حلبة جياده:
قم مبصراً زمن الربيع المقبلتر ما يسر المجتني والمجتلي
وانشق نسيم الروض مطلولاً وماأهداك من عرف وعرف فاقبلِ
وانظر إلى زهر الرياض كأنهدر على لبات ربات الحلي
في دولة فاضت يداها بالندىوقضت بكل منى لكل مؤملِ
بسطت بأرجاء البسيطة عدلهاوسطت بكل معاند لم يعدل
سلطانها المولى أبو حمو الرضاذو المنصب السامي الرفيع المعتلي
تاهت تلمسان بدولته علىكل البلاد بحسن منظرها الجلي
راقت محاسنها ورق نسيمهافحلا بها شعري وطاب تغزلي
عرج بمنعرجات باب جيادهاوافتح بها باب الرجاء المقفل
ولتغدو للعباد منها غدوةتضحى هموم النفس عنك بمعزل
وضريح تاج العارفين شعيبهازره هناك فحبذا ذاك الولي
فمزاره للدين والدنيا معاًتمحى ذنوبك أو كروبك تنجلي
وبكهفها الضحاك قف متنزهاًتسرح نفوسك في الجمال الأجمل
وتمشَّ في جناتها ورياضهاواجنح إلى ذاك الجناح المخضل
يسليك في دوحاتها وتلاعهانغم البلابل واطراط الجدول
وبربوة العشاق سلوة عاشقفتنت وألحاظ الغزال الأكحل
بنواسم وبواسم من زهرهاتهديك أنفاساً كعرق المندل
فلو امرؤ القيس ابن حجر زارهاقدماً تسلى عن معاهد ماسل
لو حام حول فنائها وظبائهاما كان مختفلاً بحومة حومل
فاذكر لها كلفي بسقط لوائهافهواي عنها الدهر ليس بمنسل
كم جاد فيها الزمان بمطلبجادته أخلاق الغمام المسبل
واعمد إلى الصفصيف يوماً ثانياًوبه تسل وعنه دوماً فاسأل
وإذا تراه من الأزاهر خالياًأحسن بعه عطلاً وغير معطل
ينساب كالإثم انسياباً دائماًأو كالحسام جلاه كف الصيقل
فزلاله في كل قلت قد حلاوجماله في كل عين قد حلي
واقصد بيوم ثالث فوارةوبعذب منهلها المبارك فانهل
تجري على در لجيناً سائلاًأحلى وأعذب من رحيق سلسل
وأشرف على الشرف الذي بإزائهالترى تلمسان العلية من عل
تاج عليه من المحاسن بهجةأحسن بتاج بالبهاء مكلل
وإذا علشية شمسها مالت فملنحو المصلى ميلة المتمهل
وبملعب الخيل الفسيح مجالهأجل النواظر في العتاق الجفل
فلحلبة الأشراف كل عشيةلعب بذلك الملعب المتسهل
فترى المجلي والمصلي خلفهوكلاهما في جريه لا يأتلي
هذا يكر وذا يفر فينثنيعطفاً على الثاني عنان الأول
من كل طرف كل طرف يستبيقيد النواظر قتنة المتأمل
ورد كأن أديمه شفق الدجىأو أشهب كشهاب رجم مرسل
أو أحمر قاني الأديم كعسجدأو أشقر يزهو بعرف أشعل
أو من كميت لا نظير لحسنهسام معم في السوابق مخول
أو أدهم كالليل إلاّ غرةكالصبح بورك من أغر محجل
جمع المحاسن في بديع شياتهمهما ترق العين فيه تسفل
عقبان خيل فوقها فرسانهاكالأسد تنقض انقضاض الأجدل
فرسان عبد الواد آساد الوغىحامو الذمار أولو الفخار الأطول
فإذا دنت شمس الأصيل لغربهافإلى تلمسان الأصيلة فادخل
من باب ملعبها لباب حديدهامتنزهاً في كل ناد أحفل
وتأن من بعد الدخول هنيهةواعدل إلى قصر الإمام الأعدل
فهو المؤمل والديار كنايةوالسر في السكان لا في المنزل
وقال الوزير أبو عبد الله بن زمرك الكاتب في وصف جياد السلطان الغني بالله:
لك الجياد إذا تجري سوابقهافللرياح جياد ما تجاريها
إذا انبرت يوم سبق في أعنتهاترى البروق طلاحاً لا تباريها
من أشهب قد بدا صبحاً تراع لهشهب السماء فإن الصبح يفخيها
إلاّ التي في لجام منه قيدهافإنه سامها عزّاً وتنويها
أو أشقر مرعب شقر البروق وقدأبقى لها شفقاً في الجو تنبيها
أو أحمر جمرة في الحرب متقديعلو لها شرر من بأس مذكيها
لون العقيق وقد سال العقيق دماًبعطفه من كماة كاد يدميها
أو أدهم ملء صدر الليل تنعلهأهلة فوق وجه الأرض يبديها
إن حارت الشهب ليلاً في مقلدهفصبح غرته بالنور يهديها
أو أصفر بالعشيات ارتدى مرحاًوعرفه بتمادي الليل ينبيها
مموه بنضار تاه من عجبفليس يدعم تنويهاً ولا تيها
وقال ابن الأحمر من قصيدة يمدح بها السلطان الغني بالله ويذكر جياد خيله:
والعاديات إذا تلت فرسانهاآي القتال صفوفها تترتل
لله خيلك إنها لسوابحبحر القتام وموجه متهيل
من كل برق بالثريا ملجمبالبدر يسرج والأهلة ينعل
أوفى بهادٍ كالظليم وخلفهكفل كما لاح الكثيب الأهيل
هن البوارق غير أن جيادهاعن سبق خيلك يا مؤبد تنكل
غداة غدت من أبلق ومجزعوورد ويحموم وأصدى وأشقرا
ومن أدرع قد قنع الليل حالكاًعلى أنه قد سربل الصبح مسفرا
وأشعل وردي وأصفر مذهبوأدهم وضاح وأشهب أقمرا
وذي كمتة قد نازع الخمر لونهافما تدعيه الخمر إلاّ تنمرا
محجلة غراً وزهراً نواصعاًكأن قباطياً عليها منسرا
وأدهماً إذا استقبلن كأنماعللن إلى الأرساغ مسكاً وعنبرا
يقر بعيني ما أرى من صفاتهاولا عجب أن يعجب العين ما ترى
أرى صوراً يستعبد النفس مثلهاإذا وجدته أو رأته مصورا
أفكه منه الطرف في كل شاهدلأن دليل الله في كل ما ترى
وقال البحتري يصف حلبة المتوكل على الله العباسي:
يا حسن مبدى الخيل في بكورهاتلوح كالأنجم في ديجورها
كأنما أبدع في تشهيرهاوصور الحسن على تصويرها
تحمل غرباناً على ظهورهافي السرق المنقوش من حريرها
إن حاذروا النبوة من نفورهاأهدوا بأيديهم إلى نحورها
كأنها والحبل في صدورهاأجادل ينهض في سيورها
مرت تباري الريح في مرورهاوالشمس قد غابت ضياء نورها
والرهج الواسع من تدويرهاحتى إذا أصغت إلى مديرها
وانقلبت تهبط في حدورهاتصوب الطير إلى وكورها
في حلبة تضحك عن بدورهاصار الرجال شرفاً لسورها
أعطي فضل السبق من جمهورهامن فضل الأمة في أمورها
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع