من «نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد» لمحمد بن عبد القادر الجزائري (ت ١٣٣١هـ)
المطلب الخامس في اسماء خيل النبيّ ﷺ والمشهور من خيل العرب
اعلم أن العرب لمحتبهم بالخيل واعتنائهم بها، يضعون لها أسماء كما يضعونها لأولادهم، وقد وضع النبيّ ﷺ أسماء لبعض خيله فمنها: السكب، روى ابن سعد عن الواقدي عن أبي خيثمة عن أبيه قال: "أول فرس ملكه النبيّ ﷺ فرس ابتاعه في المدينة من رجل من بني فزارة بعشرة أواق وكان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه ﷺ السكب، فكان أول ما غزا عليه".
قال ابن حبيب البغدادي: كان كميتاً أغر محجلاً مطلق اليمين: وعن عطاء بن دينار عن ابن عباس ﵄ قال: "كان للنبي ﷺ فرس أدهم يسمى السكب".
وقال أبو منصور الثعالبي: إذا كان الفرس خفيف الجري سريعه فهو فيض وسكب، أي: يشبه فيض الماء وانسكابه.
ومنها: المرواح، ذكر ابن سعد في وفادات العرب عن أسامة بن زيد قال: "قدم على النبيّ ﷺ خمسة عشر رجلاً من الرهاويين - وهم حي من مذحج - وأهدوا إليه هدايا منها فرس يقال له المرواح، فأمر به فشور بين يديه"، والمرواح - بكسر الميم -، مشتق من الريح، ويمسى بذلك لسرعته في الجري، وقوله: (فشور) أي: عرض، والمشور: المكان الذي يعرض فيه الدواب.
ومنها: المرتجز ابن الملاءة.
روى ابن سعد عن الواقدي قال: سألت محمدة بن أبي خيثمة عن المرتجز، فقال: هو الفرس الذي اشتراه النبيّ ﷺ من الأعرابي الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت وكان الأعرابي من بني مرة. قال الزهري: أخبرنا عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه "أن النبيّ ﷺ ابتاع فرساً من أعرابي، فأشبعه النبيّ ﷺ لتقضيه عن فرسه، فأسرع النبيّ ﷺ المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومون الفرس، لا يشعرون أن النبيّ ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم للأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبيّ ﷺ، فنادى الأعرابي النبيّ ﷺ فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقام النبيّ ﷺ فقال: أليس قد ابتعته منك؟ قال: لا، فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي، وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبيّ ﷺ لا يقول إلاّ حقاً، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبيّ ﷺ ومراجعة الأعرابي فطفق يقول: هلم شهيداً يشهد أني قد بايعتك، فقال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبيّ ﷺ على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل النبيّ ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين" وفي رواية: "أن النبيّ ﷺ قال لخزيمة: لم تشهد ولم تكن معنا. قال: يا رسول الله إن نصدقك بخبر السماء أفلا نصدقك بما تقول". وقيل: "اشتراه من الحارث بن ظالم"؛ قال ابن الأثير: وكان أبيض، وإنما سمي المرتجز لحسن صهيله، مأخوذ من الرجز، ضرب من الشعر، قال ابن قتيبة: وفي رواية: اسمه الطرف - بكسر الطاء - أي الكريم من الخيل، وقيل: اسمه النجيب. ومنها: البحر، قال ابن بنين: "اشتراه النبيّ ﷺ من تُجُر قدموا من اليمن فسابق عليه مرات". وقال ابن الأثير: "كان كميتاً". وفي رواية: "أدهم". ومنها: سبحة، قال ابن بنين: "وهي فرس شقراء ابتاعها ﷺ من أعرابي من جهينة بعشر من الإبل وسابق عليها ومد الجعل بيده الشريفة". ومنها: ذو اللمة، ذكره ابن حبيب في خيله ﷺ. ومنها: ذو العقال - بضم العين وتشديد القاف وتخفف - والعقال: الضلع الذي يلي قوائم الدابة. ومنها: اللحيف، ففي البخاري عن ساعدة الساعدي عن أبيه عن جده قال: "كان لرسول الله ﷺ في حائطنا فرس، يقال له اللحيف" - بالحاء المهملة -، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه كان يلحف الأرض بذنبه، لطوله، وقيل: بضم اللام وفتح الحاء مصغر، وقيل: بالنون بدل اللام -.
ومنها: لزاز = بلام مكسورة وزايين - أي: لا يسابقه فرس إلاّ لاصقه ولاززه لسرعته. ومنها: الضرب. واحد الضراب، وهي الرابية الصغيرة، سمي بذلك لقوته وصلابة حوافره. قال ابن سعد: "كان مع النبيّ ﷺ في غزوة المريسيع فرسان: لزاز والضرب".
وروي عن الواقدي عن أبي عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال: "كان لرسول الله ﷺ عندي ثلاثة أفراس: لزاز والضرب واللحيف، فأما لزاز فأهداه له المقوقس عظيم القبط، وأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن البراء فأثابه عليه قلائص من نعم بني كلاب، وأما الضرب فأهداه له فروة بن عمر الجذامي". ومنها: الورد، قال ابن سعد: "أهدى تميم الداري إلى النبيّ ﷺ فرساً يسمى الورد فأ'طاه لعمر ﵁". وحكى ابن بنين عن ابن خالويه قال: "كان للنبي ﷺ من الخيل سبحة واللحيف ولزاز والضرب والسكب وذو اللمة والسرحان والمرتجل والأدهم والمرتجز، - وذكر أيضاً - وملاوح والورد واليعسوب واليعبوب". وقال الحافظ الدمياطي وجماعة أن خيل النبيّ ﷺ المتفق عليها سبعة والباقي مختلف فيها. ومن الخيل التي اشتهر اسمها: الحرون فرس مسلم بن عمرو الباهلي، وإنما سمي بذلك؛ لأنه كان يسبق الخيل ثم يحرن إلى أن تلحقه، فإذا لحقته سبقها، ثم يحرن وهكذا كان دأبه وفيه يقول:
إذا ما قريش خلا ملكهافإن الخلافة في باهله
لرب الحرون أبي صالحوما تلك بالنسبة العادله
ثم اشتراه مسلم من أعرابي بألف دينار فسبق عليه عشرين سنة وإليه تنسب الخيل الحرونية. ومن نسله: الغطيفي، فرس لبني غطيف قبيلة بالشام، وإليه تنسب الخيل الغطيفيات، ومنها: هراوة العزاب، وفرس الريان بن حوص العبدي وكان اسمها: سهوة، وإنما لقبت بهراوة العزاب؛ لأنه تصدق بها على عزاب قومه، فكان الأعزب منهم يغزو عليها، فإذا استفاد مالاً وأهلاً دفعها إلى غيره، وهكذا كانوا يتداولونها بينهم. قال عمرو المحاربي بن عبد القيس:
سقى جدث الريان كل عشيةمن المزن دكان العشي دلوح
أقام لفرسان العشيرة سهوةلهم منكح من حربها وصبوح
فيا من رأى مثل الهراوة منكحاًإذن بل أعطاف الجياد جروح
وذي إبل لولا الهراوة لم يثبله المال ما انشق الصباح يلوح
قال لبيد:
لا تسقني بيديك إن لم التمسنعم الضجوع بغارة أسراب
تهدى أوائلهن كل طمرةجرداء مثل هراوة العزاب
ومنها: ذو العقال، فرس سوط بن جابر اليربوعي، وأبوه (داحس) فرس قيس بن زهير العبسي. ومنها: الأعوج، فرس هلال بن عامر بن صعصعة، وسمي بذلك لأنه ركب صغيراً اعوجت قوائمه، وإليه تنسب الخيل الأعوجية، قال بشر بن أبي حازم:
وبكل أجرد سابح ذي ميعةمتماحل في آل أعوج ينتمي
وقال طفيل بن عوف:
بنات الوجيه والعزاب ولاحقوأعوج تنمى نسبه المتنسب
وقال الأديب إبراهيم الساحلي:
ركبوا إلى الهيجاء كل طمرةمن نسل أعوج أو بنات الأبجر
من كل مخضوب الشوى عبل التوىعاري النواهق مستدير المحجر
ألوي بقادمتي جناحي أفتحولوى بسالفتي غزال أغفر
وإذا زحفنا أشوسياً مبصراًظل الفوارس في الظلام المعكر
من أحمر كالورد أو من أصفركالتبر أو من أشهب كالعنبر
وبكل صهوة أجرد متقضبإلاّ إذا ضحك السنان السمهري
وقال ابن خفاجة:
وقد جال دمع القطر في مقلة الدجىولفت نواصي الخيل نكباء زعزع
له من صدور الأعوجية والقناشفيع إلى نيل الأماني مشفع
وظفره في ملتقى الخيل ساعدألف وقلب بين جنبيه أصمع
وأبيض يتلو سورة الفتح ينتضىويستقبل الفرق الكريم فيركع
ومبخر ضخم الجرارة أوحديطير به تحت العجاجة أربع
وحصداء تزري بالسنان حصينةووجه وقاح بالحديد مقنع
وقال ابن خلوف الأندلسي:
وأشهب يعبوباً وطمراً مضمراًطموحاً مروعاً أعوجياً مطهما
جرى هازياً بالبرق والريح مسرعاًفدارك ما عن نيل أدناه أحجما
تضمخ بالكافور والمسك وارتدىوداء ظلام بالصباح تسهما
أشم لجين المتن أعين سابحاًأقب غليظ الساق أجرد صلدما
قصير المطا والرسغ أتلع صافناًطويل الشوى والذيل أعظم شيظما
تخيل سرحاناً وساير كوكباًولا حظ يعفوراً ولاعب أرقما
فأسرج لما أن توقب جارحاًوالجم لما أن تثاوب ضيغما
فلم أر بدراً مسرجاً ذا محاسنسواه وبرقاً بالثريا ملجما
وأروق ضخم الكف أعوج باذلاًبترك رحيب الباع أقود أيهما
ذلولاً لؤوباً شدقمياً مكلثماًأموتاً صموتاً أرجلياً حثمثما
إذا خب عاينت الحرون وداحساًوإن سار أنساك الجديل وشدقما
فريت به فود الفلاة ولم أزلأروح وأغدو طائراً ومحوما
وقد تقدم الكلام على الأعوج الأكبر والأصغر، وزاد الراكب والحنفا والغبرا والعسجدي (في آهر الفصل الثاني من الباب الخامس) ومنها: أطلال، فرس بكير بن شداد بن يعمر الشداخي، كانت تحته يوم القادسية، وقد أحجم الناس عن عبور نهرها، فصاح بها بني أطلال فوثبته، وكان عرض النهر ثلاثين ذراعاً. ومثل هذا قد وقع مع سيدي الوالد قدس سره، فإني سمعت منه أنه ركب يوم (أرهيو) من أيامه مع دولة فرنسا فرسه الكميت اسماً ولوناً، وقد ألجأه الأمر إلى وثوب نهره وكان عرضه ثلاثين ذراعاً فشد على الفرس فوثبه من الجانب إلى الجانب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع