من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
الخال والخؤولة
بقي بعد ذلك أن نورد شيئاً مما قالوا في الخؤولة والخال: والقول في ذلك ينشعب أيضاً، فقد قالوا في مدح الخال وذمّه، وقالوا في معنى نزاع الولد إلى خاله، فلننتقِ شيئاً مما قالوا في هذه المعاني، فأما قولهم في اعتبار الخؤولة وكونها كالأبوة، فمن ذلك ما يُروى أن الأسود بن وهب خال رسول الله ﷺ استأذن عليه، فبسط ﷺ له رداءه، فقال الأسود: حسبي أن أجلس على ما أنت عليه، فقال ﷺ: اجلس
فإن الخال والدٌ... ومن طريف هذا الباب ما يُروى أن الحجاج قال لابن معمر: إنك تزعم أن الحسن والحسين ابنا رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، قال: والله لأقتلنك، فقال ابن معمر: أليس الله يقول: ومن ذريته داوود وسليمان، إلى قوله: وزكريا ويحيى وعيسى، وإنما عيسى بن مريم: ابن بنت، فقال نجوت... وأما من عدّ الخؤولة ليست من النسب والقرابة، فمن قولهم في ذلك - والقائل ضَمْرَة بن ضمرة بن جابر بن قَطَن - شاعر جاهلي - وقيل غيره -:
إذا كنْتَ في سَعْدٍ وأُمُّكَ مِنْهُمُغريباً فلا يَغْرُرْكَ خالُك منْ سَعْدِ
فإنَّ ابنَ أُخْتِ القومِ مُصْغًى إناؤُهإذا لم يُزاحِمْ خالَه بأبٍ جَلْدِ
وتقدَّم شاب إلى عبد الله بن الحسين ﵁ فقال: إن جدي أوصى بثلث ماله لولد ولده، وأنا من ولد بنته، والوصي ليس يعطيني منه، فقال: لا حق لك فيه، أما سمعت قول الشاعر:
بنُونَا بنُو أبْنَائِنَا وبَنَاتُنابَنُوهُنَّ أبْنَاءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
يقول: إن بني أبنائنا مثلُ بنينا، أما بنو بناتِنا فليسوا مِنّا وإنما هم أبناء الأجانب، فبنونا خبر مقدم وبنو أبنائنا مبتدأ مؤخر، وهذا البيت لا يعرف قائله على شهرته. قال الإمام العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والفرضيون - علماء المواريث - على دخول أبناء الأبناء في الميراث وأن الانتساب إلى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه، ولم أر أحداً منهم عزاه إلى قائله.
وقالوا في نزاع الولد إلى خاله:
عليكَ الخالَ إنَّ الخالَ يَسْرِيإلى ابْنِ الأُخْتِ بالشَّبَهِ المُبِينِ
وقالوا:
لِكلِّ امْرِئٍ شَكْلٌ يَقَرُّ بعَيْنِهوقُرَّةُ عَيْنِ الفَسْلِ أنْ يَصْحَبَ الفَسْلا
وتَعْرِفُ في مَجْدِ امْرِئٍ مَجْدَ خالِهِويَنْذُلُ أنْ تَلْقَى أَخا أُمِّهِ نَذْلا
الفسل: النذل الذي لا مروءة له ولا جلد وقال رافع بن هريم: - شاعر مخضرم أدرك الإسلام وأسلم، يخاطب بني أخوته -:
فَهَلاَّ عيْرَ عَمِّكُمُ ظَلَمْتُمْإذا ما كنتُمُ مُتَظلِّمِينا
عفاريتاً عليَّ وأكْلِ مَاليوَجُبْناً عَنْ رجالٍ آخرينا
ولو كنتُمْ لِمُكْيِسَةٍ أكاسَتْوكَيْسُ الأُمِّ كَيْسٌ للبنينا
ولكن أمُّكُمْ حَمُقَتْ فجئتمغِثاثاً ما نرى فيكم سَمِينا
وموضع هذه الأبيات باب إنجاب الأمهات في كتاب النساء وترى نظائر له هناك.
قوله متظلمينا، تقول: تظلمني مالي: أي ظلمني مالي، وما في: إذا ما كنتم: زائدة، والمكيسة: المرأة التي تلد أولاداً أكياساً، وأكاست المرأة: ولدت ولداً كيساً، والكيس: خلاف الحمق، ورجل كيّس: أريب ظريف، وقوله: ولكن أمكم حمقت: أي صارت حمقاء، والغِثاث: جمع غثيث بمعنى مهزول.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع