تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

محادثة الضيف

وكانوا تُجاه محادثةِ الضيف على الطّعام فريقين، ففريقٌ يستحبُّه ويستحْسِنه، ومِن صاحب الدعوةِ أحسنُ، وقالوا في ذلك: مُحادثةُ الإخوان - تزيدُ في لذَّة الطعام. وقال شاعرهم:

وأكثرُ ما أَلذُّ بهِ وأَلْهُومحادثةُ الضُّيوفِ على الطّعامِ

وأما الفريقُ الآخر فيكره الحديثَ على المائدةِ وقالوا في ذلك: مَنْ أكثرَ الكلامَ على طعامِه غشَّ بطنَه وثقُلَ على إخوانه. وقال الجاحظ في كتابه التاج: ولِشَيءٍ ما كانت ملوكُ آل ساسانَ - إذا قُدِّمت موائدُهم - زَمْزَموا عليها، فلم يَنْطِقْ ناطقٌ بحرفٍ حتى تُرفع، فإن اضطرّوا إلى كلام، كان مكانَه إشارةٌ أو إيماءٌ يدلّ على الغرض الذي أرادوا والمعنى الذي قصدوا. وكانوا يقولون إن هذه الأطعمة بها حياةُ هذا العالم، فينبغي للإنسان أن يجعلَ ذهنَه في مَطْعمِه ويشغلَ روحَه وجوارحَه فيه، حتى تأخذَ كلُّ جارحةٍ بقِسْطِها من الطّعام، فيغتذي بها البدنُ والروحُ الحيوانية التي في القلب والطبيعة التي في الكبد، اغتذاءً تاماً، وتقبله الطبيعة قبولاً جامِعاً. قال الجاحظ: وفي ترك الكلام على الطعامِ فضائلُ كثيرةٌ هي في آيينِهم...

وقال المسعوديُّ في مروج الذهب: ذكروا أن كيومرث هو أوّلُ مَنْ أمرَ بالسّكوت عند الطعام، لتأخذ الطبيعةُ بقسطِها، فيصلحَ البدنُ بما يردُ إليه من الغذاء، وتسكن النفس عند ذلك، فتدبّر لكل عضو من الأعضاء تدبيراً يؤدي إلى ما فيه صلاحُ الجسم من أخذ صفو الطعام، فيكون الذي يرد إلى الكبد وغيره من الأعضاء القابلة للغذاء ما يناسبها وما فيه صلاحها، وإنّ الإنسان متى شُغل عن طعامه بضرب من الضروب، انصرف قسطٌ من التدبير وجزءٌ من التغذّي إلى حيث انصبابِ الهمّة ووقوع الاشتراك، فأضرّ ذلك بالنفس الحيوانية والقُوى الإنسانية، وإذا كان ذلك دائماً أدّى ذلك إلى مفارقة النفس الناطقة المميزة الفكرية لهذا الجسدِ المرئي، وفي ذلك تركٌ للحكمة وخروج عن الصواب... أقول: وقد

أيدتِ التّجاريبُ الحديثة هذا المذهب، إذْ تحقّقت أنّ الكلام على الطعام مدرجةٌ لسوءِ الهضم... وإنّي بحمد الله لعلى هذا المذهب مُذْ نشأتي، أي أنّي بفطرتي لا أتحدث على الطعام، حتّى عدَّ ذلك أهلي ومن يُخالطونني مغمزاً فيّ يشفّ عما وراءه، مما يشبه النّهم وليس به يعلم الله وإنّما هي الفطرة التي فطرني اللهُ عليها، ومن خُلقي أنّي أعدُّ الكلام على الطعام ضرباً من التكلُّف الذي لا أستسيغه... على أن الأكلَ مهمّةٌ حيوانيّة سخيفة يجمل أن لا يُحتفلَ بها هذا الاحتفالَ الكِسرويَّ الذي نراه هذه الأيام، ورحم الله جمالَ الدين الأفغاني إذ يقول: وددت لو أنّي خُلِقْتُ مصمتاً! وقبله قال الخليل بن أحمد: أثقل ساعاتي الساعةُ التي آكلُ فيها، أو كما قال:

أمّا محادثةُ الأضيافِ على غير الطعام: فمن المُجمع على استحسانه، وفي

ذلك يقول مسكين الدّارمي أو عتبة بن بجير:

لِحَافِي لِحَافُ الضَّيْفِ والبيتُ بيتُهُولمْ يُلْهِني عنه الغَزالُ المُقنّعُ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «لحافي لحاف الضيف والبيت بيته»
أُحَدِّثهُ إنَّ الحديثَ مِنَ القِرَىوتَعْلَمُ نفسي أنّه سوف يَهْجَعُ
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «فراشي فراش الضيف والبيت بيته»

الغزال المقنّع: زوجته، ويهجع: ينام، يريد أنه يحدّثه ويقريه بهذا الحديث حتّى ينام.

وكانوا لكرمهم يفضلون الاجتماع على الأكلِ ويستقبحون التفرّد: شكا رجلٌ إلى سيّدنا رسول الله قلّةَ البركة في طعامهم، فقال: لعلكم تتفرّقون على طعامكم! قال: نعم، قال: اجتمعوا عليه واذكروا اسمَ اللهِ لديه... وفي الحديث أيضاً: (ألا أخبركم بشِرارِكم؟: مَنْ أكل وحده، وضرب عبدَه، ومنع رِفْدَه الرِّفد: العطاء... وقال قيس بن عاصم المِنْقَري:

إذا ما صَنَعْتِ الزَّادَ فالْتَمِسِي لهأَكِيلاً فإنّي لَسْتُ آكِلَهُ وَحْدي
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أيا ابنة عبد الله وابنة مالك»

وقال عبد الله بن المعتز في اجتماع الأيدي على الطعام:

كأنَّ أَكُفَّ القوْمِ في جَفَناتِهقَطاً لمْ يُنَفِّرْهُ عن الماءِ صارِخُ

وكانت العرب تعدُّ التفرَّدَ بالأكل احتقابَ وِزْرٍ حتى أنزل الله عز وتقدّس: (ليس عليكم جناحٌ أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً)...

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الذخائر والعبقريات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.