تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

كلمة عُلْويّة لسيدنا رسول الله

عن أبي سعيد الخُدْريّ ﵁ قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر فقال: إنّي أخاف عليكم بعدي ما يُفتح عليكم من زهرةِ الدنيا وزينتِها... قال: فقال رجل: أوَيأتي الخيرُ بالشرِّ يا رسولَ الله؟ قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ، ورأينا أنّه يُنْزَلُ عليه، فأفاقَ يسمح عنه الرُّحَضاءَ وقال: أين هذا السائل - وكأنّه حَمِدَه - فقال: إنّه لا يأتي

الخيرُ بالشّرِّ، وإنّ مما ينبت الربيعُ ما يقتلُ حَبَطاً أو يُلِمُّ، إلا آكلةَ الخَضِر، فإنها أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عينَ الشمسِ فثلَطَت وبالَتْ ثمَّ رَتَعتْ. وإنّ هذا المال خَضِرَةٌ حلوة، ونعم صاحبُ المسلمِ هو، إنْ أعطى المسكينَ واليتيمَ وابْنَ السبيل. أو كما قال رسول الله ﷺ.

قال الإمام اللغوي أبو منصور الأزهري: في هذا الحديث مَثلان، ضُرِبَ أحدُهما للمُفْرِطِ في جمع الدنيا مع مَنْعِ ما جمع من حقه، والآخرُ ضربه للمقتصد في جمع المال وبذلِه في حقّه،

فأما قوله ﷺ: وإنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حَبطاً، فهو مثلُ الحريصِ المفرطِ في الجمع والمنع، وذلك أنّ الربيعَ ينبت أحرار العشب التي تحلوليها الماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها وتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا ويحرص عليها ويشحُّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحقّ حقَّه منها، يهلك في الآخرة بدخول النار واستيجاب العذاب - أقول: ويهلك في الدنيا كذلك، وهل لا يعدُّ هلاكاً لمن هذه حالُه ما يلاقيه من إزراءِ الناسِ به وازوِرارِهم عنه وانطوائِهم له على البغضِ والحقدِ والحسدِ وصنوفِ الأذى وعدّهم إيّاه خنزيراً من خنازيرِ البشر أو مجنوناً من صرعى الأثرة والأنانية وحبِّ الذات، وبالحريّ لا خير فيه لأحد ولا لنفسه وإنما هو لا يعدو

أن يكون صيرفاً أو حارسَ مالٍ ليس غير:

يَجْني الغِنى لِلِّئامِ لو عقَلواما ليسَ يَجْني عليهمُ العَدمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»
هُمْ لأمْوالِهم ولَسْنَ لَهمْوالعارُ يَبْقَى والجُرْحُ يَلْتَئِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»
أنْتَ للمالِ إذا أمْسَكْتَهُفإذا أنفَقْتَه فالمالُ لَكْ

هذا إذا أضاف الشُّحَّ على نفسه إلى الشحِّ على ذوي الحقوق.

أما إذا آثرَ نفسَه بالتمتّع بلذّات الدّنيا فأيُّ هلاك بعد الذي يصيبُه من الأسقام والأوجاع وسائر أدواء التّرف والسّرف واجتواء المحرومين إيّاه وحنقهم عليه وما عساه يتولد من ذلك كله من الغوائل الاجتماعية التي نرى أفاعيلها اليوم - قال الأزهري: وأما مثل المقتصد المحمود فقوله ﷺ: إلا آكلةُ الخَضِرِ فإنها أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت، وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منها الماشية فتهلكها أكلاً ولكنه من الجَنْبَة التي ترعاها بعد هَيْج العشب ويُبْسِه، والماشية ترتع منها شيئاً شيئاً ولا تستكثر منها فلا تحبط بطونها عنه. فضرب النبي ﷺ آكلة الخضر مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها ولا يسرف في الحرص عليها وأنه ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال: فإنها إذا أصابت من الخضر استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت، وإذا ثلطت فقد ذهب

حبطها، وإنما تحبط الماشية إذا لم تثلط ولم تبل، ثم حث صلوات الله عليه على إعطاء المسكين واليتيم من هذا المال، مع حلاوته ورغبةِ الناس فيه، ليقيَه اللهُ ﵎ وبالَ نعمتها في دنياه وآخرته.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الذخائر والعبقريات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.