تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

الناس مجبولون على البخل

وأما بعد فإن أكثر هذا الناس لقد جبلوا على البخل، فالبخل هو الأصل، وإنما الجود في سائر ألوانه، تكلُّفٌ وتعمُّلٌ وحَمْلٌ للنفس على مكروهها وعلى غير ما جُبلت عليه، وقد قيل لحاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الجود: كيف تجد الجود في قلبك؟ فقال: إني لأجده كما يجده الناس، ولكني أحمل نفسي على خُططِ الكرام، وقال بعض الأجواد: إنّا لنجد كما يجد البخلاء ولكنّا نصبر ولا يصبرون... وفي هذا المعنى يقول البحتري:

وَأشَقُّ الأفْعالِ أَنْ تَهَبَ الأنفُسُ ما أُغْلِقتْ عليهِ الأكُفُّ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لأخي الحب عبرة ما تجف»

ويقول أبو يعقوب الخُريميّ:

ودُونَ النَّدى في كُلِّ قَلْبٍ ثنِيَّةٌبهَا مَصْعَدٌ حَزْنٌ ومُنْحدَرٌ سَهْلُ

ويقول أبو العتاهية:

اِطْرَحْ بطَرْفِكَ حيْثُ شِئْتَ فلن تَرَى إلاَّ بخيلا

ويقول ابن نُباتة السّعدي:

كيف السبيلُ إلى الغِنىوالبُخْلُ في الناسِ فِطْنَهْ

وأكثر من يتسخّى ويجود فإنما يجود رغباً أو رهباً - رغباً في عاجل الجزاء، كملقي الحب للطير ليصيد به لا لينفعه

ومَنْ يَظَّنُّ نَثْرَ الحَبِّ جُوداًويَنْصِبُ تحْتَ ما نَثَرَ الشِّباكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

ورهباً من عابٍ يلتصق به أو مكروهٍ يصيبه:

مِثْلُ الحِمارِ المُوَقَّعِ الظّهْر لايُعطيك شيئاً إلا إذا رَهِبا

وهناك صِنفٌ من الناس يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرماًً، وإنما يكون ذلك تهوراً واندفاعاً منه مع نزوة من نزوات النفوس، كما قال الأديب أبو بكر الخوارزمي في الوزير الصاحب بن عباد:

لا تَحْمَدنَّ ابنَ عبَّادٍ وإنْ هَطَلتْيداهُ بالجُودِ حتَّى أخْجلَ الدِّيَمَا
فإنّها خَطَراتٌ مِن وَساوِسِهيُعْطِي ويمنعُ لا بُخْلاً ولا كَرما
للشاعر أبو بكر الخوارزمي، من قصيدة «لا تحمدن ابن عبار وإن هطلت»

وقل من الناس من يجود استجابةً لفطرته، ولداعي الضّمير، كما يقولون: فليُلْحظ هذا، وليُلْحظ كذلك أنّ البخل رذيلةٌ تستتبع رذائل، وناهيك بالجبن رذيلةً، هي ألزم الرذائل للبخل: كما أن الجود فضيلةٌ تستتبع فضائلَ، وحسبك بالشجاعة فضيلةً هي أخص الفضائل بالجود:

ذَرِيني فإنَّ الشًُّحَّ يا أُمَّ هَيْتمٍلِصالحِ أخلاقِ الرِّجالِ سَروقُ
وإذا اختبرْتَ عَلِمْتَ غيرَ مُدافَعٍأنَّ السّماحَ سَجِيَّةُ الأبطالِ

وقال أبو تمام في ذلك - من أبيات يمدح بها خالد بن يزيد الشيباني:

وإذا رأيتَ أبا يزيدٍ في نَدًىوَوَغًى ومُبدِيَ غارةٍ ومُعِيدا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
يَقْرِي مُرَجِّيه مُشاشَةَ مالِهوشَبَا الأسِنَّةِ ثُغْرةً ووَريدَا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
أيقنتَ أنَّ مِن السّماحِ شجاعةًتُدْمِي وأنَّ مِن الشَّجاعةِ جودا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»

وقال المتنبي:

هو الشجاع يَعُدُّ البُخْلَ مِن جُبُنٍوهْوَ الجوادُ يَعُدُّ الجُبْنَ مِنْ بُخُلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

وقد عدوا الشجاعة لوناً من الجود فقال مسلم بن الوليد:

يجُودُ بالنَّفسِ إذْ ضَنَّ البخيلُ بهاوالجودُ بالنَّفْسِ أقْصَى غايةِ الجودِ

ولأجل هذين الملحظين، تظاهرت الآيات والأحاديث وما أثر عن الأوائل من العلماء والحكماء والشعراء والربانيين، على ذمِّ البخل وامتداح الجود والإحسان، وأكثروا وافتنوا وأبدعوا، الأمر الذي يدلّ على أنهم قدروا أثر الجود والبخل في الخُلق حقَّ قدره، وأنهم لذلك شنُّوا هذه الغارة الشعواء على الإنسان الأناني الكزِّ الشَّحيح الكامن في نفس كل إنسان...

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الذخائر والعبقريات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.