تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

عبقرياتهم في مدح الجود وذمّ البخل

ولنأخذ الآن في عبقرياتهم في ذمّ البخل ومدح الجود والإحسان واصطناع المعروف، والكلام في هذه المعاني يدخل بعضُه في بعض... كتب رجلٌ من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يخوّفه الفقر، فأجابه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾... وإني أكره أن أترك أمراً قد وقع لأمرٍ لعلّه لا يقع. يقول سبحانه: إن الشيطان يعد الناس الفقر في الإنفاق، أي يقول لهم: إن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا - والوعد كما يستعمل في الخير يستعمل في الشر - ويأمركم بالفحشاء، أي يغريكم بالبخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور، فالفحشاء هنا: البخل، والفاحش عند العرب: البخيل، قال طرفة بن العبد في معلّقته:

أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفيعَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

ثم قال سبحانه: والله يعدكم في الإنفاق مغفرة لذنوبكم وكفارةً لها، وأن

يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم وقيل لإبليس: مَن أحبُّ الناس إليك؟ فقال: عابدٌ بخيل.. قيل: فمن أبغض الناس إليك؟ قال: فاسِقٌ سخي، فإن سخاءه يُنجيه... أفرأيت! أليس هذا الكلام تمثيلاً جميلاً لحالَيْ البخيل والجواد! حتى إنهم فضلوا الفاسق السخي على العابد البخيل، وأحسن منهما جميعاً لعمري: العابد الكريم، وإنما كان العابد البخيل مفضولاً، لأن العبادة الحق لا تجتمع والبخلَ... وقال بعضهم لآخر: إنك متلافٌ، فقال: مَنْعُ الجودِ سوءُ ظنٍّ بالمَعْبود، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. ومن هذا قول بعض الحكماء: عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن ظن بالله، ولو أن أهل البخل لم يدخل عليهم من ضرِّ بخلهم، ومذمَّةِ الناس لهم، وإطباق القلوب على بُغضهم، إلا سوءُ ظنّهم بربهم في الخَلَف - أي العَوض - لكان عظيماً، وفي هذا المعنى يقول محمود الوراق:

مَنْ ظَنَّ باللهِ خيراً جاد مُبْتَدِئاًوالبُخْلُ مِنْ سُوءِ ظَنِّ المَرْءِ باللهِ
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «من ظن بالله خيرا جاد مبتدئا»

وورد في الحديث: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل والكبر) وقال بعضهم في هذا المعنى:

أُناسٌ تائهُونَ لَهم رُوَاءٌتَغِيمُ سَماؤُهمْ مِنْ غَيْرِ وَبْلِ

ومن أمثالهم في ذلك: رُبّ صَلْفٍ تحتَ الراعدة... الراعدة: السحابة ذات الرعد، والصلف قلة الخير، وهذا المثل يضرب للبخيل مع الوجد والسّعة، ولأئمة اللغة كلام كثير في هذا المثل راجعه في مادة صلف بلسان

العرب... ومن قولهم في البخيل لا يُرْجى خيرُه ولا يَبِضُّ حَجَرُه:

يُعالِجُ نفساً بيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةًإذا هَمَّ بالمعروفِ قالتْ لهُ مَهْلا

ومن المستطرف من كناياتهم في هذا المعنى ما يُروى: أنّ امرأةً قالت لزوجها: واللهِ ما يقيم الفأرُ في دارك إلا لحبِّ الوطن... وقال رجلٌ: إني أقصد فلاناً راجياً نداه، فقال له صاحبه:

تَرْجُو النَّدَى من إناءٍ قَلَّمَا ارْتَشَحَاكالمُستَذيبِ لِشَحْمِ الكلبِ مِنْ ذَنَبِهْ

وقال ابن الرومي - وهو من مقذعاته المضحكة -:

يُقَتِّرُ عِيسى على نفْسِهوليس بباقٍ ولا خالِدِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يقتر عيسى على نفسه»
ولَوْ يَسْتَطيعُ لِتَقْتِيرِهتَنفَّس مِنْ مَنْخَرِ واحِدِ

المنخر: ثقب الأنف وقال آخر:

يُحِبُّ المديحَ أبو خالدٍويَفْزَعُ من صِلَةِ المادِحِ
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «يحب المديح أبو خالد»
كبِكْرٍ تَوَدُّ لَذيذَ النّكاحِوتَهْلَعُ من صَوْلةِ النّاكحِ

وقال البحتري - وهو معنى بديع -:

جِدَةٌ يذُودُ البُخْلُ عن أطْرافِهاكالبَحْرِ يدْفَعُ مِلحُهُ عن مائِه
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا غاديا والثغر خلف مسائه»

وقال بشار:

إذا جِئتَهُ في حاجةٍ سَدَّ بابَهُفلَمْ تَلْقَهُ إلا وأنْتَ كَمينُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «خليلي من كلب أعينا أخاكما»
إذا سَلّمَ المِسكينُ طار فُؤادُهُمخافةَ سُؤْلٍ واعْتراهُ جُنُونُ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إذا سلم المسكين طار فؤاده»

وقال ابن الرومي. وهو كذلك من هجائه المضحك:

تجنَّبْ سليمانَ قُفْلَ النَّدىفقد يَئسَ الناسُ من فَتْحِه
للشاعر ابن الرومي، اقرأ القصيدة
ولَوْ كانَ يملكُ أمْرَ استِهِلما طَمِعَ الحُشُّ في سَلْحِه
للشاعر ابن الرومي، اقرأ القصيدة

الحُشُّ: المُستراح - موضع قضاء الحاجة - والسّلح: النجو - الغائط -.

وقال ابن الرومي أيضاً - وهو معنى بديع - وإن كان من بابةٍ غير هذه البابة:

وإذا امْرُؤٌ مَدَحَ امْرءاً لِنوالهِوأطال فيه فقد أرادَ هِجاَءهُ
للشاعر أبد الصغير العلوي، من قصيدة «زارت وليل غطمطم الظلما دجا»
لو لم يُقَدِّرْ فيه بُعْدَ المُسْتَقَىعندَ الورودِ لما أطالَ رِشاَءهُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «كل امرىء مدح امرأ لنواله»

الرشاء: حبل الدلو وقالوا: من لم يأت الخير صغيراً لم يأته كبيراً، وفي ذلك يقول المعلوط السعدي - وهو شاعر إسلامي -:

إذا المَرْءُ أعيَتْه المُروَءةُ ناشِئاًفمَطْلَبُها كهْلاً عليه شديدُ
للشاعر سويد بن خذاق العبدي، اقرأ القصيدة

وقالوا في البخيل كلما ازداد ثراءً ازداد بخلاً وكزازةً، والقائل ابن الرومي - والبيتان من أوابده وتوليداته البديعة:

إذا غَمرَ المالُ البَخيلَ وَجَدْتَهُيَزيدُ به يُبْساً وإنْ ظُنَّ يَرْطُبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا غمر المال البخيل وجدته»
وليسَ عجيباً ذاكَ منه فإنَّهُإذا غَمرَ الماءُ الحِجارَةَ تصْلُبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا غمر المال البخيل وجدته»

وقال:

ألم تَرَ أنَّ المالَ يُهلِكُ أهْلَهُإذا جَمّ آتِيهِ وسُدَّ طريقُهُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألم تر أن المال يهلك أهله»
ومَنْ جاورَ الماَء الغزِيرَ مَجَمُّهُوسُدَّ سبيلُ الماءِ فهْوَ غَريقُهُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألم تر أن المال يهلك أهله»

وقال:

المالُ يُكْسِبُ رَبَّهُ - ما لم يَفِضْفي الراغبينَ إليه - سُوَء ثناءِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «المال يكسب ربه ما لم يفض»
كالماءِ تأسُنُ بئْرُهُ إلا إذاخَبَطَ السُّقاةُ جِمامَه بدلاءِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «المال يكسب ربه ما لم يفض»

تأسن: تتغير، وخبطه: ضربه، والجمام: بتثليث الجيم: معظم الشيء.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الذخائر والعبقريات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.