تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

حثهم على الشكر

قال حكيم: إذا قَصُرَت يدُك عن المكافأةِ فليَطُلْ لسانُك بالشكر؛ وقالوا: النِّعم إذا شُكرت قرَّت وإذا كُفِرت فرَّت. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن

كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾... وقالوا: النعم وحشيّةٌ فاشْكُلوها بالشكر يقال: شَكَلَ الدابة يَشْكُلها: شدَّ قوائِمَها بحبل، واسم ذلك الحبل: الشِّكال وقال ابن المقفع: استوثقوا عُرى النِّعم بالشُّكر. العُرى جمع عُروة، والعُروة في الأصل تقال لعُرْوةِ الدّلو والكوز ونحوه، أي مقبضه. ولعُروة المزادة أي أذنها. ولعُروة القميص: مدخل زره، ولعروة النبات: ما بقي له خضرةٌ في الشتاء ترعاها الإبل إذا أجدب الناس، ومن

هذا استعاروا العُروة لكل ما يُلجأ إليه ويُعوّل عليه ويوثق به ويُتمسك؛ فيقال لقادة الجيش: العُرى، والصحابة رضوان الله عليهم: عُرى الإسلام، وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾؛ شُبِّه ما يُعتصم به من الدين بالعروة التي يُتمسّك بها ويُلجأ إليها، والوُثقى: المُحْكمة، فقول ابن المقفع: استوثقوا: أي أحكموها وقال البحتري:

يَزيدُ تَفضُّلاً وأزيدُ شُكْراًوذلك دأبُهُ أبداً ودأبي

وقال عمرو بن مَسْعَدة: لا تصحب من يكون استمتاعُه بمالِك وجاهِك أكثرَ من إمتاعِه لك بشكرِ لسانِه وفوائدِ عمله. وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون فأتيَ برجلٍ تُرْعَد فرائصُه، فلما مثل بين يديه قال المأمون: كفرتَ نعمتي ولم تشكُرْ معروفي! فقال: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شُكْري في جنبِ ما أنعم اللهُ بك عليَّ! قال يحيى: فنظر إليّ المأمون وقال متمثلاً:

ولو كان يَسْتغْني عن الشُّكْرِ ماجِدٌلِرفعةِ قَدْرٍ أَوْ عُلوِّ مكانِ
لَمَا أمَرَ اللهُ العبادَ بشُكْرِهفقال: اشْكروا لي أيُّها الثَقَلانِ
للشاعر الزبير بن بكار، اقرأ القصيدة

ثم التفت إلى الرجلِ وقال: هلاَّ قلت كما قال أصرمُ بن حُمَيْد:

مُلِّكْتَ حَمْدِيَ حتَى إنِّني رَجلٌكُلِّي بكلِّ ثَناءٍ فيكَ مُشْتَغِلُ
خُوّلْتَ شُكري لِمَا خَوَّلْتَ من نِعَمٍفُحُرُّ شُكْري لمَا خَوَّلْتَني خَدَمُ

وقريبٌ من هذا قول أبي الفتح البُسْتي:

لئِنْ عَجِزَتْ عن شُكْرِ بِرِّك قُوَّتيوأقْوى الوَرَى عن شكر بِرِّكِ عاجِزُ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لئن عجزت عن شكر برك قوتي»
فإنّ ثَنائي واعتِقادي وطاقَتيلأفلاكِ ما أوْلَيْتَنيها مراكزُ

ومن أبرع ما قيل في الشكر قول البحتري:

فلَوْ كان للشُّكْرِ شَخْصٌ يَبينُإذا ما تأَمَّلهُ الناظِرُ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
لبَيَّنْتُه لك حتّى تَراهُفتعْلَمَ أنِّي امْرُؤٌ شاكِرُ
ولكنّه ساكنٌ في الضَّميرِيُحَرِّكهُ الكَلِمُ السَّائِرُ

وقال عبدُ الله بن الزبير الأسديُّ في عمرِو بن عثمان بن عفان - لما زاره فنظر عمرو فرأى تحت ثيابِه ثوباً رثّاً، فدعا وكيلَه وقال: اقترض لنا مالاً، فقال: هيهات ما يعطينا التُّجّار شيئاً، قال: فأربحهم ما شاؤوا: فاقترض له عشرةَ آلاف فوجّه بها إليه مع تَخْتِ ثياب التَّخْت: وعاء تصان فيه الثياب -:

سأشْكرُ عَمْراً ما تَراخَتْ مَنِيَّتيأَيادِيَ لم تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «سأشكر عمرا ما تراخت منيتي»
فتًى غيرُ مَحْجُوبِ الغِنى عن صديقِهولا مُظْهِرِ الشَّكْوَى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
رأى خَلَّتي من حيثُ يَخْفَى مَكانُهافكانَتْ قَذى عَيْنيه حتى تجَلَّتِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

قوله: سأشكر: فالعرب تستعمل السين إذا أرادت تكرارَ الفعل وتأكيدَه ولا تريد التنفّس فيه. ولم تمنن: لم يَتْبعها مَنّ، وإذا النعل زلت: يريد: إذا زلت قدمُه في مزالقِ الدّهر فلا يجد مركباً يقيه مصرعَ السوء ولا متّكأً يعتمد عليه في نهضتِه، والخَلّة: الحاجة، وقوله من حيث يخفى مكانها: أي من حيث لا يدرِكُها لحاظُ غيره، وفكانت قذى عينيه: أبرع كلمة في معنى الاهتمام بالحاجة...

وقال ابنُ عنقاءَ الفزاريُّ في عُمَيْلة الفزاريِّ - وكان قد وصله بنصف ماله لَمّا رأى من رثاثةِ حالِه، وكان عُمَيْلةُ غلاماً جميلاً -:

رآني على ما بي عُمَيلةُ فاشْتَكىإلى مالِه حالِي أَسَرَّ كما جَهَرْ
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة
دَعاني فآساني ولو ضَنَّ لم أَلُمْعلى حينَ لا بَدْوٌ يُرجَّى ولا حَضَرْ
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة
غُلامٌ رَماهُ اللهُ بالخيْرِ يافِعاًله سِيمَياءُ لا تَشُقُّ على البَصَرْ
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
كأنّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ في جَبينِهوفي خَدِّه الشِّعْرَى وفي وَجْهِه القَمَرْ
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
إذا قِيلَتِ العَوْراءُ أَغْضَى كأنَّهذَليلٌ بِلا ذُلٍّ ولَوْ شاَء لاَنْتَصَرْ
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة
ولمّا رأى المَجْدَ استُعِيرَتْ ثِيابُهتَرَدَّى رِداءً واسِعَ الذِّيلِ وائْتَزَرْ
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
فقلتُ له خَيراً وأَثنَيْتُ فِعْلَهوأَوْفاكَ ما أَسْدَيْتَ مَن ذَمَّ أوْ شَكَرْ
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

السيما والسيميا والسيماء والسيمياء: العلامةُ يُعرف بها الخير والشر، وقوله: لا تَشُقُّ على البصر يريد: لا تؤذيه بل يُسرُّ بها، والثُّرَيّا: من الكواكب كثيرةُ الأنْجم مع صغر مرآتها،

والشِّعْرى يريد بها الشعرى العَبور، وهو كوكب نيِّر خلفَ الجوزاءِ يطلع في صميمِ الحرّ. والعوراء: الكلمةُ القبيحةُ، وأغضى: أطبق أجفانَه حياءً ونُبْلاً، واستعيرت ثيابه: كنى بذلك عن قلة الأمجاد.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في الشكر والحمد والثناء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.