من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
العجز عن الشكر
قال بعضهم:
أَيادِيَ لا أسْطيعُ كُنْهَ صِفاتِهاولوْ أنَّ أعضائي جميعاً تَكلَّمُ
وقال آخر:
ولوْ أنّ لي في كلِّ مَنْبِتِ شَعْرةٍلِساناً يَبُثُّ الشُّكْرَ فيكَ لقَصَّرا
وقال بعضهم: شكري لا يقعُ من نِعَمه الظاهرة: موقعَ النُّقْطةِ من الدائرة. وقال أبو نُواس:
قد قلتُ للعبّاسِ مُعْتذِراًعن ضَعْفِ شُكْرِيِه ومُعْتَرِفا
أنْتَ امْرُؤٌ جَلّلْتَني نِعَماًأوْهَتْ قُوَى شُكرِي فقد ضَعُفا
فإليِكَ مِنِّي اليومَ تقْدِمَةًتَلْقاكَ بالتَّصْريحِ مُنْكَشِفا
لا تُسْدِيَنَّ إليَّ عارِفةًحتّى أقومَ بشكرِ ما سَلَفا
شكريه: شكري إيّاه وقال المتنبي:
ولم نَمْلَلْ تفَقُّدَكَ المَوالِيولم نَذْمُمْ أياديَكَ الجِساما
ولَكِنَّ الغُيُوثَ إذا تَوالَتْبأرْضِ مُسافرٍ كرِهَ المُقاما
المَوالي جمع مولى: العبد، وتروى المُوالي: أي الذي يلي بعضُه بعضاً، والأيادي النعم، والجسام: العظام، وقوله ولكن الغيوث... البيت، فالغيوث جمع غيث: المطر، وتوالت: تتابعت، والمقام: الإقامة؛ يقول: إن المسافر إذا كثر عليه المطرُ مَلّ إقامتَه واحتباسَه، لأجل المطر، كذلك نحن، عطاياك تتوالى علينا وأنت قيّدتنا بإحسانِك وأنا مسافرٌ أريد الارتحال ولولا هذا لم أمَلَّ نعمتك، والمطر يسأله كلُّ أحدٍ إلا المسافر... وقال البحتري وأبدع:
أَخْجَلْتَني بنَدى يَدَيكَ فسَوَّدَتْما بيْنَنا تلْكَ اليَدُ البَيْضاءُ
وقَطعْتَني بالجُودِ حتّى إنَّنيمُتَخَوِّفٌ أنْ لا يكونَ لِقاءُ
صِلَةٌ غَدَتْ في الناسِ وَهْيَ قطِيعةٌعَجَبٌ، وبِرٌّ راحَ وهْوَ جَفاءُ
وقال أيضاً:
إيهاً أبا الفَضْلِ شُكْري منكَ في نَصَبِأقْصِرُ فماليَ في جَدْواكَ من أرَبِ
لا أقْبَلُ الدَّهْرَ نَيْلاً لا يقومُ بهشُكْري ولو كان مُسْدِيِه إليَّ أبي
ومن ألفاظهم في ذلك: شُكْرُه شأوٌ بعيدٌ لا تبلغه أشواطي، ولا أتلافى التفريطَ فيه بإفراطي الأشواط جمع شَوْط: الجَرْيُ مَرَّةً إلى غايةٍ تقول: عدا - جرى - شوطاً، أي طَلَقاً وعندي له مَبارٌّ أعجَزني شكرُها، كما أعوزني حصرُها مبارٌّ جمع مبرّة وقال بعض الشعراء في الصاحب بن عباد:
وَفَدْنا لنَشْكُرَ كافي الكُفاةِونَسْأَلَهُ الكَفَّ عن بِرِّنا
فقال بعض الحاضرين: قد كُفيت، فإنّ الصاحبَ صار لا يُعطي شيئاً...
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع