من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
نهيهم عن الإفراط في البكاء وإظهار الجزع
دخلَتْ أعْرابيّةٌ الحَضَرَ فسمعت بكاءً من دارٍ فقالت: ما هذا! أراهُمْ من ربِّهم يَسْتغيثون، ومن اسْتِرْجاعِه يَتَضَجّرون، ومِنْ جَزيلِ ثوابِه يَتَبَرّمون.. وقال أبو سعيدٍ البَلْخِيُّ: مَنْ أصابتْه مصيبةٌ فأكثرَ الغمَّ جعلَ اللهُ عقوبتَه غَمّاً مثلَه، قال الله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ﴾... الآية...
وعن عبد الله بنِ مسعود ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ: (ليس منّا من لَطَمَ الخُدودَ، وشَقَّ الجُيوبَ، ودَعا بِدَعْوى الجاهلية)... ودعا بدعوى الجاهلية: أي مِنْ نحوِ قولهم: واأبَتاه، واأمّاه، واوَلَداه، وامُصيبتاه، ونحو ذلك من ضروبِ النّياحة والنُّدْبة... أمّا البكاءُ والجزعُ دون إفراطٍ فَمُرَخَّصٌ فيه، حدَّث أنسُ بن مالك قال: (دَخَلْنا على أبي سيف القين - وكان ظِئْراً لإبراهيمَ ﵇، فأخذ رسولُ الله ﷺ إبراهيمَ، فقبَّله وشَمَّه، ثُمَّ دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيمُ يجودُ بنفسِه، فجعلت عينا رسولِ الله تَذْرفانِ فقال له عبد الرحمن ابنُ عوفٍ
رضي الله عنه: وأنت يا رسولَ الله! فقال: يا ابنَ
عوفٍ، إنّها رحمةٌ، ثمَّ أتبعها بأخرى - أي أتبعَ الدمعةَ الأولى بأخرى - وقال صلواتُ اللهِ عليه: إنّ العينَ تدمعُ، والقلبَ يحزنُ، ولا نقول إلا ما يُرضي الله، وإنّا بفِراقِك يا إبراهيمُ لمَحْزونون).. قوله صلوات الله عليه: ولا نقول إلا ما يُرضي اللهَ وفي رواية: ولا نقول ما يُسخِطُ الرّب: أي من النّياحة والصُّراخ وما إلى ذلك ممّا يُوجب سُخْطَ الله ﷿ وقيل لأعرابيٍّ: اصبر فالصَّبرُ أجرٌ، فقال: أعلى اللهِ أتَجَلَّد! واللهِ: لَلْجَزَعُ أحبُّ إليه، لأنَّ الجزعَ استكانةٌ والصبرَ قَساوة... وقيل لفيلسوف: أخرجِ الحُزنَ من قلبك فقال: لم يَدْخُلْه بإذْني فأخْرِجُه بإذني... وأفرطت امرأةٌ في الجزعِ على ابنها، فعُوتبت في ذلك، فقالت: إذا وقعَ حكمُ الضَّروريّات لم يَقَعْ عليها حكمُ المُكْتَسبات، فأمّا جَزعي فليسَ في الطَّاقةِ صرفُه، ولا في القُدْرَةِ مَنْعُه، ولي عُذْرٌ للضّرورة، فإنّ اللهَ تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾...
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع