تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

من أوصى بشرٍّ وكان قاسِياً

لمّا حضرتِ الحُطيئةَ الوفاةُ اجتمعَ إليه قومُه فقالوا: يا أبا مُلَيْكة: أوْصِ، فقال: وَيْلٌ للشِّعْرِ من راوِيةِ السُّوء؛ قالوا: أوْصِ رَحِمَك اللهُ يا حُطَيْءُ قال: مَن الّذي يقول:

إذا أَنْبَضَ الرّامونَ عَنْها تَرَنَّمَتْتَرَنُّمَ ثَكْلَى أوْجَعَتْها الجَنائِزُ؟
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «عفا بطن قو من سليمى فعالز»

قالوا: الشَّمّاخ؛ قال: أبْلِغوا غَطفانَ أنّه أشعرُ العَرب؛ قالوا: وَيْحك! أهذه وَصِيّةٌ! أوْصِ بما يَنْفَعك! قال: أبْلِغوا أهلَ ضابِئٍ أنّه شاعرٌ حيث يقول:

لِكُلِّ جَديدٍ لَذَّةٌ غَيْرَ أنّنيرأيْتُ جَديدَ المَوْتِ غَيْرَ لَذيذِ

قالوا: أوْصِ وَيْحك بما يَنْفعُك! قال: أبلِغوا أهلَ امْرئِ القيسِ أنّه أشعرُ العربِ حيثُ يقول:

فيا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كأنَّ نُجومَهُبِكُلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بيَذْبُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قالوا: اتَّقِ اللهَ ودَعْ عنكَ هذا؛ قال: أبلِغوا الأنصارَ أنَّ صاحِبَهم أشعرُ العربِ حيث يقول:

يُغْشَوْنَ حتّى ما تَهِرُّ كِلابُهملا يَسْألونَ عَنِ السَّوادِ المُقْبِلِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

قالوا: هذا لا يغني عنك شيئاً، فقُلْ غيرَ ما أنتَ فيه، فقال:

الشِّعْرُ صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْإذا ارْتَقَى فيه الّذي لا يَعْلَمُهْ
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة
زَلَّتْ بهِ إلى الحَضِيضِ قَدَمُهْيُريدُ أنْ يُعْرِبَه فيُعْجِمُهْ
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة

قالوا: هذا مثلُ الذي كنتَ فيه، فقال:

قَدْ كُنْتُ أحياناً شديدَ المُعْتمَدْوكنتُ ذا غَرْبٍ على الخَصْمِ ألَدّ

فَوَرَدَتْ نَفسي وما كادَتْ تَرِدْ

قالوا: يا أبا مُلَيْكة، ألكَ حاجةٌ؟ قال: لا واللهِ، ولكِنْ أجْزَعُ على المديحِ الجيِّد يُمدَحُ به مَنْ ليس له أهلاً. قالوا: فمَنْ أشعرُ الناس؟ فأوْمَأ بيدِه إلى فيه وقال: هذا الجُحَيْرُ إذا طَمِعَ في خير يعني فمَه واسْتَعْبَرَ باكِياً؛ فقالوا له: قل لا إلهَ إلا الله، فقال:

قالَتْ وفيها حَيْدَةٌ وذُعْرُعَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكمُ وحُجْرُ

فقالوا له: ما تقولُ في عبيدِك وإمائِك؟ فقال: هُمْ عَبيدٌ قِنٌّ ما عاقبَ الليلُ النَّهارَ؛ قالوا: فأوْصِ للفقراءِ بشَيْءٍ، قال: أوصيهم بالإلحاحِ في المَسْألةِ فإنّها تجارةٌ لا تَبور، واسْتُ المَسؤول أضيقُ. قالوا: فما تقولُ في مالِك؟ قال: للأنثى مِنْ وَلدي مِثْلُ حظِّ الذكر. قالوا ليس هكذا قضى اللهُ جلَّ وعزَّ لَهُنَّ، قال: لكنّي هكذا قضيْتُ. قالوا فما توصي لليتامى؟ قال: كُلوا أموالَهم وانْكِحوا أمَّهاتِهم؛ قالوا: فهل شيءٌ تَعْهَدُ فيه غيرَ هذا؟ قال: نَعَم، تَحْمِلونَني على أتانٍ وتتركونَني راكِبَها حتى أموتَ، فإنَّ الكريمَ لا يموتُ على فراشِه، والأتانُ مَرْكَبٌ لم يَمُتْ عليه كريمٌ قطُّ، فحَمَلوه على أتانٍ وجَعلوا يذهبون به ويَجيئون عليها حتّى مات وهو يقول:

لا أحَدٌ ألأَمُ مِنْ حُطَيّهْهَجا بَنِيهِ وهَجا المُرَيّهْ

مِنْ لُؤمِه ماتَ على فُرَيّهْ

المُرَيّة: تَصغير مَرَة - امرأة - يريد: زوجتَه، والفريّة يريد الفرا أي الحِمار.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.