من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
الحياة لا تمل
قال حكيم: الحياةُ وإنْ طالَتْ لا تُملُّ، وإنّما يَمَلُّ المَرْءُ تكاليفَ الحياة،
ولهذا فُضِّلَ قولُ زهير بن أبي سُلمى:
سَئِمْتُ تَكاليفَ الحَياةِ ومَنْ يَعِشْثمانينَ حَوْلاً لا أبَا لكَ يَسْأَمِ
على قول لبيد:
ولَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الحَياةِ وطولِهاوسُؤالِ هذا النّاسِ: كيفَ لَبيدُ
تكاليف الحياة: مشاقُّها وشدائِدُها، أمّا لبيدُ فإنه يكادُ يكون مَعذوراً إذا هو ملَّ الحياةَ نفسَها ولِمَ لا وقد عُمِّر حتّى بلغَ الثلاثين ومائةَ سنة؟ وقال المتنبّي:
ولَذيذُ الحَياةِ أنْفَسُ في النَّفْسِ وَأَشْهَى مِنْ أنْ يُمَلَّ وأحْلَى
وإذا الشَّيْخُ قالَ أُفٍّ فما مَلَّ حَياةً وإنّما الضُّعْفَ مَلاَّ
آلَةُ العَيْشِ صِحّةٌ وشَبابٌفإذا وَلَّيا عَنِ المَرْءِ وَلَّى
وقد تقدّمت ودخل سليمان بنُ عبد الملك مسجدَ دمشقَ، فرأى شيخاً، فقال: يا شيخُ، أيسرُّك أن تموتَ؟ فقال: لا واللهِ، قال: ولِمَ وقد بَلَغْتَ من السِّنِّ ما أرى! قال: مَضى الشبابُ وشرُّه، وبَقِيَ الشّيْبُ وخيرُه، فأنا إذا قعَدْتُ ذكرْتُ اللهَ، وإذا قُمْتُ حَمِدْتُ اللهَ، فأحِبُّ أنْ تدومَ لي هاتان الحالتان...
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع