تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

الموت يسوّي بين الأفاضل والأراذِلِ

قال المتنبّي في رثائِه أبا شجاع فاتكاً:

وَصَلتْ إليْكَ يَدٌ سَواءٌ عِندَهاألبازُ الاشْهَبُ والغُرابُ الأبْقَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق و التجمل يردع»

البازُ الأشهب: الذي غلبَ عليه البياضُ، والأبقعُ: الذي في صدره بياضٌ يقول المتنبي: وصلت إليك يدٌ - يريد المنية - الشريفُ والوضيعُ لديها سواء، فِعلُها مع الباز الأشهبِ مع كرمِه كفعلِها بالغرابِ الأبْقَعِ مع قبحِه ودمامتِه، وهذا على المثل... ويُروى أنّ الإسكندر المقدونيَّ مرَّ بمدينةٍ قد ملَكَها غيرُه من الملوكِ؛ فقال: انظُروا هل بقيَ بها أحدٌ من نَسْلِ مُلوكِها؟ فقالوا: رجلٌ يسكنُ المقابِرَ، فأحضرَه وسألَه عن إقامتِه هذه؛ فقال: أرَدْتُ أنْ أميِّزَ عظامَ الملوكِ من عظامِ عبيدِهم فوجدتُها سواءً، فقال: هل تتَّبِعُني فأحْيي لك شرفَك إن كان لك همَّةٌ؟ فقال: هِمَّتي عظيمةٌ إن أنَلْتَنيها، فقال: ما هي؟ قال: حياةٌ لا موتَ معها، وشبابٌ لا هرمَ معه، وغِنًى لا فقرَ معه، وسرورٌ لا مكروهَ فيه، فقال: ليس عندي هذا، فقال دَعْني ألْتَمِسْه مِمَّن هو عندَه، فقال: ما رأيتُ مثلَه حكيماً؛... وقال مالك بن دينار: قدِمَ علينا بِشرُ بنُ مروان أخو الخليفة - عبد الملك بن مروان - فطُعن - أصابه الطاعون - فماتَ فأخْرَجْناه إلى القبر، فلما صِرْنا إلى الجبّان - الجبّانة - إذا نحنُ بِسودانٍ يَحمِلون صاحِباً لهم إلى القبر، فدَفَنّاه ودَفَنوا صاحبَهم، فعُدْتُ قبل الأسبوعِ فلَمْ أعرف قبرَ الأسودِ من قبرِه؛ وفي هذا يقول الشاعر:

ولَقَدْ مَرَرْتُ على القُبورِ فمامَيّزْتُ بينَ العَبْدِ والمَوْلى
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «المرء آفته هوى الدنيا»

وقال صالحُ بنُ عبد القدّوس:

فيا مَنْزِلاً سَوَّى البِلَى بينَ أهْلِهفلَمْ يَسْتَبِنْ فيه الملوكُ مِنَ السُّوَقْ
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.