تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

انقضاء ناسٍ بعد ناس ورجوعهم إلى الموت

قال عليٌّ كرَّم اللهُ وجهَه: إنَّ للهِ في كلِّ يَوْمٍ ثلاثَ عَساكِرَ: عسكرٌ يَنْزِلُ من الأصْلابِ إلى الأرْحام، وعَسْكرٌ ينزل من الأرْحامِ إلى الأرضِ، وعسكرٌ ينتقلون من الدُّنيا إلى الآخرة، وقال الشاعر:

وما نَحْنُ إلا رُفْقةٌ غيرَ أنّناأقَمْنا قليلاً بَعْدَهم ونَرُوحُ

وقال آخر:

إذا زُرْتُ أرْضاً بعدَ طُولِ اجْتِنابِهافقَدْتُ صديقاً والبِلادُ كَما هِيَا

وقال:

أرَى الأرْضَ تَبْقَى والإخِلاّءُ تَذْهَبُ

وقيل للبَهلول - وقد أقبلَ من الجبّان -: من أين؟ فقال:

مِنْ عَسْكرِ المَوْتى، فقيل ما قلت وما قالوا؟ فقال: سألتُهم: مَتى يَرْحلون؟ فقالوا: ننتظرُ قدومَكم ثُمَّ نَرْتحل... ورَوَوْا: أنَّ راهبين دَخلا البصرةَ من ناحيةِ الشَّامِ فنظرا إلى الحسنِ البصري، فقال أحدُهما: مِلْ بِنا إلى هذا الذي كأنَّ سَمْتَه سَمْتُ المسيح، فعَدلا إليه، فألْفَياه مُفْتَرِشاً بذَقْنِه ظاهرَ كفِّه وهو يقول: يا عَجباً لقومٍ قد أمِروا بالزَّاد وأُذِنوا بالرَّحيل، وأقام

أوَّلُهم على آخرِهم، فليتَ شِعْري ماذا يَنْتَظرون! وفي روايةٍ أخرى هذه الزيادةُ بعد قوله: وأقام أولهم على آخرهم: وآخرهم قعودٌ يلعبون قوله: أمِروا بالزّاد يعني زادَ الآخرة، وهو العملُ الصالح، وقوله: وأذنوا بالرحيل: أذِنوا: أُعْلِموا، والرحيل يريد به الموتَ، وقوله: وأقام أوّلُهم على آخرِهم: لعلّه يريد: أنّ أوّلَهم يرضى فعلَ آخرِهم فلَمْ يُنْكِرْ عليه، ولعلّه يريد أن موتَ أوّلهم كان يجب أن يكون عبرةً لآخرِهم ومن المشهور في هذا أبياتُ قُسِّ بنِ ساعدةَ الأيادي:

في الذَّاهِبينَ الأوَّلِينَ مِنَ القُرونِ لنا بَصائِرْ
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة
لمّا رأيْتُ مَوارِداًللمَوْتِ لَيْسَ لَها مَصادِرْ
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة
ورَأيْتُ قَوْمي نَحْوَهايَمْضي الأصاغِرُ والأكابِرْ
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة
لا يَرْجِعُ الماضي إليَّولا مِنَ الباقِينَ غابِرْ
أيْقَنْتُ أنّي لا مَحالةَ حَيْثُ صارَ القومُ صائِرْ
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة

في الذاهبين: متعلّق ببصائِر في آخر البيت، وبصائر: عِبَر، والقُرونُ جمع قَرْنٍ والقَرْنُ من الناس: أهلُ كلّ زمان، قال:

إذا ذَهَبَ القَرْنُ الذي أنْتَ فيهمُوخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فأنْتَ غَريبُ

ولعلّه مأخوذٌ من الاقترانِ، فكأنّه المِقدارُ الذي يقترن فيه أهلُ ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، ومن هنا اختلفوا في تحديدِ القَرن من الزمان فقيل: أربعونَ سنةً، وقيل: ثمانون، وقيل مائة سنة، والموارِد جمع مورد وهو:

محلُّ الوُرود، أي الإتيان، والمصادر جمع مَصدر، وهو: موضع الصُّدور، أي الانصراف والرُّجوع، وغابر اسم فاعل من غَبَرَ

بمعنى: مَكَثَ وبَقِي، وبمعنى: مضى أيضاً، فهو من الأضداد.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.