تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

الموت لا يُتحرّز منه بشيء ولو كان الطِّبَّ

قال المتنبي:

يموتُ راعي الضأنِ في جَهْلِهِمَوْتَةَ جالينُوسَ في طِبِّهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»
ورُبَّما زَادَ على عُمْرِهوزادَ في الأمْنِ على سِرْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

وقبل هذين البيتين:

لا بُدَّ للإنسانِ مِن ضَجْعةٍلا تَقْلِبُ المُضْجَعَ عن جَنْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»
يَنْسَى بها ما كان مِنْ عُجْبِهِوما أذاقَ الموْتُ مِن كَرْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»
نَحْنُ بنو الموْتى فما بالُنانَعافُ ما لا بُدَّ مِنْ شُرْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»
تَبْخَلُ أيدينا بأرْواحِناعلى زمانٍ هيَ من كَسْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»
فهذِه الأرْوَاحُ مِنْ جَوِّهوهذِه الأجسامُ من تُرْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»
لَوْ فَكَّرَ العاشقُ في مُنْتَهَىحُسْنِ الذي يَسْبِيِهِ لمْ يَسْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»
لمْ يُرَ قَرْنُ الشمْسِ في شَرْقِهفشَكَّتِ الأنفُس في غَرْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

إلى أن قال بعد البيتين المذكورين آنِفاً:

وغايةُ المُفْرِطِ في سِلْمِهكغايةِ المُفْرِطِ في حَرْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»
فلا قَضَى حاجتَه طالبٌفؤادُه يَخْفِقُ مِن رُعْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

وقيل للربيع بن خُثَيم في مَرَضِه: ألا ندعو لكَ طبيباً؟ قال: أنْظِرُوني، ثم فكَّر فقال: ﴿وَعَاداً

وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾، لقد كان فيهم أطِبّاءُ، فما أرى المُداوِي بَقِيَ ولا المُداوَى صَلُح...

ودخل الفرزدقُ على مريضٍ يَعودُه فسمِعَه يطلب طَبيباً فقال:

يا طالِبَ الطِّبِّ مِن داءٍ تَخَوَّنَهُإنَّ الطَّبيبَ الّذي أبْلاكَ بالدّاءِ
هُوَ الطَّبيبُ الذي يُرْجَى لِعافيَةٍلا مَنْ يَدُوفُ لكَ التِّرْياقَ بِالماءِ

الذي أبلى المريضَ بالدّاءِ والذي يُرجى لعافيةٍ: هو اللهُ ﷿، ويَدوفُ: يخلُطُ. وتخوّنه: غيّر حالَه إلى أسوأَ منها، ويروى: تخونه والتِّرياق: الدّواء هنا، وأبلاه: صنع به ما يمتحن به ويختبر.

وقال ابن الرومي:

غَلِطَ الطَّبيبُ عليَّ غَلْطَةَ مُورِدٍعَجِزَتْ مَوارِدُه عَنِ الإصْدارِ
وَالناسُ يَلْحَوْنَ الطَّبيبَ وإنّماغَلَطُ الطبيبِ إصابَةُ المِقدارِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «غلط الطبيب علي غلطة مورد»

وقال أبو ذُؤَيْبٍ الهُذَليُّ:

وإذا المَنِيَّةُ أنْشبَتْ أظفارَهاألفيْتَ كلَّ تَميمةٍ لا تَنْفَعُ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

وقال عليُّ بن الجَهم:

كَمْ مِنْ عَليلٍ قد تَخَطَّاهُ الرَّدىفنَجا ومَاتَ طبيبُه والعُوّدُ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وقد أخذَ هذا من قولِ عديِّ بنِ زيد:

أيْنَ أهْلُ الدِّيارِ مِنْ قَوْمِ نُوحٍثُمَّ عادٌ مِن بَعْدِهِمْ وثَمُودُ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
بَيْنَمَا هُمْ على الأسِرَّةِ وَالأنْماطِ أفْضَتْ إلى التُّرابِ الخُدودُ
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أَين أهل الديارِ من قوم نوح»
ثُمَّ لمْ يَنْقَضِ الحَديثُ وَلكِنْبَعْدَ ذَا الوَعْدُ كُلُّهُ وَالوَعِيدُ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
وَأَطِبّاءُ بَعدَهُمْ لحِقُوهُمْضَلَّ عَنْهمُ سَعُوطُهُمْ واللَّدُودُ
وَصَحيحٌ أضْحَى يَعودُ مَريضاًوهو أدْنى لِلموَتِ مِمَّن يَعودُ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

السَّعوط: الدّواء الذي يُؤخذُ من الأنف، واللَّدودُ: ما يُؤخذ من الدّواء بالمِسْعَطِ ويُصبُّ في أحد شِقَّيْ الفم ويُروى: أنَّ عبد الملك بنَ مروانَ هربَ من الطاعون، فركِبَ ليلاً وأخرجَ غُلاماً معه؛ وكان ينام على دابَّته، فقال للغُلام: حدِّثني، فقال ومَنْ أنا حتّى أحدِّثَك! فقال: على كلِّ حالٍ حَدِّث حَديثاً سَمِعْتَه، فقال: بلَغَني: أنَّ ثعلباً يَخْدُمُ أسَداً ليَحْميَه ويمنعَه مِمَّن

يريدُه فكان يحميه، فرأى الثعلبُ عُقاباً، فلجأ إلى الأسدِ، فأقْعده على ظهرِه، فانقضُّ العُقاب واخْتَلَسَه، فصاحَ الثعلبُ: يا أبا الحارث، أغِثْني واذْكُرْ عهدَك لي

فقال الأسد: إنّما أقدِرُ على منعك من أهلِ الأرض، وأمّا أهلُ السماءِ فلا سبيلَ لي إليهم، فقال عبد الملك: وعَظْتَني وأحْسَنْت، انْصرِفْ ورَضِيَ بالقَضاء...

ولمناسبة الهربِ من الطاعونِ نُوردُ هنا ما أورَدْنا نظيرَه في قولنا على التوكُّل، وهو أنَّ عمر ابنَ الخطّاب رضوانُ الله عليه لما بلَغَه أنَّ الطاعونَ وقعَ بالشَّام فانصرفَ بالناس: قال له أبو عبيدةَ بنُ الجراح: أفِراراً من قَدَرِ اللهِ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال عمرُ: لو غيرُك قالَها يا أبا عبيدة! نَعَمْ نَفِرُّ من قَدَرِ اللهِ إلى قدرِ الله، أرأيْتَ لو أنَّ لك إبِلاً هَبَطْتَ بها وادِياً له جِهتان إحداهُما خصيبةٌ والأخرى جديبة، أليسَ لو رعَيْتَ في الخصيبة رعيتَها بقدرِ اللهِ، ولو رعَيْتَ الجديبةَ رعيتَها بقدرِ الله؟ وكان عبد الرحمن بن عوف غائِباً فأقبل، فقال: عندي في هذا عِلْمٌ سمعتُه من رسولِ الله ﷺ، قال: (إذا سَمِعْتُم به - بالطاعون - في أرْضٍ فلا تَقْدَموا عليها، وإذا وَقَع في أرضٍ وأنتم بها فلا تَخرُجوا فِراراً منه)، فحَمِدَ اللهَ عمرُ ثُمَّ انصرفَ بالناس...

وقال المتنبّي:

نُعِدُّ المَشْرَفِيَّةَ والعَوَاليوتَقْتُلُنا المَنونُ بِلا قِتالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»
ونَرْتَبِطُ السَّوابِقَ مُقْرَباتٍوَمَا يُنْجينَ من خَبَبِ اللّيالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»
وَمَنْ لَمْ يَعْشَقِ الدُّنيا قَديماً؟ولكِنْ لا سبيلَ إلى الوِصالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

المَشْرفيّة: السيوف - والعوالي: الرّماح، والمَنون: الموت، والسَّوابق جمعُ سابقٍ وسابِقةٍ، والمُقْربات من الخيل هي الكِرامُ التي تُرْتَبط لكرامتِها على أصحابها أو لِفَرْطِ الحاجةِ إليها والخبب: عَدْوٌ لا يَسْتَفرغُ الجَهْدَ، يقول المتنبي: نحن نُعِدُّ السيوفَ والرماحَ لمنازلة الأعداء ومُدافعة الأقران؛ والموت يخترمُ نفوسَنا

دون قتالٍ أو نزال، لا يمكننا حِذارُه ولا يتهيّأ لنا دفاعُه، ثم قال في البيت الثاني: ونَرْتَبِط الخيولَ الكريمةَ ومع هذا لا تُنجينا من طلبِ الدَّهْرِ إيّانا وخَبَبِ لياليه في آثارنا:

كأنّنا في حُروبٍ مِن حَوادثِهفَنَحْنُ مِن بينِ مَجْروحٍ ومَطْعونِ

وقد تقدَّم معنى البيت الثالث.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.