تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

استدلال الإنسان على موتِه بمن مات من أهله

قال أبو نواس من أبياتٍ قد أورَدْناها عليك في باب التقوى:

ألا يا ابْنَ الذين فَنُوا وماتواأمَا واللهِ ما ماتوا لتَبْقَى

وقال بعضُ الصّالحين: إنّ امْرأً ما بينه وبين آدمَ أبٌ إلا مَيِّتٌ لَمُعْرِقٌ في الموت... وقال لبيد:

فإنْ أنتَ لم تَصْدُقْكَ نفْسُكَ فانْتَسِبْلعلّكَ تَهْديكَ القُرونُ الأوائِلُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
فإنْ لم تَجِدْ مِن دونِ عَدْنانَ باقِياًودُون مَعَدٍّ فلْتَزَعْكَ العَواذِلُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

وهذانِ البيتان من قصيدةٍ يَرْثي بها النُّعمانَ بن المنذر ملكَ الحيرة وأولُها:

ألا تَسْألانِ المَرَْء ماذا يُحاوِلُأنَحْبٌ فيُقْضَى أَمْ ضَلالٌ وباطِلُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

وفيها يقول:

ألا كلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُوكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائِلُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
وكُلُّ أُناسٍ سوف تَدْخُلُ بينَهمدُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنها الأنامِلُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

وقوله: فإن أنت لم تصدقك.. البيت يقول: إنْ لََمْ تَصْدُقك نفسُك عن هذه الأخبار، بل كذَبَتْك، فانْتَسِبْ: أي قُلْ: أين فلانُ بن فلان، فإنّك لا ترى أحداً بقِي، ولعلك تهديك القرونُ وترشدُك، وقوله: فإن لم تجد... البيت

فزَعْك: تكفُّك، والعواذل هناك: حوادثُ الدَّهرِ

وزواجرُه، وقال بعضُ الشرّاح: العواذلُ: النساء، يقول: لم يبق لك أبٌ حيٌّ إلى عدنان فكفَّ عن الطمع في الحياة، ومعنى البيتين: إنَّ غاية كل حيٍّ الموتُ، فينبغي للإنسانِ أن يتَّعظ: بأن ينسبَ نفسَه إلى عدنان، فإن لم يجد مَنْ بينه وبينه من الآباءِ باقِياً فليعلَمْ أنّه يَصير إلى مصيرهم، فينبغي له أن ينزعَ عمّا هو عليه ومثله قول امرئ القيس:

فبَعْضَ اللَّوْمِ عاذِلَتي فإنِّيسيَكْفيني التَّجارِبُ وانْتِسابي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»
إلى عِرْقِ الثَّرى وشَجَتْ عُروقيوهذا المَوْتُ يَسْلُبُني شَبابي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»

وشَجَت: اشتبكت وقال أبو تمام في قصيدةٍ له يمدح مالكَ بنَ طوقٍ ويعزِّيه عن أخيه القاسم:

تأَمَّلْ رُوَيْداً هَلْ تَعُدَّنَّ سالماًإلى آدَمٍ أمْ هلْ تَعُدُّ ابنَ سالِمِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أمالك إن الحزن أحلام حالم»
متى تُرْعِ هذا الموتَ عيْناً بَصيرَةًتجِدْ عادِلاً منه شَبيهاً بِظالِمِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أمالك إن الحزن أحلام حالم»

قوله: متى ترعِ البيت يقول: متى أنعمتَ النظرَ وأفكرتَ في أمْرِ الموت وجدتَ منه عادلاً أشبهَ بظالم، وذلك أنه قد يَخترمُ من يكون اخترامُه أصلحَ له لدى العزيز الحكيم الذي يعلمُ مصالحَ خلقِه وقد يَخفى عليك وجهُ الحكمة فتظنُّ العدلَ جَوْراً.

وقال البحتري:

وما أهْلُ المَنازلِ غَيْرُ رَكْبٍمَناياهُمْ رَوَاحٌ وابْتِكارُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أناة أيها الفلك المدار»
لَنا في الدَّهْرِ آمالٌ طِوالٌنُرَجِّيها وأعْمارٌ قِصارُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أناة أيها الفلك المدار»

والبيت الثاني مثله قولُ ابنِ هانئٍ الأندلسي من أبياتٍ يرثي بها والدةَ يحيى وجعفر ابنَيْ علي صاحب المَسيلة بالمغرب، وهذه هي الأبيات:

صَدَقَ الفَناءُ وكُذِّبَ العُمُرُوجَلاَ العِظاتِ وبالَغَ النُّذُرُ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «صدق الفناء وكذب العمر»
إنَّا، وَفي آمالِ أنفُسِناطُولٌ وفي أعْمارِنا قِصَرُ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «صدق الفناء وكذب العمر»
لنَرَى بأعْيُنِنا مَصارِعَنالو كانتِ الألبابُ تَعتَبِرُ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «صدق الفناء وكذب العمر»
ممَّا دَهانا أنَّ حاضِرَناأجْفانُنا، والغائِبُ الفكَرُ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «صدق الفناء وكذب العمر»
وإذا تدَبَّرْنا جوارِحَنافأَكَلُّهُنَّ العَيْنُ والنَّظَرُ
لو كانَ للألبابِ مُمْتَحنٌما عُدَّ منها السَّمْعُ والبَصَرُ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «صدق الفناء وكذب العمر»
أيُّ الحَياةِ أَلَذُّ عِيشَتَهامِن بَعدِ عِلْمِي أنّني بَشَرُ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «صدق الفناء وكذب العمر»
خَرِسَت لَعمرُ اللهِ ألْسُنُنالمّا تكلّمَ فوقَنا القَدَرُ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «صدق الفناء وكذب العمر»

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.