تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

من أظهر الندم عند الموت على ما فرط منه

لما احتُضِرَ عمرو بنُ العاص جعلَ يدَه في موضع الغُلِّ القيد من عُنُقِه ثم قال: اللَّهمَّ إنك أمَرْتَنا ففرّطنا، ونَهَيْتَنا فرَكِبْنا، اللَّهمَّ إنّه لا يَسَعُنا إلا رحمتُك، فلَمْ يزَلْ ذلك هِجِّيراه حتّى قُبِضَ... وقيل لبعض الملوك حين احتُضِرَ: ما حالك؟ فقال: ما حالُ مَنْ يريدُ سفراً بعيداً بلا زادٍ، وينزل حفرةً من الأرض موحشةً بلا مُؤنس، ويَقْدَمُ على ملكٍ جبّار قد قدَّم إليه العُذْرَ بلا حُجّة! وقال عبد الملك بن مروان عند موتِه: وَدِدْتُ أنّي كنتُ غَسّالاً آكلُ كلَّ يومٍ كسبَ يومي لا يفضُلُ عنّي... فقيل ذلك لأبي حازم فقال: الحمدُ لله الذي جعلَنا بحيث يتمنّى الملوكُ حالَنا عند الموتِ ولا نتمنّى حالَهم... ولمّا أدْنَفَ المأمونُ بن الرشيد أمرَ أن يُفرشَ له جِلٌّ - بساط - فجَعلَ يتمرَّغ فيه ويقول:

كلُّ عَيْشٍ وإنْ تَطاوَلَ دَهْراًصائِرٌ مَرَّةً إلى أنْ يَزولا
ليْتَني كنْتُ قبْلَ ما قدْ بَدَا ليفي رُؤوس الجِبالِ أرْعَى الوُعولا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «كل عيش وإن تطاول دهرا»

وأغمِيَ عليه ثُمَّ أفاقَ وهو يقول:

لبَّيْكُما لبَّيْكُماها أنا ذا لَدَيْكُما

اللَّهمَّ لا بَرِيءٌ فأعْتَذِرُ ولا قوِيٌّ فأنْتَصِر

ثُمّ أغمِيَ عليه فلمّا أفاقَ قال:

إنْ تَغْفِرِ اللَّهمَّ تَغْفِرْ جَمَّاوأيُّ عَبْدٍ لكَ لا ألمَّا

وقال أبو جعفر المنصور عند موتِه: اللَّهمَّ إنْ كنتَ تعلمُ أنّي قد ارتكبتُ الأمورَ العظامَ جُرأةً منّي عليك؛ فإنّك تعلمُ أنّي قد أطعْتُك في أحبِّ الأشياءِ إليك: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا أنْتَ، مَنّاً منك لا مَنّاً عليك... وكان سببُ إحرامِه من الخَضْراءِ أنّه كان يوماً نائماً فأتاه آتٍ في منامِه فقال:

كأنّي بِهذا القَصْرِ قَدْ بادَ أهلُهُوعُرِّيَ مِنْهُ أهلُهُ ومَنازِلُهْ
وصَارَ عَميدُ القَومِ مِنْ بَعْدِ نِعْمَةٍإلى جَدَثٍ تُثْنَى عَليه جَنَادِلُهْ
فَلَمْ يَبْقَ إلا رَسْمُه وَحَدِيثُهُتُبَكِّي عليه مُعْوِلاتٍ حَلائِلُهْ

فاستيقظَ مَرْعوباً ثُمّ نامَ فأتاه الآتي فقال:

أبا جَعْفرٍ حانَتْ وفاتُكَ وانقْضَتْسِنُوكَ وأمْرُ اللهِ لابُدَّ واقِعُ
فهَلْ كاهِنٌ أعْدَدْتَهُ أو مُنَجِّمٌأبا جَعْفرٍ عنكَ المَنيَّةَ دافِعُ

فقال: يا ربيعُ ائْتِني بِطَهوري، فقام واغتسلَ وصلَّى ولبَّى وتجهَّز للحَجِّ، فلمّا صار في الثلثِ الأوَّل اشتدَّت عِلَّتُه، فجعل يقول: يا ربيعُ ألقِني في حَرَمِ اللهِ، فماتَ ببِئْرِ مَيْمون... وقالوا: لَقِّنْ ميِّتَك - أي لا إله إلا الله - فإذا قالَها فدَعْه يتكلَّمْ بغيرِها من أمرِ الدُّنيا ولا تُضجِّرْه.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.