من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
استنكافهم من أن يموتَ المرءُ حَتْفَ أنْفِه
قال خالد بنُ الوليد: لقد لقيتُ كذا وكذا زَحْفاً، وما في جَسدي موضِعُ شِبْرٍ إلا وفيهِ طَعْنةٌ أو ضَرْبةٌ أو رَمْيةٌ ثُمَّ ها أنا ذا أموتُ على فِراشي حَتْفَ أنفي، فلا نامت أعْيُنُ الجُبَناء. وقال
الشَّنْفرى:
ولا تَقْبِرُوني إنّ قَبْري مُحَرَّمٌعلَيْكُمْ ولكِنْ أبْشِرِي أمَّ عامِرِ
وقال السَّمَوْءلُ أو غيرُه:
وما ماتَ مِنّا سَيّدٌ حَتْفَ أنْفِهولا طُلَّ مِنّا - حيثُ كانَ - قَتيلُ
تَسيلُ على حَدِّ السُّيوفِ نُفوسُناولَيْسَ على غَيْرِ السُّيوفِ تَسيلُ
طُلَّ: أهْدِرَ دمُه، وقيل: أنْ لا يُثْأرَ به وتُقْبَل ديتُه، وقال أبو تمّام:
لَوْ لَمْ يَمُتْ تَحْتَ أسْيافِ العِدَا كَرَماًلمَاتَ - إذْ لَمْ يَمُتْ - مِنْ شِدَّةِ الحَزَنِ
وقال آخر:
إنّ مَوْتَ الفِراشِ ذُلٌّ وعارٌوهْوَ تَحْتَ السُّيوفِ فَضْلٌ شَريفُ
وقال:
وأتْعَبُ مَيْتٍ مَنْ يَمُوتُ بِداءِ
وسَيَمرُّ عليكَ كثيرٌ من عبقريّاتِهم في هذا المَعنى، في باب الشجاعة
تَمَّ الجُزْءُ الأوّل من الذخائر والعبقريات
الجزء الثاني
﷽
ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق
فهو المسدِّد إلى سواء الطريق
وبعدُ فإنَّا نَفْتَتِحُ هذا الجزء الثانيَ من الذخائر والعبقريات بصَدْرٍ من عبقرياتهم في أكثر المعاني التي أوردنا ما أوردنا من عبقرياتهم فيها، في أبواب الجزء الأول، وكان المتوقَّعُ أن نَفْتَتِح هذا الجُزْءَ بسائر عبقرياتهم في التعازي، وفي المرض، بَيْدَ أنّا قد استحسنَّا أن نصدِّر هذا الجزءَ الثانيَ بطائفة من عبقرياتهم في معانٍ شتَّى تَنْدَرِجُ في الأبواب السابقة، وذاك لأمرين: أما أولهما فلأن في هذا الصَّنيعِ مُبادَرَةً باسْتِدْراكِ ما قدْ كانَ يَصحُّ إيرادُه هناك، وأما الآخر: فذلك لأنا لم نَسْتَحْسِنْ أن نَفْجَأَ المتصفح لهذا الجزء بما عسى أن يُفْزِعَه ويَنْفِرَ منه، وتَنْقَبِضَ نفسُه عنه، على أن هذه العبقرياتِ وإن جاءت في البَيْنِ وفَصَلَت بين عبقريات الباب الثالث غير أنها جاءت كالدُّرَّةِ الفريدة تَفْصِل بين ذهب القلادة؛ إلى ما في ذلك من استراحة للقارئ وتنقُّل به من معانٍ قد تكثَّرنا منها إلى معانٍ أُخرى قد يستريح إلى جِدَّتها؛ وبعد أن نَفْرُغَ من هذه العبقريات نَعْطِف على عبقرياتهم في التعازي، وفي المرض، وقانا الله جميعاً مِحْنَته، وخَفَّف - إذا هو قُدِّر علينا - وطْأَتَه.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع