تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

عبقريات شتى في الطب والمرض والعيادة

قال جالينوس: المرضُ هرمٌ عارض، والهرمُ مرضٌ طبيعي؛ وله: مجالسةُ الثقيلِ حُمَّى

الرُّوح.

وقال ثابت بن قُرَّة: ليس شيء أضرّ بالشيخ من أن تكون له جارية حسناء، وطبَّاخٌ حاذق؛ لأنه يُكثر من الطعام فيَسقم، ومن الجماعِ فيَهرمُ: وقال آخر: ليس لثلاثٍ حيلةٌ: فقرٌ يخالِطه كسل، وخصومةٌ يخامِرها حسد، ومرضٌ يمازِجُه هرم...

وقالوا: ثلاثةُ يُعْذَرون على سوء الخُلق: المريض، والمسافر، والصائم...

وقالوا: فرط الغمِّ والسرور يقتلان، أما الغَمّ فإنه يجمِّد الدم. والسرور يُلهبه حتى تعلوَ حرارتُه على الحرارة الغريزية... وقال كسرى لوزيريه يوماً: أيُّ الفراش ألذّ؟ فقال أحدُهما: ألذُّ الفراش الخَزُّ مَحْشواً، وقال الآخر: ألذُّ الفراشِ الحريرُ محشوّاً - وكان بين يديه غلامٌ من الحُجّاب فقال: أيّها الملك، أتأذنُ لي في الكلام؟ فقال: نعم، قال: ألذُّ الفراش الأمْنُ، قال: صدقت، قال: فما ألذُّ الطعام؟ فقال: ما لا يهيج على طبيعة علةً، ولا يَعْقِدُ في عنق آكله مِنّةً، فقال: أحسنت، فما ألذُّ الشراب؟ فقال: ما لا يُزيلُ عقلاً عن محلّه ولا يهيج على طبيعة شيئاً من عِلل؛ قال: أحسنت، فما ألذُّ الريحان؛ قال: الولد السارُّ ريحانُ أبيه في حياته وخلفٌ له بعد وفاته؛ فرفع محله وألحقه بأكابر حشمه...

ونالت أبا الطبيب المتنبي وهو بمصر عِلّةٌ، فكان بعض إخوانِه المصريين

يكثر الإلمامَ به، فلما أبلَّ قطعه، فكتب إليه: وصلتَني - أعزَّك اللهُ - مُعْتَلاً، وقطعتني مُبِلاً، فإنْ رأيتَ أن تُكدِّر الصحةَ عليَّ، وتحبِّب العلَّة إليّ، فعلتَ...

وقال شاعر:

إنَّ الجَهول تَضُرُّني أخلاقُهضررَ السُّعالِ لمَنْ بهِ اسْتِسقاءُ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لا انس إلا في مجالس تلتقي»

وقال البُسْتي:

أنا كالورْدِ فيهِ راحةُ قَوْمٍثمّ فيهِ لآخَرينَ زُكامُ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لا يغرنك أنني لين اللم»

وقال المتنبي:

لعلَّ عَتْبَكَ مَحْمودٌ عواقِبُهورُبَّما صَحَّتِ الأجْسامُ بالعِلَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

وقال:

أعيذُها نَظراتٍ مِنْكَ صادِقةًأنْ تَحْسِبَ الشَّحْمَ فيمَنْ شَحْمُه وَرَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وقيل لبعض الأطباء وقد نهكتْه العلّة: ألا تتعالج؟ فقال: إذا كان الدّاءُ من السماء، بَطل

الدواء، وإذا قدَّر الربُّ بَطلَ حذرُ المَرْبوب، ونِعمَ الدواءُ الأملُ، وبئس الداءُ الأجلُ.

ومن أدْعيتهم: أغناك الله عن الطِّبِّ والأطباء، بالسَّلامة والشفاء، وجعل علَّتك تَمْحيصاً لا تنغيصاً، وتذكيراً لا تنكيراً، وأدَباً لا غضباً.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.