من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
مُعْتذرٌ بتكذيبِ نَفْسِه
خَرَجَ النُّعمانُ بنُ المنذرِ في غِبِّ سماءٍ فمرَّ بِرَجُلٍ مِنْ بَني يَشْكُرَ جالِساً على غَديرِ ماءٍ، فقال له: أتعْرِفُ النُّعمانَ؟ قال اليَشْكُريُّ: ألَيْسَ ابْنَ سَلْمى؟ قال: نَعَمْ، قال: واللهِ لَرُبَّما أمْرَرْتُ يَدي على فَرْجها، قال له: وَيْحَك، النُّعْمانُ بنُ المُنذر! قال: قَدْ خَبّرْتُك، فَما انْقَضى كلامُه حتَّى لَحِقَتْه الخيلُ وحَيَّوْه بِتَحيَّةِ المُلْكِ، فقال له: كيفَ قلتَ؟ قال: أبَيْتَ اللَّعنَ، إنّك واللهِ ما رأيْتَ شَيْخاً أكذبَ ولا ألأمَ ولا أوْضعَ ولا أعَضَّ بِبَظْرِ أمِّه من سيخٍ بين يديك، فقال النُّعمانُ: دعوه، فأنشأ يقول:
تَعْفو المُلوكُ عَنِ العَظيمِ مِنَ الذُّنوبِ لِفَضْلِها
ولَقَدْ تُعاقِبُ في اليَسيرِ وليسَ ذاكَ لِجَهْلِها
إلا لِيُعْرَفَ فَضْلُهاويُخافَ شِدّةُ نَكْلِها
وانقطعَ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ عن أصْحابِه. فانتهى إلى أعْرابِيٍّ، فقال:
أتَعْرِفُ عبدَ المَلِكِ؟ قال: نَعَمْ، جائِر بائِر، قال: ويحك أنا عبدُ الملك! قال: لا حيَّاك اللهُ ولا بيّاكَ ولا قرَّبك، أكلْتَ مالَ الله، وضيَّعْتَ حُرْمتَه، قال: وَيْحك أنا أضرُّ وأنفعُ، قال: لا رزقني الله نفْعَك ولا دَفَعَ عنِّي ضُرَّك، فلَمَّا وَصَلَتْ خيلُه عَلِمَ صِدْقَه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، اكْتُمْ ما جرى فالمَجالِسُ بالأمانة.....
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع