تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الثعبة

: ضرب من الوزغ قاله الجوهري.

الثعلب:

معروف، والأنثى ثعلبة، والجمع ثعالب وأثعل. روى ابن قانع في معجمه عن وابصة بن معبد، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «شر السباع هذه الأثعل». يعني الثعالب. وكنية الثعلب أبو الحصين وأبو النجم وأبو نوفل وأبو الوثاب وأبو الحنبص. والأنثى أم عويل والذكر ثعلبان. وأنشد الكسائي عليه:

أرب يبول الثعلبان برأسهلقد ذل من بالت عليه الثعالب
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أرب يبول الثعلبان برأسه»

هكذا أنشده جماعة، وهو وهم. فقد رواه أبو حاتم الرازي: الثعلبان، بالفتح على أنه تثنية ثعلب، وذكر أن بني ثعلب كان لهم صنم يعبدونه، فبينما هم ذات يوم إذ أقبل ثعلبان يشتدان فرفع كل منهما رجله وبال على الصنم، وكان للصنم سادن يقال غاوي بن ظالم. فقال البيت المتقدم، ثم كسر الصنم، وأتى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: «ما اسمك قال: غاوي بن ظالم.

قال: لا، بل أنت راشد بن عبد ربه». وفي نهاية الغريب أنه كان لرجل صنم، وكان يأتي بالخبز والزبد، فيضعه عند رأسه، ويقول له: أطعم فجاء ثعلبان فأكل الخبز والزبد، ثم عصل على رأس الصنم، أي بال. والثعلبان ذكر الثعالب. وفي كتاب الهروي: فجاء ثعلبان فأكلا الخبز والزبد،.

أراد تثنية ثعلب. قال الحافظ بن ناصر: أخطأ الهروي في تفسيره، وصحف في روايته. وإنما الحديث فجاء ثعلبان، وهو الذكر من الثعالب، اسم له معروف لا مثنى، فأكل الخبز والزبد ثم عصل، بالعين والصاد، على رأس الصنم. فقام الرجل فضرب الصنم فكسره ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك وقال فيه شعرا وهو:

لقد خاب قوم أملوك لشدةأرادوا نزالا أن تكون تحارب
فلا أنت تغني عن أمور تواترتولا أنت دفاع إذا حل نائب
أربّ يبول الثعلبان برأسهلقد ذل من بالت عليه الثعالب
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أرب يبول الثعلبان برأسه»

والحديث مذكور في معجم البغوي وابن شاهين وغيرهما. والرجل المذكور راشد بن عبد ربه. وحديثه مشروح في كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني. وأهل اللغة يستشهدون بهذا البيت في أسماء الحيوان والفرق في ذلك بين الذكر والأنثى كما قالوا لأفعوان ذكر الأفاعي والعقربان ذكر العقارب والثعلب سبع جبان مستضعف ذو مكر وخديعة، لكنه لفرط الخبث والخديعة، يجري مع كبار السباع. ومن حيلته في طلب الرزق أنه يتماوت وينفخ بطنه، ويرفع قوائمه حتى يظن أنه مات، فإذا قرب منه حيوان وثب عليه وصاده. وحيلته هذه لا تتم على كلب الصيد. قيل للثعلب: ما لك تعدو أكثر من الكلب؟ فقال: لأني أعدو ولنفسي والكلب يعدو لغيره. قال الجاحظ: ومن أشد سلاح الثعلب عندهم الروغان والتماوت وسلاحه سلحه، فإن سلاحه أنتن وألزج وأكثر من سلاح الحبارى. قالت العرب:

أدهى وأنتن من سلاح الثعلب.

والجاحظ اسمه عمرو بن بحر الكناني الليثي وقيل له الجاحظ، لأن عينيه كانتا جاحظتين، ويقال له الحدقي أيضا، لذلك أصابه الفالج في آخر عمره، فكان يطلي نصفه بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الآخر لو قرض بالمقاريض لما أحس به من خدره وشدة برده. وكان يقول: أنا من جانبي الأيمن مفلوج، فلو قرض بالمقاريض ما علمت. ومن جانبي الأيسر منقرس، فلو مر به الذباب تألمت. وقال: اصطلحت على جسدي الأضداد فإن أكلت باردا أخذ

برجلي، وإن أكلت حارا أخذ برأسي وكان ينشد:

أترجو أن تكون وأنت شيخكما قد كنت أيام الشباب
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «أترجو أن تكون وأنت شيخ»
لقد كذبتك نفسك ليس ثوبدريس كالجديد من الثياب
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «أترجو أن تكون وأنت شيخ»

وله التصانيف في كل فن وهو من رؤوس المعتزلة، وإليه تنسب الطائفة الجاحظية من المعتزلة. ومن أحسن تصانيفه كتاب الحيوان. توفي سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة. قال: ومن العجب في قسمة الأرزاق أن الذئب يصيد الثعلب فيأكله، والثعلب يصيد القنفذ فيأكله، والقنفذ يصيد الأفعى فيأكلها، والأفعى تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يلتمس فراخ الزنابير فيأكلها، والزنبور يصيد النحلة فيأكلها، والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها. روى صاحب الغيلانيات، في الجزء الأول، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقال: رأيت كأني أجري مع الثعلب أحسن جري. فقال: أجريت ما لا يجري، أنت رجل في لسانك كذب فاتق الله ﷿! ومن شأن الثعلب، إذا دخل برج حمام، وكان شبعان، قتلها ورمى بها لعلمه أنه إذا جاع عاد إليها وأكلها. وهو من الحيوان الذي سلاحه سلاحه، وهو أنتن من سلاح الحبارى كما تقدم.

فإذا تعرض للقنفذ ولقيه كالكرة وتحصن بشوكه سلح عليه فينبسط، فعندها يقبض على مراق بطنه.

ومن ظريف ما يحكى عنه، أن البراغيث، إذا كثرت في صوفه، تناول صوفة منه بفيه، ثم يدخل النهر قليلا قليلا، والبراغيث تصعد فرارا من الماء حتى تجتمع في الصوفة التي في فيه، فيلقيها في الماء ثم يهرب. والذئب يطلب أولاد الثعلب فإذا ولد له ولد، وضع أوراق العنصل على باب وجاره، ليهرب الذئب منها. وفروه أفضل الفراء ومنه: الأبيض والأسود والخلنجي وقال القزويني في عجائب المخلوقات: إنه أهدي إلى نوح بن منصور الساماني ثعلب له جناحان من ريش إذا قرب الإنسان منه نشرهما، وإذا بعد عنه ألصقهما بجانبيه. ثم قال: وكانت الثعالب تطير في الزمن الأول. وفي آخر كتاب الأذكياء لأبي الفرج بن الجوزي عن المعافى بن زكريا قال زعموا أن أسدا وثعلبا وذئبا اصطحبوا، فخرجوا يتصيدون فصادوا حمارا وظبيا وأرنبا، فقال الأسد للذئب: اقسم بيننا صيدنا، فقال: الأمر أبين من ذلك الحمار لك، والأرنب لأبي معاوية يعني الثعلب، والظبي لي. فخبطه الأسد فأطاح رأسه. ثم أقبل على الثعلب، وقال: قاتله الله ما أجهله بالقسمة! هات أنت يا أبا معاوية. فقال الثعلب: يا أبا الحارث، الأمر أوضح من ذلك الحمار لغدائك، والظبي لعشائك، والأرنب فيما بين ذلك. فقال له الأسد: قاتلك الله ما أقضاك! من علمك هذه الأقضية؟

قال: رأس الذئب الطائح عن جثته، وفي رواية عن الشعبي فقال له الأسد: قاتلك الله ما أبصرك بالقضاء والقسمة؟ من أين تعلمت هذا؟ قال: مما رأيت من أمر الذئب. ومما يروى من حيل الثعلب ما ذكره الشافعي قال: كنا في سفر في أرض اليمن، فوضعنا سفرتنا لنتعشى، وحضرت صلاة المغرب، فقمنا نصلي ثم نتعشى، فتركنا السفرة كما هي، وقمنا إلى الصلاة، وكان فيها دجاجتان،

فجاء الثعلب فأخذ إحدى الدجاجتين فلما قضينا الصلاة، أسفنا عليها، وقلنا حرمنا طعامنا فبينما نحن كذلك، إذ جاء الثعلب وفي فمه شيء كأنه الدجاجة فوضعه، فبادرنا إليه لنأخذه ونحن نحسبه الدجاجة. قد ردها، فلما قمنا جاء إلى الأخرى وأخذها من السفرة وأصبنا الذي قمنا إليه لنأخذه فإذا هو ليف قد هيأه مثل الدجاجة. ومما وقع من فطنة البهائم مما يقارب هذا ما يحكى عن القاسم بن أبي طالب التنوخي الأنباري قال: كنت ماضيا إلى انبار في رفقة فيها بازدارية السلطان قد خرجوا يروضونها فأطلقوا بازيا على دراج، فطار الدراج إلى غيضة فدخل فيها، وألقى نفسه بين شوك كان فيها، فأخذ من ذلك الشوك أصلين كبيرين في رجليه، ونام على قفاه ورفع رجليه، فاستتر بذلك من الباز، فلما قرب منه البازداري طار فصاده البازي. فقالوا: ما رأينا قط دراجا أحذق من هذا! وقد أورد هذه الحكاية القاضي أبو علي الحسن بن على التنوخي أيضا في كتاب أخبار المذاكرة ونشوان المحاضرة بألفاظ مخالفة لما سيق هنا فقال وحدثني أبو القاسم بن أبي طالب التنوخي الأنباري قال:

كنت ماضيا إلى الأنبار مع رفقة بازدارية للسلطان، فأطلقوا بازيا على دراج لاح لهم، فطار الدراج ولحقه الباز فأخذوا يهللون ويكبرون ويعجبون، فلحقتهم وسألتهم فإذا بالدراج قد دخل غيضة فألقى نفسه بين شوك كان فيها، وأخذ من ذلك الشوك أصلين كبيرين بين رجليه، ونام على قفاه وشال رجليه وفيهما الشوك، ليختفي به عن الباز، والباز قد طلبه طويلا فلم يره، وقد خفي عليه أمره بذلك الشوك الذي شاله في رجليه حتى ستربه نفسه، إلى أن جاء البازدارية فرأوا الدراج فقصدوه، وقربوا منه فطار، وأحس به الباز فاصطاده، فسمعتهم يقولون: ما رأينا قط دراجا أمكر من هذا، ولا أحذق منه بالتوقي ولا سمعنا بمثل هذا وأسرفوا في التعجب منه. وهذه أخبار تقارب ما تقدم في فطنة الطير وذكائه وقال القاضي أبو علي التنوخي حدثني أبو الفتح البصروي قال: حدثني بعض أهل الموصل ممن كان مغرى بالصيد، وطلب الجوارح، أن صيادا من أهل أرمينية وتلك النواحي حدثه قال: خرجت إلى الصحراء يوما، فنصبت شبكتي وجعلت فيها طائرا مستأنسا، ودخلت في كوخ تحت الأرض يسترني، وجعلت أنظر إلى الشبكة حتى إذا وقع فيها شيء من البزأة أو الصقورة أو الشواهين أو غير ذلك من الجوارح، أخذته فلما كان قريبا من الظهر، وإذا بزمجة لطيفة قد طارت على الشبكة، فلما رأتها نفرت وترجلت قريبا منها، فجلست على الأرض ساعة، فإذا بعقاب جائر فلما رآها ترجل معها وجلسا جميعا، وإذا بطائر يطير في الجو فنهضت الزمجة قبل العقاب وطارت خلف الطائر، فلم تزايله إلى أن صادته وجاءت به فنسرته وصار لحما، وأقبلت تأكل فجاء العقاب وأكل معها، فلما فني اللحم زاف العقاب عليها فضربت وجهه بجناحها، فزاف ثانية فضربته أشد من الأولى، فزاف الثالثة فضربته أشد من ذلك، ولم تزل تضربه بمنسرها إلى أن قتلته وطارت، فتعجبت من نفورها من الشبكة وقلت هي كرزة ويجوز أن تعرف الشبكة بالعادة، ومما سوى ذلك من مناهضتها للطائر قبل العقاب حتى صادته. ثم إنها منعت العقاب من سفادها وأنها أطعمته من صيدها ثم لم ترض بذلك حتى قتلته لما ألح عليها، وطمعت في أن أصيدها لأصيد بها ما لا قيمة له فبت ليلتي في ذلك الكوخ، فلما كان من الغد فإذا هي قد ترجلت قريبا من الشبكة في مثل ذلك الوقت فنزل إليها عقاب فجلس معها وعن لهما صيد فجرت صورتها مع العقاب الثاني كما جرت مع العقاب الأول سواء بلا اختلاف البتة. وطارت فزاد تعجبي وحرصي عليها. وبت ليلتي الثانية في

الكوخ، فلما كان في اليوم الثالث فإذا بها قد ترجلت على الصورة والرسم وإذا بعد ساعة بعقاب لطيف وحشي الريش، قد ترجل فما مضت ساعة حتى عن لهما صيد، فهمت الزمجة بالنهوض فضربها العقاب بجناحه ضربة كاد يقتلها ونهض مسرعا إلى الطيران حتى اصطاد الطائر وجاء به فنسره وطرحه بين يديها، ولم يذق منه شيئا حتى أكلت الزمجة واستوفت، ثم أكل هو بعدها لحم الطائر الباقي وفني. فزاف عليها فزافت له، ولم تمنعه فزاف الثانية فركبها فمكنته حتى سفدها ثم طارا معا.

وحكى: القاضي أبو علي التنوخي أيضا قال: حدثني فارس بن مشغف أحد الجند القدماء المولدين وقد صار بوّابا لأبي محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد قال: كنت أصحب قائدا من قواد السلطان يعرف بأبي إسحاق بن أبي مسعود الأزدي، وكانت إليه إمارة المدائن اسبانين والمدينة العتيقة، وكانت إذ ذاك عامرة آهلة والسلاطين ينزلون بها، وكنت مقيما فيها معه، وكان لهجا بالصيد، فخرج ذات يوم وأنا معه، إلى المدينة المعروفة بالرومية، المقابلة للمدينة العتيقة، وهي إذ ذاك خراب، ومعه صقارته وآلة صيده وجنده حتى مل وسلك الطريق راجعا، وكان معه صقر له فاره وقد شبع مما أطعمه من صيده، فمسح الصقار صدره وحمله على يده وهو يسير إذ اضطرب الصقر اضطرابا شديدا فقال له ابن أبي مسعود: قد شاهد الصقر طريدة، وهذا الاضطراب لأجلها فأرسله، فقال: يا سيدي هو صقر شره واضطرابه ليس لهذا، وقد شبع ولا آمن أن أرسله على طريدة وهو شبعان فيتيه. فزاد اضطراب الصقر فقال: أرسله وليس عليك منه شيء فأرسله فطار وتراكضنا خلفه حتى جاء إلى أجمة صغيرة تستره، ونحن نراه فرفرف عليها وإذا بشيء قد صعد منها مثل النشاب في مقدار زج النشابة فقط فحاص عنه الصقر ثم انحط في الأجمة فدخلنا خلفه فإذا هو قد ترجل على حبارى واصطادها، وإذا هو طلع على يد الصقار. ومن عادة الحبارى أن تذرق على الجارح الذي يصيدها لتجرح جناحه وتعقره بذرقها لحماه وحدته وينسلخ جلده والصقر عارف بذلك، فاحتال عليها الصقر فرفرف عليها كأنه يريد صيدها، فذرقت الحبارى إلى فوق حتى صعدت ذرقتها فلما أخطأت الصقر انحط عليها في الحال فاصطادها، وكان الصقارون، ومن حضر من الجند والمتصيدين المدنيين يعجبون من ذلك، ويعدونه من غرائب ما شاهدوه من أفعال الجوارح. وذكر القاضي التنوخي عن فارس هذا قال: كنت مع هارن بن غريب الحبال، من جملة عسكره ورجاله، ونحن قيام بين يدي حلوان، والجند سائرون وهو يتصيد في طريقه، إذ عن له غزال فأرسل عليه صقرا كان بحضرته، ولم يكن الكلابون بالقرب منه، فيرسلون معه كلبا لأن العادة أن الصقر لا يصيد غزالا إلا إذا كان معه كلب، وذلك أن الصقر يطير فيقع على رأسه فيعقره ويضرب بجناحيه بين عينيه، فيمنعه من شدة العدو فيلحقه الكلب فيصيده. هكذا جرت العادة في صيد الغزلان بالصقور، إلا أن ابن الحبال، لما لاح له الغزال، أطلق الصقر لئلا يفوته الغزال، وغرر به لحوق الكلاب في الحال، وقد رأى أن يشغله الصقر عن العدو، فتلحقه خيلنا ورماحنا فطار الصقر، وتراكضنا خلفه، وأنا ممن ركض، وجرى الغزال فوافى إلى منحدر في الصحراء، فانحدر فيه، فلما حصل منحدرا سقط الصقر على خده وعنقه، فأنشب مخلبيه فيهما وحمله الغزال. فرأينا الصقر قد سدل أحد مخلبيه حتى إنه يخط في الأرض، حتى إذا وصل إلى وضع من الصحراء فيه شوك فعلق بأصل شوك عظيم، ثم جذب

عنق الغزال بالمخلب الآخر الذي كان أمسكه به في خده وأصل عنقه. وإذا به قد دق عنقه وصرعه، فلحقناه وذكيناه ووقعت البشارة فقال ابن الحبال ومن معه: ما رأينا قط صقرا أفره من هذا وخلع على الصقار خلعة حسنة.

وحكى: القاضي أبو علي التنوخي، قال: أخبرني أبو القاسم البصري قال: أخبرني بعض الجمدارية من الجند أنه كان مع قائد من قوادهم في الصيد ومعه عقاب يتصيد به وقد اصطاد واستكفى، إذ اضطرب العقاب، على يد العقاب اضطرابا شديدا فخاف على نفسه، لأن العقاب ربما أتلف عقابه، إذا منعه من إرادته وليس يجري مجرى غيره من الجوارح فأرسله العقاب فطار، وطرد وراءه فإذا به قد سقط على شيخ ضعيف، كان يجر شوكا، وهو يمشي على أربعة فنسره ودق عنقه وأتلفه، وولغ في دمه وأكل من لحمه. وإذا بالعقاب قد جاء إلى القائد فقال له: ما الخبر؟ فقال له: يا سيدي اصطاد العقاب شيخا وحشيا بريا، وكان يسمعنا نقول اصطد لنا وحشيا وسنورا بريا فقد رأن شيخا بريا وحشيا مثله، ولم يفكر أن العقاب أتلف رجلا مسلما.

فقال القائد: ويحك ما تقول؟ وحرك فحركنا وراءه فوجدنا الشيخ فاغتم لذلك غما شديدا وعجبنا من أمر العقاب.

وحكى: القاضي التنوخي في كتابه أيضا، قال: حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان ابن فهد قال: حدثني بعض المتصيدين. وقد تجارينا عجائب ما يجري فيه، فقال: من أحسن وأظرف ما رأينا منه أن بازيا كان لفلان، وسماه أرسله فاصطاد دراجا، وقبض عليه بإحدى يديه، وترجل كما جرت به العادة وأمسكه ينتظر البازداري فيذبحه ويطعمه منه، كما جرت العادة في مثل ذلك. وهو على جانبه إذ أبصر دراجا آخر يطير، فطار والدراج الأول في إحدى يديه حتى قبض على الدراج الآخر فاصطاده وترجل، وقد أمسكهما بيديه جميعا، فاجتمعنا وشاهدناه على هذه الحالة، فاستظرفناه ثم أخذناهما من يديه. وذكر ابن الجوزي في آخر كتاب الأذكياء، والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، عن الشعبي، أنه قال: مرض الأسد فعاده جميع السباع ما خلا الثعلب، فنم عليه الذئب، فقال الأسد: إذا حضر فأعلمني. فلما حضر أعلمه فعاتبه في ذلك فقال: كنت في طلب الدواء لك. قال: فأي شيء أصبت؟ قال: خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج! فضرب الأسد بمخالبه في ساق الذئب، وانسل الثعلب. فمر به الذئب بعد ذلك، ودمه يسيل، فقال له الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فانظر ماذا يخرج من رأسك. قال الحافظ أبو نعيم: لم يقصد الشعبي، من هذا سوى ضرب المثل وتعليم العقلاء وتنبيه الناس، وتأكيد الوصية في حفظ اللسان، وتهذيب الأخلاق والتأدب بكل طريق. وفي مثل ذلك قيل:

احفظ لسانك لا تقول فتبتليإن البلاء موكل بالمنطق

وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «نهانا رسول الله ﷺ في الصلاة عن ثلاثة نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب». وقيل للشعبي: يقال: في المثل إن «شريحا أدهى من الثعلب وأحيل»: فما هذا؟ فقال: خرج شريح أيام

الطاعون إلى النجف، فكان إذا قام يصلي يجيء ثعلب، فيقف تجاهه ويحاكيه، ويخيل بين يديه، ويشغله عن صلاته، فلما طال ذلك عليه نزع قميصه فجعله على قصبة، وأخرج كميه وجعل قلنسوته عليها.

فأقبل الثعلب فوقف بين يديه على عادته فأتاه شريح من خلفه وأخذه بغتة فلذلك يقال: «سريح أدهى من الثعلب وأحيل». ويقال: ضغا الثعلب والسنو يضغو ضغوا وضغاء، أي صاح وكذلك صوت كل ذليل مقهور. ويقال للإمام العلامة أبي منصور عبد الملك بن محمد النيسابوري، رأس المؤلفين، وإمام المصنفين صاحب التصانيف الفائقة، والآداب الرائقة، كثمار القلوب، وفقه اللغة، ويتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، وغير ذلك من التصانيف، الثعالبي منسوب إلى خياطة جلود الثعالب لأنه كان فراء، ويتيمة الدهر أكبر كتبه وأحسنها، وفيها يقول أبو الفتح نصر الله بن قلاقس الإسكندراني:

أبيات أشعار اليتيمةأبكار أفكار قديمة
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «أبيات أشعار اليتيمه»
ماتوا وعاشت بعدهمفلذاك سميت اليتيمة
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «أبيات أشعار اليتيمه»

ومن شعر أبي منصور الثعالبي:

يا سيدا بالمكرمات ارتدىوانتعل العيوق والفرقدا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
مالك لا تجري على مقتضىمودة طال عليها المدى
إن غبت لم أطلب وهذا سليمان بن داود نبي الهدى
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
تفقد الطير على شغلهفقال ما لي لا أرى الهدهدا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة

وله في غلام مسافر:

فديت مسافرا ركب الفيافيفأثر في محاسنه السفار
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
فمسك ورد خديه السواقيوغبر مسك صدغيه الغبار

توفي سنة تسع وعشرين وقيل سنة ثلاثين وأربعمائة.

الحكم نص إمامنا الشافعي ﵀، على حل أكله. وقال ابن الصلاح: ليس في حله حديث عن رسول الله ﷺ وفي تحريمه حديثان في إسنادهما ضعف واعتمد الشافعي في ذلك على عادة العرب في أكله فيندرج في عموم قوله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ

وبحله قال طاوس وعطاء وغيره ونقل في فوائد رحلته عن أبي سعيد الدارمي، الإمام في الحديث والفقه تلميذ البويطي ﵀ أن الثعلب حرام. وكره أبو حنيفة ومالك أكله وأكثر الروايات عن أحمد تحريمه لأنه سبع.

الأمثال قالوا «أروغ من ثعلب». قال الشاعر:

كل خليل كنت خاللتهلا ترك الله له واضحه
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أسلمني قومي ولم يغضبوا»
كلهم أروغ من ثعلبما أشبه الليلة بالبارحة
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أسلمني قومي ولم يغضبوا»

وفي المجالسة للدينوري، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: وهو على المنبر:

إن الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا ولم يروغوا روغان الثعالب. وفي رواية الثعلب وفي شعب البيهقي وأمثال العسكري عن الحسن بن سمرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «مثل الذي يفر من الموت كالثعلب تطلبه الأرض بدين فجعل يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل حجره فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني ديني، فخرج فلم يزل كذلك حتى انقطعت عنقه فمات».

وقالوا: «أذل ممن بالت عليه الثعالب». يضرب لمن يستذل كما تقدم. «وأدهى من ثعلب».

«وأعطش من ثعالة. قال حميد بن ثور:

ألم تر ما بيني وبين ابن عامرمن الود قد بالت عليه الثعالب
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «ألم تر ما بيني وبين ابن عامر»
وأصبح صافي الود بيني وبينهكأن لم يكن والدهر فيه عجائب

الخواص رأسه إذا ترك في برج حمام هربت كلها. ونابه يشد على الصبي الذي به ريح الصبيان يذهب عنه، ولا يفزع في نومه، وتحسن أخلاقه. ومرارته إذا نفخت في أنف المصروع لا يصرع أبدا. ولحمه ينفع من اللقوة والجذام. وشحمه يذاب ويطلى به من به النقرس يزول وجعه في الحال. وخصيته تشد على الصبي فتنبت أسنانه بغير ألم. وفروه أنفع شيء للمرطوبين بخورا ولبسا. ودمه إذا طلي به رأس صبي نبت شعره، وإن كان أقرع. وإذا استصحب دمه إنسان، لا تؤثر فيه حيلة محتال. ورئته إذا سحقت وشربت، نفعت من الريح. وأنيابه إذا علقت على المصروع برىء. وطحاله له إذا شد على ذي الطحال الوجع أبرأه. وقال هرمس: من أمسك كليتي الثعلب بيده لم يخف الكلاب ولم تنبح عليه. وأذنه إذا علقت على الخنازير، التي في العنق أبرأتها. وشحمه إذا أذيب وقطر في الأذن الوجعة سكن وجعها. وذكره ينفع من الصداع إذا علق على الرأس. ومرارته إذا طلي بها الذهب يصير لونه لون النحاس. وخصيته تنفع من الورم الكائن عند الأذنين إذا دلك بها. وكبده إذا سقي منه وزن مثقال بشراب، من به وجع الطحال، أبرأه من ساعته. وشحمه إذا طلي به أطراف اليدين والرجلين أمنت مضرة البرد ودماغه إذا خلط بورس وطلي به الرأس أذهب القرع والحزاز والبثور وسقوط الشعر. وقضيبه إذا علق على الصبي الذي يبكي بالليل ويفزع يذهب ذلك عنه. وكذلك يفعل الناب. وشحمه تجتمع عليه البراغيث حيث كان. وخصيته إذا جففت، وسقي منها رجل وزن درهم زاد في الجماع والإنعاظ. وزبله يسحق بدهن ورد ويطلى به الإحليل وقت الجماع يزيد فيه ما شاء. وفي كتاب الإبدال: إن طلبت شحم الثعلب فلم تجده فبدله شحم الذئب.

التعبير الثعلب في المنام امرأة فمن رأى أنه يلاعب ثعلبا فإن له امرأة يحبها وتحبه. وقيل الثعلب رجل ذو مكر وخديعة، فمن نازعه فإنه ينازع غريما كذلك وأكل لحمه يدل على وجع

يصيب الآكل من الرياح ويبرأ وقيل إنه عدو من قبل سلطان وقالت اليهود إنه يدل على الطبيب أو المنجم. وقالت النصارى: من قبل ثعلبا فإنه يصيب امرأة غزيرة. وقيل: من قتل ثعلبا قتل ولد رجل شريف، ومن شرب لبن ثعلب شفي من مرض. وقيل: من نازع ثعلبا في نومه، خاصم بعض أهله أو أصدقائه. والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.