من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
السمك
من خلق الماء، الواحدة سمكة، وجمعه أسماك وسموك، وهو أنواع كثيرة ولكل نوع اسم خاص وقد تقدم في آخر الجراد أن النبي ﷺ قال: «إن الله ﷿ خلق ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر».
ومن أنواع السمك ما لا يدرك الطرف أولها وآخرها لكبرها وما لا يدركها الطرف لصغرها، وكل يأوي الماء ويستنشقه كما يستنشق بنو آدم، وحيوان البر الهواء، إلا أن حيوان البر يستنشق الهواء بالأنوف ويصل بذلك إلى قصبة الرئة، والسمك يستنشق بأصداغه فيقوم له الماء في تولد الروح الحيواني في قلبه مقام الهواء. وإنما استغنى عن الهواء في إقامة الحياة ولم نستغن نحن وما أشبهنا من الحيوان عنه، لأنه من عالم الماء والأرض دون عالم الهواء، ونحن من عالم الأرض والماء والهواء. قال الجاحظ: السمك يسبّح الله في غمر الماء ولا يسبح في أعلاه. ونسيم البر الذي يعيش به الطير، لو دام على السمك ساعة قتله قال الشاعر:
تغمه النشوة والنسيمولا يزال مغرقا يعوم
في البحر والبحر له حميموأمه الوالدة الرؤوم
تلهمه جهرا وما يريم
وقوله: وأمه الوالدة فيه شاهد على أن الأم في غير الآدميين تسمى أيضا والدة. وقوله تلهمه أي تأكله لأن السمك يأكل بعضه بعضا، وذلك قوته، ولذلك قال الغزالي: السمك أكثر خلق الله تعالى. وقوله: وما يريم أي لا يبرح عن ذلك الموضع الذي يأكل فيه وما ذكره الجاحظ من كون النسيم يضر بالسمك فليس على إطلاقه فإن الغزالي قد استثنى منه نوعا لا يضره النسيم، فقال:
ومن السمك نوع يطير على وجه البحر مسافة طويلة ثم ينزل انتهى.
قال ابن التلميذ في تشبيه السمك:
لبسن الجواشن خوف الردىعليهن من فوقهن الخوذ
فلما أتيح لها أهلكتببرد النسيم الذي يستلذ
وهو بجملته شره كثير الأكل لبرد مزاج معدته وقربها من فمه وإنه ليس له عنق ولا صوت ولا يدخل إلى جوفه هواء البتة، ولذلك يقول بعضهم: إن السمك لا رئة له، كما أن الفرس لا طحال له، والجمل لا مرارة له، والنعامة لا مخ لها وصغار السمك تحترس من كباره، ولذلك تطلب ماء الشطوط والماء القليل الذي لا يحمل الكبير، وهو شديد الحركة لأن قوته المحركة للإرادة، تجري في مسلك واحد لا ينقسم في عضو خاص، وهذا بعينه موجود في الحيات. ومن السمك ما يتولد بسفاد، ومنه ما يتولد بغيره إما من الطين أو من الرمل، وهو الغالب في أنواعه، والغالب يتولد من العفونات. وبيض السمك ليس له بياض ولا صفرة، وإنما هو لون واحد قال الجاحظ: ومن السمك القواطع والأوابد كما في الطير، فرب سمكة تأتي في بعض فصول السنة وتنقطع في بعضها. ومن جملة أنواعه السقنقور، والدلفين، والخرشفلا، والتمساح. وقد تقدم ذكرها في أبوابها ومنها: القرش والعنبر، وسيأتيان في بابيهما، إن شاء الله تعالى ومن أصنافه ما هو على شكل الحيات، وغير ذلك، ومن أنواعه السمكة الرعادة هي صغيرة إذا وقعت في الشبكة والصياد ممسك حبلها، ارتعدت يد الصياد والصيادون يعرفون ذلك فإذا أحسوا بها شدوا حبل الشبكة في وتد أو شجرة حتى تموت السمكة، فإذا ماتت بطلت خاصيتها. وما أحسن قول الشيخ شرف الدين محمد بن حماد بن عبد الله البوصيري صاحب البردة في الشيخ زين الدين محمد بن الرعاد:
لقد عاب شعري في البرية شاعرومن عاب أشعاري فلا بد أن يهجى
فشعري بحر لا يرى فيه ضفدعولا يقطع الرعاد يوما له لجا
وأطباء الهند يستعملونها في الأمراض الشديدة الحر، وأما في غير بلاد الهند فلا يمكن استعمالها.
قال ابن سيده: الرعادة إذا قربت من رأس المصروع، وهي حية، نفعته. وإذا علقت المرأة شيئا منها عليها لم يقدر الرجل على فراقها. وفي البحر من العجائب ما لا يستطاع حصره، ويكفي في ذلك قول رسول الله ﷺ: «حدثوا عن البحر ولا حرج» أي حدثوا عنه حيث لا حرج عليكم في ذلك.
ومن أنواعه: الشيخ اليهودي وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الشين المعجمة.
عجيبة حكى القزويني، في عجائب المخلوقات عن عبد الرحمن بن هارون المغربي، قال:
ركبت بحر المغرب فوصلت إلى موضع يقال له البرطون، وكان معنا غلام صقلي معه صنارة فألقاها في البحر فصاد بها سمكة نحو الشبر فنظرنا فإذا خلف أذنها اليمنى مكتوب لا إله إلا الله وفي قفاها محمد وخلف أذنها اليسرى رسول الله.
وفي كتاب تحفة الألباب لأبي حامد الأندلسي الغرناطي، ان في بحر الروم سمكا صغيرا كالذراع يسمى التلب إذا أخذ وأمسك ما شاء الله لا يموت بل يتحرك ويضطرب، وإذا جعل منه قطعة على النار، وثب خارج النار وربما أصاب وجوه الناس، وإن جعلت سمكة منه في قدر وغطي رأسها بصخرة أو حديدة لئلا تخرج منها فما لم تنضج لم تمت ولو قطعت ألف قطعة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع