من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
فوائد
: روى الإمام أحمد، في الزهد، عن نوف البكالي، قال: انطلق رجل مؤمن ورجل كافر يصيدان السمك، فجعل الكافر يلقي شبكته ويذكر آلهته فتمتلىء سمكا، ويلقي المؤمن شبكته ويذكر اسم الله تعالى فلا يصطاد شيئا. قال: ففعلا ذلك إلى مغيب الشمس، ثم إن المؤمن، اصطاد سمكة فأخذها بيده فاضطربت فوقعت في الماء، فرجع المؤمن وليس معه شيء ورجع الكافر وقد امتلأت سفينته، فأسف ملك المؤمن وقال: رب عبدك المؤمن الذي يدعوك رجع وليس معه شيء، وعبدك الكافر رجع وقد امتلأت سفينته. فقال الله ﷿ لملك المؤمن:
تعال، فأراه مسكن المؤمن في الجنة. فقال: ما يضر عبدي هذا المؤمن ما أصابه بعد أن يصير إلى هذا. وأراه مسكن الكافر في النار، فقال: هل يغني عنه من شيء أصابه في الدنيا؟ قال: لا والله يا رب.
ومنها في آخر صفوة الصفوة عن أبي العباس بن المسروق، قال: كنت باليمن فرأيت صيادا يصطاد السمك على بعض السواحل وعلى جانبه ابنة له، كلما اصطاد سمكة تركها في دوخلة معه، فتردها الصبية إلى الماء فالتفت الرجل فلم ير شيئا فقال: يا بنية أي شيء صنعت بالسمك؟
فقالت: يا أبت سمعتك تروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تقع سمكة في شبكة إلا غفلت عن ذكر الله» فلم أحب أن آكل شيئا غفل عن ذكر الله. فبكى الرجل ورمى بالصنارة. ومنها، في كتاب الثواب، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه كان مريضا فاشتهى سمكة طرية فالتمست له بالمدينة، فلم توجد حتى وجدت بعد كذا وكذا يوما فاشتريت بدرهم ونصف، وشويت وحملت له على رغيف، فقام سائل على الباب فقال للغلام: لفها برغيفها وادفعها إليه.
فقال الغلام: أصلحك الله اشتهيتها منذ كذا وكذا يوما، فلم نجدها فلما وجدناها واشتريناها بدرهم ونصف أمرت أن ندفعها له نحن نعطيه ثمنها، فقال: لفها وادفعها إليه فقال الغلام للسائل: هل لك أن تأخذ درهما وتدع هذه السمكة؟ فأخذ منه درهما وردها، فعاد الغلام وقال له: دفعت له درهما وأخذتها منه فقال له: لفها وادفعها إليه، ولا تأخذ منه شيئا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما امرىء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر بها على نفسه غفر الله له».
ومنها ما روى الطبراني، بإسناد صحيح، عن نافع، أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما اشتكى فاشتهى عنبا فاشترى له عنقود عنب بدرهم، فجاء مسكين فقال: اعطوه إياه فخالف
إنسان، فاشتراه بدرهم ثم جاء به إليه ففعل ذلك ثلاث مرات ثم في الرابعة أكله ولو علم ذلك ما ذاقه. وقال سريج بن يونس: خرجت يوما لصلاة الجمعة، فرأيت سمكتين مشويتين فاشتهيتهما بقلبي للصبيان، ولم أتكلم، فلما رجعت لم أستقر إلا قليلا، حتى دق الباب رجل وعلى رأسه طبق عليه السمكتان ونقل وخل ورطب كثير، فقال: يا أبا الحارث كل هذا مع الصبيان.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: سمعت سريج بن يونس يقول: رأيت رب العزة في المنام فقال لي: يا سريج سل حاجتك فقلت: يا رب سر بسر اهـ وسر بسر لفظة أعجمية يعني رأسا برأس. وفي تاريخ ابن خلكان أن سريجا هذا جد أبي العباس إمام الفقهاء الشافعية.
الحكم : السمك بجميع أنواعه حلال بغير ذبح، سواء مات بسبب ظاهر، كضغطة أو صدمة حجر أو انحسار ماء أو ضرب من صياد أو مات حتف أنفه لعموم ما تقدم من قوله ﷺ:
«أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال» وأجمع المسلمون على طهارة ميتتهما، وسيأتي في باب العين إن شاء الله تعالى، حديث العنبر الذي وجده أبو عبيدة وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وأكل منه النبي ﷺ.
فرع : لو اصطاد مجوسي سمكا فهو طاهر، لقول الحسن: رأيت سبعين صحابيا يأكلون صيد المجوسي من الحيتان، ولا يتلجلج في صدورهم من ذلك شيء. وهذا في السمك مجمع عليه وخالف مالك في الجراد.
فرع
: لا يحل قطع السمكة الحية لما فيه من التعذيب، كما لو قلاها قبل الموت في الزيت المغلي كذا قاله أبو حامد. قال النووي: وهذا تفريع على اختياره تحريم ابتلاعها حية وذلك مباح.
اهـ قلت: وهذا مشكل فلا يلزم من جواز الابتلاع جواز القلي لما فيه من التعذيب بالنار.
فرع
: يكره ذبح السمك، إلا أن يكون كبيرا يطول بقاؤه، فيستحب ذبحه في الأصح إراحة له وقال الرافعي: أكل السمكة الصغيرة إذا شويت ولم يشق جوفها ولم يخرج ما فيه، فيه وجهان: وعلى المسامحة جرى الأولون، قال الروياني: وبهذا أفتى ورجيعها طاهر عندي وهو مختار القفال.
فرع
: اختلف العلماء في الحيوان الذي في البحر سوى الحوت، فقال بعضهم: يؤكل جميع ما في البحر سوى الضفدع، ولو كان على صورة إنسان وإلى هذا ذهب أبو علي الطيبي من قدماء أصحابنا، قال في شرح القنية: قيل له: أرأيت لو كان على صورة بني آدم؟ قال: وإن تكلم بالعربية وقال: أنا فلان بن فلان، فإنه لا يصدق انتهى. وهذا ضعيف شاذ وقال آخرون: يؤكل الجميع إلا ما كان على صورة الكلب والخنزير والضفدع.
وقيل: كل ما أكل في البر مذبوحا، يؤكل مثله في البحر مذبوحا، وغير مذبوح على الأصح. وقيل: لا بد من ذبحه واختاره الصيدلاني، فعلى هذا لا يحل كلب الماء ولا خنزيره ولا
حمار البحر وإن كان له شبه في البر حلال، وهو الحمار الوحشي لأن له شبها في البر حرام وهو الحمار الأهلي تغليبا للتحريم، كذا قاله في الروضة وشرح المهذب. قلت: المهذب المفتى به حل الجميع إلا السرطان والضفدع والتمساح سواء كانت على صورة كلب أو خنزير أو انسان أم لا.
فرع : لو حلف إنسان لا يأكل لحما لم يحنث بأكل لحم السمك لأنه لا يفهم إطلاق اسم اللحم عليه عرفا، وإن سماه الله تعالى لحما طريا. كما لا يحنث بالجلوس في الشمس إذا حلف أنه لا يجلس في ضوء السراج وإن سماها الله تعالى سراجا، وكما لا يحنث بالجلوس على الأرض إذا حلف أنه لا يجلس على بساط وإن سماها الله تعالى بساطا.
فرع
: قد اختلف في إطلاق اسم السمك على ما سوى الحوت من هذه الحيوانات، والذي نص عليه الشافعي في الأم والمختصر، أنه يطلق على الجميع وهو الصحيح في الروضة. وقال في اختلاف العراقيين في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ
الآية قال أهل التفسير: طعامه كل ما فيه وهو يشبه ما قال والله أعلم. هذه عبارته، وهي صريحة في حل الجميع وذكر في المنهاج أن السمك لا يقع إلا على الحوت.
فرع
: يجوز السلم فيه وفي الجراد حيا وميتا عند عموم الوجود ويوصف كل جنس بما يليق به. ولا يجوز بيع السمك في الماء، لما روى الإمام أحمد عن محمد بن السماك عن يزيد بن أبي زياد، عن المسيب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر». قال البيهقي: هكذا روي موقوفا وفيه إرسال بين المسيب وابن مسعود. والصحيح ما رواه هشيم عن يزيد موقوفا، عن عبد الله أنه كره بيع السمك في الماء.
فرع
: ما يعيش في البر والبحر: الضفدع والتمساح والحية واللجأة والسرطان والسلحفاة والحلزون والدعاميص والأصداف والنسناس. أما الستة الأولى فمحرمة. وأما الحلزون فتقدم حكمه في باب الحاء المهملة. وأما الدعاميص فعلى قول القاضي: أنها ماء منعقد، ولا يعيش إلا في الماء يحل أكلها، وعلى قول الجاحظ: يحرم لأن البعوض حرام. وقد تقدم بيان حكمها في باب الدال المهملة. والصدف حرام كما تقدم في السرطان. وفي النسناس خلاف يأتي إن شاء الله تعالى في باب النون.
الخواص : لحمه بارد رطب أجوده البحري المرقش الظهر الصغير المفلس منفعته تخصيب الأبدان المعرقة، لكنه يعطش ويولد خلطا بلغميا يوافق أصحاب الأمزجة الحارة والشباب وأجود ما أكل في الصيف وفي البلاد الحارة. وأنواع السمك كثيرة، ويكره من جملتها الأسود والأصفر والآجامي وما اغتذى بالحمأة. ويكره الابراميس والبوري لمضرتهما بالمعدة، وإطلاقهما البطن، وتحريكهما الأوجاع والغضب بعد أكلهما يورث أمراضا رديئة، وسمك الأنهار كثير الشوك، رقيقه كثير الرطوبة والبحري بالضد. والسلور وهو الجري كثير الغذاء ملين للبطن وينقي قصبة الرئة
ويصفي الصوت. والمارماهيج يزيد في المني وشحم الكلى. والعظيم الجثة من السمك كثير الغذاء والفضول. وقال ابن سينا: لحم السمك نافع لماء العين، ويحد البصر مع العسل. وقال غيره يزيد في الباه وقال القزويني: إن أكل الطري منه مع البصل الرطب يهيج الباه، ويزيد فيه إذا أكله حارا. والسمك إذا شمه السكران يرجع إليه عقله، ويزول عنه سكره. ومرارته ومرارة السلحفاة البحرية، إذا خلطتا وكتب بهما على كاغد بقلم حديد، فإن الكتابة ترى بالليل كأنها ذهب ومرارة السمك والكركي والحجل تمنع نزول الماء اكتحالا. ومرارة السمك إذا شربت نفعت من الخفقان، وكذلك إذا نفخت في الحلق مع شيء من السكر.
التعبير : السمك في الرؤيا إذا عرف عدده إلى أربع فهو نساء، وإن كان أكثر من أربع فهو مال وغنيمة لقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا
وهو السمك.
والحوت يعبر بوزير الملك، والسمك جنده فمن أخذ سمكا نال من جند الملك مالا، ومن رأى كأنه يصطاد السمك في بئر فإنه لوطي، أو يبيع خادمه لإنسان. وقالت النصارى: صيد السمك في الماء الكدر لا خير فيه. ومن رأى أنه يصيد السمك في الماء الصافي، فإنه يسمع كلاما يسر به، والسمك للمريض الملازم للفراش دليل رديء بسبب الرطوبات، وإذا رآه المسافر في فراشه دل على شدة، وربما يخشى على صاحب الرؤيا من الغرق، لأنه قد ضاجعه. ومن رأى كأنه يصيد السمك من الماء الصافي، فإنه يرزق ولدا سعيدا، والسمك المالح هم من قبل السلطان، وذلك لكبس بعضه فوق بعض وقيل: السمك المالح يدل على خير ومال باق، لأن الملح يحفظ السمك من التلف وقيل: إنه هم من قبل المماليك، والسمك المشوي يدل على سفر في طلب علم. ومن رأى سمكة خرجت من فرجه، وله امرأة حامل، بشر بجارية. وإن رأى سمكا كثيرا، وبينها سمكة عظيمة ويرى أكبر السمك قد صلبت، فإن الجائر والباغي يهلك. والسمك المقلي يدل على إجابة دعوة من رآه لأن عيسى ﵊ دعا الله فأجيب بالسمك المقلي في المائدة.
ورؤية الكبار من السمك غنائم وأموال، والصغار هموم وأحزان، لأن شوك الصغار أكثر من لحمه ويشق على آكله.
فصل : الحوت تدل رؤيته على اليمين لأن الله تعالى أقسم به، فقال ن وَالْقَلَمِ
وربما دلت رؤيته على معبد الصالحين، ومسجد المتعبدين، لأن يونس ﵇ كان يسبح الله تعالى في بطنه، وربما دلت رؤيته على الغم والنكد، وزوال المنصب وحلول الغضب، لأن الله تعالى حرم على اليهود صيدهم يوم السبت، فخالفوا أمره فاستوجبوا بذلك اللعن. ورؤية حوت يونس ﵇ أمن للخائف، وغنى للفقير، وفرج لمن هو في شدة. وكذلك رؤية سجن يوسف والكهف والرقيم وتنور نوح ﵇.
فصل
: واعتبر من السمك الطري والحلو والمالح، وما له شوك وما له سلاح، وما يقدد منه وما يأوي البحر العذب، وما يأوي البحر الملح، وما له صوت يسمع، وما يطفو على وجه الماء، من صغاره وكباره وما له شبه في البر، وما يأنس منه في البيوت، وما يمسك منه باليد من غير آلة.
وأعطى الرائي حقه من ذلك، فمن رأى أنه اصطاد من البحر سمكا طريا حلوا بآلة، دل على الكسب الحلال، والسعي فيه واقتناء الرزق الحلال، والصيد للرجل دال على احتياله برأيه وجهده، فإن كان الرائي أعزب تزوج، وإن كان متزوجا رزق ولدا على قدر ما صاده في المنام.
وصيد المرأة يدل على مال تحرزه من زوجها أو أبيها. وصيد العبد دليل على ما يتناوله من مال سيده، وصيد الصغير دليل على ما يحفظه من علم أو صناعة أو مال يرثه من أبويه، فإن كانت آلة صيده شباكا أو خطاطيف أو ما يعمق في البحر، كان ذلك شدة ينالها الرائي وخطرا يرتكبه، فإن كانت آلة صيده خفيفة، وطلع فيها ما يطلع في غيرها من الآلات الثقال، دل على بسط الرزق وتسهيل الأمور، وإن طلع في الآلات الثقال ما يطلع في السهلة، دل على التعب والنصب وعلى اليسير من الرزق، فإن طلع له سمك كثير فإنه رزق مما دل عليه البحر. وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى فيما يدل عليه البحر، في باب الفاء في فرس البحر. فإن كان البحر مالحا نال فائدة أو علما من أعجمي أو مبتدع. فإن كان ما صاده له شوك وقشر كانت فضة محرزة أو ذهبا، فإن كان ليس له قشر دل على أعمال باطلة لا تتم وذلك لسرعة انصرافه من الأيدي وملوسته.
وإن كان للسمك سلاح كالشال والشلبا، دل على انتصاره على أعدائه، وربما صادق أهل الشرّ، فإن كان ممن يقدد فهي بضاعة لأرباب البضائع، وإن رأى سمك البحر الحلو ينتقل إلى البحر الملح، أو سمك الملح ينتقل إلى الحلو، دل على النفاق في الجيش واختلاف العامة فيما جرت به العوائد، من حدوث مظلمة، أو ظهور بدعة.
فإن رأى السمك طافيا على وجه الماء، دل على تسهيل الأمور وقرب البعيد وإظهار الأسرار وإخراج المخبآت، أو مال أصله من ميراث. فإن رأى عنده سمكا صغارا وكبارا، دل على الاهتمام بالأفراح والأحزان، أو ما يوجب الاجتماع بين الجيد والرديء.
فإن رأى عنده سمكا، مما يشبه خلق الآدمي أو الطير، دل على التعرف بالتجار المترددين في البر والبحر، أو التراجمة العارفين بالألسنة، أو المتخلقين بالأخلاق المرضية، ويعتبر ذلك بالشبه، فإن رأى عنده شيئا مما يأنس للإنسان أو يربى في البيوت كاللجأة والقرموط، وما أشبههما كان دليلا على الإحسان للأيتام والغرباء.
فإن رأى أنه أخذ السمك من قاع البحر، فإنه ربما طالت يده في صناعته وحصل له رزق طائل، أو تعرض لأموال السلاطين، أو صار لصا أو جاسوسا، فإن انكشف البحر وتناول سمكا أو جوهرا اطلع على علم من غيب الله تعالى، باطلاع الله تعالى له، واتضح له الدين واهتدى إلى السبيل، وكانت عاقبة أمره في ذلك عقبى حسنة. فإن عاد السمك منه إلى البحر صحب الأولياء واطلع منهم على ما لم يطلع عليه أحد، وإن نوى سفرا وجد رفقة يوافقونه ويرتفق بهم ويرجع إلى مكانه سالما غانما والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع