تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الصّرد

كرطب، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو مهمل الحروف، على وزن جعل، وكنيته أبو كثير وهو طائر، فوق العصفور يصيد العصافير، والجمع صردان، قاله النضر بن شميل، وهو أبقع ضخم الرأس، يكون في الشجرة. نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم المنقار، له برثن عظيم، يعني أصابعه عظيمة لا يرى إلا في سعفة أو شجرة، لا يقدر عليه أحد، وهو شرس النفس شديد النفرة، غذاؤه من اللحم وله صفير مختلف، يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته، فيدعوه إلى التقرب منه، فإذا اجتمعوا إليه، شد على بعضهم وله منقار شديد، فإذا نقر واحدا قده من ساعته، وأكله، ولا يزال هذا دأبه. ومأواه الأشجار ورؤوس القلاع، وأعالي الحصون.

فائدة : نقل الإمام العلامة أبو الفرج بن الجوزي، في المدهش، في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ

الآية، عن ابن عباس والضحاك، ومقاتل ﵃، قالوا: إن

موسى ﷺ، لما أحكم التوراة وعلم ما فيها، قال في نفسه: لم يبق في الأرض أحد أعلم مني، من غير أن يتكلم مع أحد، فرأى في منامه كأن الله تعالى أرسل السماء بالماء، حتى غرق ما بين المشرق والمغرب، فرأى قناة على البحر، فيها صردة، فكانت الصردة تجيء للماء الذي غرق الأرض، فتنقل الماء بمنقارها، ثم تدفعه في البحر، فلما استيقظ الكليم هاله ذلك، فجاءه جبريل، فقال:

ما لي أراك يا موسى كئيبا! فأخبره بالرؤيا، فقال: إنك زعمت أنك استغرقت العلم كله، فلم يبق في الأرض من هو أعلم منك، وإن لله تعالى عبدا علمك في علمه، كالماء الذي حملته الصردة بمنقارها، فدفعته في البحر. فقال: يا جبريل من هذا العبد؟ قال: الخضر بن عاميل من ولد الطيب، يعني إبراهيم الخليل ﷺ، فقال: من أين أطلبه؟ قال: اطلبه من وراء هذا البحر. فقال:

من يدلني عليه؟ قال. بعض زادك. قالوا: فمن حرصه على لقياه لم يستخلف على قومه، ومضى لوجهه، وقال لفتاه يوشع بن نون: هل أنت موازري؟ قال: نعم. قال: اذهب فاحمل لنا زادا، فانطلق يوشع، فاحتمل أرغفة وسمكة مالحة عتيقة، ثم سارا في البحر، حتى خاضا وحلا وطينا، ولقيا تعبا ونصبا، حتى انتهيا إلى صخرة ناتئة في البحر، خلف بحر أرمينية، يقال لتلك الصخرة قلعة الحرس، فأتياها فانطلق موسى ليتوضأ، فاقتحم مكانا، فوجد عينا من عيون الجنة، في البحر، فتوضأ منها وانصرف، ولحيته تقطر ماء.

وكان ﵊ حسن اللحية، ولم يكن أحد أحسن لحية منه، فنفض موسى لحيته، فوقعت قطرة منها على تلك السمكة المالحة، وماء الجنة لا يصيب شيئا ميتا إلا عاش، فعاشت السمكة ووثبت في البحر، فسارت وصار مجراها في البحر سربا يبسا، ونسي يوشع ذكر السمكة، فلما جاوزا، قال موسى لفتاه آتِنا غَداءَنا

الآية فذكر له أمر السمكة، فقال له:

ذلك الذي نريده فرجعا يقصان أثرهما، فأوحى الله تعالى إلى الماء فجمد، وصار سربا على قامة موسى وفتاه، فجرى الحوت أمامهما حتى خرج إلى البر وسار، فسار مسيره لهما جادة، فسلكاها فناداهما مناد من السماء، أن دعا الجادة فإنها طريق الشياطين إلى عرش ابليس، وخذا ذات اليمين، فأخذا ذات اليمين حتى انتهيا إلى صخرة عظيمة، وعندها مصلى، فقال موسى ﵇: ما أحسن هذا المكان! ينبغي أن يكون للعبد الصالح، فلم يلبثا أن جاء الخضر ﵇، حتى انتهى إلى ذلك المكان والبقعة، فلما قام عليها اهتزت خضراء، قالوا: وإنما سمي الخضر، لأنه لا يقوم على بقعة بيضاء إلا صارت خضراء. فقال موسى ﵊:

السلام عليك يا خضر. فقال: وعليك السلام يا موسى، يا نبي بني إسرائيل. فقال: ومن أدراك من أنا؟ قال: أدراني الذي دلك على مكاني، فكان من أمرهما ما كان، وما قصه القرآن العظيم انتهى.

وقد تقدم ذكرهما أيضا في باب الحاء المهملة في الحوت، ونقلنا الخلاف في اسم الخضر ونسبه ونبوته، قال القرطبي: ويقال له الصرد الصوام.

روينا في معجم عبد الغني بن قانع، عن أبي غليظ أمية بن خلف الجمحي، قال: رآني

رسول الله ﷺ، وعلى يدي صرد، فقال ﷺ: هذا أول طير صام، ويروى أنه أول طير صام يوم عاشوراء. وكذلك أخرجه الحافظ أبو موسى. والحديث مثل اسمه غليظ، قال الحاكم: وهو من الأحاديث التي وضعها قتلة الحسين ﵁، رواه عبد الله بن معاوية بن موسى عن أبي غليظ قال: رآني رسول الله ﷺ وعلى يدي صرد، فقال: هذا أول طائر صام عاشوراء. وهو حديث باطل رواته مجهولون.

فائدة : قيل: لما خرج ابراهيم ﷺ من الشأم، لبناء البيت، كانت السكينة معه والصرد، فكان الصرد دليله على الموضع، والسكينة بمقداره، فلما صار إلى موضع البيت، وقفت السكينة في موضع البيت، ونادت ابن يا ابراهيم على مقدار ظلي. قال جماعة من المفسرين: إن الله تعالى خلق موضع البيت قبل خلق الأرض بألفي عام فكان زبدة بيضاء على الماء، فدحيت الأرض من تحتها، فلما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض، استوحش، فشكا إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى له البيت المعمور، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة، له بابان من زبرجد أخضر، باب شرقي وباب غربي، فوضع على موضع البيت، وقال: يا آدم إني أهبطت إليك بيتا تطوف به، كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي، وأنزل الحجر الأسود، وكان بياضه أشد من اللبن، فاسود من لمس الحيض في الجاهلية، فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشيا، وقيض الله له ملكا يدله على البيت، فحج آدم البيت وأقام المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.

وروي أن آدم ﵇ حج أربعين حجة من الهند إلى مكة ماشيا وكان البيت على ذلك إلى أيام الطوفان، فرفعه الله إلى السماء الرابعة، وبعث جبريل ﵇ فخبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق، فكان موضع البيت خاليا إلى زمن ابراهيم ﵊.

ثم إن الله تعالى أمر ابراهيم بعدما ولد له اسماعيل ﵊ ببناء بيت يذكر فيه، فسأل الله أن يبين له موضعه، فبعث الله السكينة لتدله على موضع البيت، وهي ريح خجوج لها رأسان، شبه الحية، وقيل: الخجوج الريح الشديدة الهفافة البراقة، لها رأس كرأس الهرة وذنب كذنبها، ولها جناحان من در وزبرجد، وعينان لهما شعاع، وقال علي ﵁:

هي ريح خجوج هفافة لها رأسان، ووجه كوجه الانسان، أمر إبراهيم ﵇ أن يبني حيث تستقر السكينة، فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة فتطوقت السكينة على موضع البيت، كتطوق الحية.

قاله علي والحسن ﵄، وقال ابن عباس ﵄: بعث الله سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم ﵇ يمشي في ظلها، إلى أن وافت به مكة المشرفة، ووقفت عند البيت المعظم، فنودي منها إبراهيم ﵇: ابن على ظلها ولا تزد ولا تنقص.

وقيل: أرسل الله جبريل ﵇ فدله على موضع البيت، وقيل كان دليله الصرد، كما تقدم. فكان ابراهيم يبني، واسماعيل يناوله الحجارة، فبناه من خمسة أجبل: طور سينا وطور زيتا ولبنان، وهي جبال بالشام، والجودي، وهو جبل بالجزيرة، وبنيا القواعد من حراء، وهو جبل بمكة،

فلما انتهى ابراهيم إلى موضع الحجر الأسود، قال لابنه اسماعيل: ائتني بحجر حسن يكون للناس علما، فأتاه بحجر، فقال: ائتني بأحسن من هذا، فمضى اسماعيل ينظر حجرا، فصاح أبو قبيس: يا ابراهيم إن لك عندي وديعة فخذها، فأخذ الحجر الأسود فوضعه مكانه. وقيل: أول من بنى الكعبة آدم ﵇ واندرس زمن الطوفان، ثم أظهره الله تعالى لإبراهيم حتى بناه فذلك قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ

يعني أسسه واحدتها قاعدة وقال الكسائي: يعني جدره.

الحكم : الأصح تحريم أكله، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه عبد الحق، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ «نهى عن قتل النحلة والنملة والهدهد والصرد» والنهي عن القتل دليل على الحرمة، ولأن العرب تتشاءم بصوته وشخصه. وقيل: إنه يؤكل لأن الشافعي أوجب فيه الجزاء على المحرم، إذا قتله وبه قال مالك. قال الإمام العلامة القاضي أبو بكر بن العربي: إنما نهى النبي ﷺ عن قتله، لأن العرب كانت تتشاءم به، فنهى عن قتله ليخلع عن قلوبهم ما ثبت فيها من اعتقادهم الشؤم فيه، لا إنه حرام. وذكره العبادي، في الطبقات أيضا.

عجيبة : حكى منصور بن الحسين الآبي، في نثر الدرر، أن أعرابيا سافر ابنه ثم أتاه، فقال له أبوه: ما رأيت في طريقك؟ قال: جئت السقاء مرة أشرب، فصاح الصرد فقال: اتركها وإلا فلست بابني! قال: فتركتها. قال: ثم أخذني العطش فأتيت إليها ثانيا فصاح الصرد فقال: اتركها وإلا فلست بابني! قال: فتركتها، ثم زادني العطش فأتيت إليها ثالثا فصاح الصرد فقال: قدها بسيفك وإلا فلست با بني! قال: كذلك فعلت. قال: هل رأيت الحية داخلها؟ قال: نعم قال:

الله أكبر.

قال: وسافر ولد أعرابي ثم أتى إليه فقال: أخبرني ماذا رأيت في طريقك؟ قال: رأيت طائرا على أكمة. فقال الصرد: أطره وإلا لست أباك! قال: فأطرته، قال: ثم ماذا؟ قال: سقط على شجرة فقال: أطره وإلا لست أباك! قال: كذلك فعلت. قال: ثم ماذا؟ قال: سقط على صخرة قال: اقلبها وإلا لست أباك. قال: كذلك فعلت. قال: اعطني سهمي مما وجدت تحتها، وكان تحتها كنز أخذه ولده، فأعطاه سهمه منه.

التعبير : هو في المنام يدل على رجل مراء يظهر الخشوع نهارا ويفجر ليلا. وقيل: هو من قطاع الطريق يجمع أموالا كثيرة ولا يخالط أحدا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.